الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شبهات حول عدم جواز الزيادة على (11) ركعة في التراويح وجوابها
إذا عرفنا إفادة هذا النص أنه لا يجوز الزيادة عليه، فإن من تمام الفائدة أن نسوق بعض الشبهات التي قد يوردها البعض حول هذه المسألة مع الجواب عليها حتى يكون القارئ على بينة من أمره فأقول:
الشبهة الأولى: «اختلاف العلماء دليل على عدم ثبوت النص المعين للعدد» . من المعلوم أن العلماء اختلفوا في عدد ركعات التراويح على أقوال كثيرة كما سيأتي بيانها فقد يقول قائل: إن هذا الاختلاف يدل على عدم وجود نص في العدد إذ لو ثبت لم يقع الاختلاف في عددها ولو ثبت ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يختلف فيه كعدد الوتر والرواتب.
الجواب: نحن نسلم بأن من الاختلافات ما يكون سببه عدم وجود النص، ولكن من العجيب أن يقرر السيوطي هذا القول فإنه يفهم منه أن الاختلاف ليس له إلا سبب واحد وهو عدم ثبوت النص، مع أنه من المعلوم أن هناك اختلافات كثيرة لم يكن سببها عدم وجود النص بل كان عدم وصوله إلى الإمام الذي قال بخلافه، أو أنه بلغه ولكن من طريق لا تقوم الحجة به، أو بلغه صحيحا ولكن فهمه على وجه غير الوجه الذي فهمه الإمام الآخر، وغير ذلك من أسباب الاختلاف التي ذكرها العلماء فالاختلاف ليس له سبب واحد، بل له - كما ترى - أسباب كثيرة، ألا ترى أن هناك مسائل كثيرة اختلفوا فيها مع أن فيها نصوصا ثابتا عنه صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم عند العلماء بالفقه والأخبار، ولنضرب على ذلك مثالا واضحا ألا وهو «رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه» فقد اتفق العلماء كلهم من مختلف المذاهب على مشروعيته ما عدا الحنفية مع أنه ورد فيه نحو عشرين حديثا صحيحا وفي بعضها أن أبا حميد الساعدي رضي الله عنه وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بحضور عشرة من الصحابة وذكر فيه الرفع فلما فرغ من وصفها قالوا له: «صدقت
هكذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه البخاري. وقد أجاب أبو حنيفة رضي الله عنه حين سئل عن عدم أخذه بالرفع بقوله: «لأنه لم يصح فيه حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» في حكاية معروفة جرت بينه وبين أحد المحدثين ذكرها الحنفية في كتبهم، فهذا القول من قبل الإمام أبي حنيفة رحمه الله لا يمكن أن يقوله لو أنه وقف على هذه الطرق التي أشرنا إليها، فهذا أكبر دليل على أن الخلاف في هذه المسألة ليس سببه عدم وجود أو ثبوت النص، بل السبب هو عدم وصوله إلى الإمام من طريق صحيح كما عبر عن ذلك الإمام أبو حنيفة نفسه رحمه الله تعالى.
وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة معروفة عند المشتغلين بالسنة.
أقول: فكما أن الاختلاف في هذه المسألة وحدها لا يدل على عدم ورود نص ثابت فيها، فكذلك الاختلاف في عدد ركعات التراويح لا يدل على عدم ورود نص ثابت فيه، لأن الواقع أن النص وارد ثابت فيه فلا يجوز أن يرد النص بسبب الخلاف بل الواجب أن يزال الخلاف بالرجوع إلى النص عملا بقول الله تبارك تعالى:«فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما»
وقوله: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا» .
الشبهة الثانية: «لا مانع من الزيادة على النص ما لم ينه عنها» . وقد يقول قائل آخر: سلمنا أنه ثبت النص أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى التراويح إحدى عشرة ركعة فقط وأنه ثبت ضعف الخبر الذي فيه أن صلاها عشرين ولكن لا نرى مانعا من الزيادة عليه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها.
قلت: الأصل في العبادات أنها لا تثبت إلا بتوقيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الأصل متفق عليه بين العلماء ولا نتصور مسلما عالما يخالف فيه، ولولا هذا الأصل لجاز لأي مسلم أن يزيد في عدد ركعات السنن بل والفرائض الثابت عددها بفعله صلى الله عليه وسلم واستمراره عليه بزعم أنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن الزيادة عليها وهذا بين ظاهر البطلان فلا ضرورة لأن نطيل
فيه الكلام خاصة، وقد سبق أن بينا مفصلا «ص 22 - 24» أن الزيادة على صلاة التراويح أخرى بالمنع من الزيادة على السنن والرواتب فتذكره.
الشبهة الثالثة: «التمسك بالنصوص المطلقة والعامة» تمسك بعضهم بالنصوص المطلقة والعامة في الحض على الإكثار من الصلاة بدون تحديد عدد معين. كقوله صلى الله عليه وسلم لربيعة بن كعب وقد سأله مرافقته في الجنة: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» رواه مسلم في صحيحه وأبو عوانة. وكحديث أبي هريرة رضي الله عنه «كان يرغب في قيام رمضان.» ونحو ذلك من الأحاديث التي تفيد بإطلاقها وعمومها مشروعية الصلاة بأي عدد شاء المصلي.
والجواب: أن هذا تمسك واه جدا بل هي شبهة لا تساوي حكايتها كالتي قبلها؟ فإن العمل بالمطلقات على إطلاقها إنما يسوغ فيما لم يقيده الشارع من المطلقات، أما إذا قيد الشارع حكما مطلقا بقيد فإنما يجب التقيد به وعدم الاكتفاء بالمطلق، ولما كانت مسألتنا «صلاة التراويح» ليست من النوافل المطلقة لأنها صلاة مقيدة بنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق بيانه في أول هذا الفصل فلا يجوز تعطيل هذا القيد تمسكا بالمطلقات وما مثل من يفعل ذلك إلا كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم المنقولة عنه بالأسانيد الصحيحة يخالفها كما وكيفا متناسيا قوله صلى الله عليه وسلم:«صلوا كما رأيتموني أصلي» محتجا بمثل تلك المطلقات كمن يصلي مثلا الظهر خمسا وسنة الفجر أربعا وكمن يصلي بركوعين أو سجدات. وفساد هذا لا يخفى على عاقل، ولهذا قال العلامة الشيخ علي محفوظ في «الإبداع» «ص 25» بعد أن نقل من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة قال: وعلمت أن التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول وتركه هو اتباع المتشابه الذي نهى الله عنه، ولو عولنا على العمومات وصرفنا النظر عن البيان لا نفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده ولا يقف الاختراع في الدين عند حد وإليك أمثلة في ذلك على ما تقدم:
الأول: جاء في حديث الطبراني: الصلاة خير موضوع. لو تمسكنا بعموم هذا