الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حكم قراءة الإمام في صلاة التراويح من المصحف
السائل: هل يجوز لرجل أن يَؤُم الناس في صلاة التراويح وهو يقرأ من المصحف؟
الشيخ: هذه مسألة اختلف فيها العلماء منذ القديم، منهم من أجاز ذلك، ومنهم من كَرهه.
أنا بَصُفُّ نفسي مع الذين كرهوه، لسببين اثنين: السبب الأول: أنه لم يكن من عمل السلف، السلف الصالح ما كانوا يقرؤون في صلاة التراويح يَؤُمون الناس والمصاحف بأيديهم، وهذا أمر طبيعي جداً، لماذا؟ شوفوا النتائج كيف تختلف؛ لأن أئمتهم ما كانوا مثل أئمتنا.
أئمتهم كانوا علماء، كانوا حفاظاً لكتاب الله عز وجل، اليوم أكثر أئمتنا مُحَوِّشين -ولا مؤاخذة- تحويش؛ لأنه صارت الإمامة وظيفة، كأي وظيفة من الوظائف في الدولة، المفروض في الإمام أن يحفظ قسماً كبيراً، إذا ما قلنا يحفظ القرآن كله من أوله إلى آخره، فأن يحفظ قسماً كبيراً من كلام الله عز وجل، حتى يؤم الناس وما يملوا قراءته.
لأن الإنسان طبيعتُه الملل، ولو كان يسمع كلام الله فهو يمل، لكن لَمَّا يُنَوّع الإمام كل كم يوم يسمع له آية جديدة، خاصة لما يضع ذهنه فيما يتلو الإمام، بتصير الفائدة مزدوجة، الأمر الأول إذاً: هو لأن السلف الصالح ما كانوا يَؤُمون الناس والمصاحف بأيديهم.
والسبب الثاني: فُهم ضمناً، أننا إذا فتحنا باب تجويز إمامة الأئمة للناس بالمصحف، صرفنا الأئمة عن العناية بحفظ القرآن.
علماً أن القرآن حِفْظُه ليس بالأمر السهل، وقد أشار الرسول عليه السلام إلى هذا الأمر بقوله «اقرؤوا هذا القرآن وتغنوا به، فوالذي نفس محمد بيده إنه أشد
تَفَلُّتاً من صدور الرجال من الإبل من عُقُلها».
أنتم معشر العرب تعرفون هذا الكلام الذي بيقوله الرسول عليه السلام «أشد تَفَلُّتاً من الإبل من عُقُلها» هكذا القرآن يتفلت من صدر الحافظ، إلا ما دام عليه قائماً بالحفظ.
الناس اليوم بيطلبوا الراحة، وأنت لما بتقول للناس أقرؤوا بالمصحف، أرحتهم، وليس هذا من مقاصد الشريعة.
مقاصد الشريعة أنك تَحُضُّهم على العناية كما قال عليه السلام «اقرؤوا هذا القرآن - مفهوم - وتغنوا به - ما معناه - فسره العلماء على وجهين:
الوجه الأول: تَغَنَّوا به، أي استغنوا به عن أن تطلبوا به أجر الدنيا دون الآخرة، كما يفعل بعض القُرَّاء اليوم مع الأسف، حيث يُدعون لمناسبة وفيات ومآتم، يُدعى القارئ المشهور أو المقرئ المشهور فاتفق معه على أجر مسمى من شان يقرأ له، مثلاً على روح الميت سورة {يس} وعلى قدر طول القراءة يكون طول الأجر، لأنه صارت تجارة.
هذا الذي أشار الرسول عليه السلام إلى الانصراف عنه، بقوله «وتغنوا به» أي استغنوا بتلاوة القرآن عن تحصيل أجر الدنيا.
المعنى الثاني: هو معنى معقول ووجيه جداً تغنوا به يعني كما قال عليه السلام في الحديث الآخر «حسنوا أو زينوا القرآن بأصواتكم» لَيِّنوا القرآن بأصواتكم وأصرح منه قوله عليه السلام: «من لم يتغنَ بالقرآن فليس منا» وحديث آخر «لله أشد أَذَناً لنبيٍّ يقرأ القرآن، يتغنى به يجهر به» .
أي أن الله عز وجل أشد ما يكون استماعاً لصوتٍ، ليس هناك شيء أكثر من صوت نبي يقرأ القرآن يتغنى به يرفع صوته به.
فالتغني بالقرآن أمر مرغوب فيه جداً، لكن ليس المقصود بهذا التغني بالمعنى الثاني، هو أن نقرأ القرآن على التقاسيم الموسيقية، ولا القوانين الغربية، هذا ينبغي
أن نُرَفِّع القرآن عن مثل ذلك؛ لأنه كلام الله عز وجل، وإنما ينبغي أن يُقرأ القرآن كما قال عليه الصلاة والسلام:«خيركم قراءةً، من إذا رُئي يقرأ القرآن رُئي أنه يخشى الله» هذا خير الناس قراءةً، من إذا سمعته يقرأ القرآن تظن فيه أنه يخشى الله.
أما هذا التطريب وهذا الصعود وهذا النزول، وذاك التنغيم الذي يطلع بعض القراء:«الله، زادك الله كذا، اللهم صل على النبي» من الصياح والزُّعَاق، هذا ليس من الأدب في تلاوة القرآن الكريم أبداً، وإنما واجب المستمعين الإصغاء لما يُتلى عليهم من كتاب الله والتدبر فيه، أما هذا الصياح والزعاق هذا يصرفهم عن الإصغاء لما يُتلى عليهم من كلام الله تبارك وتعالى
الشاهد: أن قوله عليه الصلاة والسلام «اقرؤوا هذا القرآن، وتغنوا به» يُفسَّر بمعنيين فوالذي نفس محمد بيده، إنه أشد تَفَلُّتاً من صدور الرجال، من الإبل من عُقُلها.
من هذا وذاك: لا نرى شرعية القراءة في صلاة التراويح، خاصة من المصحف.
يُضاف إلى ذلك شيءٌ لاحظناه في السعودية، أن الذي يقرأ في القرآن أنه يضطر أن يأتي بالحركات، الذي يقرأ من المصحف يضطر أن يجلب حركات لا تتناسب مع الهدوء والخشوع في الصلاة، فقد جاء في الحديث الصحيح قوله عليه السلام «اسكنوا في الصلاة» يعني نصلي حينما نقف في الصلاة ينبغي أن يكون مثل الخشبة الجامدة، خاشعاً بين يدي الله، حتى لو صلى في البرية الطير بيظنه خشبة يقف عليه، أما الحركات هذه المُنَافية للصلاة، فذلك خلاف هذا الأمر النبوي الكريم «اسكنوا في الصلاة» .
رأينا بعض الذين يقرؤون من المصحف، منهم من يضع المصحف تحت إبطه، ثم تراه كأنه مُغَلّل في يده لا يستطيع أن يرفع يديه كما شرع الله على لسان نبيه وفعله وعمله، ثم لا يستطيع أن يسجد سجود الرسول عليه السلام حيث كان إذا سجد جافي عن إبطيه، ولعلكم إن شاء الله تعرفوا هذه السنة، يمكن تعرفوها لكن ما تفعلوها أو إذا فعلتوها فقليل منكم يفعلها، وقليل من عبادي الشكور.
فهذا الذي يُلقي المصحف تحت إبطه، لو أراد أن يأتي بهذه السنة وقع المصحف من يده.