الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الملطلب الخامس: احتسابه على أهل البدع:
لا تجتمع السنة والبدعة في آن واحد كما لا يجتمع الليل والنهار سويا، فكلما ازداد المسلم تمسكا بالسنة، ازداد بعدا عن البدعة وإنكار لها. والبدع من أبرز المنكرات العقائدية التي احتسب على أهلها الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وأولاها في حسبته اهتماما كبيرا، لما ظهر في مجتمعه من صور شتى للبدع والمحدثات.
والبدع مفردها بدعة.
والبدعة في اللغة: من بدع الشيء يبدعه بدعا وابتدعه: أنشأه وبدأه
…
وابتدعت الشيء: اخترعته لا على مثال سابق1.
فأصل هذه الكلمة من الاختراع، وهو الشيء الذي يحدث من غير أصل مسبق ولا مثال ولا أُلف مثله عن أهل السنة2.
والبدعة في الشرع هي: طريقة في الدين مخترعة تضاهي- الطريقة- الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه3.
وهكذا فالمراد بالبدعة ما أحدث في الدين مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة4 مثل جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد5.
1-لسان العرب 1/229-230 مادة: " بدع" بتصرف.
2-
انظر كتاب الحوادث والبدع ص20.
3-
الاعتصام 1/37.
4-
انظر جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم 2/118.
5-
انظر المرجع السابق 2/119.
عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع1 متفرقون يصلى الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر رضي الله عنه إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر رضي الله عنه نعمة البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله2.
وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ3 وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذم4.
والبدعة أنواع:
النوع الأول: ما يكون في أصل العبادة بأن يحدث عبادة ليس لها أصل في الشرع، كأن يحدث صلاة غير مشروعة أو صياما غير مشروع أو أعيادا غير مشروعة كأعياد الموالد وغيرها.
النوع الثاني: ما يكون في الزيادة على العبادة المشروعة، كما لو زاد ركعة خامسة في صلاة الظهر أو العصر مثلا.
النوع الثالث: ما يكون في صفة أداء العبادة بأن يؤديها على صفة
1-أوزاع: أي متفرقون. أراد كانوا يتنفلون فيه بعد صلاة العشاء متفرقين. " النهاية في غريب الحديث والأثر 5/181 مادة: وزع".
2-
أخرجه البخاري في صحيحه- ك: الصوم- ب: فضل من قام رمضان 3/85.
3-
الباعث على إنكار البدع والحوادث ص 24 لابن أبي شامة- ن مكتبة المؤيد- الطائف- مكتبة دار البيان- دمشق – بيروت- طط1412هـ-1991م".
4-
النهاية في غريب الحديث والأثر 1/107.
غير مشروعة، ذلك كأداء الأذكار المشروعة بأصوات جماعية مطربة، وكالتشديد على النفس في العبادات إلى حد يخرج عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
النوع الرابع: ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع، كتخصيص يوم النصف من شعبان، وليلته بصيام وقيام، فإن أصل الصيام والقيام مشروع، ولكن تخصيصه بوقت من الأوقات يحتاج إلى دليل1.
وقد حارب الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله البدع بكافة أنواعها، ويرى أن الاحتساب عليها من أفضل القربات قال رحمه الله:
"
…
الأمر بالسنة والنهي عن البدعة أمر بمعروف ونهي عن المنكر، وهو من أفضل الأعمال"2.
كما يرى أنه فعل الخير المعلق به الفلاح، قال رحمه الله في سياق تعليقه على قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 3: " فوالله الذي لا إله إلا هو إن فعل الخير اتباع ما شرع الله، وإبطال4 من غير حدود الله، والإنكار على من ابتدع في دين الله، هذا هو فعل الخير المعلق به الفلاح خصوصا مع قوله صلى الله عليه وسلم: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" 5"6اهـ.
1-البدعة تعريفها، أنواعها، أحكامها ص 6: لفضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان- ن دار العاصمة- الرياض- ط/1"1412هـ".
2-
ملحق المصنفات ص 125.
3-
سورة الحج آية 77.
4-
بمعنى الإنكار على غير حدود الله.
5-
تقدم نصه وتخريجه راجع ص "220" هـ"1".
6-
الرسائل الشخصية- الرسالة الثانية عشرة ص 85، والدرر السنية في الأجوبة النجدية 5/264.
فهذا الحديث قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها1.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "
…
الذين الذي يتقرب العباد به إلى الله، لا بد أن يكون الله أمر به وشرعه على ألسنة رسله وأنبيائه، وإلا فالبدع كلها ضلالة، وما عبدت الأوثان إلا بالبدع"2اهـ.
فالإتباع للرسول صلى الله عليه وسلم حصن حصين من الابتداع، وفي الأثر عن الزهري رحمه الله أنه قال:" الاعتصام بالسنة نجاة"3.
وفيه تحقيق معنى شهادة أن محمدا رسول الله، المكملة لكلمة التوحيد، فإذا كان معنى " لا إله إلا الله"كما مر سابقا- لا معبود بحق إلا الله4 فإن من معنى " محمدا رسول الله":" لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم"5.
وقد قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في بيان معناها: "
…
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"6 وبتحقيق معناها يغلق باب البدع التي قام الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بالاحتساب
1-انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 13/254.
2-
الرسالة القبرصية ص 47 من شيخ الإسلام ابن تيمية إلى ملك قبرص بتقديم وتحقيق علي السيد صبح المدني عفا الله عنه- ن مكتبة المدني ومطبعتها- جدة – ط/"1399هـ-1979م".
3-
أورده اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/56 ع:15، والآجري في الشريعة ص 313، وأخرجه مطولا أبو نعيم في الحلية 3/369، وابن المبارك في كتاب في كتاب الزهد ويليه كتاب الرقائق ص 281 ع:"817" للإمام عبد الله بن المبارك المروزي رحمه الله، وحققه وعلق عليه الأستاذ حبيب الرحمن الأعظمي ع:817 ص 281- ن دار الكتب العلمية- بيروت، واللالكائي في المصدر المذكور بالهامش نفسه ع:136-137، 1/94-95.
4-
راجع ص"238" من هذا البحث.
5-
انظر البدعة وأثرها السيء في الأمة ص 46 لسليم الهلالي- ن المكتبة الإسلامية- الأردن ط/1"1404هـ"
6-
الأصول الثلاثة وأدلتها ص 12.