الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الحروف التي يتلقى بها القسم، وأحكامها]
قال ابن مالك: فصل (المقسم عليه جملة مؤكّدة بالقسم تصدّر في الإثبات بلام مفتوحة، أو «إنّ» مثقلة أو مخفّفة، ولا يستغنى عنها غالبا دون استطالة، وتصدّر في الشّرط الامتناعيّ بـ «لو» و «لولا»، وفي النّفي بـ «ما»، أو «لا»، أو «إن»، وقد تصدّر بـ «لن» أو «لم» وتصدّر بالطّلب بفعله أو بأداته، أو بـ «إلّا» أو «لمّا» بمعناها. وقد تدخل اللّام على «ما» النّافية اضطرارا، وإن كان أوّل الجملة مضارعا مثبتا مستقبلا غير مقارن حرف تنفيس ولا مقدّم معموله لم تغنه اللّام غالبا عن نون توكيد، وقد يستغنى بها عن اللّام، وقد يؤكّد المنفيّ بـ «لا»، ويكثر حذف نافي المضارع المجرّد مع ثبوت القسم ويقلّ مع حذفه، وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللّبس، ويكثر ذلك لتقدّم نفي على القسم وقد يكون الجواب مع ذلك مثبتا، وقد يحذف لأمن اللّبس نافي الجملة الاسميّة وقد يكون الجواب قسما).
ــ
من ظل حصاة. أما الرواية فحديثة الميلاد قريبة الإسناد لم تستند إلى علماء نحارير، ولا إلى أعلام معروفين، وأما الدراية فثمد (1) لا يبلغ أفواها وبرض (2) لا يبل شفاها
…
إلى آخر ما قاله. فلينظر إلى تأدب هذا الرجل، واستصغاره نفسه وامتثال قوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (3).
وبعد: فرضي الله تعالى عنهم أجمعين، وحشرنا في زمرة محمد سيد المرسلين، في خير وعافية بمنه وكرمه؛ إنه على كل شيء قدير.
قال ناظر الجيش: قد عرف من قولهم في حد القسم: إنه جملة يؤكد بها جملة؛ أنّ الجواب لا يكون إلا جملة؛ لأنه هو المؤكد بجملة القسم. قال ابن عصفور في شرح الجمل (4):
وزعم أبو الحسن أن جواب القسم قد يكون لام «كي» مع الفعل نحو قولك: -
(1) بإسكان الميم وفتحها: الماء القليل لا مادّ له.
(2)
القليل من الماء.
(3)
سورة النجم: 32.
(4)
انظر الكتاب المذكور (1/ 520).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تالله ليقوم زيد، قال: فعلى هذا قد يكون الجواب من قبيل المفردات؛ لأن لام «كي» إنما تنصب بإضمار «أن»
و «أن» وما بعدها يتأول بالمصدر فكأنك قلت:
تالله للقيام؛ إلا أن العرب أجرت ذلك مجرى الجملة لجريان الجملة بالذكر بعد لام «كي» فوضعت لذلك ليفعل موضع «ليفعلن» . وقال في شرح الإيضاح: عند ذكره الحروف التي يلتقي بها القسم: وزعم أبو الحسن الأخفش أن العرب قد تتلقى القسم بلام «كي» وحمل على ذلك قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ (1)، وقوله تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (2)، والمعنى عنده:
ليرضنكم ولتصغين، واستدل أبو علي في «العسكريات» (3) على صحة ما ذهب إليه يعني الأخفش يقول ابن عتاب الطائي:
2764 -
إذا قال قدني قال بالله حلفة
…
لتغني عنّي ذا إنائك أجمعا (4)
ثم قال أبو علي: فإن قيل: إن المقسم عليه إنما يكون جملة وليس هذا بجملة؛ لأن «أن» والفعل في تقدير اسم مفرد. قيل: إن ذلك لا يمنع من وقوعه موقع الجملة التي يقسم عليها وإن كان مفردا وذلك أن الفعل والفاعل اللّذين جريا في الصلة يسدّان مسد الجملة فيصير المجموع بمنزل الجملة وسادّا مسدّها كما كان ذلك في نحو قوله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا (5)، وكقولهم:
علمت أن زيدا منطلق، وكذلك قولهم: لو أنك جئتني أكرمتك [4/ 48]، وقولهم: أقائم زيد. لكن رجع أبو علي عن ذلك في «التذكرة» ، و «البصريات» وقال: إن ذلك لم يرد في كلام العرب، وإن الآيتين الشريفتين والبيت لا حجة للأخفش فيها. أما قوله تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ فاللام متعلقة بـ (يحلفون،) وليس القسم بمراد؛ إنما المراد الإخبار عنهم بأنهم يحلفون أنهم ما فعلوا ذلك ليرضوا بحلفهم المؤمنين. وأما قوله تعالى: وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ -
(1) سورة التوبة: 62.
(2)
سورة الأنعام: 113.
(3)
انظر: الكتاب المذكور (ص 132) تحقيق د/ محمد الشاطر، وانظر: الارتشاف (2/ 483)، والهمع (2/ 41).
(4)
من الطويل لحريث بن عناب، وانظره في: الخزانة (4/ 580)، والدرر (2/ 44)، وشرح المفصل (3/ 8)، والمغني (ص 210، 409)، والمقرب (2/ 77)، والهمع (2/ 41).
(5)
سورة العنكبوت: 2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (1) الآية الشريفة فإنه محمول على ما قبله من المصدر وهو غُرُوراً من قوله تعالى: يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً (2)؛ لأنه مفعول له والتقدير: للغرور ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه، والضمير في (إليه) عائد على زُخْرُفَ الْقَوْلِ (3).
وأما بيت ابن عتاب فرواه أبو علي في «البصريات» :
2765 -
إذا قلت قدني قلت [بالله] حلفة
…
... البيت
ولا حجة فيه على هذه الرواية لاحتمال أن يكون «لتغني» متعلقا بالبيت ولم يرد القسم، وإنما أراد أن يخبر مخاطبه أنه قد آلى كي يشرب جميع ما في إنائه، ورواه ثعلب:(لتغنين عني).
قال: وهذا إنما يكون للمرأة إلا أنه في لغة طيئ جائز وفي لغة غيرهم «لتغنين عني» واللام لام أمر أدخلها في المخاطب والتقدير: حلفت بالله حلفة كي يغني ذا إنائك.
ويجوز أيضا أن يكون المقسم عليه محذوفا لدلالة الحال عليه والتقدير: أغنينّ عني. قال: وهذه الرواية التي ذكرها ثعلب تدل على أن البيت لم يرد بها القسم وإنما أراد بها الإخبار بأنه آلى.
ورواه في «عسكرياته» : (قلت بالله حلفة).
ولا حجة فيه أيضا على هذه الرواية؛ لاحتمال أن يكون بالله متعلقا بفعل مضمر لا يراد به القسم بل الإخبار ويكون قوله: «لتغني» متعلقا به والتقدير: بالله حلفت حلفة كي تغني عن ذا إنائك.
ويجوز أيضا أن يكون المقسم عليه محذوفا لدلالة الحال عليه، والتقدير: قال بالله حلف لتشربن لتغني عني؛ فيكون إذ ذاك نحو ما حكى أبو الحسن من قولهم:
أما والله، ويحذفون ما يقسمون عليه قال: وعلى هذا الوجه حمل أبو علي البيت في تذكرته. هذا ما ذكره في شرح الإيضاح (4). -
(1) سورة الأنعام: 113.
(2)
سورة الأنعام: 112.
(3)
الإغفال (1/ 79)، والتذييل (4/ 57)، والهمع (2/ 41).
(4)
الارتشاف (2/ 483)، والمغني (ص 210، 409).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والظاهر أن الأولى في تخريج البيت ما خرّجه أبو علي في «التذكرة» وهو أن الجواب محذوف تقديره: لتشربن.
ثم اعلم أن ابن عصفور ذكر في شرح الجمل (1): أن الحروف التي تعلق المقسم به بالمقسم عليه - أي تربط الجواب بالقسم - أربعة: حرفان في الإيجاب وهما «أن واللام» ، وحرفان في النفي وهما «ما ولا» ؛ وذلك أن الجملة إما اسمية وإما فعلية؛ فالاسمية إن كانت موجبة فالرابط «إن واللام» ، أو «إن» وحدها، أو اللام وحدها نحو: والله إن زيد لقائم، و: والله إن زيدا قائم، و: والله لزيد قائم، وإن كانت منفية نفيت بـ «ما» نحو: والله ما زيد قائم. والفعلية ثلاثة أقسام: مصدرة بفعل ماض، ومصدرة بفعل هو حال، ومصدرة بفعل مستقبل. فالماضي إن كان منفيّا نفي بـ «ما» نحو: والله ما قائم زيد، وإن كان موجبا؛ فإما قريب من زمن الحال، أو بعيد منه؛ فالقريب يتلقى بـ «اللام وقد» نحو: والله لقد قام زيد، والبعيد يتلقى باللام وحدها نحو: والله لقام زيد. قال الشاعر:
2766 -
حلفت لها بالله حلفة فاجر
…
لناموا فما إن من حديث ولا صال (2)
قال: ومن الناس من يقدر «قد» إذا ورد الفعل باللام وحدها. وليس ذلك بصحيح.
وأما المستقبل فإن كان منفيّا نفي بـ «لا» نحو: والله لا يقوم زيد، وقد يحذف النافي؛ لأن حذفه لا يوقع في لبس المثبت وإن كان موجبا فالرابط اللام ونون التوكيد الشديدة أو الخفيفة؛ نحو: والله ليقومن زيد، ولا يجوز حذف النون وإبقاء اللام ولا حذف اللام وإبقاء النون إلا في الضرورة.
وأما الفعل الذي هو حال: فمن الناس من قال: إنه لا يقسم عليه، لأن مشاهدته تغني عن الإقسام عليه، وهو باطل؛ لأنه قد يعوق عن مشاهدته عائق فيحتاج إذ ذاك إلى القسم، فالصحيح أنه يجوز أن يقسم عليه، فإن كان منفيّا نفي بـ «ما» خاصة نحو: والله ما يقوم زيد، ولا يجوز حذفها وإن كان موجبا وجب أن يبنى من الفعل اسم فاعل ويصيّر خبرا لمبتدأ، ثم يقسم على الجملة الاسمية فتقول: والله إن زيدا -
(1) شرح الجمل: (1/ 526).
(2)
من الطويل لامرئ القيس - ديوانه (ص 32)، والدرر (1/ 96)، (2/ 48)، والمغني (ص 173، 436، 636)، والهمع (1/ 124)، (2/ 42) هذا والفاجر - هنا -: الكاذب، والصالي: الذي صلي بالنار.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لقائم، أو إن زيدا قائم، أو لزيد قائم. قال (1): وإنما لم يجز أن تبقي الفعل على لفظه وتدخل اللام؛ لأنك لو قلت:
والله ليقوم زيد؛ لم تدر هل «يقوم» خبر «إن» ، أو جواب للقسم. ولا يجوز إدخال النون فارقة؛ لأن النون تخلص للاستقبال، وقد تدخل عليه اللام وحدها ولا يلتفت إلى اللبس إلا أن ذلك قليل جدّا بابه الشعر؛ قال الشاعر:
2767 -
تألّى ابن أوس حلفة ليردّني
…
إلى نسوة كأنّهنّ مفائد (2)
قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها؛ فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو أن نحو: والله أن لو زيد قائم لقام عمرو، ولا يجوز الإتيان باللام كراهة الجمع بين لام القسم ولام «لو» فلا يجوز: والله للو قام زيد قام عمرو (3). انتهى كلام ابن عصفور رحمه الله تعالى.
وما ذكره هنا مطابق لما ذكره في «المقرب» لكنه ذكر في المقرب مسألتين لم يتعرض لذكرهما في «شرح الجمل» :
الأولى: أن اللام قد لا تذكر مع الفعل الماضي إذا طال الكلام نحو قوله تعالى:
وَالشَّمْسِ وَضُحاها (4) ثم قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (5).
الثانية: أن الفعل المستقبل تدخل عليه في الإيجاب اللام وحدها إن فصل بينها وبين الفعل نحو قوله تعالى: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (6)، وإذ قد ذكر هذا فلنورد كلام المصنف [4/ 49] وحينئذ يظهر ما بين الكلامين من التوافق والتخالف، وإنما بدأت بكلام ابن عصفور؛ لأنه أقرب إلى ضبط مسائل الفصل.
قال المصنف رحمه الله تعالى (7): تصدير الجملة الاسمية المقسم عليها بلام مفتوحة كقوله تعالى: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (8)، وكقول حسّان رضي الله تعالى عنه: -
(1) شرح الجمل (1/ 528).
(2)
من الطويل لزيد الفوارس بن حصين، والمفائد: جمع مفأد وهو الخشبة التي يحرك بها التنور.
وانظره في الخزانة (4/ 218)، والدرر (2/ 46)، وشرح المرزوقي (2/ 557)، والمقرب (1/ 206) والهمع (2/ 42) ثم شرح الجمل (1/ 378، 379).
(3)
شرح الجمل (1/ 529).
(4)
سورة الشمس: 1.
(5)
سورة الشمس: 9.
(6)
سورة آل عمران: 158، وانظر: المقرب (1/ 205، 206).
(7)
شرح التسهيل لابن مالك (3/ 205).
(8)
سورة مريم: 70.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
2768 -
فلئن فخرت بهم لمثل قديمهم
…
فخر اللّبيب به على الأقوام (1)
وتصديرها بـ «إن» مثقلة كقوله تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (2)، وتصديرها بالمخففة كقوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (3)، ويستغنى عنهما قليلا دون استطالة في المقسم به كقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه:«والله أنا كنت أظلم منه» (4)، والأصل: لأنا؛ فحذفت اللام، والمقسم به اسم لا استطالة فيه بصلة، ولا عطف؛ فلو كان فيه استطالة لحسن الحذف، وكان جديرا بكثرة النظائر كقول بعض العرب: أقسم بمن بعث النبيين مبشرين ومنذرين وختم بالمرسل رحمة للعالمين هو سيدهم أجمعين صلى الله عليه وسلم، ومثله قول ابن مسعود (5) رضي الله تعالى عنه:
«والّذي لا إله غيره هذا مقام الّذي أنزلت عليه سورة البقرة» (6) صلى الله عليه وسلم، والأصل:
لهذا؛ فحذفت اللام؛ لاستطالة القسم والخبر بالصلتين، ومنه قول الشاعر:
2769 -
وربّ السّموات العلى وبروجها
…
والأرض وما فيها المقدّر كائن (7)
أراد: للمقدر كائن؛ فحذفت؛ لاستطالة القسم بالعطف، ومن التصدير بـ «لو» قول سويد بن كراع (8):
2770 -
فتالله لو كنّا الشّهود وغبتم
…
إذا لملأنا جوف جيرانهم دما (9)
ومن التصدير بـ «لولا» قول عبد الله بن الزبير (10): -
(1) من الكامل وهو في ديوانه (ص 391).
(2)
سورة الليل: 4.
(3)
سورة الطارق: 4.
(4)
أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي (62)، وانظر شواهد التوضيح (ص 163)، والهمع (2/ 42).
(5)
عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي من أكابر الصحابة فضلا وعقلا وقربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من جهر
بقراءة القرآن بمكة وهو «وعاء مليء علما» - له في الصحيحين (848) حديثا (ت 32 هـ) الحلية (1/ 124)، وصفة الصفوة (1/ 154).
(6)
أخرجه البخاري: كتاب الحج (25)، وباب رمي الجمار (135)، وابن حنبل (2/ 68)، وابن ماجة: مناسك (64)، ومسلم: قسامة (26).
(7)
من الطويل - وانظر الدرر (2/ 49)، والمغني (ص 591)، والهمع (2/ 42).
(8)
العكلي من بني الحارث بن عوف شاعر مقدم في العصر الأموي - الأغاني (11/ 123) والجمحي (143، 147) وما بعدها.
(9)
من الطويل - الدرر (2/ 50)، والهمع (2/ 43).
(10)
ابن العوام القرشي أول مولود في المدينة بعد الهجرة بويع بالخلافة (64 هجرية)(ت 73 هـ)، الأعلام (4/ 218)، والحلية (1/ 329)، وفوات الوفيات (1/ 210).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
2771 -
فو الله لولا خشية النّار بغتة
…
عليّ لقد أقبلت تجري معولا (1)
ونبهت بقولي: (وفي النفي بـ «ما، أو لا، أو إن») على أن البواقي المخصوصة بجواب القسم هي الثلاثة التي لا تختص بفعل ولا اسم وهي: «ما، ولا، وإن» بخلاف «لم، ولن، ولما» ؛ فإنها مخصوصة بالفعل، فأرادوا أن يكون ما ينفى به الجواب مما لا يمتنع دخوله على الاسم؛ لأن ما لا يمتنع دخوله على الاسم يجوز دخوله على الفعل، والجواب قد يصدر بكل واحد منها فلذلك لم ينف جواب القسم دون ندور بغير الثلاثة التي لا تختص إلا أن المنفي بها في القسم لا يتغير عما كان عليه دون قسم إلا إن كان فعلا موضوعا للمضي فقد يتحدد له الانصراف إلى معنى الاستقبال؛ فمن ورود ذلك في المنفي بـ «ما» قوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ (2)، ومن وروده في المنفي بـ «لا» قول الشاعر:
2772 -
ردوا فو الله لأذدانكم أبدا
…
ما دام في مائنا ورد لنزّال (3)
ومن ورود ذلك في المنفي بـ «إن» قول الله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (4) وندر نفي الجواب بـ «لن» في قول أبي طالب (5):
2773 -
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
…
حتّى أوارى في التّراب دفينا (6)
وندر أيضا نفي الجواب بـ «لم» فيما حكى الأصمعي أنه قال لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة (7).
ومثال تصدير جملة الجواب في الطلب بفعل طلب قول الشاعر:
2774 -
بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة
…
أبى غير ما يرضيك في السّرّ والجهر (8)
-
(1) من الطويل - التذييل (7/ 146)، والكافية الشافية (ص 332).
(2)
سورة البقرة: 145.
(3)
من البسيط - الدرر (2/ 45)، والهمع (2/ 41).
(4)
سورة فاطر: 41.
(5)
عبد مناف بن عبد المطلب عم النبي عليه السلام (ت 3 ق. هـ) الأعلام (4/ 315).
(6)
من الكامل - ديوانه (ص 4)، والدرر (2/ 45)، والمغني (ص 285، 618)، والهمع (2/ 41).
(7)
الكافية الشافية (2/ 849)، والهمع (2/ 41).
(8)
من الطويل - الدرر (2/ 45) برواية «بعينيك» والمغني (ص 584)، والهمع (2/ 41).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثال تصديرها بأداة طلب قول الشاعر:
2775 -
بربّك هل للصّبّ عندك رأفة
…
فيرجو بعد اليأس عيشا مجدّدا (1)
ومثال تصديرها بـ «إلا» قوله:
2776 -
بالله ربّك إلّا قلت صادقة
…
هل في لقائك للمشغوف من طمع (2)
ومثال تصديرها بـ «لما» التي بمعنى «إلا» قول الراجز:
2777 -
قالت له بالله يا ذا البردين
…
[لما] غنثت نفسا أو اثنين (3)
ولا تدخل اللام على جواب منفي إلا إذا نفي بـ «ما» ولا تدخل عليه وهو منفي بـ «ما» إلا في الضرورة كقول الشاعر:
2778 -
لعمرك يا سلمى لما كنت راجيا
…
حياة ولكنّ العوائد تحرق (4)
وإن صدرت الجملة المجاب بها القسم بفعل مضارع وكان مثبتا فإما أن يراد به الاستقبال، أو يراد به الحال؛ فإن أريد به الحال قرن باللام، ولم يؤكد بالنون؛ لأنها مخصوصة بالمستقبل.
فمن شواهد إفراد اللام لكون الحال مقصودا قول الشاعر:
2779 -
لئن تك قد ضاقت عليّ بيوتكم
…
ليعلم ربّي أنّ بيتي واسع (5)
ومثله:
2780 -
لعمري لأدري ما قضى الله كونه
…
يكون وما لم يقض ليس بكائن (6)
-
(1) من الطويل - الدرر (2/ 45)، والهمع (2/ 41).
(2)
البيت من البسيط وهو في الدرر (2/ 46)، والهمع (2/ 42).
(3)
غنث: شرب ثم تنفس، وقال الشيباني: هو ههنا كناية عن الجماع، وانظره في الدرر (2/ 46، 55) واللسان «غنث» والمغني (ص 281) والهمع (2/ 42، 45).
(4)
من الطويل - التذييل (7/ 151).
(5)
من الطويل للكميت بن معروف - الأشموني (3/ 215)، (4/ 30)، والخزانة (4/ 220، 545، 578)، والعيني (4/ 327)، والكافية الشافية (2/ 837).
(6)
من الطويل، وهو في التذييل والتكميل (7/ 152).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومثله:
2781 -
وعيشك يا سلمى لأوقر أنّني
…
لما شئت مستحل ولو أنّه القتل (1)
ومثله:
2782 -
يمينا لأبغض كلّ امرئ
…
يزخرف قولا ولا يفعل (2)
وإن أريد بالمضارع المثبت الاستقبال وقرن به حرف تنفيس أو قدم عليه معموله امتنع أيضا توكيده بالنون، ولزم جعل اللام مقارنة لحرف التنفيس أو للمعمول المتقدم، فمن مقارنتها لحرف التنفيس قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (3) ومنه قول الشاعر:
2783 -
فو ربّي لسوف يجزى الّذي أس
…
لفه المرء سيّئا أو جميلا (4)
ومن مقارنتها للمعمول المتقدم قول الله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (5)، ومن ذلك قول الشاعر:
2784 -
يمينا ليوما يجتني المرء ما جنت
…
يداه فمسرور (و)(6) لهفان نادم (7)
ومثله:
2785 -
جوابا به تنجو اعتمد فو ربّنا
…
لعن عمل أسلفت لا غير تسأل (8)
ومثله:
2786 -
قسما لحين تشبّ نيران الوغى
…
يلفى لديّ شفاء كلّ غليل (9)
فإن أريد بالمضارع المثبت الاستقبال وخلا من حرف تنفيس وتقدم معمول لزم في الغالب اقترانه باللام وتوكيده بالنون كقوله تعالى: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ -
(1) كالسابق.
(2)
انظره في التذييل (7/ 152).
(3)
سورة الضحى: 5.
(4)
من الخفيف وهو في التذييل (7/ 154) والتصريح (2/ 404) والكافية الشافية (2/ 835).
(5)
سورة آل عمران: 158.
(6)
الأصل: «أو» .
(7)
من الطويل، وانظر التذييل (7/ 54).
(8)
من الطويل - الأشموني (2/ 267)، والتصريح (2/ 50).
(9)
من الكامل وانظره في التذييل (7/ 154)، والكافية الشافية (2/ 836).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (1)، وقلت:(في الغالب) احترازا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليرد [نّ] عليّ أقوام أعرفهم [4/ 50] ويعرفوني» (2)، ومن قول الشاعر:
2787 -
تألّى ابن أوس حلفة ليردّني
…
إلى نسوة كأنّهنّ مفائد (3)
ومثل قول ابن رواحة (4) رضي الله عنه:
2788 -
فلا وأبي لنأتيها جميعا
…
ولو كانت بها عرب وروم (5)
فأفردت اللام والاستقبال مراد مع عدم حرف تنفيس وتقدم معمول، وفي ذكر الغالب أيضا احتراز من حذف اللام وثبوت النون كقول الشاعر:
2789 -
وقتيل مرّة أثأرنّ فإنّه
…
فرغ وإنّ أخاكم لن يثأرا (6)
وكقول آخر:
2790 -
وهم الرّجال وكلّ ملك منهم
…
تجدنّ في رحب وفي متضيق (7)
ومن أجل ندور إفراد اللام وإفراد النون قلت: لم تغنه اللام غالبا عن نون توكيد، وقد يستغنى بها عن اللام، وإن كان المضارع المجاب به القسم منفيّا لم يؤكد بالنون، إلا إن كان نفيه بـ «لا» ، فحينئذ قد يؤكد بها كقول الشاعر:
2791 -
تالله لا يحمدنّ المرء مجتنبا
…
فعل الكرام وإن فاق الورى حسبا (8)
والأكثر أن لا يؤكد كقوله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا (9)، واشترط في توكيد المنفي كونه منفيّا بـ «لا» لشبهه بفعل النهي، وقد فعل به ذلك في غير القسم كثيرا كقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً -
(1) سورة الأنبياء: 57.
(2)
أخرجه البخاري: كتاب الفتن (92)، ومسلم: فضائل (26)، وانظر: شواهد التوضيح (ص 162).
(3)
تقدم.
(4)
عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري صحابي يعدّ من الأمراء والشعراء الراجزين (ت 8 هـ) إمتاع الأسماع (1/ 270)، والحلية (1/ 118).
(5)
من الوافر - السيرة (ص 793)، واللسان «أوب» ، والمغني (ص 642).
(6)
من الكامل لعامر بن الطفيل، ورواية الديوان والدرر:«لم يقصد» - ديوانه (ص 10)، والدرر (2/ 47)، والمغني (ص 64)، والهمع (2/ 42).
(7)
من الكامل - التذييل (7/ 156).
(8)
من البسيط - الأشموني (3/ 215)، والتذييل (7/ 156).
(9)
سورة النحل: 38.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (1)، وكقول الشاعر (2):
2792 -
فلا الجارة الدّنيا لها تلحينها
…
ولا الضّيف عنها إن أقام محوّل (3)
ويكثر حذف الحرف النافي للمضارع المجرد من نون التوكيد كقوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ (4)، أي: تالله لا تفتؤ تذكر يوسف، وكقول حسّان رضي الله تعالى عنه:
2793 -
أقسمت أنساها وأترك ذكرها
…
حتّى تغيّب في الضّريح عظامي (5)
فلو كان المنفي مؤكدا بالنون مثل: «تالله لا يحمدن» لم يجز حذف نافيه؛ لأنه حينئذ لا دليل على أن النفي مراد، بل المتبادر إلى ذهن السامع أن الفعل مثبت كما هو في قول الشاعر:
2794 -
وقتيل مرّة أثأرنّ
…
...
…
وفي قول الآخر:
2795 -
ليت شعري وأشعرنّ إذا ما
…
قرّبوها منشورة ودعيت
ألي الفوز أم عليّ إذا حو
…
سبت إنّي على الحساب مقيت (6)
فلو لم يكن القسم مثبتا لم يجز حرف النافي للمضارع عاريا كان من النون أو مؤكدا بها. هذا هو الأصل، وقد يحذف حرف النفي والقسم محذوف إذا كان المعنى لا يصح إلا بتقدير النفي كقول النمر:
2796 -
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم
…
تلاقونه حتّى يؤوب المنخل (7)
أراد: والله لا تلاقونه، فحذف القسم وحرف النفي؛ لأن المعنى لا يصح -
(1) سورة الأنفال: 25.
(2)
من هامش المخطوط.
(3)
البيت من بحر الطويل وهو للنمر بن تولب، ولحاه أي: لامه، وفيه: توكيد الفعل المنفي، والبيت في شرح التسهيل لابن مالك (3/ 210) وشواهد العيني (4/ 342).
(4)
سورة يوسف: 85.
(5)
من الكامل - ديوان حسان بن ثابت (ص 362)، والتذييل (7/ 156).
(6)
من الخفيف للسموأل بن عادياء الغساني اليهودي - الأشموني (3/ 221)، والأصمعيات (ص 86)، والعيني (4/ 332)، هذا والضمير في قربوها يعود إلى الصحيفة في البيت قبله.
(7)
من الطويل، وانظر: الإصلاح (ص 393)، وتعليق الفرائد (ص 38) وجمهرة أشعار العرب (ص 110)، ومجمع الأمثال (1/ 193).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلا بتقديره، واحتيج إلى تقدير القسم؛ لأن تقديره مصحح لحذف حرف النفي؛ إذ لا يحذف مع غير زال وأخواتها إلا في جواب قسم بشرط كونه مضارعا مؤكدا بالنون، وقد يحذف نافي الماضي عند أمن اللبس كقول أمية بن أبي عائذ الهذلي (1):
2797 -
فإن شئت آليت بين المقا
…
م والرّكن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي
…
أمدّ به أمد السّرمد (2)
أراد: لا نسيتك فحذف النافي؛ لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره، ولأنه لو أراد الإثبات لقال: لقد نسيتك أو لنسيتك،
وهذا النوع مع ظهور المعنى دون تقدم نفي آخر على القسم قليل. فإن تقدم نفي كان الحذف أحسن كقول الشاعر:
2798 -
فلا والله نادى الحيّ ضيفي
…
هدوّا بالمساءة والعلاط (3)
أراد: فلا والله لا أنادي؛ فحذف النافي الثاني استغناء عنه بالأول، وقد يجتمعان توكيدا، كقول الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ (4)، وكقول أبي ذرّ (5):«فلا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين» (6)، وقد يكون الجواب مثبتا مع تقدم حرف نفي على القسم كقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (2) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (7)، وكقول عبد الله بن أبي رواحة رضي الله تعالى عنه:
2799 -
فلا وأبي لنأتيها جميعا
…
ولو كانت بها عرب وروم (8)
-
(1) شاعر إسلامي مخضرم وقيل: إنه من شعراء الدولة الأموية. الأغاني ط بولاق (20/ 115)، والخزانة (1/ 421)، والشعر والشعراء (2/ 667).
(2)
من المتقارب تعليق الفرائد (ص 37) برواية «لبيت» بدل «آليت» وهي غير منسجمة مع ما هنا، والدرر (2/ 49)، وشرح السكري (ص 493)، والمغني (ص 637)، والهمع (2/ 42).
(3)
من الوافر للمتنخل الهذلي. ديوان الهذليين (2/ 21)، والدرر (2/ 51)، والهمع (2/ 44) هذا والعلاط: الذكر السوء، و «ضيفي» ليس في الأصل.
(4)
سورة النساء: 65.
(5)
جندب بن جنادة بن سفيان من بني غفار، صحابي قديم الإسلام يضرب به المثل في الصدق، وهو أول من حيا رسول الله عليه السلام بتحية الإسلام روى له البخاري ومسلم (281) حديثا (ت 32 هـ) - الحلية (1/ 156)، وصفة الصفوة (1/ 238)، والكنى والأسماء (1/ 28).
(6)
أخرجه البخاري: زكاة (4)، وابن حنبل (5/ 176)، ومسلم: زكاة (34).
(7)
سورة البلد: 1 - 4.
(8)
تقدم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد يحذف لأمن اللبس نافي الجملة الاسمية كقول ابن رواحة رضي الله تعالى عنه:
2800 -
فو الله ما نلتم وما نيل منكم
…
بمعتدل وفق ولا متقارب (1)
أراد: ما نلتم وما نيل منكم بمعتدل، فحذف «ما» النافية وأبقى ما الموصولة وجاز ذلك لدلالة دخول الباء الزائدة في الخبر ولدلالة العطف بـ «ولا» ويجوز على مذهب الكوفيين أن تكون الباقية «ما» النافية المحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا على مذهب البصريين؛ لأنهم لا يجيزون بقاء الصلة بلا موصول في اللفظ وإن دل عليه دليل، ونبهت بقولي:(وقد يكون الجواب قسما) على نحو قوله تعالى:
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى (2)، فـ لَيَحْلِفُنَّ قسم جوابه إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وهو جواب قسم محذوف كأنه قيل: والله ليحلفن المنافقون إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون. انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (3).
ويتعين التنبيه فيه على أربعة أمور:
أحدها: أنه في متن الكتاب لم يقيد الجملة من قوله: المقسم عليه جملة مؤكدة إلى آخره بكونها اسمية، وكان الواجب أن يقيدها بذلك وكأنه استغنى عن التقييد بكونه ذكر بعد حكم الفعل الذي تصدر الجملة به في الربط حيث قال: وإن كان أول الجملة مضارعا، ثم قال: ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت إلى آخره. ولا شك أنه يعلم بهذا أن المراد بالجملة التي ذكرها قبل إنما هو الاسمية لا غيرها.
ثانيها: أن قوله: تصدر في الإثبات بلام مفتوحة [4/ 51] أو «إن» مثقلة أو مخففة يعطي أن الذي يؤتى به للربط في الجملة الاسمية الواقعة جوابا للقسم أحدهما، لا كلاهما، وقد عرفت أن اللام والنون يجتمعان أيضا؛ فاجتماعهما جائز، كما أن إفراد كل منهما جائز. وعلى هذا كان الواجب أن يقول: تصدر في الإثبات بلام مفتوحة، أو بـ «إن» أو بهما.
ثالثها: أن قوله: وتصدر في الشرط الامتناعي بـ «لو» أو «لولا» يقتضي أن جملة الشرط -
(1) من الطويل تعليق الفرائد (ص 38)، والدرر (1/ 68)، (2/ 49) والمغني (ص 638)، والهمع (1/ 88)، (2/ 42).
(2)
سورة التوبة: 107.
(3)
انظر: شرح التسهيل لابن مالك (3/ 213).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المصدرة بكل من الحرفين المذكورين هي جواب القسم؛ لأن فاعل «تصدر» ضمير يرجع إلى «جملة مؤكدة» من
قوله: المقسم عليه جملة مؤكدة فيصير معنى كلامه:
المقسم عليه جملة مؤكدة تصدر في الإثبات بكذا وفي الشرط الامتناعي بكذا.
ولا شك (1) أن الجملة الشرطية ليست جوابا، بل جواب القسم محذوف لدلالة جواب «لو» عليه؛ إذ كل من القسم والشرط يطلب جوابا ومن المعلوم أن القسم والشرط إذا اجتمعا يستغنى بجواب أحدهما [عن جواب] الآخر. وهذا الذي أعطاه كلام المصنف يعطيه كلام ابن عصفور أيضا وهو الذي تقدم نقلنا له عنه؛ فإنه لما ذكر الروابط التي تربط الجواب بالقسم قال: إلا أن يكون جواب القسم «لو» وجوابها فإن الحرف الذي يربط المقسم به بالمقسم عليه إذ ذاك إنما هو أن يصرح بأن «لو» وجوابها جواب للمقسم كما أفهمه كلام المصنف.
وسنحرر الكلام في هذه المسألة إن شاء الله تعالى عند الكلام على اجتماع القسم والشرط.
رابعها: أن قوله في متن الكتاب: وفي النفي بـ «ما» أو «لا» أو «إن» بعد قوله:
تصدر في الإثبات بلام مفتوحة إلى آخره يقتضي أن النوافي المذكورة تختص بالجملة الاسمية؛ لأن الكلام الآن إنما هو فيها لكونه ذكر المصدرة بمضارع وبماض بعد.
ولا شك أن كلّا من النوافي الثلاثة تباشر الفعل كما تباشر الاسم، وإذا كان كذلك فكان الأولى؛ بل الواجب أن ينهي الكلام على ما تصدر به الجملة في الإثبات اسمية كانت أو فعلية، ويأتي بقوله: وفي النفي بـ «ما» أو «لا» أو «إن» بعد ذلك كله ليعرف منه أن النوافي المذكورة لا يختص منها شيء بالجملة الاسمية. وبعد هذا:
فلنذكر ما يتعلق بهذا الموضع من المباحث:
الأول:
ذكر ابن عصفور في شرح الإيضاح عن بعض قدماء النحويين أنه زعم أن القسم -
(1) من هنا حتى «كما أفهمه كلام المصنف» بدله في هامش المخطوط «لكن صرح ابن عصفور في شرح الإيضاح بأن جواب القسم محذوف يدل عليه جواب «لو» أو «لولا» إذا ذكر أحدهما مع القسم.
وإطلاق النحاة يقتضي أن لكل من القسم والشرط إذا اجتمعا جوابا، وأن أحدهما يذكر والآخر يحذف لدلالة المذكور عليه إلا أن ابن عصفور صرح في شرح الجمل بما أفهمه كلام المصنف هنا».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد يتلقى بـ «بل» مستدلّا بقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (1)، قال: وهذا الذي ذهب إليه باطل؛ لأنه بنى إجازة ذلك على الآية الشريفة، ولا حجة له فيها؛ لاحتمال أن يكون جواب القسم قوله
تعالى:
كَمْ أَهْلَكْنا، واعترض بين القسم وجوابه بـ «بل» وما دخلت عليه، والتقدير:
والقرآن ذي الذكر لكم أهلكنا، وحذفت اللام من الجواب كما حذفت منه في قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (2). ثم ذكر عن الفرّاء قولا آخر في تخريج الآية الشريفة (3) تركت ذكره خوف الإطالة ثم عرفت من كلام ابن عصفور المتقدم نقله عنه أن: «أن» عنده من روابط المقسم به بالمقسم عليه في نحو: والله أن لو قام زيد لقام عمرو، ولكن سيأتي الكلام على هذه المسألة قريبا إن شاء الله تعالى.
الثاني:
قد عرفت أن ابن عصفور لم يذكر من الروابط في النفي إلا «ما» و «لا» وأنه ذكر أن «ما» ينفى بها الجملة الاسمية، والجملة المصدرة بفعل ماض أو مضارع يراد به الحال وأن «لا» ينفى بها الجملة المصدرة بمضارع يراد به الاستقبال، ولكنه قال في شرح الإيضاح: وزعم ابن جني أن القسم قد يتلقى بـ «لم» في الضرورة مستدلّا بقول القائل:
2801 -
رويق إنّي وما حجّ الحجيج له
…
ولا أهل يحبني تحلّة الحرم
لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم
…
عهد سلوت به عنكم ولا قدم (4)
قال: فجعل «لم ينسني» جوابا للقسم تشبيها لـ «لم» بـ «ما» ، ويقول الأعشى:
2802 -
أجدّك لم تغتمض ساعة
…
فترقدها مع رقادها (5)
-
(1) سورة ص: 1، 2.
(2)
سورة البروج: 1 - 4.
(3)
في معاني الفراء (2/ 397): (وقد زعم قوم أن جواب وَالْقُرْآنِ: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ وذلك كلام قد تأخر تأخيرا كثيرا عن قوله وَالْقُرْآنِ وجرت بينهما قصص مختلفة فلا نجد ذلك مستقيما في العربية. والله أعلم) وفيه أيضا الاحتمال المذكور آنفا.
(4)
البيتان من البسيط وهما لزياد بن منقذ. التذييل (4/ 59).
(5)
البيت من بحر المتقارب مطلع قصيدة طويلة للأعشى في مدح سلامة ذا فائش يبدؤها بالغزل وهي في الديوان (ص 121) طبعة الكتاب العربي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فـ «أجدك» عنده من قبيل الإقسام وقد تلقاه بـ «لم» . قال: ولذلك أيضا زعم أنه قد يتلقى بـ «لن» في الضرورة مستدلّا بقول الآخر:
2803 -
أجدّك لن ترى بثعيلبات
…
ولا بيدان ناجية ذمولا (1)
فتلقى «أجدك» بـ «لن» . قال: وهذا غلط؛ لأن القسم الواقع بعد «أن» قد يكون ما بعده محتملا وجهين:
أحدهما: أن يكون جوابا للقسم؛ والقسم وجوابه في موضع خبر «إن» .
والآخر: أن يكون خبرا لـ «إن» والقسم ملغى، ومن ذلك قول طرفة:
2804 -
إنّي وجدّك ما هجوتك وال
…
أنصاب يسفح بينهنّ دم (2)
ألا ترى أنه يجوز أن يكون «ما هجوتك» جوابا للقسم، والقسم وجوابه في موضع خبر «إن» ، ويجوز أن يكون ما هجوتك خبرا لـ «إن» والقسم ملغى معترض به بين اسم «إن» وخبرها. وقد يكون ما بعده مبنيّا على القسم ولا يجوز فيه أن يكون مبنيّا على «إن» نحو قولك: إن زيدا والله ليقومن، وقد يكون أيضا ما بعده مبنيّا على «إن» ولا يجوز أن يكون مبنيّا على القسم نحو قولك: إن زيدا والله لقائم، ومن ذلك قول الكميت (3):
2805 -
إنّي لعمر أبي سوا
…
كـ من الصّنائع والدّخاير (4)
وقول الآخر [4/ 52]:
2806 -
إنّك والله لذو ملّة
…
يطرفك الأدنى عن الأبعد (5)
فإذا ثبت أن ما بعد القسم يجوز أن يكون مبنيّا على «إن» لا على القسم؛ وجب أن يجعل «لم ينسني ذكركم» في البيت خبرا لـ «إن» لا جوابا للقسم؛ إذ -
(1) من الوافر للمرار الأسدي. الخزانة (1/ 262)، واللسان «بيد» ، و «نشغ» ومعجم البلدان «ثعيلبات» ، راجع الهمع (2/ 41).
(2)
انظره كذلك في التذييل (7/ 149).
(3)
ابن زيد الأسدي شاعر الهاشميين في الكوفة، أجود شعره قصائده في أهل البيت (ت: 126 هـ).
الأعلام (6/ 92)، والشعر والشعراء (2/ 581).
(4)
من الكامل ديوان الكميت (1/ 228)، والجمل (ص 23).
(5)
البيت في إصلاح المنطق (1/ 199) واللسان «طرف» هذا: ومللت الشيء ملالا وملالة:
ضجرت منه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يثبت في كلامهم تلقي القسم بـ «لم» . وقد ثبت من كلامهم بناء ما بعد القسم على «إن» وإلغاء القسم، وكذلك أيضا بيت الأعشى. والبيت الآخر الذي استدل به على تلقي القسم بـ «لن» لا حجة له فيهما؛ لأن قول العرب: أجدّك لم تفعل كذا ولن تفعل كذا، لا يراد به القسم وإنما هو عند سيبويه من باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله نحو قولك: هذا عبد الله (1) حقّا، قال سيبويه في هذا الباب: ومثل ذلك في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا؟ كأنه قال: أحقّا لا تفعل (2) كذا؟ قال: وأصله من الجد كأنه قال: أجدّا، ولكنه لا يتصرف ولا يفارق الإضافة كما كان ذلك في «لبيك» ومعاذ الله.
وإنما جعله في هذا الباب وإن كان «أجدك» ليس قبله كلام يؤكد؛ لأن الكلام الذي بعده النية به أن يكون مقدما عليه من جهة أن المصدر في هذا الباب منصوب بفعل مضمر يدل عليه الجملة التي المصدر توكيد لها؛ وذلك أن الفعل «أحق» أو ما جرى مجراه، وذلك أنك إذا قلت: هذا عبد الله؛ فالظاهر أن يكون هذا الكلام قد جرى على (تيقن)(3) منك وتحقيق قول الكلام بظاهره على «أحق» أو ما هو في معناه، فلما كانت الجملة دالة على الفعل المضمر الناصب للمصدر كان الوجه فيها أن تكون متقدمة على المصدر؛ لأن الدليل بابه أن يكون متقدما على المدلول، ولذلك قالت العرب: هذا عبد الله حقّا ولم تقل: حقّا هذا عبد الله؛ إلا على كراهية، والنية بالمصدر إذ ذاك التأخير لما ذكرناه.
وإنما التزم في «أجدك لا تفعل كذا» تقديم المصدر؛ لأنه خالف المصادر المؤكدة لما قبلها في التزامهم فيه الإضافة، والتغيير كثيرا ما يأنس بالتغيير فلم يتصرفوا فيه لذلك، بل ألزموه طريقة واحدة؛ فجعلوه مجاورا لهمزة الاستفهام مقدما على ما يؤكده وصار التقديم الذي كان ضعيفا في غيره لا يجوز غيره فيه. هذا كلام ابن عصفور.
وأنت تعرف أن الشيخ رحمه الله تعالى مستمسك بكلامه تابع طريقته؛ لأنه - أعني ابن عصفور - إنما يمشي في
المسائل غالبا على ما يذهب إليه الجمهور. فمن ثم قال الشيخ عند شرح قول المصنف: وفي النفي بـ «ما» أو «لا» ، أو «إن»: أما الجملة الاسمية فتنفى بـ «ما» ولا تنفى بـ «لا» والنظر يقتضي أن تنفى بـ «إن» -
(1) الكتاب (1/ 378).
(2)
الكتاب (1/ 379).
(3)
في الأصل: تقنن.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فتقول: والله إن زيد قائم، أي: ما زيد قائم (1). قال: وذكر المصنف في شرح الكافية الشافية: أن الجواب المنفي ينفي بـ «ما» أو «إن» أو «لا» ، ولا فرق في ذلك بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية إلا أن الاسمية إذا نفيت بـ «لا» وقدم الخبر أو كان المخبر عنه معرفة لزم تكرارها في غير الضرورة نحو: والله لا زيد في الدار ولا عمرو، ولعمري لا أنا هاجرك ولا مهينك (2). ثم قال الشيخ: وكون الجملة الاسمية تنفى بـ «لا» غلط ووهم والثلاثة تنفى بها الجملة الفعلية (3)، ثم قال في قول المصنف: وقد تصدر بـ «لن» أو «لم» : إنه لا ينقاس على شيء من ذلك ألبتة وأن المصنف ليس له سلف فيمن أجاز ذلك إلا ما حكي عن ابن جني أنه زعم أنه قد يتلقى القسم بـ «لم» ، و «لن» في الضرورة، ثم أورد ما أورده ابن عصفور، وهو الذي ذكرناه عنه آنفا برمته (4)، ثم قال: وأما ما استدل به المصنف من قول العرب: نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة فليس «لم تقم» جوابا للقسم، بل جواب القسم محذوف يدل عليه سؤال السائل: ألك بنون؟ فقال: نعم وخالقهم لبنون لي، ثم استأنف مدحهم وأخبر أنهم لم تقم عن مثلهم منجبة. فهذا الذي ذهب إليه المصنف من أنه قد يصدر في النفي بـ «لم» و «لن» لا سلف له فيه إلا ابن جني؛ فإنه أجاز ذلك في الضرورة، واستدل عليه بما ذكرناه وتقدم الرد عليه (5). انتهى.
والكلام مع الشيخ فيما ذكره من وجوه:
أما أولا: فقوله: وكون الجملة الاسمية تنفى بـ «لا» غلط؛ فإنه لم يبين وجه الغلط ما هو، ولا أقام دليلا على ما ذكره.
وأما ثانيا: فقوله: في قول المصنف: وقد تصدر بـ «لن» ، أو «لم»: إنه لا يقاس على شيء من ذلك ألبتة؛ فإن المصنف لم يدّع اطراد هذا الأمر فينسب إليه القول بالقياس، وكيف يتوهم فيه أنه يقيس ذلك وهو لم يذكر هذين الحرفين مع الأحرف الثلاثة التي هي:«ما» ، و «لا» ، و «إن» ، بل بعد انقضاء الكلام قال:(وقد تصدر بـ «لن» أو «لم»)؛ فأفهم كلامه أن هذا قليل، ولا شك أن النفي بـ «لن» و «لم» ورد في كلام العرب، فأراد أن ينبه على هذا الأمر كيلا -
(1) التذييل (3/ 147، 148).
(2)
الكافية الشافية (2/ 843).
(3)
التذييل (7/ 148).
(4)
التذييل (7/ 150).
(5)
التذييل (7/ 151).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يخلو الكتاب منه.
وأما الثالثة: فقوله: إن المصنف ليس له سلف في ذلك سوى ابن جني؛ فإن هذا الكلام مشعر بأن المصنف إنما قال ذلك تبعا لابن جني.
وأقول: لو كان ابن جني هو متبوع للمصنف في ذلك لاستشهد بما استشهد ابن جني به، والمصنف لم يلم بشيء من ذلك إنما استشهد بما عرفته. وأما تخريجه «نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة» فلا يخفى ضعفه، وبيان ذلك أن الناطق بهذا الكلام قصد بإجابته المسائل [شيئين]: الإخبار بأن له بنين، ثم الإخبار بمدح البنين المخبر بهم أنهم له [4/ 53] وأجلّ الأمرين عنده الإخبار بمدحهم، والأمر الجليل هو الذي يقصد توكيده، والقسم إنما يجاء به لتوكيد الأمر المخبر به وتقويته عند المخاطب، فوجب أن يكون المؤكد هو الإخبار بالمدح، وأما أن يقسم على أن له بنين فلا فائدة في ذلك؛ لأنه لم ينازع فيه ولا نفي عنه حتى يحتاج إلى الإقسام عليه، بل الذي يمكن أن ينازع فيه إنما هو قوله:«ولم تقم عن مثلهم منجبة» ؛ فهو الذي يحتاج إلى أن يقسم عليه.
وهب أن الشيخ يتم له الجواب الذي ذكره في «نعم وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة» فماذا يقول في قول أبي طالب:
2807 -
والله لن يصلوا إليك بجمعهم
…
حتّى أوارى في التّراب دفينا (1)
وأبو طالب في الفصاحة والبلاغة أبو طالب؟!
ثم أيّ فساد يترتب على نفي القسم بـ «لن» أو بـ «لم» حتى يمنع ذلك ويردّ على من ادعاه؟! ولا وجه من حيث الصناعة لمنعه؛ لأن الخبر المنفي المقسم عليه قد يكون مستقبلا فينفى بـ «لن» وقد يكون ماضيا فينفى بـ «لم» . وغاية الأمر أن الغالب في لسان العرب أن ينفى الجواب - أعني جواب القسم - بثلاثة الأحرف التي هي «ما» و «لا» و «إن» ، وأنه قد ينفى بـ «لن» و «لم» لكن ذلك قليل ولا منازعة في وروده فوجب القبول.
ثم قد عرفت أن ابن عصفور ذكر أن الحرف الذي ينفى به الماضي في جواب -
(1) تقدم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم إنما هو «ما» ، وأن المصنف لم يخصصه بها، بل قال: إنه ينفى بـ «لا» وب «إن» . وأما نفيه بـ «إن» فمنه قوله تعالى: وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (1)، وأما نفيه بـ «لا» فأنشد عليه قول الشاعر:
2808 -
ردوا فو الله لا ذدناكم أبدا
…
ما دام في مائنا ورد لنزّال (2)
فقال الشيخ عند ذكر هذه المسألة هنا: وقد بحثنا معه في تأويل هذا البيت في آخر الباب الأول من هذا الكتاب بما يوقف عليه هناك (3). انتهى.
وأقول: إن البحث الذي تقدم له مع المصنف إنما هو بالنسبة إلى كون الماضي بعد «إن» و «لا» ينصرف إلى الاستقبال أو يبقى على مضيه لا في كون «لا» ينفى بها الفعل الماضي إذا وقع جواب قسم أو لا ينفى. وأما ما ذكره ابن عصفور في مسألة «أجدك» فهو كلام حسن وتقرير جيد. وقد تقدم الكلام على هذه الكلمة في «باب الواقع مفعولا مطلقا من مصدر وما يجري مجراه» من هذا الكتاب ونقلنا فيها كلاما لابن الحاجب (4) وما ذكره الشيخ في شرحه وما نقله عن صاحب النهاية والجامع (5) بين المذكور هنا والمذكور هناك يحصل (6) له المقصود، ويتلخص له ما يعتمد عليه (7). وذكرنا في ذلك الباب أن المصنف نقل عن الشلوبين أن في «أجدك» معنى القسم (8)، وهذا من الشلوبين يعضد قول ابن جني، ولكن الظاهر ما قاله ابن عصفور، فينبغي التعويل عليه والرجوع إليه. -
(1) سورة فاطر: 41.
(2)
تقدم.
(3)
التذييل (7/ 148)، وسيأتي بيان ذلك.
(4)
هو عثمان بن عمر بن أبي بكر جمال الدين (ت: 646 هـ) - هذا: وقال الناظر في التمهيد (2/ 30):
(قال ابن الحاجب في شرح المفصل: «أجدك لا تفعل كذا» أصله: لا تفعل كذا جدّا. لأن الذي ينفى الفعل عنه يجوز أن يكون بجد منه ويجوز أن يكون من غير جد فإذا قال: جدّا، فقد ذكر أحد المحتملين ثم أدخلوا همزة الاستفهام إيذانا بأن الأمر ينبغي أن يكون كذلك على سبيل التقرير فقدم لأجل الاستفهام فقيل: أجدك لا تفعل كذا، ثم استدل ببيت أبي طالب هذا) - وراجع الإيضاح شرح المفصل (ص 170).
(5)
هو ابن الأثير، وهو: المبارك بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري أبو السعادات محدث لغوي أصولي توفي بالموصل (606 هـ) وله: النهاية في غريب الحديث، وجامع الأصول في أحاديث الرسول، وغيرهما - الأعلام (6/ 152)، والوفيات (1/ 441).
(6)
في هامش المخطوط: خبر.
(7)
التذييل (7/ 148، 149).
(8)
الهمع (2/ 41).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المبحث الثالث:
إنما قيد المصنف المضارع المثبت بكونه مستقبلا؛ تنبيها على أن المضارع إذا لم يكن مستقبلا لم يثبت له هذا الحكم، ولهذا قال في الشرح: فإن أريد به الحال قرن باللام ولم يؤكد بالنون؛ لأنها مخصوصة بالمستقبل، وهذا يدل منه على أن الإقسام على فعل الحال جائز. وقد عرفت من كلام ابن عصفور أن المضارع المثبت المقصود به الحال لا يقسم عليه وهو باق على صورته، بل إذا قصد ذلك بني من الفعل اسم فاعل وجعل خبر مبتدأ فتعود الجملة المقسم عليها اسمية وأنه لا يرد الفعل بصورته مقرونا باللام وحدها إلا في الشعر، لكنه في «شرح الإيضاح» خالف هذا الكلام فإنه قال: فإن كان الفعل المقسم عليه حالا فإن كان موجبا دخلت عليه اللام وحدها، ومن ذلك قراءة قنبل (1) لأقسم بيوم القيامة (2) قال: والأكثر فيه إذ ذاك أن يجعل خبرا لمبتدأ فتصير الجملة اسمية ويتلقى القسم إذ ذاك بـ «إن» وحدها أو بـ «إن» واللام نحو: والله إن زيدا يقوم، وو الله إن زيدا ليقوم. وكلام ابن أبي الربيع يقتضي جواز الأمرين أيضا، وإن كان الأكثر أن تصير الجملة اسمية.
فالحاصل: أن الذي ذكره المصنف من الإقسام على فعل الحال ليس مسمعا عند الجماعة غير أن المصنف يقسم عليه باقيا على حاله، والجماعة مع تجويزهم ذلك يرون أن الأكثر أن يقدم فاعل الفعل عليه وتصير الجملة اسمية فيقسم عليها كما يقسم على الجملة الاسمية. وقد استثنى المصنف من الفعل المثبت الذي يجب اقترانه باللام وبنون التوكيد: الفعل المقرون بحرف تنفيس، والفعل المقدم معموله؛ فقال:
إنهما يلتقيان باللام وحدها. وبقي عليه أن يستثني الفعل المقرون بـ «قد» أيضا، فإن النون لا تقترن به وإنما يكتفي باللام.
قال ابن عصفور في «شرح الإيضاح» بعد ذكر الاستقبال: فإن كان موجبا -
(1) محمد بن عبد الرحمن المكي المخزومي، انتهت إليه مشيخة الإقراء بالحجاز في عصره، وولي الشرطة بمكة (ت: 291 هـ) - الأعلام (7/ 62)، والنشر (1/ 120).
(2)
سورة القيامة: 1، وانظر الإتحاف (ص 428)، والبحر (8/ 213)، وابن زنجلة (ص 735)، والكشاف (4/ 527)، وابن مجاهد (ص 661)، والمحتسب (2/ 341).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تلقيت القسم باللام وحدها إذا دخلت عليه السين أو «سوف» أو «قد» أو تقدم معموله عليه قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ (1)، وعبارته في «المقرب» شاملة للصور كلها مع الاختصار؛ فإنه قال: إن اللام تدخل على المضارع المثبت وحدها إن فصل بينها وبين الفعل (2)، فلو قال المصنف ذلك لخلص من إيراد الفصل بـ «قد» عليه. ثم قال ابن عصفور: ولم يسمع دخول اللام على السين إلا أن البصريين أجازوا ذلك بالقياس على «سوف» . قال: ولم يجز الفراء دخول اللام عليها؛ لأن اللام كالجزء مما تدخل عليه، ودخولها على السين يؤدي إلى توالي أربعة أحرف بالتحريك فيما هو كالكلمة الواحدة وهو مرفوض في كلامهم (3). ثم قال: والصحيح عندي أن ذلك [4/ 54] جائز بدليل قول العرب:
والله لكذب زيد كذبا ما أحسب أن الله يغفره، فكما جاز ذلك يجوز أن يقال:
والله لسيقوم زيد. ثم ذكر ابن عصفور عن أبي علي الفارسي أنه قال (4): وإنما لم تدخل إحدى النونين مع السين و «سوف» ؛ لأن النون إنما تدخل في اللغة لتخلص المستقبل من الحال فاستغني عن النون بدخول السين أو «سوف» لإفادتهما الاستقبال. قال - يعني أبا علي -: ولم تدخل في لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (5)؛ لأن اللام التي أدخلت إحدى النونين معها غير لام الابتداء، وإنما دخلت ليحاول بها الفصل بين اللامين لام الابتداء واللام التي تدخل على الفعل المستقبل وتدخل النون معها في أكثر الأمر؛ يعني أنك إذا قلت: إن زيدا ليقوم؛ علم أن هذه اللام لام ابتداء وأن الفعل الذي دخلت عليه فعل حال، وإنما أخرت إلى الخبر والنية بها التقديم؛ كراهية الجمع بينها وبين «إنّ» لما كانتا لمعنى واحد وهو التوكيد، ولذلك علقت الفعل في نحو: علمت أن زيدا ليقوم، وإذا قلت: إن زيدا ليقومن؛ علم أن اللام جواب لقسم محذوف، وأن الفعل الذي دخلت عليه مستقبل، وليست إذ ذاك منويّا بها التقديم؛ بل هي واقعة في محلها ولذلك لم تعلق الفعل به في نحو قوله:
علمت أن زيدا ليقومن، قال: فلما كان دخول إحدى النونين المقصود به الفرق بين اللامين لم يحتج إليها إذا دخلت على الجار والمجرور في نحو: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ؛ -
(1) سورة النحل: 103.
(2)
المقرب (1/ 206).
(3)
وانظر: الهمع (2/ 42).
(4)
ينظر: الإغفال (1/ 79)، والتذييل (4/ 61).
(5)
سورة آل عمران: 158.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذ كانت داخلة على فضلة ولام الابتداء لا تدخل في موضع من مواضعها على فضلة.
فأما «إنّ زيدا لطعامك آكل» ؛ فليس تقديره الدخول على الفضلة، وإذا كان كذلك علم أنها ليست التي للابتداء فلم يحتج إلى النون. يعني أن اللام في قولك: إن زيدا لطعامك آكل؛ منوي بها التأخير، والأصل: إن زيدا طعامك لآكل؛ إلا أنها قدمت اتساعا. وليس كذلك قوله سبحانه: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (1) ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: إلى الله لتحشرون؛ لأن اللام التي يتلقى بها القسم لا يجوز أن يتقدم عليها معمول الفعل الذي دخلت عليه. ثم قال: قال أبو علي: وإنما لم تدخل النون مع «قد» كما لم تدخل مع السين من حيث كانت حرفا مثله غير عامل وإن كانت قد خالفت السين في أنها لا تدلّ على الاستقبال يعني أنها حكم لها بحكم السين؛ لشبهها بها في أن كل واحد منهما حرف قد اختص بالفعل وجعل كالجزء منه بدليل أن اللام التي تدخل عى الفعل المضارع في القسم تدخل عليها. هذا آخر كلام ابن عصفور.
المبحث الرابع:
أطلق المصنف القول في نافي المضارع حيث قال: (ويحذف نافي المضارع)، وقد عرفت أن ابن عصفور إنما ذكر من حروف النفي «لا» حيث قال: وأما المستقبل فإن كان منفيا نفي بـ «لا» ومن أجل ذلك قال الشيخ: وإن كان النافي «ما» فمن النحويين من أجاز حذفها؛ حملا على «لا» ومنهم من منع ذلك؛ لما فيه من اللبس؛ لأنه لا يعلم إذا حذف هل القسم على النفي في الحال أو على المستقبل (2). انتهى.
ثم إن ابن عصفور لم يذكر حذف نافي الجملة الاسمية وقد ذكره المصنف مستدلّا عليه. قال الشيخ: ونصوص أصحابنا على أن «ما» و «إن» النافية إذا دخلتا على الجملة الاسمية لا يجوز حذف واحدة منهما (3). انتهى.
ولا يخفى أن قول من حفظ ونقل حجة على من لم يحفظ وينقل. وأما قول المصنف: (وقد يكون الجواب قسما) مستدلّا بقوله تعالى: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى (4) -[وقد] قال المصنف: كأنه قيل: والله ليحلفن المنافقون إن أردنا -
(1) سورة آل عمران: 158.
(2)
التذييل (7/ 157).
(3)
التذييل (7/ 159).
(4)
سورة التوبة: 107.