الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأول: وهو الأقوى والأكثر: عدم الاطلاع على هذا النص الوارد في العدد، فمن لم يبلغه ذلك فهو معذور في عدم العمل به لقوله تعالى عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق القرآن:«لأنذركم به ومن بلغ» بل هو مأجور لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد» رواه البخاري وغيره.
الثاني: أنهم فهموا النص فهمًا لا يلزمهم الوقوف عنده وعدم الزيادة عليه لوجه من وجوه التأويل التي قد تعرض لبعض العلماء بغض النظر عن كونه خطأ أو صوابا كقول الشافعية: وأما قول عائشة: «ما كان صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» فمحمول على الوتر. ونحو ذلك من الوجوه التي لا تلزم غيرهم الأخذ بها لثبوت ضعفها لديهم فانظر مثلا إلى هذا الوجه الذي نقلته عن الشافعية فإنه ظاهر الضعف إذا تذكرت أن قول عائشة هذا إنما كان جوابا لمن سألها: «كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان» ؟ كما سبق، فالصلاة المسؤول عنها شاملة لكل صلاة الليل فكيف يصح أن يحمل على الوتر فقط دون صلاة الليل كلها، مع أن هذا الحمل يفيد أنه صلى الله عليه وسلم كان له صلاتان: إحداهما صلاة الليل - وما أدري كم تكون ركعاتها - والأخرى صلاة الوتر بأكثر ركعاته: إحدى عشرة ركعة، وهذا مما لا يقوله عالم بالسنة، فالأحاديث متضافرة على أن صلاته صلى الله عليه وسلم في الليل لم تزد على الإحدى عشرة ركعة على التفصيل المتقدم فهذا من نتائج تأويل النصوص لتأييد المذهب.
[صلاة التراويح ص 40]
موقفنا من المخالفين لنا في هذه المسألة وغيرها
إذا عرفت ذلك فلا يتوهمن أحد أننا حين اخترنا الاقتصار على السنة في عدد ركعات التراويح وعدم جواز الزيادة عليها أننا نضلل أو نبدع من لا يرى ذلك من العلماء السابقين واللاحقين، كما قد ظن ذلك بعض الناس واتخذوه حجة للطعن علينا توهما منهم أنه يلزم من قولنا: بأن الأمر الفلاني لا يجوز أو أنه بدعة أن كل من
قال بجوازه واستحبابه فهو ضال مبتدع، كلا فإنه وهم باطل وجهل بالغ، لأن البدعة التي يذم صاحبها وتحمل عليه الأحاديث الزاجرة عن البدعة إنما هي «طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» فمن ابتدع بدعة يقصد بها المبالغة في التعبد وهو يعلم أنها ليست من الشرع فهو الذي تنصب عليه تلك الأحاديث، وأما من وقع فيها دون أن يعلم بها ولم يقصد بها المبالغة في التعبد فلا تشمله تلك الأحاديث مطلقا ولا تعنيه البتة، وإنما تعني أولئك المبتدعة الذي يقفون في طريق انتشار السنة ويستحسنون كل بدعة بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير، بل ولا تقليدا لأهل العلم والذكر، بل اتباعا للهوى وإرضاء للعوام، وحاشا أن يكون من هؤلاء أحد من العلماء المعروفين بعلمهم وصدقهم وصلاحهم وإخلاصهم ولا سيما الأئمة الأربعة المجتهدين رضي الله عنهم أجمعين، فإننا نقطع بتنزههم أن يستحسنوا بدعة مبالغة منهم في التعبد، كيف وهم قد نهوا عن ذلك كما سنذكر نصوصهم في ذلك في الرسالة الخاصة بالبدعة إن شاء الله تعالى.
نعم قد يقع أحدهم فيما هو خطأ شرعا ولكنه لا يؤاخذ على ذلك بل هو مغفور له ومأجور عليه كما سبق مرارا، وقد يتبين للباحث أن هذا الخطأ من نوع البدعة فلا يختلف الحكم في كونه مغفورًا له ومأجورا عليه لأنه وقع عن اجتهاد منه، ولا يشك عالم أنه لا فرق من حيث كونه خطأ بين وقوع العالم في البدعة ظنا منه أنها سنة وبين وقوعه في المحرم وهو يظن أنه حلال، فهذا كله خطأ ومغفور كما علمت، ولهذا نرى العلماء مع اختلافهم الشديد في بعض المسائل لا يضلل بعضهم بعضا ولا يبدع بعضهم بعضا.
ولنضرب على ذلك مثالا واحدا لقد اختلفوا منذ عهد الصحابة في إتمام الفريضة في السفر فمنهم من أجازه ومنهم من منعه ورآه بدعة مخالفة للسنة ومع ذلك فلم يبدعوا مخالفيهم فهذا ابن عمر رضي الله عنه يقول: «صلاة المسافر ركعتان من خالف السنة كفر» . رواه السراج في مسنده بإسنادين صحيحين عنه.
مع هذا فلم يكفر ولم يضلل من خالف هذه السنة اجتهادا بل لما صلى وراء من يرى الإتمام أتم معه.
فروى السراج بسند صحيح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان صدرا من أمارته ركعتين، ثم أن عثمان صلى بمنى أربعا، فكان ابن عمر اذا صلى معهم صلى أربعا، واذا صلى وحده صلى ركعتين. وروى البخاري نحوه عن ابن مسعود وفيه أنه لما بلغه إتمام عثمان استرجع. فتأمل كيف أن ابن عمر لم يحمله اعتقاده بخطأ من يخالف السنة الثابتة بالإتمام في السفر على أن يضلله أو يبدعه بل إنه صلى وراءه لأنه يعلم أن عثمان رضي الله عنه لم يتم اتباعا للهوى - معاذ الله - بل ذلك يجب عن اجتهاد منه، وهذا هو السبيل الوسط الذي نرى من الواجب على المسلمين أن يتخذوه لهم طريقا لحل الخلافات القائمة بينهم أن يجهر كل منهم بما يراه هو الصواب الموافق للكتاب والسنة شريطة أن لا يضلل ولا يبدع من لم ير ذلك لشبهة عرضت له، لأنه هو الطريق الوحيد الذي به تتحقق وحدة المسلمين وتتوحد كلمتهم ويبقى الحق فيه ظاهرا جليا غير منطمس المعالم، ولهذا نرى أيضا أن تفرق المسلمين في صلاتهم وراء أئمة متعددين: هذا حنفي وهذا شافعي .... مما يخالف ما كان عليه سلفنا الصالح من الاجتماع في الصلاة وراء إمام واحد وعدم التفرق وراء أئمة متعددين. هذا هو موقفنا في المسائل الخلافية بين المسلمين الجهر بالحق بالتي هي أحسن وعدم تضليل من يخالفنا لشبهة لا لهوى.
وهذا هو الذي جرينا عليه منذ أن هدانا الله لاتباع السنة وذلك من نحو عشرين سنة، ونتمنى مثل هذا الموقف لأولئك المتسرعين في تضليل المسلمين الذين من مذهبهم قولهم:«إذا سئل عن مذهبنا؟ قلنا: صواب يحتمل الخطأ، وإذا سئلنا عن مذهب غيرنا؟ قلنا خطأ يحتمل الصواب» ومن مذهبهم القول بكراهة الصلاة وراء المخالف في المذهب أو بطلانها، ولذلك تفرقوا في المسجد الواحد كما سبق، وخاصة في جماعة الوتر في رمضان لظن بعضهم أن الوتر لا يصح إذا فصل الإمام بين شفعه ووتره مع أنه هو الأفضل الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في الفصل السابع. وذلك هو موقفنا وما أظن عاقلا ينازعنا فيه، فمن نسب إلينا غير ذلك فقد