الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم الوتر حينما جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة
؟
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70]{يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71]. أما بعد:
فإن خيرَ الكلام كلام الله وخيرَ الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشَرَّ الأمور محدثاتُها، وكُلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد -أيضاً-: فالسؤال الذي سمعتموه كلكم أو بعضكم من فضيلة الشيخ البنا، هو: هل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة جمع تأخير؟
الجواب: لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى أكثر من الجمع بين الفريضتين، وجمع التقصير.
وقد ذكر الرُواة من أصحابه صلى الله عليه وسلم أنه نام حتى أصبح.
ففي ذلك إشعار قويّ على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد في تلك الليلة بخاصة، على أداء الفريضتين: فريضة المغرب، وفريضة العشاء.
وعلى ذلك فنستطيع أن نأخذ من هذه الرواية حُكْمَين اثنين:
الحكم الأول: أنه إذا كان الله عز وجل قد خَفَّف عن المسلمين الفريضة في حالة السفر بعامة وفي حالة الجمع في المزدلفة بخاصة، خَفَّف عنهم الفريضة
فجعلها ركعتين «صلاة العشاء» أما المغرب فكما تعلمون فركعاتها ثابتة، فمن باب أولى أن يُخَفِّف الله عز وجل عن المسلمين المسافرين من التطوع.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: لو سَبَّحت لأتممت» لو سبحت -أي في السفر- لأتممت الفريضة.
فإذا كان الله عز وجل قد خَفَّف عن عباده من الفريضة، كما سمعتم ركعتين من الصلاة الرباعية، فكيف بنا ألَّا نخفف عن أنفسنا، فلا نُسَبِّح ولا نتطوع؛ لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم جَرَت على عدم التطوع في السفر.
ولا أعني هذا بصورة عامة، وإنما بَحْثُنا الآن بالنسبة للسنن الرواتب، وآكَدُها سنة الوتر، ثم سنة الفجر.
ولا شك ولا ريب عند كل فقيه بالسنة، أن وضع الحَاج أحَسّ وأدق من أيّ وضع مسافر ما.
فلا غرابة ولا عجب أن لا يتطوع النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الوتر في تلك الليلة؛ تخفيفاً من الله عز وجل عن عباده، هذا هو الحكم الأول الذي يُمْكِننا أن نستنبطه، وأن نفهمه من عدم ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين نقلوا لنا صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم بعامة، وما فعله في المزدلفة بخاصة.
أما الحكم الثاني: فهو أن صلاة الوتر ليس فريضة، وإنما هو كما قال عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- حينما سُئِل عن صلاة الوتر: أهو واجب كوجوب الصلوات الخمس؟ قال: «لا، وإنما هو سنة سَنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم» فترك الرسول صلى الله عليه وسلم للوتر في تلك الليلة، إشعار قوي جداً بالفرق بين الوتر من حيث حكمه، وبين الفريضة.
فالفريضة لا تَسْقُط مطلقاً، أما الوتر فقد تركه الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة.
ففيه بيان للحكم الأول أولاً، ثم للحكم الآخر ثانياً، وهو أن الوتر سُنَّة وليس بفريضة.
وهناك أدلة أخرى تؤكد هذا الحكم الثاني، وهو سُنِّية الوتر، وليس أنه فرض أو واجب كما يقوله بعض الفقهاء المتقدمين، ومن يقلده من المتأخرين أن الوتر واجب.
فلا هو فرض كفريضة الصلوات الخمس، ولا هو سنة كالسنن الرواتب، العشر ركعات المعروفة في كل يوم وليلة، هكذا يقول بعض الفقهاء المتقدمين، ومن اتبعهم.
ولكن السُّنَّة أحق أن تُتَّبع، وبخاصة كما أشرت أخيراً، إلى أن هناك أدلةً أخرى على أن الوتر ليس من الفرائض.
وحسبكم حديث الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عمّا فَرَض الله عليه في كل يوم وليلة.
فكان جوابه عليه الصلاة والسلام كما تعلمون: «خمس صلوات في كل يوم وليلة» ، ولما سأل ذلك الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: هل عليّ غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تطوع» ، «إلا أن تطوع» .
إذاً: ما سوى الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وأرجوا أن تُمْعنوا النظر في قولي هذا: في كل يوم وليلة.
دل قوله عليه السلام له: «لا، إلا أن تطوع» أنه لا يجب في كل يوم وليلة إلا تلك الصلوات الخمس.
أرجو أن تتأملوا معي في هذا القيد، بما سيأتي بيانه توضيحاً ونصيحة للأمة.
فلما سمع ذلك الأعرابي أو ذاك الرجل قول النبي صلى الله عليه وسلم له: «لا، إلا أن تطوع» ، قال: والله يا رسول الله لا أزيد عليهن ولا أنقص، فقال عليه الصلاة والسلام:«أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق» .
وقبل أن أعود إلى ذلك القيد، لا بد لي من التنبيه لأمر عَزَّ التنبيه عليه في بطون كتب الحديث فضلاً عن غيرها، فضلاً عن تنبيه الكثير من أهل العلم على ذاك الأمر المهم، ألا وهو في هذه الرواية «أفلح الرجل إن صدق» ، زيادة:«وأبيه» «أفلح الرجل وأبيه إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق» .
فهذا الحَلْف من حيث علم الحديث هي رواية شاذة، أي: رواية ضعيفة، لا تصلح للحُجَّة، وإن كانت قد وردت في بعض طرق الحديث في الصحيح، ولكن الرواة الثقات تَنَكَّبوها، وتجنبوها، ولم يرووها؛ لأنها كانت لم تكن محفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أعود إلى ذلك القيد، إن هذا الحديث:«إلا أن تطوع» يعني أنه لا يوجد شيء مفروض في كل يوم وليلة مع الصلوات الخمس فرضاً رتيباً مُنَظَّماً كما يُسن تلك العقيدة تلك العشر ركعات من السنن الرواتب، فلا ينافي ذلك.
أنا أتعرض لهذا، لعلمي أن هناك بعض الإشكالات، وبعض الشُبُهَات يذكرها بعض الناس، إما كشبهة عارضة أو للدفاع عن مذهب لهم.
ما حكم صلاة العيدين مثلاً، إن قيل بأنها فريضة أو واجبة وهما لفظان يُؤَدِّيان معنىً واحد؛ لأنه لا فرق شرعاً بين أن يقال: هذا فرض أو هذا واجب، هناك فقط فرق اصطلاحي في مذهب من المذاهب المُتَّبَعة، ولا يهمنا الاصطلاح، فإن الأمر كما قيل: إن لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاؤوا.
لكن أيّ اصطلاح لا يجوز أن يُتَّكَأ عليه وأن يُعْتَمد عليه في تأويل نصوص الشرع، سواءٌ ما كان منها في الكتاب أو في السنة.
إذا عرفنا هذا فصلاة العيدين إن قيل بفرضيتهما أو بوجوبهما والمعنى واحد كما ذكرنا، فهل ينافي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لذاك الأعرابي:«لا، إلا أن تطوع» .
كذلك إذا قيل بوجوب تحية المسجد، وهو الحق الذي لا يعارضه شيء من السنة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:«إذا دخل أحدكم المسجد، فليُصَلِّ ركعتين ثم ليجلس» ، وفي الرواية الأخرى تأكيداً للرواية الأولى:«فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين» .
هذا أمره صلى الله عليه وسلم، والأمر يقتضي الوجوب، وبخاصة إذا اقترن معه شيء من الاهتمام بهذا الأمر، زائداً على الأمر نفسه.
كما جاء في هذا الحديث، وهو في الصحيحين من حديث أبي قتادة الأنصاري -
رضي الله عنه- أنه دخل المسجد النبوي يوماً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله بعض أصحابه، فانضم أبو قتادة إلى هؤلاء الصحابة وجلس بينهم، يستمع الذكر يستمع الموعظة، وعند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه عليه الصلاة والسلام قال له:«يا أبا قتادة أصليت؟ » قال: لا، قال:«قم فصل ركعتين» .
وأذكر مسبقاً: هذا غير الحديث الثاني، حديث أبي سليك الغطفاني، فقام ليصلي، وبهذه المناسبة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا دخل أحدكم المسجد فليُصَلِّ ركعتين ثم ليجلس» ، والرواية الأخرى كما ذكرنا:«فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين» .
الشاهد: أن مع هذا الأمر الاهتمام بجلوس أبي قتادة قبل التحية، فلم يسكت عليه الصلاة والسلام عنه؛ لعلمه بما عَلَّمنا به، ألا وهو: أن التحية تحية المسجد، أمر لا ينبغي أن يتساهل به المسلم؛ لذلك سأله:«صليت ركعتين؟ » قال: لا، قال:«قم فصل» ثم ذكر هذا الحديث.
ثم يأتي تأكيد آخر، لكون هذا الأمر ليس للاستحباب، ولو كان استحباباً مؤكداً، وإنما هو للوجوب: حديث سليك الغطفاني لما جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فجلس، فقال له عليه الصلاة والسلام:«يا فلان، أصليت؟ » ، قال: لا، قال:«قم فصل ركعتين» ، ثم التفت إلى الجمهور من الجالسين المصغين لخطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخاطبهم جميعاً؛ دفعاً لشبهةٍ قد تقع وقد وقعت فعلاً، وذلك من تمام هذا الشرع المبارك حيث تَوَجّه عليه الصلاة والسلام بذلك الخطاب العام فقال:«إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصل ركعتين، وليتجوز فيهما» .
خاطب الجالسين بهذا الخطاب، لدفع شبهة قد ترد، وقد وردت فعلاً وقيلت في بعض الكتب: إن هذا كان لعلةٍ، ما هي هذه العلة؟ قيل، وقيل، مرجعها إلى أن هذا الأمر الذي وُجِّه إلى سُلَيك الغطفاني، هو أمر خاص به.
فأبطل عليه الصلاة والسلام هذه الشبهة سَلَفاً؛ بتوجيهه الأمر للأمة كلها جميعها: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصل ركعتين، وليتجوز
فيهما»، أي: ليخففهما، ليخفف القراءة فيهما، وليس تخفيف الأركان التي لا تصح الصلاة إلا بها، هنا أمر آخر غير ذلك الأمر الآخر الذي سبق ذكره في حديث أبي قتادة مما يدل على اهتمام الشارع الحكيم بهذه التحية.
أول ذلك أننا وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قطع خطبته التي كان ماشياً فيها، حينما رأى مسلماً يجلس في المسجد قبل أن يصلي التحية.
لكنه عليه الصلاة والسلام من احتياطه ورأفته بأمته لم يأمره فوراً بأن يقوم؛ لاحتمال أن يكون قد صلى، فاستفهم منه:«أصليت» قال: لا، فأمره وقال له:«قُم فصلِّ ركعتين» هذا قطعه عليه السلام للخطبة اهتمام آخر، يدل على أهمية تحية المسجد.
الشيء الآخر: وهو لعله أهم من السابق، أننا نعلم جميعاً أنه لا يجوز لمن كان في المسجد يوم الجمعة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام:«إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغوت» قولك: أنصت، فيمن يتكلم، والكلام والخطيب يخطب حرام، قولك له: أنصت، أمرك إياه بهذا المعروف منكر عند النبي صلى الله عليه وسلم بصريح هذا الحديث.
فإذاً: إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد سقط عمن كان في المسجد؛ ليتفرغ للإصغاء والاستماع للخطيب، فبماذا نُوَجِّه أمر النبي صلى الله عليه وسلم لمن دخل المسجد يوم الجمعة أن يصلي ركعتين؟ هل يُمْكِن توجيه هذا الأمر، بأنه أمر بأمر مستحب فقط، وهو لم يسمح لمن كان في المسجد أن ينقل نفسه عن الإنصات للإمام ولو بكلمة: أنصت.
فكيف يأمر الداخل إلى المسجد بصلاة ركعتين؟ وفي ذلك انشغال بزمن أطول وأطول بكثير من قوله: لمن رآه يتكلم: أنصت.
فَدَلَّ هذا وذاك وذاك، كل هذه المُلْحَقات بالأمر على أن تحية المسجد ليست سُنَّة مستحبة إن فعلها أثيب، وإن تركها لم يُعاقب، لا، وإنما تحية المسجد هو واجب من الواجبات.
ولا أتورع أن أقول: فرض من الفرائض؛ لأننا ذكرنا مُقَدَّماً أنه لا فرق بين قولنا هذا فرض أو هذا واجب.
إذا كان الأمر كذلك: فهل يتنافى القول بوجوب تحية المسجد مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي، أو لذاك الرجل: لا إلا أن تطوع؟
الجواب: لا تنافي؛ لأن المقصود بقوله عليه السلام: «إلا أن تطوع» مع الصلوات الخمس، كما هو الشأن بالنسبة للسنن الرواتب العشر ركعات، فكلما صلى المسلم فريضة من الفرائض، فَيُسَن في حقه أن يصلي ركعتين.
أما التحية فهي لا تلزم كل مصلٍ، يصلي صلاة من الصلوات الخمس؛ لأنه قد لا يصلي في المسجد، قد لا يدخل المسجد.
أي: إذا وُجِد السبب المقتضي للتحية صلاهما ولا بد، ألا وهو دخول المسجد.
كذلك لا ينافي قوله عليه السلام: «إلا أن تطوع» القول وهو الراجح عند العلماء، بوجوب صلاة العيدين؛ لأن هاتين الصلاتين ليستا من الصلوات الخمس، التي تَتَكرر بدخول كل يوم، وإنما هما صلاتان مرتان في السنة، صلاة عيد الفطر، وصلاة عيد الأضحى.
كذلك يقال: وعلى ذلك فقس، هل يُنَافي ما سبق من حديث الأعرابي، القول بوجوب صلاة الكسوف أو صلاة الخسوف، لا ينافي ذلك، لماذا؟ لأنها تصلى لأمر عارض وهو كسوف الشمس، وقد أمر بذلك عليه الصلاة والسلام في الحديث المُتَّفق عليه بين الشيخين، كما جاء عن ابن عباس وعن السيدة عائشة وعن جَمْع كثير من الصحابة، أن الشمس كسفت يوم وفاة إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام فقال الناس، أو بعض الناس بناءً على عادتهم في الجاهلية:«ما كسفت الشمس إلا لموت إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام» فخطبهم صلى الله عليه وسلم وقال لهم: «يا أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فَصَلُّوا وتَصَدَّقوا وادعوا» .
فقد أمر عليه الصلاة والسلام بصلاة الكسوف لهذه الظاهرة الإلهية، فلا ينافي القول بوجوبها، كما صَرَّح بذلك بعض أئمة الحديث، وأذكر منهم «أبا عوانة» في مسنده المعروف بـ «صحيح أبي عوانة» وهو المستخرج على صحيح مسلم فقال فيه: باب وجوب صلاة الكسوف.
لا يُنَافي -أيضاً- القول بوجوب هذه الصلاة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إلا أن تطوع» ؛ لما ذكرته أكثر من مرة، أن المقصود «إلا أن تطوع مع هذه الصلوات الخمس» فذلك لا ينافي أن يكون من المفروض شيء آخر، بمناسبةٍ تعرض للمسلم وليست هي في الأصل مفروضة عليه.
لعل هذا من المناسب -أيضاً-، والشيء بالشيء يُذْكَر، قد جاء في الحديث الصحيح أنه لا تصلى فريضة في يوم مرتين، ولا يجوز للمسلم أن يصلي صلاة العشاء مرتين، هذا هو الأصل، ولو صلى مَرّة ثانية يكون قد تحدى وشاقّ الله ورسوله في قوله هذا عليه الصلاة والسلام:
ألا يوجد هناك نصوص كثيرة، ليس نصاً واحداً، فيه الأمر بإعادة الصلاة التي كان قد صلاها المسلم؟ الجواب: نعم، وقلت والشيء بالشيء يذكر:
نحن الآن على أبواب الحج، على أبواب أداء فريضة الحج، وقد جاء «في موطأ مالك» وفي بعض السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الفجر في مسجد الخيف
…
ولما سلم، وجد رجلين يُوحي وضعهما بأنهما لما يكونا من المصلين مع جماعة المسلمين، فناداهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهما:«أولستما مسلمين؟ » ، قالا: بلى يا رسول الله، قال:«فما منعكما أن تصليا معنا؟ » قالا: يا رسول الله إنا كنا صلينا في رحالنا، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أتى مسجد الجماعة، فوجدهم يصلون، فليُصَلِّ معهم؛ فإنها تكون له نافلة.
إذاً: هذا أمر بأن يعيدا تلك الصلاة، أو يعيدا تلك الصلاة التي كانوا صلياها في رحالهما، لماذا؟
لأن انفرادهما في المسجد عن جماعة المسلمين يُشْعِر الجماعة بأن هؤلاء ليسوا منهم.