الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجه آخر عن محمد بن يوسف فقال: إحدى عشرة ركعة كما قال مالك.
قلت: وسنده في غاية الصحة كما قال السيوطي في «المصابيح» وهذا وحده يكفي في رد قول ابن عبد البر، فكيف وقد انضم إلى ذلك تلك المتابعات الأخرى التي لم أر من سبقني إلى جمعها والحمد لله على توفيقه.
[صلاة التراويح ص 53]
لم يثبت أن عمر صلاها عشرين
وتحقيق الأخبار الواردة في ذلك وبيان ضعفها
ولا يجوز أن تعارض هذه الرواية الصحيحة بما رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف بلفظ «إحدى وعشرين» لظهور خطأ هذا اللفظ من وجهين:
الأول: مخالفته لرواية الثقة المتقدمة بلفظ «إحدى عشرة» .
الثاني: أن عبد الرزاق قد تفرد بروايته على هذا اللفظ، فإن سلم ممن بينه وبين محمد بن يوسف فالعلة منه أعني عبد الرزاق لأنه وإن كان ثقة حافظا ومصنفا مشهورا فقد كان عي في آخر عمره فتغير كما قال الحافظ في «التقريب» ولهذا أورده الحافظ أبو عمر ابن الصلاح في «من خلط في آخر عمره» فقال في «مقدمة علوم الحديث»: ذكر أحمد بن حنبل أنه عمي في آخر عمره فكان يلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه بعد ما عمي لا شيء. قال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره. وقال في مقدمة الفصل المذكور «ص 391» : والحكم فيها «يعني المختلطين» أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده.
قلت: وهذا الأثر من القسم الثالث أي لا يدرى حدث به قبل الاختلاط أو بعده فلا يقبل، وهذا لو سلم من الشذوذ والمخالفة فكيف يقبل معها؟ فإن قيل: فقد روى الفريابي في «الصيام» «76/ 1» والبيهقي في «السنن «2/ 496» من
طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: «كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة قال: وكانوا يقرؤون بالمئين وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان رضي الله عنه من شدة القيام» .
قلت: هذه الطريق بلفظ العشرين هي عمدة من ذهب إلى مشروعية العشرين في صلاة التراويح وظاهر إسناده الصحة ولهذا صححه بعضهم ولكن له علة بل علل تمنع القول بصحته وتجعله ضعيفا منكرا وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أن ابن خصيفة هذا وإن كان ثقة فقد قال فيه الإمام أحمد في رواية عنه «منكر الحديث» ولهذا أورده الذهبي في «الميزان» ففي قول أحمد هذا إشارة إلى أن ابن خصيفة قد ينفرد بما لم يروه الثقات، فمثله يرد حديثه إذا خالف من هو أحفظ منه يكون شاذا كما تقرر في «مصطلح الحديث» ، وهذا الأثر من هذا القبيل فإن مداره على السائب بن يزيد كما رأيت وقد رواه عنه محمد بن يوسف وابن خصيفة واختلفا عليه في العدد فالأول قال عنه:«11» ، والآخر قال:«20» ، والراجح قول الأول لأنه أوثق منه فقد وصفه الحافظ ابن حجر بأنه «ثقة ثبت» واقتصر في الثاني على قوله:«ثقة» فهذا التفاوت من المرجحات عند التعارض كما لا يخفى على الخبير بهذا العلم الشريف.
الثاني: أن ابن خصيفة اضطرب في روايته العدد فقال إسماعيل بن أمية أن محمد بن يوسف ابن أخت السائب بن يزيد أخبره «قلت: فذكر مثل رواية مالك عن ابن يوسف ثم قال ابن أمية» : قلت: أو واحد وعشرين؟ قال: «يعني محمد بن يوسف» : لقد سمع ذلك من السائب بن يزيد - ابن خصيفة؟ فسألت «السائل هو إسماعيل بن أمية» يزيد بن خصيفة؟ فقال: حسبت أن السائب قال: أحد وعشرين. قلت: وسنده صحيح.
فقوله في هذه الرواية «أحد وعشرين» على خلاف الرواية السابقة: عشرين وقوله في هذه حسبت أي ظننت دليل على اضطراب ابن خصيفة في رواية هذا العدد، وإنه كان يرويه على الظن لا على القطع لأنه لم يكن قد حفظه جيدا، فهذا
وحده كاف لإسقاط الاحتجاج بهذا العدد فكيف إذا اقترن به مخالفته لمن هو أحفظ منه كما في الوجه الأول؟ ويؤيده الوجه الآتي:
الثالث: أن محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد - كما سبق آنفا - فهو لقرابته للسائب أعرف بروايته من غيره وأحفظ، فما رواه من العدد أولى مما رواه مخالفه ابن خصيفة، ويؤيده أنه موافق لما روته عائشة في حديثها المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، وحمل فعل عمر رضي الله عنه على موافقة سنته صلى الله عليه وسلم خير وأولى من حمله على مخالفتها وهذا بَيِّن لا يخفى إن شاء الله تعالى.
ومثل هذه الرواية في الضعف ما ذكره ابن عبد البر قال:
وروى الحارث بن عبد الرحمن ابن أبي ذباب عن السائب بن يزيد قال: كان القيام على عهد عمر بثلاث وعشرين ركعة.
قلت: وهذا سند ضعيف لأن ابن أبي ذباب هذا فيه ضعف من قبل حفظه قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» «1/ 2 / 80» : «قال أبي: يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة، وليس بذلك القوي يكتب حديث. وقال أبو زرعة: لا بأس به»
قلت: ولذلك كان مالك لا يعتمد عليه كما في «التهذيب» للحافظ ابن حجر وقال في «التقريب» : «صدوق يهم» .
قلت: فمثله لا يحتج بروايته لما يخشى من وهمه لا سيما عند مخالفته للثقة الثبت ألا وهو محمد بن يوسف ابن أخت السائب فإنه قال: «إحدى عشرة ركعة» كما سبق. على أننا لا ندري إذا كان السند بذلك إليه صحيحا فليس كتاب ابن عبد البر في متناول يدنا لنرجع إليه فننظر في سائر سنده إن كان ساقه. ومثل هذه الرواية في الضعف رواية يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة» رواه مالك وعنه الفريابي وكذا البيهقي في السنن. وفيه ضعفه بقوله: يزيد بن رومان لم يدرك عمر.