الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقول صاحب جمع الجوامع (1): (هي إنشاء يتضمن إخبارًا، لا محض أحدهما) يحتمل أنه خلاف، فيحمل الأول على عمومه، ويحتمل أنه وفاق، فيقيد به الأول.
[أوصاف العدل: ]
وأشار المصنف إلى أمور بعضها شرط وعدمه مانع، وبعضه مانع
= وقد قال ابن عرفة: الأداء عرفًا إعلام الشاهد الحاكم بشهادته بما يحصل له العلم بما شهد به.
في النوادر قوله هذه شهادتي أداءً لها، والفرق الذي ذكره لم يذكره غيره، ويبعد أن يتقرر عنده دون غيره مع توفر العلماء في زمانه، ولم يذكره أحد، وبه تعلم أن قول ابن عرفة في حصر القرافي أداء الشهادة في لفظ أؤدي الأظهر أنه لعرف تقرر بعيد، وقد قال ابن فرحون: في تبصرته هذا الذي قاله القرافي مذهب الشافعية، ولم أره لأحد من المالكية.
ونقل شمس الدين الحنبلي الدمشقي أن مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام ابن حنبل أنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ أشهد، بل متى قال الشاهد رأيت كذا أو سمعت كذا ونحو ذلك كانت شهادة منه، وليس في كتاب اللَّه تعالى ولا سنَّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما يدل على اشتراط لفظ الشهادة، ولا ورد ذلك عن أحد من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، وأطال في ذلك ومن تصفح نصوص المالكية علم بطلان حصر القرافي الشهادة في لفظ أشهد، واللَّه الموفق".
(1)
هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو نصر، (727 - 771 هـ = 1327 - 1370 م): قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، ولد في القاهرة، وانتقل إلى دمشق مع والده، فسكنها وتوفي بها. نسبته إلى سبك (من أعمال المنوفية بمصر) وكان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء في الشام وعزل، وتعصب عليه شيوخ عصره فاتهموه بالكفر واستحلال شرب الخمر، وأتوا به مقيدًا مغلولًا من الشام إلى مصر. ثم أفرج عنه، وعاد إلى دمشق، فتوفي بالطاعون. قال ابن كثير: جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض مثله. من تصانيفه "طبقات الشافعية الكبرى - ط" ستة أجزاء، و"معيد النعم ومبيد النقم - ط" و"جمع الجوامع - ط" في أصول الفقه، و"منع الموانع - ط" تعليق على جمع الجوامع، و"توشيح التصحيح - خ" في أصول الفقه، و"ترشيح التوشيح وترجيح التصحيح - خ" في فقه الشافعية، و"الأشباه والنظائر - خ" فقه، و"الطبقات الوسطى - خ" و"الطبقات الصغرى - خ" وله نظم جيد، أورد الصفدي بعضه في مراسلات دارت بينهما. ينظر: الأعلام (4/ 184).
وعدمه مسوغ، فقال العدل (1):
- حر (2)، فلا يقبل قن اتفاقًا عند الجمهور، ولا ذو شائبة، كـ:
(1) قال الرازي في المحصول (4/ 571): "العدالة وهي هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعًا حتى تحصل ثقة النفس بصدقه ويعتبر فيها الاجتناب عن الكبائر وعن بعض الصغائر كالتطفيف في الحبة وسرقة باقة من البقل وعن المباحات القادحة في المروءة كالأكل في الطريق والبول في الشارع وصحبة الأراذل والإفراط في المزاح والضابط فيه أن كل ما لا يؤمن معه جرأته على الكذب ترد به الرواية وما لا فلا".
(2)
هذا القيد في العدالة غير معتبر في الرواية، وأما في الشهادة فمعتبر، قال الرازي في المحصول (4/ 591):"الرواية والشهادة مشتركتان في هذه الشرائط الأربعة، أعني: العقل والتكليف والإسلام والعدالة، واختصت الشهادة بأمور ستة، هي غير معتبرة في الرواية، وهي: عدمُ القرابةِ والحريةُ والذكورةُ والبصرُ والعددُ والعداوةُ والصداقةُ، فهذه الستة توثر في الشهادة لا في الرواية؛ لأن الولد له أن يروي عن والده بالإجماع، والعبد له أن يروي أيضًا والضرير له أن يروي أيضًا، ذلك لأن الصحابة رووا عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم في حقهن كالضرير".
وقال السيوطي في تدريب الراوي (1/ 331، وما بعدها): "من الأمور المهمة تحرير الفرق بين الرواية والشهادة وقد خاض فيه المتأخرون وغاية ما فرقوا به الاختلاف في بعض الأحكام كاشتراط العدد وغيره وذلك لا يوجب تخالفًا في الحقيقة.
قال القرافي: أقمت مدة أطلب الفرق بينهما حتى ظفرت به في كلام المازري فقال الرواية: هي الإخبار عن عام لا ترافع فيه إلى الحكام وخلافه الشهادة وأما الأحكام التي يفترقان فيها فكثيرة لم أر من تعرض لجمعها وأنا أذكر منها ما تيسر:
الأول: العدد: لا يشترط في الرواية بخلاف الشهادة وقذ ذكر ابن عبد السلام في مناسبة ذلك أمورًا؛ أحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكذب على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بخلاف شهادة الزور. الثاني: أنه قد ينفرد بالحديث راو واحد فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المصلحة بخلاف فوت حق واحد على شخص واحد. الثالث: أن بين كثير من المسلمين عداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية عنه صلى الله عليه وسلم.
الثاني: لا تشترط الذكورية فيها مطلقًا بخلاف الشهادة في بعض المواضع.
الثالث: لا تشترط الحرية فيها بخلاف الشهادة مطلقًا.
الرابع: لا يشترط فيها البلوغ في قول.
الخامس: تقبل شهادة المبتدع إلا الخطابية ولو كان داعية ولا تقبل رواية الداعية ولا غيره إن روى موافقه.
السادس: تقبل شهادة التائب من الكذب دون روايته. =
مكاتب ومدبر ومعتق لأجل أو بعضه؛ لأن الرق أثر كفر، فيمنع كأصله.
- مسلم (1) لا كافر على مسلم إجماعًا، ولا على مثله عندنا، خلافًا لأبي حنيفة والشعبي.
= السابع: من كذب في حديث واحد رد جميع حديثه السابق بخلاف من تبين شهادته للزور في مرة لا ينقض ما شهد به قبل ذلك.
الثامن: لا تقبل شهادة من جرت شهادته إلى نفسه نفعًا أو دفعت عنه ضررًا وتقبل ممن روى ذلك.
التاسع: لا تقبل الشهادة لأصل وفرع ورقيق بخلاف الرواية.
العاشر والحادي عشر والثاني عشر: الشهادة إنما تصح بدعوى سابقة وطلب لها وعند حاكم بخلاف الرواية في الكل.
الثالث عشر: للعالم الحكم بعلمه في التعديل والتجريح قطعًا مطلقًا بخلاف الشهادة فإن فيها ثلاثة أقوال: أصحها التفصيل بين حدود اللَّه تعالى وغيرها.
الرابع عشر: يثبت الجرح والتعديل في الرواية بواحد دون الشهادة على الأصح.
الخامس عشر: الأصح في الرواية قبول الجرح والتعديل غير مفسر من العالم ولا يقبل الجرح في الشهادة إلا مفسرًا.
السادس عشر: يجوز أخذ الأجرة على الرواية بخلاف أداء الشهادة إلا إذا احتاج إلى مركوب.
السابع عشر: الحكم بالشهادة تعديل بل قال الغزالي: أقوى منه بالقول بخلاف عمل العالم أو فتياه بموافقة المروي على الأصح.
الثامن عشر: لا تقبل الشهادة على الشهادة إلا عند تعسر الأصل بموت أو غيبة أو نحوها بخلاف الرواية.
التاسع عشر: إذا روى شيئًا ثم رجع عنه سقط ولا يعمل به بخلاف الرجوع عن الشهادة بعد الحكم.
العشرون: إذا شهدا بموجب قتل ثم رجعا وقالا تعمدنا لزمهما القصاص ولو أشكلت حادثة على حاكم فتوقف فروى شخص خبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها وقتل الحاكم به رجلًا ثم رجع الرواي وقال: كذبت وتعمدت ففي فتاوى البغوي ينبغي أن يجب القصاص كالشاهد إذا رجع قال الرافعي: والذي ذكره القفال في الفتاوى والإمام أنه لا قصاص بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بالحادثة والخبر لا يختص بها.
الحادي والعشرون: إذا شهد دون أربعة بالزنا حدوا للقذف في الأظهر ولا تقبل شهادتهم قبل التوبة وفي قبول روايتهم وجهان المشهور منهما القبول ذكره الماوردي في الحاوي ونقله عنه ابن الرفعة في الكفاية والأسنوي في الألغاز".
(1)
قال الرازي في المحصول (4/ 567، وما بعدها): "الشرط الثالث: أن يكون مسلمًا وفيه مسألتان: =
- عاقل في حالتي: التحمل (1) والأداء (2)، ولا يضر ذهاب العقل في غيرهما.
- بالغ (3) اتفاقًا، إلا في شهادة الصبيان في الدماء بشروطه الآتية.
= المسألة الأولى: الكافر الذي لا يكون من أهل القبلة أجمعت الأمة على أنه لا تقبل روايته سواء علم من دينه المبالغة في الاحتراز عن الكذب أو لم يعلم.
المسألة الثانية: المخالف من أهل القبلة إذا كفرناه كالمجسم وغيره هل تقبل روايته أم لا الحق أنه إن كان مذهبه جواز الكذب لم تقبل روايته وإلا قبلناها وهو قول أبي الحسين البصري وقال القاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار: لا تقبل روايتهم.
لنا أن المقتضي للعمل به قائم ولا معارض فوجب العمل به بيان أن المقتضي قائم أن اعتقاده تحريم الكذب يزجره عن الإقدام عليه فيحصل ظن صدقه فيجب العمل به على ما بيناه وبيان أنه لا معارض أنهم أجمعوا على أن الكافر الذي ليس من أهل القبلة لا تقبل روايته وذلك الكفر منتف هاهنا.
واحتج أبو الحسين بأن كثيرًا من أصحاب الحديث قبلوا أخبار سلفنا كالحسن وقتادة وعمرو بن عبيد مع علمهم بمذهبهم وإكفارهم من يقول بقولهم واحتج المخالف بالنص والقياس.
أما النص فقوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} أمر بالتثبت عند نبأ الفاسق وهذا كافر فوجب التثبت عند خبره وأما القياس فأجمعنا على أن الكافر الذي لا يكون من أهل القبلة لا تقبل روايته فكذا هذا الكافر والجامع أن قبول الرواية تنفيذ لقوله على كل المسلمين وهو منصب شريف والكفر يقتضي الإذلال وبينهما منافاة أقصى ما في الباب أن يقال هذا الكافر جاهل بكونه كافرًا لكنه لا يصلح عذرًا لأنه ضم إلى كفره جهلًا آخر وذلك لا يوجب رجحان حاله على الكافر الأصلي.
والجواب عن الأول: أن اسم الفاسق في عرف الشرع مختص بالمسلم المقدم على الكبيرة، وعن الثاني: الفرق بين الموضعين أن كفر الخارج عن الملة أعظم من كفر صاحب التأويل فقد رأينا الشرع فرق بينهما في أمور كثيرة مع ظهور الفرق لا يجوز الجمع".
(1)
قال في الذخيرة (10/ 153): "الباب الثاني في التحمل، قال صاحب المقدمات: هو فرض كفاية، فإن لم يكن بالموضع غيرك تعين عليك، ولقوله تعالى:{وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} .
(2)
أي: أداء الشهادة، وينظر أحكامها في الذخيرة (10/ 152).
(3)
قال في المحصول (4/ 564، وما بعدها): "المسألة الأولى: رواية الصبي غير مقبولة لثلاثة أوجه: =
بلا فسق (1) بجارحة؛ لأنه سيذكر فسق الاعتقاد.
- وبلا حجر، فلا تقبل شهادة مولى عليه في المال، وإن كان مثله لو طلب ماله أخذه.
= الأول: أن رواية الفاسق لا تقبل، فأولى أن لا تقبل رواية الصبي؛ فإن الفاسق يخاف اللَّه تعالى، والصبي لا يخاف اللَّه تعالى البتة.
الثاني: أنه لا يحصل الظن بقوله، فلا يجوز العمل به كالخبر عن الأمور الدنيوية.
الثالث: الصبي إن لم يكن مميزًا لا يمكنه الاحتراز عن الخلل، وإن كان مميزًا علم أنه غير مكلف، فلا يحترز عن الكذب.
فإن قلت: أليس يقبل قوله في إخباره عن كونه متطهرًا، حتى يجوز الاقتداء به في الصلاة. قلت: ذلك لأن صحة صلاة المأموم غير موقوفة على صحة صلاة الإمام.
المسألة الثانية: إذا كان صبيًّا عند التحمل بالغًا عند الرواية قبلت روايته لوجوه أربعة:
الأول: إجماع الصحابة؛ فإنهم قبلوا رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير رضي الله عنهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده.
الثاني: إجماع الكل على إحضار الصبيان مجالس الرواية.
الثالث: أن إقدامه على الرواية عند الكبر يدل ظاهرًا على ضبطه للحديث الذي سمعه حال الصغر.
الرابع: أجمعنا على أنه تقبل منه الشهادة التي تحملها حال الصغر فكذا الرواية، والجامع أنه حال الأداء مسلم عاقل بالغ يحترز من الكذب".
(1)
قال في المحصول (4/ 572، وما بعدها): "الفاسق إذا أقدم على الفسق فإن علم كونه فسقًا لم تقبل روايته بالإجماع وإن لم يعلم كونه فسقًا فكونه فاسقًا إما أن يكون مظنونًا أو مقطوعًا؛ فإن كان مظنونًا قبلت روايته بالاتفاق قال الشافعي رضي الله عنه: أقبل شهادة الحنفي وأحده إذا شرب النبيذ وإن كان مقطوعًا به قبلت روايته أيضًا قال الشافعي رضي الله عنه: أقبل رواية أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم وقال القاضي أبو بكر: لا تقبل.
لنا أن ظن صدقه راجح والعمل بهذا الظن واجب والمعارض لمجمع عليه منتف فوجب العمل به.
واحتج الخصم بأن منصب الرواية لا يليق بالفاسق أقصى ما في الباب أنه جهل فسقه ولكن جهله بفسقه فسق آخر فإذا منع أحد الفسقين من قبول الرواية فالفسقان أولى بذلك المنع.
والجواب: أنه إذا علم كونه فسقًا دل إقدامه عليه على اجترائه على المعصية بخلاف ما إذا لم يعلم ذلك".
محمد: وهو أحب إلينا.
وبلا بدعة (1) لأن البدعي إما كافر (2) أو فاسق إن لم يتأول، بل وإن
(1) قال الذهبي في ميزان الاعتدال (1/ 6) في ترجمة أبان بن تغلب: "أبان بن تغلب [م، عو] الكوفي شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته.
وقد وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليًا في التشيع.
وقال السعدي: زائغ مجاهر.
فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان؟ فكيف يكون عدلًا من هو صاحب بدعة؟
وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة.
ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة.
وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله! حاشا وكلا.
فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًّا رضي الله عنه، وتعرض لسبهم.
والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال معثر، ولم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلًا، بل قد يعتقد عليًّا أفضل منهما".
قال في المحصول (4/ 575، وما بعدها): "المخالف الذي لا نكفره ولكن ظهر عناده لا تقبل روايته لأن المعاند يكذب مع علمه بكونه كذبًا وذلك يقتضي جرأته على الكذب فوجب أن لا تقبل روايته".
(2)
عدد عياض البدع المكفرة في الشفا (2/ 282، وما بعدها)، فقال: "فصل في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر أعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية أو عبادة أحد غير اللَّه أو مع اللَّه فهي كفر كمقالة الدهرية وسائر فرق أصحاب الاثنين من الديصانية والمانوية وأشباههم من الصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا بعبادة الأوثان أو الملائكة أو الشياطين أو الشمس أو النجوم أو النار أو أحد غير اللَّه من مشركي العرب وأهل الهند والصين =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والسودان وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب وكذلك القرامطة وأصحاب الحلول والتناسخ من الباطنية والطيارة من الروافض وكذلك من اعترف بإلهية اللَّه ووحدانيته ولكنه اعتقد أنه غير حي أو غير قديم وأنه محدث أو مصور أو ادعى له ولدًا أو صاحبة أو والدًا أو متولد من شيء أو كائن عنه أو أن معه في الأزل شيئًا قديمًا غيره أو أن ثم صانعًا للعالم سواه أو مدبرًا غيره فذلك كله كفر بإجماع المسلمين كقول الإلهيين من الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين وكذلك من ادعى مجالسة اللَّه والعروج.
إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص كتول بعض المتصوفة والباطنية النصارى والقرامطة وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص وتعذيبها أو تنعمها فيها بحسب زكائها وخبثها وكذلك من اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النبوة من أصلها عمومًا أو نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصًا أو أحد من الأنبياء الذين نص اللَّه عليهم بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب كالبراهمة ومعظم اليهود والأروسية من النصارى والغرابية من الروافض الزاعمين أن عليًّا كان المبعوث إليه جبريل وكالمعطلة والقرامطة والإسماعيلية والعنبرية من الرافضة وإن كان بعض هؤلاء قد أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم، وكذلك من دان بالوحدانية وصحة النبوة ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به ادعى في ذلك المصلحة نزعمه أو لم يذعها فهو كافر بإجماع كالمتفلسفين وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر، والقيامة، والجنة، والنار ليس منها شيء على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم إذ لم يمكنهم التصريح لقصور.
أفهامهم فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب الرسل والارتياب فيما أتوا به وكذلك من أضاف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم متعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به أو شك في صدقه أو سبه أو قال إنه لم يبلغ أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم أو قتل نبيًّا أو حاربه فهو كافر بإجماع وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرًا ونبيًّا من القردة، والخنازير والدواب والدود وغير ذلك، ويحتج بقوله تعالى:{وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24)} إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصف المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين على خلافه وتكذيب قائله وكذلك نكفر من اعترف من الأصول الصحيحة بما تقدم ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن قال: كان أسود أو مات قبل أن يلتحى أو ليس الذي كان بمكة والحجاز أو ليس =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بقرشي لأن وصفه بغير صفاته المعلومة نفي له وتكذيب به وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعده كالعيسوية من اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب وكالخرمية القائلين بتواتر الرسل وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم وبعده فكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة وكالبزيغية والبيانية منهم القائلين بنبوة بزيغ وبيان وأشباه هؤلاء أو من ادعى النبوة لنفسه أو جوز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء ويدخل الجنة ويأكل من ثمارها ويعانق.
الحور العين فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين لا نبي بعده وأخبر عن اللَّه تعالى أنه خاتم النبيين وأنه أرسل كافة للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره وأن مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعا إجماعًا وسمعًا وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثًا مجمعًا على نقله مقطوعًا به مجمعًا على حمله على ظاهره كتكفير الخوارج بإبطال الرجم، ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم تقدم عليًّا وكفرت عليًّا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم فهؤلاء قد كفروا من وجوه.
لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه كفرة على زعمهم وإلى هذا -واللَّه أعلم- أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى علي رضي الله عنه وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم لعنة اللَّه عليهم وصلَّى اللَّه على رسوله وآله وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤوس فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الشرع وما عرف يقينًا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ووقع الإجماع المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وسجداتها ويقول: إنما أوجب اللَّه علينا في كتابه الصلاة على الجملة وكونها خمسًا وعلى هذه الصفات والشروط لا أعلمه.
إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي والخبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم خبر واحد وكذلك أجمع على تكفير من قال من الخوارج: إن الصلاة طرفي النهار وعلى تكفير الباطنية في قولهم: إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم وقول بعض المتصوفة: إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها وإباحة كل شيء لهم ورفع عهد الشرائع. عنهم وكذلك إن أنكر منكر مكة أو البيت أو المسجد الحرام أو صفة الحج أو قال: الحج واجب في القرآن واستقبال القبلة كذلك ولكن كونه على هذه الهيأة المتعارفة وأن تلك البقعة هي مكة والبيت والمسجد الحرام لا أدري هل هي تلك أو غيرها ولعل الناقلين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بهذه التفاسير غلطوا ووهموا فهذا ومثله لا مرية في تكفيره إن كان ممن يظن به علم ذلك وممن خالط المسلمين وامتدت صحبته لهم إلا أن يكون حديث عهد بإسلام فيقال له: سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين فلا تجد بينهم خلافًا كافة عن كافة إلى معاصر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمور كما قيل لك، وإن تلك البقعة هي مكة والبيت الذي فيها هو الكعبة والقبلة التي صلَّى لها الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون وحجوا إليها وطافوا بها وأن تلك الأفعال هي صفات عبادة الحج والمراد به وهي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون وإن صفات الصلوات المذكورة هي التي فعل النبي صلى الله عليه وسلم وشرح مراد اللَّه بذلك وأبان حدودها فيقع لك العلم كما وقع لهم ولا ترتاب بذلك بعد، والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث وصحبته المسلمين كافر باتفاق ولا يعذر بقوله: لا أدري ولا يصدق فيه بل ظاهره التستر عن التكذيب إذ لا يمكن أنه لا يدري وأيضًا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم والغلط فيما نقلوه من ذلك وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله وتفسير مراد اللَّه به أدخل الإسترابة في جميع الشريعة إذ هم الناقلون لها وللقرآن وانحلت عرى الدين كرة ومن قال هذا كافر وكذلك من أنكر القرآن أو حرفًا منه أو غير شيئًا منه أو زاد فيه كفعل الباطنية والإسماعيلية أو زعم أنه ليس بحجة للنبي صلى الله عليه وسلم أو ليس فيه حجة ولا معجزة كقول هشام الفوطي ومعمر الصيمري إنه لا يدل على اللَّه ولا حجة فيها لرسوله ولا يدل على ثواب ولا عقاب ولا حكم ولا محالة في كفرهما بذلك القول وكذلك نكفرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حجة له أو في خلق السماوات والأرض دليل على اللَّه لمخالفتهم الإجماع والنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= باحتجاجه بهذا كله وتصريح القرآن به، وكذلك من أنكر شيئًا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس ومصاحف لمسلمين ولم يكن جاهلًا به ولا قريب عهد بالإسلام واحتج لإنكاره أما بأنه لم يصبح النقل عنده ولا بلغه العلم به أو لتجويز الوهم على نافله فنتكفره بالطريقين المتقدمين لأنه مكذب للقرآن مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه تستر بدعواه وكذلك من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا وكذلك من اعترف بذلك ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب معنى غير ظاهره وأنها لذات روحانية ومعان باطنة كقول النصارى والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة وزعم أن معنى القيامة الموت أو فناه محض ولتنقاض هيئة الأفلاك وتحليل العالم كقول بعض الفلاسفة وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم إن الأئمة أفضل من الأنبياء فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد التي لا يرجع إلى أبطال شريعة ولا يفضي إلى إنكار قاعدة من الدين كإنكار غزوة تبوك أو مؤنة أو وجود أبي بكر وعمر أو قتل عثمان أو خلافة على مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكار وجحد شريعة فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك وإنكار وقوع العلم له إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة كإنكار هشام وعباد وقعه الجمل ومحاربة على من خالفه فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة لناقلين ووهم المسلمين أجمع فنكفره بذلك لسريانه إلى إبطال الشريعة فأما من أنكر الإجماع المجرد الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع.
فأكثر المتكلمين ومن الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عمومًا وحجتهم قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم:"من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع الذي يختص بنقله العلماء وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائن عن نظر كتكفير النظام بإنكاره الإجماع لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به خارق للإجماع، قال القاضي أبو بكر: القول عندي أن الكفر باللَّه هو الجهل بوجوده والإيمان باللَّه هو العلم بوجوده وأنه لا يكفر أحد بقول ولا رأى إلا أن يكون هو الجهل باللَّه فإن عصى بقول أو فعل نص اللَّه ورسوله أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر أو يقوم دليل على ذلك فقد كفر ليس لأجل قوله أو فعله لكن لما يقارنه من الكفر فالكفر باللَّه لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور؛ أحدها: الجهل باللَّه تعالى، والثاني: أن يأتي فعلًا أو يقول قولًا يخبر اللَّه ورسوله أو يجمع المسلمون أن ذلك لا =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يكون إلا من كافر كالسجود للصنم والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم أو يكون ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه العلم باللَّه قال: فهذان الضربان وإن لم يكونا جهلًا باللَّه فهما علم أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان فأما من نفى صفة من صفات اللَّه تعالى الذاتية أو جحدها مستبصرًا في ذلك كقوله: ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها وعلى هذا حمل قول سحنون من قال: ليس للَّه كلام فهو كافر وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء هاهنا فكفره بعضهم وحكى ذلك عن أبي جعفر الطبري وغيره وقال به أبو الحسن الأشعري مرة وذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان وإليه رجع الأشعري قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا يقطع بصوابه ويراه دينًا وشرعًا وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق واحتج هؤلاء بحديث السوداء وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طلب منها التوحيد لا غير وبحديث القائل لئن قدر اللَّه علي وفي رواية فيه لعلي أضل اللَّه ثم قال: فغفر اللَّه له قالوا ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل، وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه منها أن قدر بمعنى قدر ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه بل في نفس البعث الذي لا يعلم إلا بشرع ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه فيكون الشك فيه حينئذٍ كفرًا، فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول أو يكون قدر بمعنى ضيق ويكون ما فعله بنفسه إزراءً عليها وغضبًا لعصيانها وقيل: إنما قال ما قاله وهو غير عاقل لكلامه ولا ضابط للفظه مما استولى عليه من الجزع والخشية التي أذهبت لبه فلم يؤاخذ به وقيل كان هذا في زمن الفترة وحيث ينفع مجرد التوحيد وقيل بل هذا من مجاز كلام العرب الذي صورته الشك ومعناه التحقيق وهو يسمى تجاهل العارف وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)} وقوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24)} فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال أقول عالم ولكن لا علم له ومتكلم ولكن لا كلام له وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة فمن قال بالمأل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفره لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم ومن لم ير أخذهم بمأل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبم لم ير إكفارهم قال لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا لا نقول ليس بعالم ونحن ننتفي من القول بالمأل الذي ألزمتموه لنا ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر بل نقول إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل =
تأول، كـ: خارجي (1)، قدري (2)؛ إذ لا فرق في البدعة بين كون صاحبها متعمدًا أو جاهلًا أو متأولًا.
= التأويل وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك والصواب ترك إكفارهم والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلواة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم، لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأى الخوارج والاعتزال فما أزاحوا لهم قبرًا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثًا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنَّة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافًا لمن رأى غير ذلك، واللَّه الموفق للصواب. قال القاضي أبو بكر: وأما مسائل الوعد والوعيد والرؤية والمخلوق وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح إذ ليس في الجهل بشيء منها جهل باللَّه تعالى ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئا منها وقد قدمنا في الفصل قبله من الكلام وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول اللَّه تعالى".
(1)
الخارجية لقب يصدق على كل من اجتمع فيه أمران:
الأول: الخروج على ولاة الأمر.
والآخر: التكفير بالمعصية.
وقد رأيت بزمننا هذا وفي بلدنا هذا من ينتسب إلى السنَّة زورًا وبهتانًا، وهو يدعو إلى الخروج على ولاة الأمر، ويرى العمل أصلًا من أصول الإيمان، على الرغم من أنه قد تقرر في كتب اعتقاد أهل السنَّة أن العمل بالجوارح فرع لا أصل، وأن عمل القلب تحقيق جزء منه هو الأصل، وأن إكماله فرع، فيا للَّه العجب، نسأل اللَّه السلامة، وقد ناقشت بعضهم عندما كنت في المعتقل السياسي ببنغازي، المسمى بسجن العروبة للتحقيق المركزي زمن حكم القذافي، وتبيَّن لهم فساد ما هم عليه، فرجعوا عنه، وطلبوا النصيحة فأرشدتهم إلى الطلب العلم، والتحري فيه، وبعد خروجنا بحمد اللَّه، وذلك عام 2000 م، سألت عن أحدهم، وكان يسمى (خالد الشكري) لتوسمي فيه الخير، فقيل لي: إنه بأرض الحجاز يطلب العلم بجنوب المملكة، على يد شيخ سمي لي أظنه النجيم، فاطمأننت لذلك وارتحت.
(2)
القدرية على طربين:
- نفاة، وهم القائلون بنفي خلق اللَّه لأفعال عباده، ويجعلون العباد هم الخالقين لأفعال أنفسهم، وتقول هذه القدرية: ليست المعاصي محبوبة للَّه ولا مرضية له، فليست =