الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استحباب الجماعة في التراويح
لا يشك عالم اليوم بالسنة في مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان هذه الصلاة التي تعرف بصلاة التراويح لأمور ثلاثة:
أ - إقراره صلى الله عليه وسلم بالجماعة فيها.
ب - إقامته إياها.
ج - بيانه لفضلها.
أما الإقرار فلحديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في رمضان فرأى ناسا في ناحية المسجد يصلون فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال قائل: يا رسول الله هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته فقال: «قد أحسنوا» أو «قد أصابوا» ولم يكره ذلك منهم. رواه البيهقي «2/ 495» وقال هذا مرسل حسن.
قلت: وقد روي موصولا من طريق آخر عن أبي هريرة بسند لابأس به في المتابعات والشواهد أخرجه ابن نصر في قيام الليل «ص 20» وأبو داود «1/ 217» والبيهقي.
ب - وأما إقامته صلى الله عليه وسلم إياها ففيه أحاديث:
الأول: عن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السحور الفلاح. رواه ابن أبي شيبة في المصنف «2/ 90 / 2» وابن نصر «89» والنسائي «1/ 238» وأحمد «4/ 272» والفرياني، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم 1/ 440» وقال: وفيه الدليل الواضح أن صلاة التراويح في مساجد المسلمين سنة مسنونة، وقد كان علي بن أبي طالب يحث عمر رضي الله عنهما على إقامة هذه السنة إلى أن أقامها.
الثاني: عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه، ثم جاء آخر، ثم جاء آخر حتى كنا رهطا (1)، فلما أحس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا خلفه تجوز (2) في الصلاة، ثم دخل منزله، فلما دخل منزله صلى صلاة لم يصلها عندنا فلما أصبحنا قلنا: يا رسول الله أو فطنت لنا البارحة؟ فقال: نعم وذاك الذي حملني على ما صنعت رواه أحمد وابن نصر بسندين صحيحين والطبراني في الأوسط بنحوه.
الثالث: عن عائشة قالت: كان الناس يصلون في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان بالليل أوزاعا (3)، يكون مع الرجل شيء من القرآن فيكون معه النفر الخمسة والستة أو أقل من ذلك أو أكثر فيصلون بصلاته، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من ذلك أن أنصب (4) له حصيرا على باب حجرتي ففعلت فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى العشاء الآخرة قالت: فاجتمع إليه من في المسجد فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا طويلا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل وترك الحصير على حاله، فلما أصبح الناس تحدثوا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن كان معه في المسجد تلك الليلة «فاجتمع أكثر» منهم وأمسى المسجد راجا بالناس (5).
«فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية فصلوا بصلاته فاصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد «حتى اغتص بأهله» من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله» فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة ثم دخل بيته وثبت الناس قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس يا عائشة؟ قالت: فقلت له: يا رسول الله سمع الناس بصلاتك البارحة بمن كان في المسجد فحشدوا لذلك لتصلي بهم، قالت فقال: إطو عنا حصيرك يا عائشة، قالت: ففعلت وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم غير غافل وثبت الناس مكانهم «فطفق رجال منهم يقولون:
(1) الرهط ما دون العشرة.
(2)
أي: خفف.
(3)
أي: متفرقين.
(4)
أي أضع في «اللسان» : «والنصب وضع الشيء ورفعه» ولعل الأول هو المناسب هنا والمراد أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تضع حصيرا أمام الباب ويؤيده حديث زيد بن ثابت «اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس
…
». الحديث رواه مسلم «2/ 188» وغيره.
(5)
أراد أن له رجة من كثرة الناس. نهاية.
الصلاة» حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح «فلما قضى الفجر أقبل على الناس ثم تشهد (1) فقال أما بعد» أيها الناس أما والله ما بت والحمد لله ليلتي هذه غافلا وما خفي علي مكانكم ولكني تخوفت أن يفترض عليكم «وفي رواية ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها» فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا. زاد في رواية أخرى: قال الزهري: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر (2).
قلت وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على مشروعية صلاة التراويح جماعة لاستمراره صلى الله عليه وسلم في تلك الليالي ولا ينافيه تركه صلى الله عليه وسلم لها في الليلة الرابعة في هذا الحديث لأنه صلى الله عليه وسلم علله بقوله خشيت أن تفرض عليكم. ولا شك أن هذه الخشية قد زالت بوفاته صلى الله عليه وسلم بعد أن أكمل الله الشريعة، وبذلك يزول المعلول وهو ترك الجماعة ويعود الحكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولهذا أحياها أحياها عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما سبق ويأتي وعليه جمهور العلماء.
الرابع: عن حذيفة بن اليمان قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في رمضان في حجرة من جريد النخل ثم صب عليه دلوا من ماء ثم قال «الله أكبر» الله أكبر «ثلاثا» ذا الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، «ثم قرأ البقرة قال: ثم ركع فكان ركوعه مثل قيامه فجعل يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم «مثلما كان قائما» ، ثم رفع رأسه من الركوع فقام مثل ركوعه فقال: لربي الحمد ثم سجد وكان في سجوده مثل قيامه (3) وكان يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه من السجود «ثم جلس» وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي «رب اغفرلي» ، وجلس بقدر سجوده «ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى
(1) تعني أنه نطق بالشهادة ويحتمل عندي أنها أرادت خطبة الحاجة التي يذكر فيها الشهادة وقد ذكرنا نصها في خطبة الرسالة الأولى ثم طبعناها مفردة.
(2)
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والفرياني في الصيام وابن نصر وأحمد والسياق لهما.
(3)
يعني: القيام بعد الركوع.
مثلما كان قائما» فصلى أربع ركعات يقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة (1).
ج - وأما بيانه صلى الله عليه وسلم لفضلها فهو ما رواه أبو ذر رضي الله عنه قال: صمنا فلم يصل صلى الله عليه وسلم بنا حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر فصلى بنا الثالثة ودعى أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح قلت: وما الفلاح؟ قال السحور. رواه ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والطحاوي في شرح معاني الآثار وابن نصر والفريابي والبيهقي، وسندهم صحيح. والشاهد من الحديث قوله:«من قام مع الإمام .. » فإنه ظاهر الدلالة على فضيلة صلاة قيام رمضان مع الإمام يؤيد هذا ما ذكره أبو داود في المسائل «ص 62» قال: سمعت أحمد قيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده؟ قال يصلي مع الناس.
وسمعته أيضا يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له بقية ليلته» ومثله ذكر ابن نصر «ص 91» عن أحمد ثم قال أبو داود: قيل لأحمد وأنا أسمع: يؤخر القيام - يعني التراويح - إلى آخر الليل؟ قال: لا، سنة المسلمين أحب إلي (2).
[صلاة التراويح ص 3]
(1)«يعني صلاة الفجر» والحديث رواه ابن أبي شيبة وابن نصر والنسائي وأحمد ومسلم وغيرهم مع ملاحظة الزيادات في الروايات الأخرى التي بين القوسين] والحاكم القول بين السجدتين وصححه ووافقه الذهبي ورجاله ثقات.
(2)
يعني الاجتماع في صلاة التروايح مع التبكير بها أفضل عنده من الانفراد بها مع التأخير إلى آخر الليل وإن كان للتأخير فضيلة خاصة فالجماعة أفضل لإقامة النبي صلى الله عليه وسلم لها في تلك الليالي التي أحياها مع الناس في المسجد كما سبق في حديث عائشة وغيره ولذلك جرى عليه المسلمون من عهد عمر إلى الآن.