الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل الوتر من النوافل المطلقة فيقال فيها: زيادة الخير خير
؟ !
مداخلة: شيخنا، على ذكر المسألة التي تَفَضَّلت بها قبل قليل، قضية زيادة الخير خير، هذا شيخنا يعني الأمر أحياناً يكون بين إفراط وتفريط، فلابد من ضوابط، حبذا لو نسمع، مثلاً: كثير من الناس ترد عليهم إشكالات، يقول لك: نحن الآن بين الأذانين، لماذا لا نصلي يوم الجمعة، مع أن إحنا نقول لهم: قبل الأذان لكم أن تُصَلّوا ما شئتم، لكن أنتم لماذا تُخَصِّصون هذا، فالضوابط، حتى بقية الإخوان أنه متى يجوز التعبد بتوسع، ومتى يجوز التقيد بما ورد تعبداً وتقييداً، وجزاكم الله خيراً؟
الشيخ: المسألة هذه معروفة والحمد لله، وهي ما تخرج عما جاء في الشرع.
المفروض في المسلم علماً ليس كل ما كان مفروضاً يكون واقعاً.
لكن المسلم يجب أن يكون واقعه أنه ينسجم دائماً وأبداً مع أحكام الشريعة، سواء ما كان منها أمراً أو ما كان منها نهياً.
والأوامر والنواهي كما تعلمون جميعاً إن شاء الله تنقسم إلى أقسام، الأوامر منها ما هو في حدود الفرضية، ومنها ما هو في حدود السُنِّية، والنواهي ما هو من قسم المحرمات، ومنها ما هو من قسم المكروهات.
فكما أن الأمر الذي هو قسيم من القسم الأول في الفرض، وهو المستحب أو السنة، أن فاعله أو فاعلها يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
كذلك القسيم الثاني للمنهي عنه، قلنا: القسم الأول مُحَرَّم والثاني مكروه.
هذا المكروه إذا انتهى عنه المسلم فيُثَاب على ذلك، وإذا فعله فلا يُعَاقب، ولكن يكون ذلك مكروهاً عليه.
فالآن موضوع الزيادة في العبادة، من أيّ قسم هو، أهو من قسم المحرم أم هو من قسم المكروه؟
الجواب: هو من قسم المُحَرَّم، ذلك لأمور كثيرة، وأهمها الآن في هذه اللحظة
قوله عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» .
فهذا الوعيد المتعلق بالقائم عليه البدعة أو فيه البدعة بالنار، يقتضي أن ارتكاب البدعة ليس من الأمور المكروهة كراهة تنزيهية، وإنما هو من المكروه كما يقول علماء الحنفية كراهة تحريمية.
وعلى ذلك فالعبادات الموجودة في الإسلام، إما أن تكون مُقَيَّدة أو أن تكون مطلقة.
فما كان من العبادات من القسم الأول، أي: مقيداً، فلا يجوز الزيادة على هذا القيد.
وهنا يقال ما تقوله العامة في بعض البلاد وهي كلمة حق: الزائد أخو الناقص.
بمعنى: أن الرجل ولو صلى كصلاة الفجر ثلاث ركعات لصلاة المغرب صدق عليه قول هذه الكلمة: الزائد أخو الناقص، كما أن العكس كذلك، لو أنه صلى المغرب ركعتين أيضاً الزائد أخو الناقص، فكل من المثالين صلاته باطلة، من صلى الفجر ثلاثاً صلاته باطلة، ومن صلى المغرب ركعتين فصلاته باطلة، الزائد أخو الناقص، هذا في العبادات المُقَيَّدة.
ولكن مما يجب التنبيه عليه أنه لا فرق بين ما كان من العبادات مُقَيَّداً في الفرائض.
وما كان منها مقيداً في النوافل، لأن بحثنا لا يزال قائماً في العبادة المُقَيَّدة. نحن ضربنا مثلاً آنفاً: ركعتي فريضة الفجر، وقلنا: إذا صلاها ثلاثاً لم تقبل صلاته، لأنه خالف الشريعة المقيدة، الآن نتكلم عن النافلة التي بين يدي هذه الفريضة، وهما سنة الفجر ركعتان، هاتان الركعتان اللتان قال فيهما عليه الصلاة والسلام:«ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»
لو قال الإنسان كما قلنا في أول هذا الكلام: يا أخي زيادة الخير خير، أنا أصلي بدل الركعتين أربعاً ليس ثلاثاً، فهل هذا من الخير؟
الجواب: لا، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حياته المباركة كلها، وهو يُحَافظ على هاتين الركعتين، لا ينقص منهما ولا يزيد عليهما.
فكان فعله صلى الله عليه وسلم الذي استمر عليه دليلاً عملياً على أنه الزائد أخو الناقص.
فكما أنه لا يجوز أن تصلي ركعتي الفجر ركعة، كذلك لا يجوز أن تُصَلِّيهما ثلاثاً أو أربعاً، فالزائد أخو الناقص.
هذا مثال في النافلة، ذكرته لكي لا يسبق إلى ذهن أحد السامعين أن البحث السابق خاص بالفرائض، فيقول بعضهم: هذا في الفرض، وقد قيل هذا مِرَاراً وتكراراً، أما النافلة فالأمر فيها واسع، وينزع بعضهم في هذه المسألة إلى قوله عليه الصلاة والسلام:«الصلاة خير موضوع، فمن شاء فليستكثر» لكن هذا محله فيما سيأتي البحث فيه في العبادات المطلقة، أما في العبادة المُقَيَّدة سواء كانت فريضة أو كانت نافلة، فها أنتم الآن أمام فرض الفجر وسنة الفجر، فكما أنه لا يجوز الزيادة على فرض الفجر، كذلك لا يجوز الزيادة على سنة الفجر.
والدليل مثابرة الرسول عليه السلام على هاتين الصلاتين ركعتين ركعتين، فالتفريق إذاً: في موضوع الزيادة بين النافلة والفريضة، تفريق مخالف للشرع.
ولعله من المفيد، ومن باب رمي عصفورين بحجر واحد، وعندنا صيادين، أن نقول: يدخل في هذا الموضوع تماماً صلاة قيام الليل، وبخاصة صلاة القيام في رمضان، حيث أنكم تسمعون كثيراً خلافاً طويلاً، فناس يقولون: السنة إحدى عشرة ركعة، وناس يقولون: لا، ثلاثة وعشرين ركعة، وناس في بلاد أخرى يوصلوها ربما إلى فوق الثلاثين، خاصة في الحرم المكي، يصلوا صلاتين، فترى صلاة القيام في كل الأيام وبخاصة في ليالي رمضان ...... هل هي من النافلة المطلقة، أم من النافلة المقيدة كما ضربنا مثلاً آنفاً في سنة الفجر القَبْلِيّة؟
الجواب: هو نفس الجواب الذي قلناه عن سنة الفجر، ونفس الدليل.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر طيلة حياته يصلي سنة الفجر ركعتين كذلك استمر طيلة حياته لا أقول يصلي إحدى عشرة ركعة؛ لأنه سيأتي شيء يختلف سنة القيام عن سنة الوتر، وإنما أقول: استمر النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته المباركة لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، والدليل الذي نزعنا إليه وتمسكنا به، في عدم شرعية أو جواز الزيادة على ركعتي سنة الفجر، هو نفس هذا الدليل ينسحب على عدم جواز الزيادة على
إحدى عشرة ركعة في القيام في كل هذه، وبخاصة منها في رمضان.
قلت: لم أقل في أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر يصلي طيلة حياته إحدى عشرة ركعة، لأنني لو قلت ذلك، لم يجز لنا أن نصلي الوتر إلا إحدى عشرة ركعة، كما قلنا في ركعتي سنة الفجر، هل يجوز نصلي الركعتين ركعة؟
الجواب: لا، فلو أننا قلنا: إن الرسول عليه السلام استمر يصلي الوتر إحدى عشرة ركعة، لوجدنا مشكلة مع أنفسنا قبل أن نوجدها مع غيرنا، ما قلت هذا؛ لأني متذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وصل به الأمر إلى أن يصلي أولاً صلاة الوتر إلى سبع ركعات، وفي بعض الروايات ثلاث، ولكن يبدو أن هذه الثلاث هي بعد الأربع.
فإذاً: يجوز لنا أن ننقص من إحدى عشرة إلى أقل حتى مما صلى الرسول عليه السلام من السبع؛ لأنه قال: «الوتر ركعة» ، وقال في الحديث:«الوتر ركعة من آخر الليل» وقال في الحديث الآخر: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليُوتر بركعة، فإنها تُوتر له ما قد صلى» يُضَاف إلى ذلك أنه ثبت عن بعض السلف أنه صلى الوتر ركعة، أحدهما شاهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه صلى الوتر ركعة، فقيل لابن عباس: إن فلان ما صلى الوتر إلا ركعة، قال: ما حاد عن السنة، أي: أن الوتر أَقَلُّه ركعة، ثم أنت تزيد إلى أن تصل إلى أكثر عدد صَلَّاه الرسول عليه السلام، ألا وهو إحدى عشرة ركعة.
هذا هو الكلام فيما كان من العبادات فرضاً أو نافلة، من العبادات المُقَيَّدة، التي قيدها الرسول عليه السلام بفعله كما ذكرنا، وبقوله من باب أولى.
أما زيادة الخير خير حينما تكون صحيحة، فذلك يكون في العبادات المطلقة، التي جاءت في السنة مطلقة قولاً وفعلاً، أو قولاً دون فعل، ولكن جرى عمل السلف الصالح على هذا الإطلاق.
أما إذا جاءت العبادة مطلقة، أو البيان القولي مطلقاً من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ثبت تقييده من فعل السلف أيضاً، لا يجوز الأخذ في ذاك النص المطلق.
فإذاً: ما كان من النوافل مطلقة ولم يُقَيّده الرسول عليه السلام، فنحن نُطْلِقه ولا نُقَيِّده.
المثال الذي ذكره آنفاً الأخ أبو الحارث هو مثال صالح، نعلم جميعاً قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحض على التبكير بالذهاب وفي الرواح إلى صلاة الجمعة، قوله عليه السلام:«من راح في الساعة الأولى فكأنما قَدَّم بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قَرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قَرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قَرَّب بيضة» .
ثم قال في الحديث الآخر الذي يقول الرسول عليه السلام فيه: «من غَسَّل واغتسل، وبَكَّر وابتكر، ثم دنا من الإمام فصلى ما كتب الله له، غُفِر الله له ما بينه وبين الجمعة التي تليها» .
إذاً: ما بدا له، تصلي ركعتين أربعاً ستاً ثمانية عشر لا بأس ولا حرج من ذلك؛ لهذا الإطلاق الذي أطلقه الرسول عليه السلام أولاً، ثم لجريان العمل على هذا الإطلاق من السلف الصالح ثانياً، فبعضهم كان يصلي ركعتين على الأقل تحية المسجد ويجلس، بعضهم يصلي أربعاً ستاً ثمانياً.
فهنا يخطئ بعض الناس، حينما يحتجون على شرعية ما يُسَمُّونه بسنة الجمعة القبلية، بمثل هذه الآثار التي أشرنا إلى بعضها منقولة عن السلف.
يقول لك: هؤلاء يُصَلّوا، نقول: نعم، هؤلاء يصلوا صلاة مطلقة أولاً، ولم يُصَلِّ ركعتين أو أربعاً مقيدة.
وثانياً: لم يُصَلُّوها بين أذانين؛ لأنه لم يكن يومئذٍ إلا أذان واحد وهو الأذان الذي كان حينما يصعد النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر فيأخذ بلال الأذان، فكانوا يصلون ما بدا لهم، حتى إذا صعد الإمام المنبر أمسكوا وانتهوا.
فهذا المثال ومثله كثير وكثير جداً، مثلاً: الزكاة المطلقة والزكاة المُقَيَّدة، فهناك زكاة لابد من إخراجها بنصاب وبنسب مُحَدّدة، لكن الصدقة النافلة فأنت كُلّما