الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأربعون باب القسم
(1)
[القسم: تعريفه، أقسامه، أساليبه]
قال ابن مالك: (وهو صريح، وغير صريح وكلاهما جملة فعليّة أو اسميّة، فالفعليّة غير الصّريحة في الخبر كعلمت ووثقت مضمّنة معناه، وفي الطّلب كنشدتك، وعمرتك، وأبدل من اللّفظ بهذه عمرك الله بفتح الهاء وضمّها وقعدك الله، وقعيدك الله كما أبدل في الصّريحة من فعلها المصدر أو ما بمعناه).
قال ناظر الجيش: الكلام في هذا الباب يتعلق بأمور خمسة: وهي: القسم، والمقسم به، والمقسم عليه، وحروف القسم، والحروف التي تربط المقسم به بالمقسم عليه.
وقد ذكر المصنف ثلاثة منها: وهي: المقسم عليه، وحروف القسم، والحروف الروابط بين المقسم به والمقسم عليه وأما القسم فذكر له تعريفا، ولم يتعرض إلى ذكر حده. وأما المقسم به فإنه لم يتعرض إلى ذكره؛ إذ لا تعلق للصناعة النحوية به.
وبعد: فأنا أشير إلى ذكر هذين القسمين أولا، ثم الكلام على بقية الأقسام يورد في ضمن شرح كلام المصنف إن شاء الله تعالى.
أما القسم: فقد حده الجزولي، وغيره من المغاربة بأنه: جملة يؤكد بها جملة أخرى كلتاهما خبرية. وهو حد ظاهر غني عن التفسير غير أن قولهم فيه: كلتاهما خبرية؛ لا يظهر؛ لأن جملة القسم إنشائية، فكيف يحكم عليها بأنها خبرية؟ وقد ذكروا أن المراد بقولهم: كلتاهما خبرية؛ أن جملة القسم والجواب إذا اجتمعتا حصل منهما كلام محتمل للصدق والكذب. ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار؛ فإن التصديق والتكذيب إنما يرجع كل منهما إلى مضمون
جملة الجواب، وأما جملة القسم فلا يرجع إليها تصديق ولا تكذيب. -
(1) ينظر في هذا الباب: الأصول (1/ 523 - 532)، والتذييل (4 / ق 47 - 68)، والتصريح (2/ 203 - 206)، والرضي (2/ 337 - 341)، (2/ 391: 395) شرح الجمل (1/ 520 - 533) شرح اللمع (ص 494 - 504) شرح المفصل (9/ 90 - 107) الكافية الشافية لابن مالك (2/ 835 - 897) تحقيق د/ عبد المنعم هريدي الكتاب (1/ 59، 421)، (3/ 84، 100، 104، 106، 146، 496 - 502، 504، 509)، (4/ 217)، والهمع (2/ 40 - 45) ارتشاف الضرب (2/ 475).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والحق أن يقال في حد القسم: إنه جملة إنشائية يؤتى بها لتوكيد جملة خبرية.
وذكر الشيخ عن النحاة حدّا قيد فيه الخبرية بكونها غير تعجبية (1)، وهذا لا يحتاج إليه؛ إذ التعجبية لا يصح وقوعها جوابا؛ لأن الجواب إذا كان جملة اسمية وجب اقترانها بـ «إن واللام» ، أو بإحداهما. ولا شك أن الجملة التعجبية لا يجوز أن تغير عن هيئتها. وإذا كان كذلك امتنع أن يكون التعجب جواب قسم بذاتها فلا يحتاج إلى أن يحترز عنها. ويرادف القسم ثلاث كلمات أخر: وهي: الحلف والإيلاء واليمين. أما القسم فالفعل المستعمل منه إنما هو «أقسم» ، وهو غير جار على القسم، ونظير ذلك في عدم الجريان على المصدر: أشبه وأثنى؛ فإنهما من الشبه والثناء، وأما الحلف والإيلاء فاستعمل منهما فعل جار قالوا: حلف وآلى، وأما اليمين فلم يستعمل منه فعل؛ لأنه ليس بمصدر في الأصل فيشتق منه وإنما هو اسم للجارحة، ثم سمي القسم يمينا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أكدوا بأيمانهم فيضرب كل واحد منهم بيمينه على يمين صاحبه تأكيدا للعقد حتى سمي الحلف يمينا.
وأما المقسم به: فهو كل اسم معظم، إما لعظمته في ذاته، وإما لكونه عند المقسم عظيما.
قال ابن عصفور: هذا إذا كان المقسم يريد تحقيق ما أقسم عليه ويثبته، فإن كان مقصوده الحنث فيما أقسم عليه؛ فإنه لا يقسم إلا بغير معظم وذلك نحو قوله:
2724 -
وحياة هجرك غير معتمد
…
إلّا ابتغاء الحنث في الحلف
ما أنت أحسن من رأيت ولا
…
كلفي بحبّك منتهى كلفي (2)
فأقسم بحياة هجرها، وهو غير معظم عنده؛ رغبة في أن يحنث فيموت هجرها (3). قال: إلا أن القسم على هذا الطريق [4/ 39] يقل، فلا يلتفت إليه (4).
إذا تقرر هذا فنقول: قسم المصنف القسم إلى صريح وغير صريح قال (5): أما الصريح: فهو ما يعلم بمجرد لفظه كون الناطق به مقسما كـ: أحلف بالله، وأنا حالف بالله، ولعمر الله، وايمن الله، وغير الصريح: ما ليس كذلك نحو: علم -
(1) في التذييل (7/ 113): (فأما القسم فهو جملة يؤكد بها أخرى خبرية غير تعجبية).
(2)
البيتان من الكامل، وانظرهما في: الارتشاف (2/ 476) وشرح الجمل (1/ 523).
(3)
شرح الجمل (1/ 523) بالنص.
(4)
المصدر السابق.
(5)
انظر: شرح التسهيل لابن مالك (3/ 195) تحقيق د/ عبد الرحمن السيد ود/ محمد بدوي المختون.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الله، وعاهدت، وواثقت، وعليّ عهد الله، وفي ذمتي ميثاق؛ فليس بمجرد النطق بشيء من هذا الكلام يعلم كونه قسما، بل بقرينة كذكر جواب بعده نحو: عليّ عهد الله لأنصرنّ دينه، وفي ذمتي ميثاق لا أعين ظالما، كقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (1)، ومنه قول الشاعر:
2725 -
إنّي علمت على ما كان من خلقي
…
لقد أراد هواني اليوم داود (2)
وقول الآخر:
2726 -
أرى محرزا عاهدته ليوافقن
…
فكان كمن أغريته بخلاف (3)
ومثله في واثق:
2727 -
واثقت ميّة لا تنفكّ ملية
…
قول الوشاة فما ألفت لهم قيلا (4)
ومن ذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ (5)، و [من القسم غير الصريح]: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (6)، ويدل على أنه قسم كسر «إن» بعده وتسميته يمينا في قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً (7)، ومنه قراءة ابن عبّاس (8):
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ (9)، وقال الفراء في وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ (10):
صار قوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ يمينا (11) ومن القسم غير الصريح:
نشدتك وعمرتك؛ فللناطق بها أن يقصد القسم، وألا يقصد؛ فليس مجرد النطق بها يدل على كونه قسما لكن يعلم كونه قسما بإيلاء «الله» نحو: نشدتك الله، -
(1) سورة البقرة: 102.
(2)
من البسيط وانظر التذييل (7/ 114) وتعليق الفرائد (ق/ 30)، والكافية الشافية (2/ 857).
(3)
من الطويل وهو من شواهد الكافية الشافية (2/ 858)، والمغني (ص 404).
(4)
من البسيط وانظره في التذييل (7/ 114)، والكافية الشافية (2/ 858).
(5)
سورة آل عمران: 187.
(6)
سورة المنافقون: 1.
(7)
سورة المنافقون: 2.
(8)
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي حبر الأمة لازم رسول الله، وأخذ عنه الأحاديث الصحيحة وشاهد مع عليّ «الجمل» «وصفين» وكفّ بصره آخر عمره له في الصحيحين (1660) حديثا (ت: 68 هـ) - راجع: الأعلام (4/ 228) صفة الصفوة (1/ 314)، ونكت الهميان (ص 180).
(9)
سورة آل عمران: 18، وانظر: الإتحاف (ص 172)، والبحر (2/ 403).
(10)
سورة هود: 119.
(11)
معاني الفراء (2/ 31).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو بالله، وعمرتك الله، ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب نحو: نشدتك الله إلا أعنتني، وعمرتك الله لا تطع هواك، ومنه قول الشاعر:
2728 -
عمرتك الله إلّا ما ذكرت لنا
…
هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم (1)
ومعنى قول القائل: نشدتك الله: سألتك مذكرا الله، ومعنى «عمرتك الله»:
سألتك الله تعميرك، ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي، واستعملوا «عمرك الله» بدلا من اللفظ بـ «عمرتك الله» ، ومنه قول الشاعر:
2729 -
عمرك الله يا سعاد عديني
…
بعض ما أبتغي ولا تؤيسيني (2)
وقال الآخر:
2730 -
يا عمرك الله إلّا قلت صادقة
…
أصادقا وصف المجنون أم كذبا (3)
وكان الأصل أن يقال: تعميرك الله؛ لكن خففوا بحذف الزوائد، وروى بعض الثقات عن أعرابي: عمرك الله؛ برفع «الله» (4). قال أبو علي: والمراد: عمّرك الله تعميرا؛ فأضيف المصدر إلى المفعول ورفع به الفاعل (5)، وقال الأخفش في كتابه الأوسط: أصله: [أسألك] بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء فانتصب ما كان مجرورا بها. وأما «قعدك الله، وقعيد [كـ] الله» فقيل:
هما مصدران بمعنى: المراقبة كالحس والحسيس وانتصابهما بتقدير «أقسم» أي:
أقسم بمراقبتك الله، وقيل: قعد وقعيد بمعنى: الرقيب الحفيظ من قوله تعالى:
عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (6) أي: رقيب حفيظ.
ونظيرهما: خلّ، وخليل، وندّ، ونديد، وإذا كانا بمعنى الرقيب الحفيظ فالمعنيّ بهما الله تعالى ونصبهما بتقدير «أقسم» (معدّى)(7) بالباء. ثم حذف الفعل -
(1) من البسيط للأحوص، وذي سلم: موضع قرب المدينة - ديوانه (ص 201)، والخزانة (1/ 231)، والدرر (2/ 53)، وشرح السيرافي (1/ 275)، والكتاب (1/ 163)، والمقتضب (2/ 329)، والهمع (2/ 45).
(2)
من الخفيف. وراجع: الدرر (2/ 54)، والهمع (2/ 45).
(3)
من البسيط للمجنون - ديوانه (ص 83)، والأغاني (2/ 3)، والدرر (2/ 54)، والكافية الشافية (2/ 869)، والهمع (2/ 45) - هذا، وفي الدرر (2/ 54) نقل عن ناظر الجيش كلاما حسنا في هذه المسألة.
(4)
التذييل (4/ 49).
(5)
المصدر السابق.
(6)
سورة ق: 17.
(7)
في الأصل: معبرا، وما أثبته من شرح التسهيل لابن مالك.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والباء، وانتصبا وأبدل منهما «الله». ومن شواهد النصب بعد «قعد» قول الشاعر:
2731 -
قعدك الله هل علمت بأنّي
…
في هواك استطبت كلّ معنّى (1)
ومن شواهد نصب ما بعد «قعيد» قول قيس العامري (2):
2732 -
قعيدك ربّ النّاس يا أمّ مالك
…
ألم تعلمينا نعم مأوى المعصّب (3)
ومثله قول الفرزدق:
2733 -
قعيدكما الله الّذي أنتما له
…
ألم تسمعا بالبيضتين المناديا (4)
ويستعمل أيضا في الطلب: «عزمت وأقسمت» ولذلك قلت: كـ «نشدت» تنبيها على أن لـ «نشدت» من الأفعال أخوات سوى «عمرت» ونبهت بقولي:
كما أبدل في الصريحة من فعلها المصدر وما بمعناه على أن لفظ «أقسم» ، و «أحلف» ، وشبههما قد ينوب عنه لفظ «قسم، ويمين، وآلية، وقضاء، ويقين، وحق» ، وغير ذلك. فمن ذلك [قول الشاعر]:
2734 -
قسما لأصطبرن على ما سمتني
…
ما لم تسومي هجرة وصدودا (5)
ومنه:
2735 -
يمينا لنعم السيدان وجدتما
…
على كلّ حال من سحيل ومبرم (6)
ومنه: -
(1) من الخفيف، وقد نصب لفظ الجلالة بعد «قعد» .
(2)
قيس بن الملوح بن مزاحم من أهل نجد يلقب بالمجنون لشدة هيامه في حب «ليلى» (ت: 68 هـ) - راجع الأعلام (6/ 60) والسمط (ص 350)، والشعر والشعراء (ص 220).
(3)
من الطويل وانظره في: التذييل (7/ 121)، والكافية الشافية (2/ 873)، واللسان «قعيدك» برواية:«قعيد عمر الله يا بنت مالك» عن قريبة الأعرابية.
(4)
من الطويل - البيضتان موضع بطريق الشام من الكوفة، وقال ياقوت بالإفراد، وإنما ثناه الشاعر - راجع ديوان الفرزدق (2/ 360)، والدرر (2/ 54)، والهمع (2/ 45)، والكافية الشافية (2/ 874) ونسبه في اللسان «قعد» للفرزدق وفي «بيض» لجرير، ومعجم البلدان:«البيضتان» .
(5)
من الكامل وانظره في التذييل (7/ 121)، والكافية الشافية (ص 311).
(6)
من الطويل لزهير - ديوانه (ص 79)، وتعليق الفرائد (1/ 219)، والخزانة (4/ 105، 107، 222)، وشرح العمدة (ص 446)، والهمع (2/ 42).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
2736 -
آلية ليحيقن بالمسيء إذا
…
ما حوسب الناس طرّا سوء ما عملا (1)
ومن نيابة القضاء ما حكى ثعلب من أن العرب تنصب «قضاء الله» ، وتجعله قسما (2) وأنشد أبو عليّ على نيابة اليقين:
2737 -
ويقينا لأشربنّ بماء
…
وردوه فعاجلا وتئيّه (3)
ومن نيابة الحق قوله تعالى: قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ (4). انتهى كلام المصنف رحمه الله تعالى (5).
وملخص ما تضمنه: أن جملة القسم اسمية وفعلية، وكل منها صريح وغير صريح؛ فالاسمية الصريحة نحو:«لعمري» و «ايمن» ويلزمان الابتداء. وقد علم أن خبر هذا المبتدأ واجب الحذف كما ذكر في باب المبتدأ. والاسمية غير الصريحة نحو: «في ذمتي» ، و «أمانة الله» فالمبتدأ محذوف في المثال الأول، والخبر في المثال الثاني ولكنه حذف جائز، لا واجب. والفعلية الصريحة نحو:«أقسمت، وأقسم، وحلفت، وأحلف، وآليت» . والفعلية غير الصريحة نحو: «نشدت، وعمرت، وعلمت، وواثقت» . وقد عرف الصريح ما هو، وغير الصريح ما هو.
ثم إن غير الصريح يقسم به في الخبر نحو: «علمت، وواثقت، وعليّ عهد الله، وفي ذمتي» ، وفي الطلب نحو: نشدت، وعمرت، وعمّرت، ومعنى الطلب هنا: أن يكون القسم عليه مطلوبا، ومعنى الخبر ألا يكون المقسم عليه مطلوبا.
لكن لا بد من أبحاث نشير إليها:
أولها:
أن المصنف قد صرح في المتن والشرح بأن القسم غير الصريح يكون في الجملة الاسمية كما يكون في الجملة
الفعلية وظاهر [4/ 40] كلام الجماعة يقتضي أن -
(1) من البسيط، ونسبه في الكافية الشافية (2/ 854) لرجل من طيئ إسلامي، وانظر التذييل (7/ 121).
(2)
التذييل (4/ 50).
(3)
في اللسان «تأي» : قال أبو منصور: هو كـ: شأى يشأى إذا سبق، وهو في الكافية الشافية (2/ 855)، وانظر التذييل (4/ 50).
(4)
سورة ص: 84، 85.
(5)
انظر: شرح التسهيل لابن مالك (3/ 199).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم غير الصريح إنما هو في الجملة الفعلية، وربما يقال: إن الواقع كذلك.
فإن ابن عصفور قال (1): الجملة الفعلية في هذا الباب قسمان؛ أحدهما: أن تكون الجملة الفعلية فيها معنى القسم وليست بقسم صريح، ثم فسر ذلك بأنه قال:
هو كل جملة لم يذكر فيها قسم إلا أن العرب تلقتها بما يتلقى به القسم نحو:
علمت ليقومن زيد، وأظن ليسبقنك عمرو.
وكذا ابن هشام فإنه قال: وأفعال القسم على ضربين: مصرحة ومضمنة؛ فالمصرحة: «أقسم وأحلف وآلى وتآلى» وما تصرف منها، والمضمنة:«علم ويعلم وشهد ويشهد» قال: وهذا مطرد في الظن أيضا وقد جاء في «خفت» قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أمرت بالسّواك حتّى خفت لأدردنّ» (2) هذا كلام هذين الرجلين.
إلا أن يقال: الدليل على أن غير الصريح يكون في الجملة الاسمية قولهم: «في ذمتي» و «عهد الله» إذ لا يعلم بمجرد اللفظ به كون الناطق به مقسما، وما كان كذلك فلا شك أنه غير صريح.
ولا شك أن هذا كلام صحيح. إلا أن المصنف ذكر في باب المبتدأ أن من أسباب وجوب حذف المبتدأ أن يخبر عنه بصريح القسم، ومثّل ذلك بقوله: في ذمتي لأفعلن، وإذا حكم بصراحته هناك؛ كيف يحكم هنا بأنه غير صريح؟! والذي يظهر أن نحو:«في ذمتي لأفعلن» من القسم غير الصريح، وكذا «عهد الله» .
وعلى هذا يكون كلام المصنف هنا هو المعتمد عليه، ويكون تقسيمه غير الصريح إلى جملة اسمية وفعلية تقسيما صحيحا ويحتاج بعد ذلك الاعتذار عن ما مثل به في باب المبتدأ وهو «في ذمتي لأفعلن» جاعلا ذلك من القسم الصريح.
ثانيها:
أن المصنف يرى أن المقسم عليه قد يكون أمرا طلبيّا كما عرفت.
ولا شك أن هذا الذي يراه مناف لقولنا في حد القسم: إنه يؤكد جملة خبرية. -
(1) في شرح الإيضاح المفقود.
(2)
انظره في ابن حنبل (1/ 227، 285، 207)، (3/ 490) والمصباح المنير «درد» ، والنهاية (1/ 112)، والدرد: سقوط الأسنان.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولهذا لما ذكر ابن عصفور الحد المشهور عن المغاربة للقسم وهو أنه: جملة يؤكد بها جملة أخرى كلتاهما خبرية، واعتذر عن ذلك بأن المراد منه أن الجملتين إذا اجتمعتا كان منهما كلام محتمل للصدق والكذب، قال بعد هذا (1): فإذا جاء ما صورته كصورة القسم وهو غير محتمل للصدق والكذب حمل على أنه ليس بقسم نحو قول الشاعر:
2738 -
بالله ربّك إن دخلت فقل له
…
هذا ابن هرمة واقفا بالباب (2)
وقول الآخر:
2739 -
بدينك هل ضممت إليك ليلى
…
وهل قبّلت قبل الصّبح فاها (3)
قال: فلا يكون مثل هذا قسما؛ لأن القسم لا يتصور إلا حيث يتصور الصدق والحنث، والصدق والحنث لا يتصور إلا فيما يحتمل الصدق والكذب، وقال في شرح الإيضاح - بعد قوله: فإن كانت الجملة غير خبرية لم يجز وقوعها جوابا للقسم -: فأما «بدينك» من قول الشاعر:
بدينك هل ضممت
…
...
…
و «بالله ربّك» من قول الآخر:
بالله ربّك إن دخلت
…
...
…
فليسا بقسمين؛ لأن الجملتين الواقعتين بعدهما غير محتملتين للصدق والكذب، وإنما المراد بهما استعطاف المخاطب، والتقدير: أسألك بدينك، وأسألك، لا أنهم أضمروا الفعل لدلالة المعنى عليه. وقد يحذفون الباء وينصبون في الضرورة نحو قوله:
2740 -
أقول لبوّاب على باب دارها
…
أميرك بلّغها السّلام وأبشر (4)
قال: وأدلك على أن قولك: بالله هل قام زيد؟، وبالله إن قام زيد فأكرمه، وأشباهه ليس بقسم ثلاثة أشياء: -
(1) شرح الجمل (1/ 521).
(2)
من الكامل لابن هرمة الشاعر وانظره في شرح المفصل (9/ 101)، والصناعتين (ص 68).
(3)
من الوافر للمجنون - ديوانه (ص 286)، والأغاني (3/ 21)، وشرح المفصل (9/ 102) برواية «نعما» بدل «ليلى» و «بعد النوم» بدل «قبل الصبح» ، والمنصف (3/ 21)، وانظر: شرح الجمل (1/ 521).
(4)
من الطويل وانظره في التذييل (7/ 115).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحدها: أنه لم يجئ في كلام العرب وقوع الحرف (الخاص)(1) بالقسم نحو:
التاء والواو موقع الباء؛ فلم يقولوا: تالله هل قام زيد، ولا: والله إن قام زيد فأكرمه.
الآخر: أنهم إذا أظهروا الفعل الذي يتعلق به الباء لم يكن من أفعال القسم؛ لا يقال: أقسم بالله هل قام زيد؟، وأحلف بالله إن قام زيد فأكرمه.
الشيء الثالث: أن القسم لا يخلو من حنث أو بر، ولا يصح ذلك إلا فيما يصح اتصافه بالصدق والكذب. فإن قيل: الدليل على أن مثل هذا قسم قول الشاعر:
2741 -
أيا خير حيّ في البريّة كلّها
…
أبا لله هل لي في يميني من عقل (2)
فإنه سمى «أبا لله هل لي» يمينا وقول الآخر:
2742 -
أجهّالا تقول بني لؤيّ
…
لعمر أبيك أم متجاهلينا (3)
أجيب عن الأول بأن قائله أراد: هل لي في يميني من عقل إن حلفت على أنك خير البرية.
وعن الثاني: أن جواب «لعمر أبيك» محذوف؛ التقدير: أجهالا تقول بني لؤيّ أم متجاهلينا؟ لعمر أبيك لتخبرني، إلا أنه قدم القسم، واعترض به بين الفعل، ومفعوله، وحذف الجواب لدلالة الاستفهام عليه؛ إذ معلوم أن المستفهم يطلب من المستفهم منه أن يخبره عما استفهم عنه (4). انتهى كلام ابن عصفور.
وقوله: إن مثل هذا استعطاف وليس بقسم؛ هو الظاهر، ولا شك أن كونه قسما غير مذوّق. لكن كلام ابن هشام
ظاهره يعطي أنه قسم إلا أنه سماه قسما استعطافيّا وذلك أنه لما ذكر قول أبي علي: القسم جملة يؤكد الخبر بها؛ قال: ليس كل قسم يؤكد الخبر.
وقد تقدم أن الباء يقسم بها على جهة الاستعطاف نحو: بالله أحسن إليّ.
قال ابن هرمة (5): -
(1) في الأصل: الخاص الحرف، وهو اضطراب بيّن.
(2)
من الطويل وانظره في التذييل (7/ 116)، وشرح المفصل (9/ 102).
(3)
من الوافر للكميت بن زيد، وليس في ديوانه. التصريح (1/ 263)، والدرر (1/ 140)، والعيني (2/ 429)، والكتاب (9/ 63)، والمقتضب (2/ 348)، والهمع (1/ 157).
(4)
ينظر: التذييل (4/ 48) وما بعدها.
(5)
إبراهيم بن علي بن سلمة القرشي شاعر غزل من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، آخر من يحتج بشعرهم. قاله الأصمعي (ت: 176 هـ). الخزانة (1/ 204)، والنجوم الزاهرة (2/ 84).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
2743 -
بالله ربّك إن دخلت
…
...
…
البيت
قال: ومنه: أقسمت عليك لتفعلن كذا، وأقسمت عليك إلا فعلت، وأقسمت عليك لما فعلت، و «لما» ها هنا بمعنى «إلا». قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع؟ وإنما أقسمت هنا [4/ 41] كقولك: والله، فقال: وجه الكلام: لتفعلن هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا؛ لأنهم شبهوه بـ «نشدتك الله» ؛ إذ كان فيه معنى الطلب (1).
يريد أن العرب تقول: نشدتك الله إلا فعلت، ومعنى «نشدتك الله»: سألتك بالله، وقالوا:«إلا فعلت» بمعنى: إلا تفعل. وتحقيق المعنى: لا أطلب منك إلا أن تفعل فدخلها معنى النفي فصلحت إلا لذلك. فهذا كقوله:
2744 -
[إنا الضّامن الرّاعي عليهم] وإنّما
…
يدافع عن أحسابهم [إلّا أنا][أو مثلي](2)
لما كان في معنى «ما يدافع أحد إلا أنا» وتقول في الاستفهام: آلله لتقومن، وآلله لتخرجن، قال: فكل هذا ليس بتأكيد، ولذلك تستفهم بعد اليمين فتقول: بالله أقام زيد؛ لأن المعنى هنا: أخبرني، قال: وقد منع من هذا أبو علي؛
فقال:
لا يجوز في القسم الذي هو استعطاف في الحقيقة: بالله هل قمت؟؛ لأنه ليس بمقسم، وتأول قوله:
2745 -
أيا خير حيّ في البريّة كلّها
…
أبا لله هل لي في يميني من عقل
على أنه في معنى: إن حلفت على أنك خير مني. انتهى.
ومقتضى كلامه، أن القسم قسمان: قسم يقصد به التوكيد، وقسم يقصد به الاستعطاف والسؤال، وفي تسمية ما يقصد به الاستعطاف والسؤال قسما نظر.
وكيف يتصور قسم بدون جواب له لا ملفوظ به ولا مقدر؟! ولهذا سأل سيبويه الخليل - رحمه الله تعالى - عن قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع؟ وإنما أقسمت هنا كقولك: والله. فمعنى كلام سيبويه أن أقسمت يقتضي جوابا؛ لأنه كقولك: والله، ولا شك أن «والله» يقتضي جوابا، -
(1) الكتاب (3/ 105، 106).
(2)
ما ذكره جزء بيت من الطويل للفرزدق، وقد أكملناه من ديوانه، ومن هامش المخطوط. وانظر:
ديوان الفرزدق (2/ 153) والمحتسب (2/ 195)، ومعاهد التنصيص (1/ 89)، والمغني (ص 309).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
و «لما فعلت وإلا فعلت» ليس بجواب؛ فكيف جاز ذلك؟ وهو سؤال دقيق المأخذ إلا أنه لا يكثر على سيبويه. وجواب الخليل عنه مقتضاه تقرير السؤال بدليل قوله:
ولكنهم أجازوا هذا؛ لأنهم شبهوه بـ «نشدتك الله» ؛ إذ كان فيه معنى الطلب، ولا شك أن معنى «نشدتك الله»: سألتك بالله. فأفاد كلام الخليل أن القسم في نحو: «أقسمت عليك لما فعلت، وإلا فعلت» ليس بمراد؛ حيث قال: إنهم شبهوه بـ «نشدتك الله» والقسم في «نشدتك الله» غير مراد أيضا، لأنه قال:
إنهم شبهوه. ثم إن ابن هشام جعل مثل هذا استعطافا، وإذا كان استعطافا فكيف يصدق عليه القسم الاصطلاحي؟
والذي ذكره ابن عصفور أقرب إلى الحق .. على أنه قد تبين لك من نقل ابن هشام أن الذي قاله ابن عصفور هو كلام أبي علي. وكفى بما يقوله أبو علي حجة.
ثالثها:
هاتان الكلمتان - أعني نشدتك وعمرتك - لا يستعملان إلا حيث يكون طلب.
وقد قال المصنف بعد ذكرهما: ولا يستعملان إلا في قسم فيه طلب نحو: نشدتك الله إلا أعنتني وعمرتك الله لا تطع هواك، وكذا مصدر «عمرتك» الذي هو «عمرك» ، و «قعدك وقعيدك» حكمهما في الاستعمال حكم «نشدت وعمرتك» فيختص بالطلب أيضا، وليس المراد بالطلب أن يكون بصيغته؛ بل المراد به أن يكون ذلك المذكور مطلوبا للمتكلم سواء أكان الطلب بالصيغة أم بغيرها، مما يفيده سياق الكلام ولذلك جعلوا من صورة المسألة المذكورة: نشدتك إلا فعلت، ونشدتك لما فعلت، وقالوا: المعنى فيه: ما أسألك إلا أن تفعل، أو ما أطلب منك إلا أن تفعل.
وفي شرح الشيخ (1): أن جواب «نشدت وعمرتك» يكون بأحد ستة أشياء وهي:
الاستفهام، والأمر، والنهي، وإلا، ولمّا، وأن؛ فيقال: نشدتك الله قم، وكذا:
نشدتك الله لا تقم، ونشدتك بالله أن تقوم. قال الشيخ: لأن «أن» في صلة الطلب.
ولم أفهم المقصود من هذا التعليل الذي ذكره ثم إنه لما لم يذكر «إن» الشرطية، وقد عرفت أنها تقع هذا الموقع كما قال: بالله ربك إن دخلت فقل له. والظاهر أن -
(1) التذييل (7/ 116).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«إن» إذا حلت هذا المحل يجب أن يكون جوابها فعلا طلبيّا كما في هذا البيت؛ لأن الطلب هو المقصود من هذا الكلام وجملة الشرط ليس فيها طلب فتعين أن تشتمل جملة الجزاء عليه. ثم في جعل الشيخ هذه الأمور جوابا مناقشة؛ لأنه لا يرى أن نحو «نشدتك وعمرتك» قسم، كما أن الجماعة - أعني المغاربة - لا يرون ذلك. وإذا لم يكن ثم قسم فلا جواب. وليعلم أن معنى «نشدتك بالله»:
سألتك بالله وطلبت منك به؛ لأنهم يقولون: نشد الرجل الدابة؛ إذا طلبها. وقد قال المصنف: ومعنى قول القائل: «نشدتك بالله» سألتك مذكرا الله، ومعنى «عمرتك الله»: سألتك الله تعميرك، ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي.
قال الشيخ: فإن عنى المصنف أنه تفسير معنى لا إعراب فيمكن، وإن عنى تفسير إعراب فليس كذلك بل «نشدتك الله» انتصاب الجلالة المعظمة على إسقاط الخافض لما سقط وصل الفعل إليه فنصبه؛ فليس منصوبا بـ «مذكر» ، وأما «عمرتك الله» فلفظ الجلالة فيه منصوب بإسقاط الخافض أيضا وصل الفعل إليه فنصبه، والتقدير:
عمرتك بالله، أي: ذكرتك بالله تذكيرا يعمر القلب ولا يخلو منه (1). انتهى.
وأقول: إن قول المصنف بعد تفسير معنى هاتين الكلمتين: ثم ضمّنا معنى القسم الطلبي؛ يدفع أن يكون المصنف
عنى بالتفسير الذي ذكره تفسير الإعراب؛ لأنهما بعد تضمينهما معنى القسم يبقى حكمها حكم أفعال القسم، وسيذكر أن حرف الجر الذي يعدى به فعل القسم إذا حذف نصب المقسم به؛ فتعين أن يكون الذي عناه بهذا التفسير إنما هو تفسيرهما لغة قبل أن يضمّنا معنى القسم.
رابعها:
قد علمت ما ذكره المصنف من أن «عمرك الله» يستعمل بدلا من اللفظ بـ «عمرتك» ، وأن الاسم المعظم ينصب حينئذ ويرفع، وأنه [4/ 42] قال في الشرح: إن الأصل في «عمرك الله» أن يقال: تعميرك الله، لكن خففوا بحذف الزوائد فدلّ هذا الكلام منه على أن عمرك منصوب نصب المصادر على أنه بدل من اللفظ فعلّه لكنه لم يبين نصب الاسم المعظم ما وجهه. -
(1) التذييل (7/ 117).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولكن قال الشيخ في شرحه: وفي اللباب: إذا قلت: عمرك الله، بنصب اسم الله تعالى، ففي إعرابه وجهان:
أحدهما: أن التقدير: أسألك تعميرك الله، أي: باعتقادك بقاء الله فـ «تعميرك» مفعول ثان واسم الله تعالى منصوب بالمصدر.
والثاني: أن يكونا مفعولين، أي: أسأل الله تعميرك. انتهى (1).
وأما «عمرك الله» برفع اسم الله تعالى؛ فقد ذكر المصنف فيه عن أبي علي أن المراد: عمرك الله تعميرا فأضيف المصدر إلى المفعول ورفع به الفاعل. وعن الأخفش (2) أن الأصل أسألك بتعميرك الله، وحذف زوائد المصدر والفعل والباء فانتصب وكان مجرورا بها. فقد اتفق القولان - أعني قول أبي علي وقول الأخفش - على أن اسم الله مرفوع بالمصدر على أنه فاعل، ولكن أبو علي يرى أن نصب «عمرك» هنا على المصدر، والأخفش يرى أنه منصوب على إسقاط الخافض. ولهذا كان الفعل الذي يقدره أبو علي «عمرتك» ، والفعل الذي يقدره الأخفش «أسألك». قالوا:
يدل على صحة قول الأخفش إدخال باء الجر عليه (3) قال ابن أبي ربيعة:
2746 -
بعمرك هل رأيت لها سميّا
…
فشاقك أم لقيت لها حديثا (4)
وأقول: إن من الأدلة على صحة قول الأخفش أيضا قول العرب: لعمرك إن زيدا لقائم. قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (5) التقدير: لعمرك قسمي، فكان العمر نفسه هو المقسم به في الآية الشريفة فليكن هو المقسم به في نحو قولنا: عمرك الله، ويكون الأصل فيه: بتعميرك الله، ثم حذفت زوائد المصدر والباء كما يقول الأخفش. ويمكن أن يقال: إن من نصب «عمرك الله» على المصدر، وقال: المراد: عمرك الله تعميرا، كما ذهب إليه أبو علي لم يجعله قسما، وإنما يكون قسما على قول من يقول: إن أصله: بتعميرك الله، ثم حذفت الباء كما ذهب إليه الأخفش وهو قسم طلبي على رأي من يثبت الطلبي، ومسؤول -
(1) التذييل (7/ 118).
(2)
في كتابه الأوسط، وراجع التذييل (7/ 117).
(3)
وانظر الارتشاف (2/ 479).
(4)
البيت من الوافر، وانظر التذييل (4/ 94) وليس في ديوانه.
(5)
سورة الحجر: 72.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به على رأي من لا يثبت ذلك.
وقال الشيخ في الارتشاف (1): وأبدل من «عمرتك الله» : «عمرك الله» وهو مصدر على حذف الزوائد والتقدير: تعميرك الله، أي: تذكيرك بالله، وقيل:
تعميرك الله، انتصب «تعميرك» ولفظ الجلالة على أنهما مفعولان، أي: سألت الله تعميرك، وقيل:«تعميرك» منصوب بـ «أسألك» ولفظ الجلالة [منصوب] بالمصدر وهو «عمر» بمعنى: تعمير.
وأجاز المبرد، والسيرافي أن ينتصب هذا على تقدير القسم (2) كأنه قيل: أقسم عليك بعمرك الله، الأصل: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالدوام والبقاء، ويكون محذوف الجواب فتكون الكاف في موضع رفع. والظاهر من كلام سيبويه أنه مصدر موضوع موضع الفعل على أنه مفعول به (3). انتهى.
وقال الجوهري (4) في الصحاح: عمر الرجل بالكسر: يعمر عمرا وعمرا على غير قياس؛ لأن قياس مصدره التحريك، أي: عاش زمنا طويلا، ومنه قولهم: أطال الله عمرك. وهما وإن كانا مصدرين بمعنى واحد إلا أن المستعمل في القسم أحدهما وهو المفتوح، فإذا أدخلت اللام رفعته بالابتداء والخبر محذوف .. فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وقلت: عمر الله ما فعلت كذا، وعمرك الله ما فعلت كذا، ومعنى «لعمر الله وعمر الله»: أحلف ببقاء الله ودوامه، فإذا قلت: عمرك الله فكأنك قلت: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالبقاء، وقول عمر بن
أبي ربيعة المخزومي:
2747 -
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا
…
عمرك الله كيف يلتقيان (5)
يريد: سألت الله أن يطيل عمرك؛ لأنه لم يرد القسم بذلك (6). انتهى. -
(1) انظر الكتاب المذكور (2/ 498) وما بعدها تحقيق الدكتور النحاس.
(2)
المقتضب (2/ 326) وما بعدها، والهمع (2/ 45).
(3)
الكتاب (3/ 497، 502، 503).
(4)
إسماعيل بن حماد أبو نصر الفارابي اللّغويّ أخذ عن أبي علي الفارسي، له: الصحاح، ومقدمة في النحو وغير ذلك (ت 393 أو 398 هـ) راجع الأعلام (1/ 309)، والإنباه (1/ 194)، والنزهة (ص 344).
(5)
من الطويل ملحقات ديوانه (ص 503)، والخزانة (1/ 328)، والعيني (4/ 201)، والمغني (ص 207)، والهمع (2/ 128).
(6)
الصحاح «عمر» (2/ 756، 757)، والهمع (2/ 45).