الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك عظيماً لم يوكل به العظماء كما لا يخفى، وقوله: بكونهم كراما عند الله قيل: إنه إشارة إلى أنّ التعظيم بكونهم أعزاء على الله لا بوصفهم بالكتابة والحفظ كما في الكشاف، وفيه نظر ظاهر. قوله:(عند الله (إشارة إلى أنّ معنى التعطف على المؤمنين غير مناسب هنا، وقوله: بيان لما يكتبون لأجله يعني أنها جملة مستأنفة في جواب سؤال تقديره لم يكتبون ذلك فكأنه قيل: ليجازي الأبرار بالنعيم والفجار بالجحيم، وقيل: إنه ردّ لتكذيبهم بالجزاء وجملة يصلونها حالية أو مستأنفة. قوله: (لخلودهم فيها) فهو كقوله: وما هم بخارجين منها في الدلالة على الخلود،
وليس من التقوى والحصر في شيء، ثم إنّ الحصر هنا غير مقبول جمند الجماعة لعمومه للكفار والفسقة فلا وجه للقول بأنه في الكشاف أثبت التقوّي ونفي الحصر بناء على مذهبه. قوله:(وقيل: معناه الخ) قال: يغيبون الخ إشارة إلى أنه من حكاية الحال الماضية، ومرضه لأنه خلاف الظاهر فلا يرتكب من غير داع قيل: والواو على هذا للعطف فيقتضي تغاير المتعاطفين أي أنهم الآن ليسوا بغائبين عن الجحيم وعلى الأوّل للحال وأورد عليه أنّ بعض الفجار في زمرة الأحباب وبعضهم لم يخلق لذلك وعذاب القبر بعد الموت، وكلام الزمخشري يأبى حمله على ما حمله عليه فالظاهر أنّ الواو حالية في الوجهين لكنها على الأوّل حال مقدّرة وعلى الثاني هي كقوله: حصرت صدورهم، وهو غير وارد لأنه يعني أن الواو على هذا ليست للحال لانفصال ما بين صليّ النار، وعذاب القبر بالبعث وما في موقف الحساب بل للعطف فيحمل اسم الفاعل في المعطوف أعني غائبين على الحال ليغاير المعطوف عليه الذي أريد به الاستقبال، ولا ينافيه قوله: قبل ذلك فإنه بيان لحاصل المعنى، ولا ينافيه ماً ذكره من أنّ بعض الفجار الخ لأنّ الكلام على ما عرف في إخباره تعالى من التعبير عما يستقبل منها بالماضي لتحققه، والمعترض لما لم يقف على مراده قال ما قال: وما بعد الحق إلا الضلال. قوله: (سمومها في القبور) بضم السين / بمعنى حرّها أو بفتح السين بمعنى ريحها الحارة، وفي الكشاف قيل أخبر الله في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات حالة الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحالة الآخرة التي يجازي فيها، وحال البرزخ وهو قوله: وما هم عنها بغائبين انتهى، ولم يذكر حال البرزخ للأبرار اكتفاء لعلمها من المقابلة. قوله:(دراية دار) إشارة إلى أن الخطاب في أدراك عام، وقيل: الخطاب للرّسول وقيل: للكافر، وقوله: تعجيب الخ حيث أتى بصيغة الاستفهام تحريضا للمخاطبين على إدراكه أو مبالغة في إيجاب الاستفسار عنه كأنه قيل: ما أدرأك، بيوم الدين فلا تسأل عنه إذا ذكر وجعله تعجيبا لتنزهه تعالى عن التعجب كما مر مرارا. قوله تعالى:( {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} ) قال في الكشاف أي لا أمر إلا لله وحده، وفي الكشف الظاهر أن الأمر واحد الأوامر لقوله:{لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [سورة غافر، الآية: 16] فإنّ الأمر من شأن الملك المطاع، وفيه تحقيق قوله: لا تملك نفس لنفس شيئا لدلالته على أنهم مسوسون مقهورون مشتغلون بأنفسهم، وقوله: لا أمر إلا لله وحده إبراز لمعنى الاختصاص في اللام وما ذكره هو الحق الذي لا عدول عنه لأنّ المراد بكون الأمر له أنّ التصرّف جميعه في قبضة قدرته، وهو الموافق لقوله: لا تملك الخ لأنّ معناه لا قدرة لأحد على ضر أحداً، ونفعه وكون الأمر واحد الأمور ركيك هنا فلا يلتفت إلى ما قيل من أنه لو حمل على واحد الأمور كان أشمل ولا نزاع في جواز كل منهما إنما الأمر في أيهما أظهر، وما ذكره دعوى من غير
دليل، وقوله: تقرير الخ لدلالته على اشتغالهم بأنفسهم وأنهم مقهورون بسطوة الربوبية، وقوله: ورفع الخ على البدل أو هو خبر مبتدأ مقدّر ونصبه الباقون بإضمار اذكر أو يدانون لدلالة الدين عليه أو بتقدير يشتدّ الهول، ونحوه مما يدل عليه السياق وقال الزجاج إنه مبني على الفتح وهو في موضمع رفع أو جرّ، وقوله عن النبيّ الخ حديث موضوع. تمت السورة والحمد لله وحده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه.
سورة
المطففين
لا خلاف في عدد آياتها واختلف في كونها مكية أو مدنية فقيل هي بتمامها مكية، وقيل: مدنية، وقيل: إلا ست آيات من أوّلها وقيل: مكية إلا ثمان آيات من آخرها ولا خلاف في عددها.
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله: (التطفيف البخس الخ (التفعيل فيه للتعدية أو للتكثير، وهو لا ينافي كونه من الطفيف بمعنى الحقير القليلى لأنّ كثرة الفعل بكثرة وقوعه وهو بتكراره لا بكثرة متعلقة، وقوله: روي الخ هذا يدل على أنّ أول هذه السورة نزل بالمدينة كما هو أحد الأقوال فيها كما قدمناه لا على كون السورة مدنية، والحديث المذكور صححه ابن حبان والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقوله: خمس بخمس أي خمس من المحرمات من ارتكبها يجازي بواحدة من الخمس المذكورة، والحديث أيضاً صحيح عن ابن عباس وغيره كما رواه الحاكم والطبراني وقوله: الفاحشة أصله الذنب العظيم، والمراد منه هنا الزنا وقوله: أخذوا بالسنين أي عوقبوا بالقحط. قوله تعالى: ( {إِذَا اكْتَالُواْ} الخ (اكتفى عن الوزن بالكيل لتساويهما بين الناس، وقوله: يأخذونها وافية فالسين للمبالغة دون الطلب هنا، وقوله: وأنما أبدل الخ فيه إشارة إلى تعاقب من وعلى هنا قال الفراء يقال: اكتلت على الناس استوفيت منهم واكتلت منهم أخذت ما عليهم، وقيل: على بمعنى من وقد جوّز تعلق على بيستوفون هنا واذا
تعاقبا فاختيار على للدلالة على أنّ ما اكتالوه دين لهم على الناس، أو هو اكتيال يتحامل فيه فعلى فيه للمضرّة لأنه يقال: تحامل عليه إذا جار وهو محمول عليه في التعدية أو مضمن لمعنا. فأتى بها للدلالة على أنه في الأخذ دون العطاء فقوله: أو اكتيال معطوف على قوله: لما لهم الخ. قوله تعالى: ( {وَإِذَا كَالُوهُمْ} الخ) ما مرّ في الأخذ وهذا في العطاء، وقوله: كالوا للناس الخ إشارة إلى أنه فيهما من الحذف والإيصال كما صرّح به في قوله: فحذف الخ وفي توسط قوله: يخسرون بين البيان والمبين ركاكة فكان ينبغي تقديمه أو تأخيره. قوله: (ولقد جنيتك اكمؤا وعساقلا (
ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
ومحل الاستشهاد فيه نظر والأكمؤ جمع كماة وهي شحمة الأرض نبت معروف والعساقل ضرب منها فإن كان مفرده عسقلا فهو على القياس، وإن كان عسقولاً فاصله عساقيل وصرفه للضرورة هنا وعطفه على الأكمؤ من قبيل عطف جبريل على الملائكة، وبنات أو بر ضرب من الكماة أيضاً وهو أردؤها، وقوله: أو كالوا الخ لأنه يتعدّى للمكيل بنفسه دون المكيل له. قوله: (ولا يحسن جعل المنفصل الخ) وقح التعبير عنه بالمستكن هنا في بعض التفاسير، وهو سهو أو تساهل والمراد أنه لو جعل هم تأكيداً للضمير المنفصل هنا أغنى عن الحذف، والإيصال وتقدير المضاف إلا أنهم لم يذهبوا إليه لأنه يفوت به المقابلة المقصودة هنا مع ما فيها من الحسن البديع إذ قوبل الاكتيال بالكيل وعلى الناس بالناس ويستوفون بيخسرون، ومن الغريب هنا ما قيل إنه لو أكد به لدفع المجاز وقدر معه للناس كما أنه كذلك على تقدير مكيلهم أفاد ما ذكر مع زيادة أنهم يباشرون هذا الفعل الخسيس بأنفسهم دون الخدم فإنه مع تكلفه بارتكاب خلاف الظاهر يفوت به التصريح بالتقابل المقصود، وتأكيد ما ليس بمقصود بل هو غير صحيح لأنّ مباشرة الفعل بدون تطفيف غير مذمومة. قوله:(ويستدعي إثبات الألف بعد الواو) على ما تقرر في علم الخط من رسمها بعد واو الجمع إذا وقعت في آخر الكلام، وقوله: كصا هو الخ دفع لما يقال من أن رسم المصحف العثماني في نظائره لاد يلزم أن يوافق ما ذكره علماء الخط بأنه رسم في الرسم العثماني في نظائره فيدل على أن هذا مما جرى على الرسم فيه، وقد ذهب إليه بعض
المعربين فلذا نبهوا عليه هنا وأما جعل هم الثاني مبتدأ خبره يخسرون فغير محتاج للبيان لأنّ مخالفته لما قبله ركيكة جداً فلذا لم يلتفتوا له. قوله: (فإن من ظن ذلك الخ) يعني إلا هنا لست للاستفتاح أو التنيه فهي مركبة من الهمزة ولا النافية ونفي الظن دون ال! قي! ن لأنه أبلغ لأنّ ظته إذا منع دل على منع غيره بالطريق الأولى فلا حاجة إلى ما قيل من أنّ الظت بمعنى اليقين هنا، وقوله: وفيه إنكار الخ هو معنى همزة الاستفهام. قوله: (عظمه لعظم ما يكون فيه) كما أنّ جعله علة للبعث باعتبار ما فيه، وقوله: نصب مصدر أو ماض مجهولى، وقوله: أو بدل من الجار والمجرور أي باعتبار محله أو هو مبني على الفتح، وقوله: اويؤيده الخ فيه تسامح لأنه حينئذ يكون بدلاً من المجرور وحده ولذا اعترض عليه لكنه أمر سهل، وقوله: لحكمه أي لأمره وقضائه بقيامهم للجزاء وخروجهم من القبور، وقيل: المراد ليحكم عليهم بما يستحقون.
قوله: (وفي هذا الإنكار الخ الما في ذكر الظن من التجهيل مع اسم الإشارة الدال على التبعيد تحقيرا ووصف يوم قيامهم بالعظمة، وابدال يوم يقوم الخ منه فإنه يدل على استعظام ما استحقروه، والحكمة اقتضت أن لا تهمل مثقال ذرّة من خير! وشرّ وعنوان رب العالمين للمالكية، والتربية الدالة على أنه لا يفوته ظالم قوي ولا يترك حق مظ! م ضعيف وفي تعظيم أمر التطفيف إيماء إلى العدل وميزانه، وإن من لا يهمل مثل هذا كيف يهمل تعطيل قانون عدله في عباده والى هذا يشير قوله في الأثران السموات والأرضين قامت بالمكيال والميزان وناهيك بأنه وصفهم بصفات الكفرة تغليظاً، وتشديداً فتأمّل هذا المقام قفيه ما تتحير فيه الأوهام فقوله: وقيام الناس بالجر عطف على العظم، وقوله: مبالغات إشارة إلى أنّ أصل المنع فهم من قوله: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} . قوله: (رع عن التطفيف الأنه المقصود ينظر هذا الأوّل السورة للغفلة عن البعث المذكور هنا، وقوله: ما يكتب من أعمالهم يعني أنّ الكتاب بمعنى المكتوب أو مصدر بمعنى الكتابة وفيه مضاف مقدر أي مكتوب أو كتابة عملهم، وهذا دفع لما يتوهم من كون الكتاب ظرفا للكتاب لأنه حينئذ ظرف للكتابة أو للعمل المكتوب فيه مع أنّ الإمام قال: لا استبعاد في أن يوضع أحدهما في الآخر حقيقة أو ينقل ما في أحدهما للآخر أو يكون من ظرفية الكل للجزء كما فصلوه، وقوله: كتاب الخ تفسير لسجين كما يتبادر من النظم. قوله:
(بين الكتابة) بيان لأنّ مرقوم من رقم الكتاب إذا أعجمه وبينه لئلا يلغو وصف الكتاب به وقوله: أو معلم الخ توجيه آخر معناه إنّ له علامة من رقم الكتاب بمعنى ختمه، وفي القاموس الرقم العلامة وقوله: من السجن بفتح السين مصدر بمعنى الوضع في السجن، وقوله: لقب به الكتاب إشارة إلى أنه علم وقوله: لأنه سبب الحبس فهو بمعنى فاعل في الأصل، وقوله: لأنه مطروح أي ملقى فهو بمعنى مفعول كأنه مسجون لما ذكر وامّا كونه من إطلاق اسم المحل على الحال ففيه نظر. قوله: (في مكان وحش) بالتوصيف أي خال ويقال: للقفر وحش وهو تحت الأرض السابعة، وقوله: اسم مكان أي الذي تحت الأرضين أيضاً فيقدر مضاف فيه أو فيما بعده كما ذكر، وقد ورد في الحديث سجين اسم مكان وهو مقابل لعليين في الجنة، وقيل: إنه مشترك بين المكان والكتاب فلا تكلف فيه، وقيل: إنه علم وقيل: إنه صفة، وعليه قول المصنف السجين بأل كما في النسخ. قوله:(بالحق أو بذلك) المراد بالحق الأمر العام قال: للاستغراق أو للجنس فلذا كانت الصفة بعده على هذا مخصصة وذلك إشارة لليوم المذكور قبله: فالصفة موضحة أو ذامة فقوله: صفة الخ فيه لف ونشر مرتب فيما يتبادر، ويحتمل أن يجري كل من الوجهين على التفسيرين، وقوله: ذامة أي لا كاشفة أو المراد أنها مرفوعة أو منصوبة على الذم كما فسره به الطيبي فيكون احتمالاً ثالثاً وعليه اقتصر الزمخشري لأنّ قوله: وما يكذب به إلا كل معتد أثيم يدل على أنّ القصد إلى المذمّة وقوله: موضحة من التوضيح أو الإيضاح والمخصص بالمعنى الذي ذكره المصنف وهو المقيد مخالف لاصطلاح النحاة في تخصيص التخصيص بالنكرات والتوضيح بالمعارف فالتوضيح أيضاً خلاف المصطلح لوقوعه في مقابلة التخصيص المذكور. قوله: (متجاوز عن النظر الخ) أي تجاوز النظر والتفكر في عجائب مصنوعاته تعالى الدالة على كمال قدرته، وعلمه والاستدلال به على اقتداره تعالى على الإعادة وغلا في تقليد أئمة الكفر والجهل حتى جعل قدرته قاصرة عن الإعادة، وعلمه قاصرا عن معرفة الأجزاء المتفرقة التي لا بد في الإعادة منها وتفسير استقصار علمه بجعله غير عالم بأنه لا يتأتى منه ذلك فأخبر به خبرا كاذبا ظاهر الفساد بعيد عن المراد، ثم إنّ المصنف عدى التجاوز بمعنى التباعد بعن وهو خطأ فإنّ المتعدي بها بمعنى العفو، وعدى الاستحالة في
قوله: استحال منه الإعادة أي عده محالاً وقد استعمله كثير من المصنفين كذلك واللغة لا تساعده فانه لازم لا غير كما قرره بعض الفضلاء وكلاهما غير مسلم وقد وردا كذلك في كلام الثقات، وليس هذا محل تفصيله فلينظر كتابنا شفاء الغليل. قوله:(منهمك في الشهوات) كما تدل عليه كثرة آثامه وهو من الانهماك لا التهمك ومعناه الإكثار برغبة وحرص والمخدجة من الأمر الخداج، وهو الناقص غير التام والمراد به هنا المعوّقة مجازاً لأنّ الخداج لا يبلغ زمان تمامه كما أشار إليه بقوله: بحيث الخ، وقيل هي المنتجة ما لا نفع فيه، وقوله: عما وراءها من إدراك الحق واللذة
الأخروية التي لا تفنى، وأساطير الأوّلين مر تفسيرها بالأباطيل التي جاء بها الأوّلون، وقوله: شواهد النقل الذي جاء به الرسل، ودلائل العقل وهي بدائع مصنوعاته تعالى. قوله:(رع) أي للأثيم عن قوله: إنها أساطير الأوّلين وكونه ردعاً عن التكذيب غير مناسب لما بعده من أنهم مطبوع على قلوبهم ولذا لم يلتفتوا له وقوله: ما كانوا الخ فاعل ران وما مصدرية، أو موصولة والعائد مقدّر. قوله:(رد لما قالوه) إشارة إلى أن بل هنا للإضراب الإبطالي، وقوله: وبيان الخ هو معنى قوله ران الخ، وقوله: أدّى بهم ضمنه معنى أفضى فعداه بالباء والى وقيل: الباء زائدة، وما موصولة وهذا القول إشارة إلى قولهم: أساطير الأوّلين وقوله: بأن الخ بيان لما أدّى وسببه، وهو متعلق بقوله: بيان وقوله: بالانهماك فيه كان الظاهر فيها بعود الضمير للمعاصي فلذا أوّل وجعل الضمير للعصيان المفهوم منه، وقوله: ذلك الإشارة للحبّ، وقوله: فعمي عليهم أي خفي ولذا عدى بعلى كما مرّ وليس معناه هنا التبس لأنّ مقتضاه أن يقال: فعمي عليهم الحق والباطل، وليس المراد به هنا العمي المعروف حتى يستشهد له بقوله صلى الله عليه وسلم:" حبك الشيء يعمي ويصم ". قوله:) فإنّ كثرة الآفعال الخ) يعني أنه يحصل من تكرار الفعل ملكة راسخة لا تقبل الزوال وصفة للنفس قارّة فيها فبكثرة المعاصي يرسخ حبها في القلب بحيث لا يزول كالصدا الذي لا يزول بسهولة، فالرين أصل معناه الصد أو الوسخ القارّ شبه به حب المعاصي الراسخ في النفس فهو استعارة مصرّحة واليه أشار صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور، وفي التفسير للرين كما نقله القرطبي عن ابن حنبل والترمذيّ وقوله:
يسود إمّا من التسويد فقلبه منصوب أو من الاسوداد فهو مرفوع فجعل حب المعاصي الراسخ كالصدا المسود للفضة، ونحوها: لستره للونه الأصلي كما أنّ هذا يغيره عن فطرته، ولذا ورد أنّ ذكر الله والاستغفار صيقل القلوب هذا هو المراد، وما قيل من أنّ الذنب لما شغل بغير الله جعل ما حصل منه سوادا أو ظلمة يمنعان الإدراك غفلة عن المراد وتفسير له بما لا يدل عليه كلامه، وقوله: بإظهار اللام لكونها من كلمة أخرى. قوله: (فلا يرونه بخلاف المؤمنين الخ) لما كان الحجاب هو الساتر من ستارة بر وغيرها كحائط استعير تارة لعدم الرؤية لأنّ المحجوب لا يرى ما حجب، وتارة للإهانة لأنّ الحقير يحجب ويمنع من الدخول على الرؤساء ولذا قالت العرب: الناس ما بين مرحوب، ومحجوب أي معظم ومهان وهو بمعانيه محال أن يتصف به الله فلا يصح إطلاقه عليه تعالى كما صرّحوا به وأنما يوصف به الخلق كما قال تعالى:{إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ} الخ فإذا أجرى على اسم من أسمائه تعالى فهو وصف سببيّ لا حقيقيّ بل للتشبيه للخلق وحجبهم عدم رؤيتهم له وهو حاضر ناظر لهم، والرؤية أثبتها أهل الحق فنفيها عمن حجبه من الكفرة والفجرة لا مطلقا. قوله:(ومن أنكر الرؤية الخ) كالمعتزلة، وأمّا عند أهل الحق فعلى ظاهره أو هو كناية عما ذكر من الإهانة والمانعون يجعلونه استعارة تصريحية أو تمثيلية لامتناع إرادة المعنى الحقيقي منه لأنّ تخصيص الحجب بهؤلاء يقتضي أنّ غيرهم غير محجوب فيراه، ولذا استدلّ به على ذلك وغيرهم أوّله بما ذكر، وقوله: أو قدر مضافاً الخ وهو منقول عن قتادة لكنه أراد عمومه للرؤية، وغيرها من ألطافه تعالى. قوله:(ليدخلون النار ويصلونها) هو من الدخول أو الإدخال ولا يتعين الثاني كما توهم، ومعنى يصلونها يحترقون بها لا بمعناه المعروف فإنه غير صحيح هنا مع الدخول وفي نسخة يصلون بها لأنه يتعدّى بنفسه وبالباء كما في القاموس لا لأنّ المعنى غير صحيح هنا كما توهم، وعدل عن الفعلية لأنه دخول! خلود فهو ثابت لا يتغير بعد الوقوع، ولما كان في المستقبل فسره المصنف بالمضارع ليناسب يقال المعطوف عليه لا على الجملة الاسمية وإن صح وقيل: إنه فسر بفعل مجهول من الإدخال ليوافق ما قبله من قوله: محجوبون ويحسن عطف يقال عليه وفيه نظر. قوله: (تقوله لهم الزبانية) أو أهل الجنة، وقوله: تكرير للأوّل في قوله: كلا إن كتاب الفجار فيكون هذا
أيضاً ردعا عن التطفيف، وقوله: ليعقب الخ من عقبه بكذا إذا جاء به على عقبه، وقوله: إشعاراً الخ يعني عقب كلا في الموضعين بما بعده للإشعار بأنّ التطفيف فجور، وأنّ ضده برّ وتقوى كما يفهم من جعلهم أبراراً. قوله:(أو رع عن التكذيب) فلا يكون تكرارا والراح الزبانية أو غيرهم، وقوله: الكلام فيه ما مرّ من قوله: مسطور بين الخ
إلا أنه يبدل قوله ثمة لا خير فيه بلا شرّ فيه، وعليّ فعيل من العلو سمي به لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي درجات الجنان أو لأنه مرفوع في السماء السابعة مع الملائكة المقرّبين تعظيماً له. قوله:(يحضرونه (على أنه من الشهود بمعنى الحضور، وقوله: فيحفظونه إشارة إلى أنّ الحضور عنده كناية عن حفظه في الخارج لا في العلم، والذهن كما توهم أو يشهدون على أنه من الشهادة فقوله: يشهدون معطوف على يحضرونه لا على يحفظونه كما توهم. قوله: (على الأسرة) جمع سرير وهو معروف، والحجال جمع حجلة بفتحتين وهو بيت مريع من الثياب الفاخرة يرخى على السرير يسمى بديارنا ناموسية، وقوله: إلى ما يسرهم لم يقل إلى أعدائهم ليكون ما في آخر السورة تأسيساً فلذا لم يفسره به كما في الكشاف، وقدر هذا بقرينة المقام والمتفرجات جمع متفرجة بصيغة المفعول وهو المكان النزه النضر ذو المياه والخضر، والناس يقولون تفرّج وتنزه إذا ذهب لمثل هذه الأمكنة، وإن لم يستعمله العربيّ القح، وما قيل من أنّ ينظرون بمعنى لا ينامون من تحريف الكلم كقوله: إنّ في تعرف ضميرا على الرفع وفي وجوههم الخ مبتدأ وخبر، وقوله: خالص أي صاف مما يكدر حتى القول. قوله: (مختوم أوانيها بالمسك مكان الطين) لأنّ الختام ما يختم به كما في الصحاح، وقوله: مكان الطين أي في مكانه بأن يجعل بدلاً عنه لأنه لا طين في الجنة وطينها مسك معجون، وأنما ختم بما هو على هيئة الطين ليكون على الشكل المألوف ولأنه يختم كل ما يكرم ويصان، ولذا قال: ولعله الخ فإنه لا حاجة لختمه وليس ثمة غبار أو ذباب أو خيانة ليصان عنه بالختم. قوله: (أو الذي له ختام أي مقطع) أي آخر فإنّ الختم كما يكون بمعنى جعل ما هو كالغطاء على الفم يكون بمعنى بلوغ الآخر، والخاتمة ما يقابل الفاتحة، وهي النهاية على معنى أنّ رائحته تظهر في الانتهاء كأنه للتلذذ والى الغاية إنما تدرك رائحته إذا انقطع الشرب والا فلا وجه للتخصيص والمقطع بفتح الميم الآخر
هنا، وقوله: ما يختم به لأنّ فاعلاً بالفتح يكون اسم آلة كالقالب لكنه سماعي. قوله: (يعني الرحيق الخ) وهذا هو المناسب لما بعده، ولذا قدمه أو لما ذكر من أحوالهم والبعد لعلوّ المرتبة أو لكونه في الجنة، وقوله: فليرتغب المرتغبون افتعال من الرغبة أي يجتهد كل واحد في الرغبة فيه وسبق غيره إليه وهو تفسير بالأخفى، وقوله: وفي ذلك متعلق بقوله: فليتنانس، وقدم للحصر أي فيه لا في خمور الدنيا أو للاهتمام لكنه استشكل ذكر العاطف حينئذ إذ لا يصح وفليتنافس فقيل إنه بتقدير القول أي ويقولون لشدة التلذذ من غير اختيار في ذلك الخ، وقيل: هي على تقدير حرف الشرط أو توهمه وتقديم الظرف ليكون عوضا عنه ويشغل حيزه وهو الأحسن، واعلم أنّ المنافسة فسرت بالمبادرة إلى كمال تشاهده من غيرك فتنافسه فيه حتى تلحقه أو تجاوزه فتكون أنفس منه أو مثله وهو من شرف النفس وعلوّ الهمة والفرق بينه وبين الحسد ظاهر. قوله:(علم لعين بعينها) في قوله بعينها لطف لا يخفى كما في قول الدماميني رحمه الله تعالى:
بداوقدكان اختفى وخاف من مراقبه
فقلت هذاقاتل بعينه وحاجبه
ولا يلزم منع صرفه للعلمية والتأنيث لأن العين مؤنثة إذ هي قد تذكر بتأويل الماء والنهر ونحوه وفي قوله: بعينها إشعار بذلك لأنّ التأنيث في العين لفظي فتأمّل. قوله: (سميت تسنيماً الخ) يعني انه في الأصل مصدر سنمه بمعنى رفعه، ومنه السنام فسميت به لأنها كما قيل: تجري في الهواء فكأنها مرتفع أو لرفعة من يشربها وهذه مناسبة للوضع فليس إشارة إلى التجوّز فيه. قوله: (فإنهم يشربونها صرفاً) الضمير للمقرّبين فشرابهم صرف التسنيم لاشتغالهم عن شرب الرحيم المختوم بمحبة الحيّ القيوم كما قيل:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
وقوله: على المدح بأعني مقدوة، أو الحال من تسنيم لأنه علم ولا يضرّه كونه جامداً لتأويله بمشتق كجارية مع أنه غير لازم، وقوله: والكلام في الباء الخ من كونها زائدة أو بمعنى من أو صلة الامتزاج أو الالتذاذ. قوله تعالى: ( {كَانُواْ} الخ) قيل: الجمع بين الماضحي
والمضارع وتعريف اليوم يدل على أنهم في نعيم الآن، وفيه نظر وقوله: متلذذين بالسخرية قدره لدلالة ما قبله عليه، وقوله: وما أرسلوا الخ هو استهزاء وتهكم بهم، وقوله: فاليوم الخ التفريع للدلالة على أنه جزاء سخريتهم في الدنيا. قوله: (هل أثيبوا) ثوّبه وأثابه بمعنى جازاه