الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[إضمار الفعل وأحكام لفظ الجلالة في القسم]
قال ابن مالك: (ويضمر الفعل في الطّلب كثيرا استغناء بالمقسم به مجرورا بالباء. ويختصّ الطّلب بها وإن جرّ في غيره بغيرها حذف الفعل وجوبا وإن حذفا معا نصب المقسم به، وإن كان «الله» جاز جرّه بتعويض إثبات الألف أو «ها» محذوف الألف أو ثابتها مع وصل ألف «الله» وقطعها، وقد يستغنى في التعويض بقطعها ويجوز جرّ «الله» دون عوض ولا يشارك في ذلك خلافا للكوفيّين وليس الجرّ في التّعويض بالعوض خلافا للأخفش، ومن وافقه).
ــ
وأقول: إنني لم أتحقق في هذه المسألة - أعني عمرك الله - حقيقة المعنى، ولا حقيقة الإعراب، وإنما ذكرت ذلك تقليدا والله تعالى هو العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء في السموات ولا في الأرض جلّ، وعزّ، وتقدس.
قال ناظر الجيش: قال المصنف (1): لا يستعمل في القسم الطلبي من حروف الجر إلا الباء معلقة بظاهر كـ: نشدتك بالله وافق، أو بمقدر نحو بالله لا تخالف، وتعدى في غير الطلب فعل القسم محذوفا وثابتا نحو: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (2) ونحو: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ (3). ويجب حذفه مع الواو والتاء ومن اللام نحو: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (4)، وتَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا (5)، ومن ربي إنك لأسد، ولله لا يؤخر الأجل، وأنشد سيبويه لعبد مناة الهذلي (6):
2748 -
لله يبقى على الأيّام ذو حيد
…
بمشمخرّ [به] الظّيّان والآس (7)
وقد بيّن في باب حروف الجر اختصاص كل واحد من هذه الأحرف الأربعة بما خص به.
وإذا حذف فعل القسم والباء نصب المقسم به، وإن كان المقسم به عند حذفهما -
(1) انظر شرح التسهيل (3/ 199).
(2)
سورة ص: 82.
(3)
سورة التوبة: 56.
(4)
سورة الأنعام: 23.
(5)
سورة يوسف: 91.
(6)
عبد مناة بن هبل من كنانة جد جاهلي ذكره القلقشندي ولم يذكر شيئا عن سلالته. الأعلام (4/ 316)، ونهاية الأرب (ص 281).
(7)
من البسيط، والحيد: كل نتوء في قرن أو جبل، والمشمخر: الجبل العالي، والظيّان: ياسمين البر، والآس: الريحان، وفي الأصل:«على» بدل «به» ، وهو في الكتاب (3/ 497) منسوبا إلى أمية بن أبي عائذ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«الله» جاز جره مع تعويض همزة مفتوحة يليها ألف نحو: آلله لأفعلن، أو مع «ها» [4/ 43] ساقط الألف نحو: ها لله لأفعلن، أو ثابتها نحو: ها الله لأفعلن، وروي أيضا: هآ لله وهآ الله بحذف ألف «ها» استغناء عنها بقطع همزة الوصل وبالجمع بينهما، وروي أيضا: بالله لأفعلن، بجعل القطع عوضا مكتفى به، وحكى الأخفش في معانيه أن من العرب من يجر اسم الله تعالى مقسما به دون جار موجود ولا عوض (1).
وذكر غيره من الثقات أنه سمع بعض العرب يقول: كلا الله لآتينك، يريد: كلا والله، وزعم بعض أئمة الكوفة أن الأسماء كلها إذا أقسم بها محذوفا منها الواو تخفض وترفع ولا يجوز النصب إلا في حرفين يعني: كعبة الله وقضاء الله، وأنشد:
2749 -
لا كعبة الله ما هجرتكم
…
إلّا وفي النّفس منكم أرب (2)
ومن أجل هذا الكلام قلت بعد: ويجوز جر «الله» دون عوض ولا يشارك في ذلك خلافا للكوفيين ومذهب البصريين أن المقسم به إذا حذف جارّه بلا عوض ولم ينو المحذوف جاز نصبه كائنا ما كان فمن ذلك قول الشاعر:
2750 -
إذا ما الخبز تأدمه بلحم
…
فذاك أمانة الله الثّريد (3)
ومثله:
2751 -
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
…
ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي (4)
ومذهب الأخفش: أن الجر في «ها الله» وشبهه بالعوض من الحرف المحذوف، لا بالحرف ذكر ذلك في كتابه الأوسط ووافق الأخفش في هذا جماعة وانتصر لهذا بأنه شبيه بتعويض الواو من الباء والتاء من الواو ولا خلاف في كون الجر بعد الواو والباء بهما، فكذا ينبغي أن يكون الجر بعد «لاها» بهما لا بالمعوض عنه والأصح كون الجر بالحرف المحذوف وإن كان لا يلفظ به كما كان النصب بعد الفاء والواو، وأو، وحتى، وكي الجارة، ولام الجحود بـ «أن» المحذوفة وإن كانت لازمة الحذف. -
(1) المعاني له (1/ 184، 243).
(2)
من المنسرح، وانظره في: الارتشاف (751، 758)، والدرر (2/ 43)، والهمع (2/ 39).
(3)
من الوافر وانظر: شرح المفصل (9/ 92، 102، 104)، والكتاب (1/ 434)، واللسان (أدم).
(4)
من الطويل لامرئ القيس - ديوانه (ص 32)، والخزانة (4/ 209، 231)، والعيني (2/ 13)، والكتاب (2/ 147)، والمقتضب (2/ 326)، والهمع (2/ 38).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومن الجر بعدها قول أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه «لا ها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله»
…
الحديث (1). انتهى كلامه رحمه الله تعالى (2).
ولا شك أنه قد بين في باب حروف الجر اختصاص التاء واللام بـ «الله» ، واختصاص «من» بـ «الرب» . وأما الواو فإنه لم يذكرها في الباب المذكور، ولا في هذا الباب أيضا - أعني باب القسم - وهي مختصة بالاسم الظاهر فلا تجر المضمر. والحاصل: أن شيئا من حروف القسم لا يجر المضمر إلا الباء فإنها تجره كما تجر الظاهر تقول:
بك لأفعلن؛ قال الشاعر:
2752 -
رأى برقا فأوضع فوق بكر
…
فلا بك ما أسال ولا أغاما (3)
أي: فلا وحقك ما أسال، ولا أغاما، وقال الآخر:
2753 -
ألا نادت أمامة باحتمال
…
لتحزنني فلا بك ما أبالي (4)
قال ابن عصفور: والأصل في حروف القسم الباء؛ لأن فعل القسم إنما هو أقسم وأحلف وهما لا يصلان إلا بالباء ولذلك تصرفت في الباب فجرت الظاهر والمضمر والواو بدل من الباء وإنما أبدلت منها لأمرين:
أحدهما: أن معنى الباء قريب من معنى الواو؛ لأن الواو للجمع والباء للإلصاق والإلصاق جمع في المعنى.
والآخر: أنها من حروف مقدم الفم كما أن الباء كذلك والتاء بدل من الواو؛ لأنه قد ثبت إبدالها منها في نحو: تراث وتخمة وتكأة، قال: وأما اللام فليست أصلا؛ لأن «أقسم» ، و «أحلف» لا يتعديان بها إنما يتعديان بالباء لكن لما أريد معنى التعجب، والتعجب يصل باللام ضمن فعل القسم معنى عجبت فتعدى -
(1) عن أبي قتادة بن ربعي، وانظر: البخاري: مغازي (ص 54)، وأبو داود (5/ 206)، والدارمي: جهاد (ص 126)، ومسلم: جهاد (ص 42)، والموطأ: جهاد (ص 18).
(2)
انظر شرح التسهيل لابن مالك (3/ 201).
(3)
من الوافر لعمرو بن يربوع، وانظر: الخصائص (2/ 19)، وشرح المفصل (8/ 34)، (9/ 101)، والكافية الشافية (2/ 862)، واللسان «أهل» والنوادر (ص 123).
(4)
من الوافر لغوية بن سلمى، وانظره في الخصائص (2/ 19)، وشرح المفصل (4/ 38)، والعيني (9/ 100، 101).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعديته فقلت: لله لا يبقي أحد فكأنك قلت: عجبت لله الذي لا يبقي أحدا، ولما لم يكن شيء من هذه الأحرف الأربعة أصلا في هذا الباب لم تتصرف تصرف الحرف الذي هو أصل فيه وهو الباء. انتهى (1).
وأما قول المصنف: إن فعل القسم يجب حذفه مع هذه الأحرف الأربعة فهو كما قال، غير أن ابن كيسان (2) أجاز ظهور الفعل مع الواو خاصة فأجاز أن يقال:
أقسم والله لأفعلن، كذا قال ابن عصفور: وهذا لا ينبغي أن يجوز كما لم يجز مع سائر حروف القسم التي ليس
استعمالها بحق الأصالة، ولا يحفظه أحد من البصريين، فإن جاء شيء من ذلك فينبغي أن يتأول على أن يكون «أقسم» كلاما تامّا، ثم أتى بعد ذلك بالقسم ولا يجعل «والله» متعلقا بالقسم (3). انتهى.
وأفاد قول المصنف: وإن حذفا معا - يعني حرف القسم وفعله - نصب المقسم به: أنه لا يجوز بقاء الجر بعد حذف الحرف بل يتعين النصب إلا إذا كان المقسم به الجلالة المعظمة فإن النصب لا يتعين؛ لأنه قد قال بعد ذلك: ويجوز جر «الله» دون عوض. فعلم من هذا أن النصب والجر جائزان في الاسم المعظم.
وكلام ابن عصفور مطابق لذلك إلا أنه ذكر أن الاسم المقسم به يجوز فيه بعد حذف حرف الجر الرفع والنصب وذلك أنه قال (4): وإذا حذفت حرف القسم وعوضت منه شيئا لم يجز إلا الخفض؛ لأن العوض يجري مجرى المعوض منه قال:
إلا أن العرب لم تجعل العوض إلا في اسم الله تعالى، فإن لم تعوض؛ لم يجز الخفض إلا في اسم الله تعالى، فإنهم استجازوا ذلك فيه؛ لكثرة استعماله في القسم فتقول:
الله لأقومن، حكى ذلك الأخفش إلا أنه لا يقاس عليه؛ لأن إضمار الخافض وإبقاء عمله لا يجوز إلا حيث سمع، وأما غير اسم الله تعالى من الأسماء إذا حذف حرف القسم منه فإنه يجوز فيه وجهان الرفع على الابتداء، والنصب على إضمار فعل قال:
والاختيار النصب على [4/ 44] إضمار فعل؛ لأن القسم إذ ذاك يكون جملة فعلية كما كان قبل الحذف فتقول: يمين الله لأقومن، ويمين الله لأخرجن فمن الرفع قوله: -
(1) شرح الجمل (2/ 225).
(2)
محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كيسان أبو الحسن النحوي أخذ عن المبرد وثعلب اختلف فيه القول هل هو بصري أو كوفي أو بغدادي (ت: 299 هـ)، وقد كان له المذهب في النحو وغيره، وانظر: الأعلام (6/ 197).
(3)
شرح الجمل (2/ 526).
(4)
شرح الجمل لابن عصفور (1/ 531).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
2754 -
إذا ما الخبز تأدمه بلحم
…
فذاك أمانة الله الثّريد
برفع «أمانة» ، الأصل فيه: وأمانة الله، فلما حذف الحرف رفع الاسم، ومن النصب قوله:
2755 -
فقلت يمين الله أبرح قاعدا
…
... البيت
فإنه يروى برفع «يمين» ، ونصبه؛ فرفعه على تقدير: قسمي يمين الله، ونصبه على تقدير: ألزم نفسي يمين الله، قال: إلا أسماء شذت فيها العرب فالتزموا فيها الرفع أو النصب والذي التزم فيه الرفع: ايمن الله، ولعمرك والذي التزم فيه النصب:
أجدك، قال: وإنما التزم في هذه الأشياء وجه واحد؛ لأنها لا تتصرف في القسم لكونها لا يظهر معها حرف القسم وأما «عوض، وجير» فمبنيان يجوز أن يحكم على موضعهما بالرفع أو النصب. انتهى (1).
ولقوله: إن حرف القسم إذا حذف يجوز في الاسم المقسم به وجهان: الرفع والنصب.
قال الشيخ في قول المصنف: وإن حذفا معا نصب المقسم به: ظاهر كلام المصنف نصب المقسم به فقط، وذكر بعض أصحابنا أنه يجوز فيه وجهان: الرفع والنصب (2). انتهى.
والذي يظهر أن الذي قاله المصنف هو الحق؛ لأن القاعدة أن حرف الجر إذا حذف تعدى الفعل بنفسه إلى الاسم فنصبه فأما ما ورد مرفوعا فلا يقال فيه: إنه كان مجرورا، ثم حذفنا الحرف ورفعنا، بل يقال: إن الاسم أتي به مرفوعا ابتداء؛ لأن القسم كما يكون بجملة فعلية يكون بجملة اسمية فقول المصنف: وإن حذفا معا نصب المقسم به صحيح لا استدراك فيه عليه.
وأمّا قول ابن عصفور: ونصبه على تقدير: ألزم نفسي يمين الله، فليس بظاهر؛ لأن هذا التقدير يقتضي أن لا يكون المتكلم بهذه الجملة مقسما؛ لأن ما أتى به ليس بقسم؛ والحق أن النصب إنما هو بفعل القسم المقدر تعدى بنفسه إلى ما كان متعديا إليه بالحرف على القاعدة المعروفة.
وفي شرح الشيخ مشيرا إلى ما ذكره ابن عصفور: وردّ هذا المذهب بأن «ألزم» -
(1) شرح الجمل (1/ 532).
(2)
التذييل والتكميل (7/ 123).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ليس بفعل قسم، وتضمين الفعل معنى القسم ليس بقياس (1).
قال: وساغ حذف الحرف ووصول فعل القسم بنفسه؛ لكثرة الاستعمال وطول الكلام بالجواب كما ساغ حذف الفعل نفسه لذلك (2) قال: وشبه سيبويه ذلك بحذف الحرف قولهم: إنك ذاهب حقّا، والأصل: بحق؛ فحذف الحرف
ونصب الاسم بـ «ذاهب» ووجه الشبه أن المحلوف به يؤكد به الحديث كما يؤكد بحق في: إنك ذاهب حقّا (3)، وقال أيضا: دلّ كلام المصنف على جواز حذف الحرف يعني مطلقا، وليس كذلك؛ بل إنما يجوز حذف الحرف بشرط أن لا يدخل في الكلام معنى التعجب فإذا قلت متعجبا: تالله لا يبقى أحدا ولله؛ لم يجز حذف التاء، ولا حذف اللام (4). انتهى.
وأقول: لا يحتاج المصنف إلى استثناء ذلك؛ لأن الحرف إنما لم يجز حذفه في ما ذكره لإفادته معنى يفوت لو حذف الحرف وهو التعجب؛ فلم يكن امتناع الحذف إلا لكونه مفيدا لمعنى يفوت بعدم ذكره، لا لكونه حرف قسم، ولا شك أن ما أفاد معنى لا يجوز حذفه إلا إذا دلّ عليه دليل، ثم إنك قد عرفت أن قول المصنف في المتن: وإن كان «الله» جاز جره بتعويض إثبات الألف غير مفصح عن كيفية النطق بذلك ولكن قد أفصح في الشرح بقوله: وإن كان المقسم به عند حذفهما «الله» جاز جره مع تعويض همزة مفتوحة يليها ألف نحو: آلله لأفعلن.
وابن عصفور سمى هذه الهمزة استفهام .. وليس بجيد؛ إذ ليس هنا استفهام أصلا.
وأما قول المصنف: أو «ها» محذوف الألف، أو ثابتها مع وصل ألف «الله» وقطعها فيفهم منه أربع صور وهو واضح. ثم إنك تعلم من قول المصنف: وإن كان «الله» جاز جره بتعويض كذا وكذا إلى آخره؛ أن التعويض عن حرف القسم لا يكون إلا إذا كان المقسم به اسم الله عز وجل كما ذكر ابن عصفور.
وفي شرح الشيخ: فلو جئت بشيء من هذه الأعراض الثلاثة في ما يقسم به من غير لفظ «الله» وحذفت حرف الجر الموضوع للقسم لم يكن إلا النصب تقول: -
(1) المرجع السابق.
(2)
التذييل (7/ 124).
(3)
الكتاب (3/ 497)، وانظر: التذييل (7/ 124).
(4)
المصدر السابق.