المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم الثاني من شبه الأدلة: - حقيقة البدعة وأحكامها - جـ ١

[سعيد بن ناصر الغامدي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌مدخل كتاب البدعة

- ‌شروط العمل المقبول:

- ‌حقيقة العبادة في الإسلام:

- ‌أساس العبادة ودعائمها:

- ‌ الإنسان عامل مريد *

- ‌ شروط العمل المقبول *

- ‌الشرط الأول: الإخلاص:

- ‌الشرط الثاني: الموافقة للشرع:

- ‌الاعتصام بالسنة

- ‌الاعتصام لغة وإصلاحاً:

- ‌السنة…تعريفها واستعمالاتها

- ‌السنة في الاصطلاح:

- ‌1- السنة بالمعنى العام:

- ‌2- أما السنة بالمعنى الخاص:

- ‌ذم البدع

- ‌ومن الآثار الواردة في ذم البدع:

- ‌لمحة تاريخية عن ظهور البدع

- ‌المبحث الأول:اللمحة التاريخية الموجزة لظهور البدع:

- ‌الفترة الأولى: "فترة ما قبل ظهور البدع

- ‌الفترة الثانية من سنة 36 - 100 ه

- ‌ الخوارج

- ‌الشيعة:

- ‌القدرية:

- ‌المرجئة:

- ‌الفترة الثالثة: 101 - 177ه

- ‌1- غيلان بن مسلم الدمشقي (105ه

- ‌2- الجعد بن درهم توفي بعد عام 118هـ وهو من أهل حران:

- ‌3- الجهم بن صفوان (128ه

- ‌4- واصل بن عطاء (131ه

- ‌5- عمرو بن عبيد بن باب البصري (144ه

- ‌6- مقاتل بن سليمان (150ه

- ‌7- عبد الواحد بن زيد (177ه

- ‌الفترة الرابعة: 178 - 300ه

- ‌ أمهات الفرق الضالة

- ‌1- الشيعة:

- ‌2- الخوارج:

- ‌3- القدرية:

- ‌4- المرجئة:

- ‌5- الصوفية:

- ‌6- المعتزلة:

- ‌7- أشخاص لهم أقوال قامت عليها بدع:

- ‌(أ) ابن كلاب:

- ‌(ب) محمد بن كرام بن عراق أبي عبد الله السجستاني المتوفي سنة 255ه

- ‌(ج) أبو الحسن الأشعري:

- ‌أسباب ظهور البدع

- ‌أحدهما: سبب قدري أزلي:

- ‌والضرب الثاني من أسباب الابتداع:كسبي، وهو على أنواع:

- ‌1- اتباع الهوى:

- ‌2- قلة العلم بالشرع المنزل:

- ‌وفروع جهل المبتدعة بالشريعة كثيرة ومتنوعة منها:

- ‌3- اتباع العوائد:

- ‌1- اتباع الآباء والمشائخ:

- ‌2- اتباع المذهب والطائفة:

- ‌3- ابتاع العادة والعرف والشائع:

- ‌4- أخذ أهل السلطة بها أو سكوتهم عنها:

- ‌5- كون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان:

- ‌6- احتفاء المبتدعة ببعضهم وتعاونهم فيما بينهم:

- ‌موقف السلف من البدع:

- ‌نبذة موجزة لبعض المؤلفات في البدعة ودراسة موجزة لأهمها:

- ‌القسم الأول:

- ‌القسم الثاني:

- ‌القسم الثالث:

- ‌القسم الرابع:

- ‌ أما كتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح:

- ‌أما المآخذ فهي:

- ‌أما كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي:

- ‌ أما كتاب الاعتصام للشاطبي:

- ‌أما كتاب (البدعة تحديدها موقف الإسلام منها) للدكتور عزت علي عطية:

- ‌المعنى اللغوي والاصطلاحي للبدعة

- ‌الباب الأول:تعريف البدعة ومفهومها عند أهل السنة وغيرهم

- ‌الفصل الأول:

- ‌أ - المعنى اللغوي للبدعة

- ‌ب - المعنى الاصطلاحي للبدعة إجمالا ً:

- ‌الفصل الثاني: مفهوم البدعة عند أهل السنة وأدلتهم

- ‌أهل الحديث والأثر:

- ‌أهل الجماعة:

- ‌الفرقة الناجية:

- ‌أتباع السلف:

- ‌الطائفة المنصورة:

- ‌الخلف العدول:

- ‌أصحاب السنن:

- ‌1- البدعة تكون في العبادات والمعاملات:

- ‌2- البدعة تكون في العقائد والأقوال والأعمال:

- ‌خامساً: البدعة هي ما ليس له أصل في الدين:

- ‌المراد بالأصل:

- ‌1- كتاب الله سبحانه وتعالى

- ‌2- سنة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌3- الإجماع

- ‌4- قول الصحابي وفعله:

- ‌وهناك أنواع من المرفوع حكماً

- ‌1- قول الصحابي من السنة كذا:

- ‌2- قول الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا:

- ‌3- قول الصحابي كنا نفعل كذا وكنا نقول كذا:

- ‌4- أن يحكم الصحابي على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو معصية:

- ‌5- إذا قال الصحابي قولاً يخالف القياس:

- ‌حجية قول الصحابي:

- ‌تنوعت مذاهب العلماء في هذه المسألة وانقسمت إلى خمسة مذاهب مشهورة:

- ‌المذهب الأول:

- ‌المذهب الثاني:

- ‌المذهب الثالث:

- ‌المذهب الرابع:

- ‌المذهب الخامس:

- ‌من أسباب الوقوع في الابتداع

- ‌2- الجهل بمقاصد الشريعة:

- ‌وهذه القاعدة الشرعية تصوغ لنا مقاصد شرعية أغفلها المبتدعة فضلوا وأضلوا، منها:

- ‌1- النظر إلى الشرع بعين الكمال لا بعين النقص:

- ‌2- الإيقان بأنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، وبين أحدها مع الآخر:

- ‌3- الإيقان بأن لا تعارض بين العقل الصريح والنص الصحيح مطلقا ً:

- ‌3- عدم التسليم للنصوص الشرعية والانقياد لها:

- ‌أ. رد الأحاديث

- ‌ب. إتباع المتشابه من الأدلة

- ‌جـ. معارضة النصوص الشرعية بالأهواء فالصوفي بالكشف والذوق، والمتكلم بالرأي والمنطق والنظر والقياس الفاسد.. أو بما يسمونه قواعد قطعية ذوقية كانت أو عقلية

- ‌د. الاستدلال ببعض النصوص دون النظر في غيرها

- ‌هـ الاعتماد على الحكايات والرؤى والقياسات والأحاديث الواهية والضعيفة

- ‌4- إحداث قواعد ونظريات عقلية أو ذوقية أو سياسية يسير عليها المبتدع وينقاد لها:

- ‌5- اتباع العوائد والمشايخ:

- ‌6- سوء الفهم للقرآن والسنة: وعدم معرفة أقوال السلف:

- ‌بعض تعريفات البدعة

- ‌1- تعريف عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى

- ‌2- تعريف الزركشي رحمه الله

- ‌3- ابن الأثير

- ‌4- تعريف الجرجاني في كتاب التعريفات:

- ‌5- قول الغزالي في الإحياء:

- ‌6- تعريف محمد عبد الحي اللكنوي الهندي:

- ‌والمفاهيم الخاطئة للبدعة

- ‌1- قول ابن حجر الهيتمي

- ‌2- قول السيوطي في الحاوي:

- ‌3- قول ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري:

- ‌5- قول الشعراني في كتابه المسمى باليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، وهو مصنف لبيان وشرح اعتقاد محي الدين بن عربي:

- ‌6- قول القاضي أبي بكر بن العربي في شرحه للترمذي، عند قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإياكم ومحدثات الأمور)) :

- ‌7- قول يوسف السيد هاشم الرفاعي:

- ‌8- قول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:

- ‌9- قول محمد علوي مالكي عند ذكره لحديث: (كل بدعة ضلالة) :

- ‌القسم الأول: شُبه الأدلة:

- ‌القسم الثاني من شبه الأدلة:

- ‌والعلماء الذين يحتج بأقوالهم المحسنُ للبدع على أقسام:

- ‌القسم الأول:

- ‌القسم الثاني:

- ‌القسم الثالث:

الفصل: ‌القسم الثاني من شبه الأدلة:

‌القسم الثاني من شبه الأدلة:

ما ورد بسند صحيح ووجه الدلالة فيه على خلاف ما فهمه المبتدع، المحسن للبدع، وهذه هي نصوص بعض الأحاديث:

(1)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً".

(2)

عن جرير بن عبد الله قال: (جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابهم حاجة، فحثّ الناس على الصدقة فأبطأوا عنه، حتى رؤى ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلاً من الأنصار جاء بصرّةٍ من وَرقٍ، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سن في الإسلام سنة حسنة فعُمل بها بعده، كُتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، فعُمل بها بعده كُتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء ".

(3)

عن أبري هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحثّ عليه فقال رجل عندي كذا وكذا، قال: فما بقي في المجلس رجل إلا تصدق عليه بما قل أو كثر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من استن خيراً فاستن به، كان له أجره كاملاً، ومن أجور من استن به ولا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن استن سنة سيئة فاستن به فعليه وزره كاملاً، ومن أوزار الذي استن به ولا ينقص من أوزارهم شيئاً ".

ص: 394

فيقول المبتدع في استدلاله بقوله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة حسنة " إن النبي صلى الله عليه وسلم (أجاز لنا ابتداع ما كان حسناً، وجعل في الأجر لمن ابتدعه ولمن عمل به، مالم يشق ذلك على الناس

) .

وعلى هذا المنوال تَردُ استدلالات المبتدعة بهذا الحديث وبقوله: " من دعا إلى هدى، ومن دعا إلى ضلالة

" وقوله: " من استنَّ خيراً فاستن به ومن استن سنة سيئة فاستن به.. " الحديث. وترد شبهتهم ـ من هذه الأدلة ـ على البدع التي يستحسنونها بقولهم: هذه النصوص نَسَبت الاستننان إلى المكلف، وفي هذه دليل على جواز اختراع شيء في الدين، ولي المراد عَملَ سنةٍ ثابتةٍ، لأنه لو كان هذا هو المراد لقال: (من أحيا سنة، أو من عمل بسنة ثابتةٍ أو من عمل بسنتي) ، ونحو ذلك، ولكن الوارد: " من سن سنة "، " من استن خيراً فاستن به " وهذا اللفظ يدل دلالة واضحة على أن من أوجد شيئاً من أمور الخير واقتُدى به فيه، فإنه يُحمد على ذلك بدوام أجره إلى يوم القيامة، بعكس من أحدث شراً، فإنه يُذم ويجازى باستمرار الآثام عليه إلى يوم القيامة.

مناقشة هذه الشبهة:

الناظر إلى نصوص الشريعة لا بد أن يوقن بأنه لا تضاد بينها البتة، ويلزم

ص: 395

من ذلك أن يكون نظره غليها نظراً متكاملاً، فلا يؤمن ببعض ويكفر ببعض، ولا يستدل بنص مُجْتزأ عن النصوص الأخرى أو معزول عنها، كما يفعل غالبية أهل الابتداع، بل لابد من الإحاطة بالنصوص في المسألة التي يريد إصدار الحكم فيها، إحاطة موقن بأنه لا يمكن أن تتناقض النصوص الشرعية الثابتة.

وعلى هذا فلا بد من النظر إلى هذه الأحاديث، التي يستدل بها المبتدع بهذا المعيار، الذي من تجاوزه تخبّط في أحكامه.

فالدعوة إلى الهدُى أو استنان سنة الخير، أو إيجاد السنة الحسنة، كل ذلك لابد أن يكون مضبوطاً بالضوابط الشرعية الثابتة بالنصوص الكثيرة:

وعلى هذا فلا بد من النظر إلى هذه الأحاديث، التي يستدل بها المبتدع بهذا المعيار، الذي من تجاوزه تخبط في أحكامه.

فالدعوة إلى الهُدى أو استنان سنة الخير، أو إيجاد السنة السحنة، كل ذلك لابد أن يكون مضبوطاً بالضوابط الشرعية الثابتة بالنصوص الكثيرة: فمن هذه الضوابط أن العمل الذي يعمله الإنسان مريداً به القربة على الله، لابد أن يكون مشروعاً في أصله، فإذا لم يكن كذلك فهو ابتداع أو ضلال، لقوله صلى الله عليه وسلم:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".

فمن رأى هذا النص الذي كان ينادي به الرسول صلى الله عليه وسلم في خُطَبِهِ، وقارنه مع قوله:" من سن سنة حسنة" أو " من استن خيراً فاستُن به " يجد أن لا تناقض بينها ولا تضاد، فاستنان الخير ليس على إطلاقه بل هو مضبوط بكونه مشروعاً، فإن لم يكن له أصل شرعي معتبر يدل عليه، فهو ابتداع وضلال، حتى ولو كان في ذاته فعل خير.

فملاً صلاةُ الرغائب تعتبر في ذاتها ـ مجردة عما يلحق بها ـ من أفعال الخير لوجود الذكر والتلاوة والتعبد بالركوع والسجود فيها، ولكن فعل الخير هذا لمّا لم يكن له أصل من الشرع، من حيث الهيئةُ والزمان، أصبح من البدع والمنكرات، وهكذا سائر البدع المحدثة في دين الله، وليس اعتبار الخيرية في عمل من الأعمال كافٍ في جعل هذا العمل مشروعاً، حتى يُعلم أن هذا الخير له أصل في الشرع لا من جهته الذاتية المنفصلة، بل ومن جهة ما يتبعه من هيئات وصفات ومتعلقات

ص: 396

ولزيادة التوضيح ترد قصة ابن مسعود رضي الله عنه مع الذين اجتمعوا في مسجد الكوفة، يذكرون الله بصفةٍ جماعية، وبين أيديهم الصحى يذكرون بها فأنكر عليهم ابن مسعود وزجرهم واعتبر عملهم هذا بدعةَ ضلالةٍ، وإحداث على غير هدى، مع أن الذكر في اصله مشروع، وقد وردت أحاديث في فضله، وفضل المجتمعين على ذكر الله، وهو من أمور الخير بلا شك، ولكن ذلك لم يكن مانعاً من إنكار ابن مسعود وتبديعه لهذا العمل، ومع أنه من أعلم أهل زمانه بفضل الذكر ومجالسه، ولكنه لما رأى هؤلاء أحدثوا هيئةً للذكر، وطريقة يتعبدون بها، ولم يكن ذلك معهوداً في عهده صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم رضي الله عنه، وحصبهم حتى أخرجهم من المسجد، ولم ينقل عن أحد منهم أنه احتج بأن:"من استن خيراً فاستُن به كان له أجره كاملاً ومن أجور من استن به".

ولم يعتبر ابن مسعود الخيرية الحاصلة بالذكر، منفصلة عن الخيرية الحاصلة بالاتباع وترك الابتداع، ولذلك أنكر عليهم وبدَّع عملهم.

وهكذا يطرَّد هذا المعنى في سائر الأمور

ثم يقال لماذا يتمسّك المبتدع أو المحسن لبعض البدع بقوله: " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.. " الحديث. ويعرض عن قوله صلى الله عليه وسلم: "

من رغب عن سنتي فليس مني "، مع أنهما متلازمان من حيث المعنى والمقصد.

وهكذا كان فهم السلف ـ رضوان الله عليهم ـ للسنة والمراد بها، كما قال عمر ابن عبد العزيز رحمه الله:(سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً، الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، ومن اقتدى بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً) . وهذا سعيد بن المسيب ـ

ص: 397

رحمه الله ـ ينهى الرجل الذي رآه يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود، فقال له الرجل: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة، قال:(لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة) .

ثم إن الناظر بعين الإنصاف والبحث عن الحق، يجد أن النصوص الذامة للبدع، نصوص عامة تكرر عمومها في أحاديث كثيرة من غير تخصيص، وقول القائل بأن المراد بقوله:" من سن سنة حسنة " الاختراع والابتداع الحسن، يلزم منه التعارض بين الأدلة الثابتة، وهذا غير مقبول، مع أنه قد توضح بأنه لا تعارض مطلقاً وإنما هي من باب المطلق والمقيد

فقوله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة حسنة " وقوله: " من استن خيراً فاستُّن به " من المطلق الذي قُيّدَ بقوله صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وقوله: " من رغب عن سنتي فليس مني " وقوله: " وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " هذا على افتراض أن المراد بقوله: " من سن سنة حسنة " الاختراع والابتداء والإيجاد، مع أن هذا ليس هو المراد، وإنما المراد العمل بما ثبت أنه من السنة، والدليل على أن هذا هو المراد ما يلي:

1-

أن سبب قوله صلى الله عليه وسلم: " نسنة سنة حسنة " حادثة القوم الحفاة العراة الذين لما رآهم صلى الله عليه وسلم خطب في الناس، وحث على الصدقة عليهم، فأبطأ الناس حتى كره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء رجل من الأنصار بصّرةٍ من مال فوضعها، ثم تتابع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سن سنة حسنة.. " الحديث.

ص: 398

فدلت هذه القصة على السنة المقصودة في هذا الحديث وهي العمل بما ثبت كونه مشروعاً، إ السنة التي سنّها الأنصاري رضي الله عنه هي: مبادرته إلى الصدقة التي حضّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هذا السبب لورود الحديث، يتبين أن المراد به عمل ما هو مشروع، وليس إحداث ما ليس مشروعاً ن ثم تسميته سنة حسنة كما فهم المبتدع.

2-

أن قوله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة حسنة " لايمكن حمله على الاختراع والأحداث والابتداء عن غير أصل مشروع معتبر، لأن كون العمل حسناً أو سيئاً قبيحاً لا يُعرف إلامن جهة الشرع

نعم، يدرك العقل حسن الشيء وقبحه، فيما هو متعلق بالمدح والثواب والذم والعقاب، ولكنه لا يستلزم حكماً في فعل العبد، بل يجعل الفعل صالحاً لاستحقاق الأمر والنهي من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقلُ حسنَه، ولكن إدراك العقل حسن الشيء، لا يلزم منه حكماً بالوجوب أو الاستحباب، بل الحكم من خطاب الشارع، فلو لم يرسل الله رسولاً، لم يكن هناك أمر ولا نهي ولا عقاب، ولا أدرك العقل مصلحةَ أو مفسدةَ الفعل، ومن هنا يقال: بأن حسن الشيء وقبحه وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، يأتي كل ذلك من قبل الشرع والعقل يدرك الحسن والقبح، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو وسط في هذا الباب، بين المعتزلة الذين يقولون بأن الحسن والقبح عقلي لا يتوقف معرفته وأخذه عن الدليل السمعي، والأشاعرة الذين قالوا بأن العقل لا يدرك حسن الشيء ولا قبحه مطلقاً، وإنما الحسن ما حسّنه الشرع، والقبح ما قبّحه الشرع.

ومذهب أهل السنة هو الوسط الذي قال بإدراك العقل حسن الشيء وقبحه، ولكن بدون أن يكون مستلزماً لأمرٍ أو نهي أو ثواب أو عقاب، لأن

ص: 399

ذلك من خصائص الشارع الحكيم

ومن هنا نقول بأن استحسان العقل أو الذوق لفعل من الأفعال لا يكون مبرراً لإٌحداثه واعتباره سنة حسنة، لأنه لو اعتبر ذلك، من غير نظر إلى حكم الشارع لا نفرط عقد الشريعة، ولقال كل من شاء ما شاء، ولفعل كل إنسان ما أملاه عليه عقله أو ذوقه، فإذا عُلم ـ مع ما سبق ـ مقدار تنوع عقول الناس وأفهامهم وأذواقهم، عُرف كم في حشايا القول باستحسان البدع من خطرٍ على الدين، وافتئات على الله وشرعه القويم الكامل، الذي قال فيه جل وعلا:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِيناً} .

ومن الأدلة التي اشتبهت على محسنّني البدع:

1-

حديث وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: (جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله عن البر والإثم فقال: " جئت تسأل عن البر والإثم؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما جئتك أسألك عن غيره، فقال: البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك الناس) .

وفي لفظ: " استفت نفسك، البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس،

ص: 400

والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس ".

وبمعنى حديث وابصة حديث أبي ثعلبة الخُشني. قال: (قلت: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي ويحرم علي، قال فصعّد النبي صلى الله عليه وسلم وصوّب فيّ النظر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، وأُم ما لم تسكن غليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون

" الحديث.

2-

عن أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه قال " (سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم " ما الإثم؟ قال: إذا حكّ في نفسك شيء فدعه، قال: فما الإيمان؟ قال: إذا ساءَتك سيئتُك، وسركتك حسنتك، فأنت مؤمن) .

ص: 401

3-

وبمعنى ما مضى: عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم؟ فقال البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) .

وهذه الأحاديث الأربعة بمعنى متقارب، يستدل بها وبأمثالها من الأحاديث والآثار، المحسّن للبدع، على أن معناها الرجوع في الأمور الحادثة في الدين إلى ما يقع بالقب، ويهجُس في النفس، فإذا اطمأنت إليه النفس ولم تجد حرجاً فهو صحيح حسن، يصلح أن يكون قربة، لأنه بِرّ يجازي الله عليه بالثواب.

وأما إذا تحرّجت النفس فيه وارتابت وترددت، فإنه، قبيح يحظر الإقدام عليه، ولا يصلح أن يكون قربه لكونه مأثماً.

وإن في مجموع هذه الأحاديث، دليلاً على أن الاستحسان والاستقباح الذي يقع بالقلب، أمر يصح الاعتماد عليه لقوله:" استفت قلبك ".

وفيه دلالة واضحة على أن لاستحسان العقول وميل النفوس أثراً في شرعية الأحكام.

مناقشة هذه الشبهة:

تتعلق هذه الأحاديث بأمور عدةٍ، منها ما يخص الكلام عن البدعة، ومنها ما تدخل فيه البدعة من وجه دون وجه، ومنها ما لاعلاقة له ببحث البدعة، وسيكون الكلام عن القسمين الأولين وهما يدوران حول الأمور التالية:

ص: 402

1) الإلهام ومتى يعتبر ومتى لا يعتبر؟

2) متى يصح استفتاء القلب؟

3) المتشابه.

4) دليل الحكم ومناط الحكم.

والكلام على الأمرين الثالث والرابع منضوٍ ـ مع غيره ـ تحت الأمر الثاني أما الأمر الأول فهو:

(1)

الإلهام:

ويراد به ما يُلقى في روح الإنسان من علم أو عمل أو إرادة. وقد يسمى العلم اللدنّّي.

وبين الإلهام وكلّ من التحديث والفراسة والإعلام بلا واسطة والكشف، عموم وخصوص من حيث الحقيقة والمتعلق، وتنقسم كل هذه المعاني من حيث الحكم إلى قسمين:

الأول: حق في ذاته ومتعلقاته، وهو ما كان ثمرة العبودية والمتابعة والصدق مع الله، والإخلاص له، وبذلك الجهد في تقلي العلم من مشكاة رسوله صلى الله عليه وسلم وكمال الانقياد له.

الثاني: باطلٌ وشر في ذاته ومتعلقاته، وهو ما كان ثمرة للإعراض عن الوحي وتحكيم الهوى والشيطان، وما تشتهيه الأنفس.

وعلى ذلك فإن الإلهام الذي يقع في روع المسلم إما أن يكون رحمانياً أو

ص: 403

شيطانياً، ويُعرف ذلك بحال صاحبه، كما تقدم، ويعرف كذلك بالشيء المُلهَم به، فإن كان ما وقع في القلب من علم أو إرادة أو عمل، مضاداً للشريعة بالابتداع، وللكتاب والسنة بالاستدراك والأحاديث، فهو إلهام شيطاني، كما يقع لكثير من الصوفية وغيرهم المبتدعة، وإن كان الذي وقع في القلب إنما هو من باب الترجيح بين الأدلة المتكافئة، أو النظر في مناط الحكم، أو عند الاشتباه بين الحلال والحرام ونحو ذلك، وكان الذي وقع عليه الإلهام ممن شرح الله صدره بالإيمان، ووفقه للعلم النافع، وهداه للاعتصام بالسنة، فهو إلهام رحماني، يعتبر دليلاً في حقه، وترجيحُهُ بهذا الإلهام ترجيحٌ شرعيٌ، بشرط أن لايكون مخالفاً للشرع.

وبهذا التقسيم يمكن معرفة المعتبر من غيره في مسألة الإلهام، التي يُستَدل عليها بالأحاديث السابقة، وغيرها من الأحاديث والآثار.. ويمكن معرفة مراد السلف في إنكارهم وذمهم للمتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند على دليل شرعي بل إلى مجرد رأي وذوق، وكذلك إنكارهم للكلام في مسائل الحلال والحرم، بمجرد الرأي، من غير دليل شرعي.

ومع هذا الإنكار ورد عنهم اعتبار الرجوع إلى ما في القلب عند الاشتباه والترجيح، ونحو ذلك من الحق الذي دلت عليه النصوص النبوية، وفتاوى الصحابة.

بحيث لا يكون في ذلك الرجوع، خروج على قاعدة " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وقاعدة " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "

وبهذا التقسيم المضبوط بالشروط، يتضح موقف من قبل الإلهام من أهل الأصول، ومن

ص: 404

رده بيد أنه يجب التنبه إلى أن هذا الباب ولج منه مبتدعة الصوفية والرافضة، إلى اعتقادات هي غاية في الضلال والزندقة، حيث جعلوا ما يقع في القلب بمثابة الوحي من الله، وفي منزلته في وجوب اتباعه، فاعتقدت الاثنى عشرية العصمة في أئمتهم، واعتقدت الصوفية مثل ذل في مشائخهم. كقول أحدهم عند كلامه عن الإلهام: (وإن تأملت في مقامات الأولياء ومواجيدهم وأذواقهم ـ وذكر مجموعة من الصوفية ثم قال: علمت أن ما يلهمون به لا يتطرق إليه احتمال وشبهة، بل حقٌ حقٌ حق، مطابقٌ لما في نفس الأمر ـ على أن قال ـ وإن تأملت في كلام الشيخ الأكبر خليفة الله في الأرضين، خاتم فص الولاية: الشيخ محي الملة والدين، الشيخ محمد بن العربي قُدس سره، ووفقنا لفهم كلماته الشريفة، لما بقي لك شائبةُ وهمٍ وشكٍ في أن ما يُلهمون به من الله تعالى

) .

وهذا كله من الضلال الذي يُعارض دين الله، فيس لأحد كائناً من كان اعتقادَ الشريعة والعصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بذوق ولا برأي ولا بكشف، ومن اعتقد ذلك فقد خلع سربال العبودية لله تعالى، وارتدى مرقعات الإشراك، فتعوذ بالله من الضلال.

وجماع القول في باب الإلهام الذي يحتج به طوائف من أهل الابتداع، ويستدلون عليه بأحاديث استفتاء النفس والقلب ما يلي:

1) الإلهام والكشف منه ما هو حق وصواب، ومنه ما هو باطل وضلال. .

2) الإلهام الحق هو الذي توفرت فيه وفي صاحبه هذه الأمور:

(أ) الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ظاهراً وباطناً، وكمال الانقياد لها والتحلّي بالتقوى والإخلاص والمتابعة.

ص: 405

(ب) أن يكون تابعاً لحكم شرعي، ولدليل من الوحي لا مستأنفاً لحكم من عنده، أي أنه ليس بدليل منفصل ولا مستقل.

(ج) أن يكون موافقاً للكتاب والسنة، وغير متعارض معهما، لنه لو كان يأتي الإنسان من الله مالا يحتاج عرضه على الكتاب والسنة، لكان مستغنياً عن الرسول في بعض دينه وهذا كفر.

3) الإلهام والتحديث والكف، الواقعة للمؤمن التقي المتبع للسنة، منه ما هو خطأ، ومنه ما هو صواب، والكتاب والسنة تميز صوابه من خطئه.

4) الأصل في رد الأحكام والفتيا في الأعمال والأخبار، إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك من اجتهاد أو نظر أو إلهام فهو تابع في منزلته وحكمه للنقل، لأنه هو حجة الله على خلقه.

5) الإلهام الحق لا يقع في كل شيء، بل هو واقع في حيز الأمور التي يصح استفتاء القلب فيها، وهذا هو الأمر الثاني الذي يجري الحديث عنه.

(2)

متى يصح استفتاء القلب؟

وقد مر ذكر ذلك عرضاً في مسألة الإلهام، وهنا بعض التفصيل:

1-

لايوجد أمر من أمور الدين إلا قد بينه الله ووضّحه رسوله صلى الله عليه وسلم أكمل توضيح، كما قال تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلَامَ دِيناً} .

وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك".

ص: 406

وهذا الأصل لا ينكره إلا زائع هالك.

2-

ينبني على هذا الأصل، أن المرجع في الأمور كلها، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمنها التشريع وإليهما التحاكم، كما قال تعالى:{وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} إلى قوله سبحانه ـ {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللهُ وَلَا تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللهُ إِليْكَ

} .

وقد حظر على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم العمل والحكم بغير الوحي فقال عز وجل: {إِنّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللهُ} (فأمره بالحكم بما أراه الله، لا بما رآه هو أو حدثته به نفسه، فغيره من البشر أولى أن يكون ذلك محظوراً عليه) .

وهذا أصل ثان، وعليه من أدلة الكتاب والسنة وأقواله الصحابة والتابعين ما يفوق هذا الحيز المختصر.

1-

عند النظر إلى حديث " استفت نفسك "و " استفت قلبك " وما في معناه، فإنه يجب إلحاقها بالأصلين السابقين، فمتى ظن أحدٌ أن استفتاء القلب هو

ص: 407

بإيجاد حكم مستقل عن الدليل الشرعي، فقد ضل ضلالا بعيداً.

2-

وارداتُ القلوب من إلهام وكشف وتحديث ونحو ذلك، تدخل عند العلماء في الأمور التالية:

أ- الاشتباه في الأمر هل هو بِرّ أو إثم، حلال أو حرام

والبدعةُ ليست من المشتبه، بل هي واضحة الحكم في قوله صلى الله عليه وسلم "كل بدعةٍ ضلالة " وقوله:" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"

ب- عند الترجيح بين الأدلة الشرعية المتكافئة، عند من هو أهل للنظر والترجيح علماً وإخلاصاً واتباعاً

ليست البدعة من هذا الباب حتى يُستفتي القلب فيها، بل هي داخلة تحت الأدلة الشرعية المحكمة، الدالة كلها على أن كل ابتداع شر وفساد.

جـ- (الله سبحانه وتعالى فطر عباده على الحنيفية: وهو حب المعروف، وبغض المنكر، فإذا لم تَسْتحِلْ الفطرة فالقلوب مفطورة على الحق، فإذا كانت الفطرة مقومة بحقيقة الإيمان، منّورة بنور القرآن، وخفي عليها دلالة الأدلة السمعية الظاهرة، ورأى قلبه يرجح أحد الأمرين، كان هذا أقوى الأمارات عند مثله) .

وهذا الكلام هو معنى " البر ما أطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في صدرك "

د - الترجيح بين المباحات من المِلْك والمال وغير ذلك، إذا تعذر الترجيح بسبب شرعي معلوم وكذلك الحكم في فضول المباحات. فإنه قد يُرجع فيها إلى استفتاء القلب، واعتبار ما يُلهمه الله به.

ص: 408

هـ- النظر في دليل حكم المسألة لابد أن يكون من الكتاب والسنة، أما النظر في مناط الحكم، فإنه لا يلزم أن يكون المناط ثابتاً بدليل شرعي فقط، فيصح استفتاء القلب في مناط الحكم إذا لم يكن منصوصاً عليه، ومثال ذلك: إذا سأل العامي عن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة، إذا فعله المصلي هل تبطل صلاته أم لا؟ فقال له العالِم إذا كان الفعل يسيراً لم تبطل، وإن كان كثيراً بطلت صلاته

كان ذلك كافٍ في أن ينظر العامي في الفعل الذي هو مناط الحكم، فيميز بين اليسير والكثير، وفي هذا المثال الأدنى دليل على ما هو أعلى في مسألة مناط الحكم، ومثله الدم الفاحش على الثوب وحكمه في الصلاة

وهذا التفريق بين دليل الحكم ومناط الحكم، هو ما يمكن أن يطلق عليه من وجه آخر الأحكام الكلية، والأحكام المعينات.

(فإن الشارع بين الأحكام الكلية وأما الأحكام المعينات التي تسمى تنقيح المناط، مثل كون الشخص المعين عدلاً أو فاسقاً، أو مؤمناً، أو منافقاً، أو ولياً لله، أو عدواً له، وكون هذا المعين عدواً للمسلمين يستحق القتل، وكون هذا العقار ليتيم أو فقير يستحق الإحسان إليه، وكون هذا المال يُخاف عليه من ظلم ظالم، فإذا زهد فيه الظالم انتفع به أهله، فهذه الأمور لا يجب أن تعلم بالأدلة الشرعية العامة الكلية، بل تعلم بأدلة خاصة تدل عليها.

ومن طرق ذلك الإلهام، فقد يُلهم الله بعض عباده حال هذا المال المعين، وحال الشخص المعين، وإن لم يكن هناك دليل ظاهر يشركه فيه غيره ". وهذا المعنى لا ينطبق على المحدثات بوجهٍ من الوجوه، لأن أدلتها العامة الكلية من أوضح الواضحات في دين الله، فلا يرجع فيها بحال من الأحوال إلى الإلهامات، أو زوال الحرج في النفس والقلب، لأنها منضوية تحت الأحكام الكلية في الشريعة، وجميع

ص: 409

المعينات من الحوادث والبدع لا تخرج عن الأدلة الشرعية العامة الكلية، الناهية عن الابتداع والآمرة بالإتباع.

وعلى كل ما سبق يتبين أن البدعة لا تدخل في الأمور التي يستفتى فيها القلب، لكونها بيّنة الحرمة والقبح، غير مشتبهة، ولكون أدلتها الشرعية ناصة على ذلك، ولكونها من المنكر والإثم الذي لا تخفى أدلته السمعية على أحد، وليست من المباحات حتى ينظر فيها بمسبار الحرج القلبي أو عكسه، وليست من أبواب تنقيح المناط.

ص: 410

ومن الأدلة التي اشتبهت على محسني البدع:

ما ورد عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، من وصف ٍ لبعض الأعمال بأنها بدعة، من غير ذم ٍ لها:

1-

كقول عمر رضي الله عنه عن صلاة التراويح جماعة ً: (نعمت البدعة هذه) .

2-

وقول غضيف بن الحارث الثمالي رضي الله عنه: (بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء إنا قد أجمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ ، قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبكم إلى شيء ٍ منهما، قال: ولم؟ ، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أحدث قوم ٌ بدعة ً إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنة ٍ خير ٌ من إحداث بدعة) .

3-

عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: (صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف علي فلم يقنت، ثم قال: يا بني إنها بدعة) .

ص: 411

4-

قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما سأله مجاهد، وعروة بن الزبير عن الناس الذين يصلون الضحى في المسجد، قال (بدعة) .

وفي لفظ عند عبد الرزاق في المصنف أنه قال: (لقد قتل عثمان، وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئا ً أحب إلي منها) .

وفي لفظ عنده أيضا ً من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر أنه قال: (قد أصيب عثمان، وما أحد يسبحها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي

) . الأثر.

وفي مصنف ابن أبي شيبة عن الحكم بن الأعرج قال: (سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة) ، وقد أورد ابن أبي شيبة هذا الأثر أيضا ً

ص: 412

عن الحكم بن الأعرج، قال:(سألت محمداً عن صلاة الضحى، وهو مسندٌ ظهره إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بدعة ٌ ونعمت البدعة) .

وفي مصنف ابن أبي شيبة عن سعيد بن عمرو القرشي قال: (ابتعت أبا عبد الله بن عمر لأتعلم منه، فما رأيته يصلي السبحة، وكان إذا رآهم يصلونها قال: من أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذه) .

وقد احتج المحسّن للبدع بهذه الآثار زاعماً أن الصحابة استحسنوا بعض البدع، فوصفوا بعض المحدثات بأنها: نعمت البدعة، وأنها من أمثل ما أُحدث، أو أحب ما أُحدثه الناس، أو أحسن ما أحدثوا، وسكتوا عن النهي عن بعض البدع مكتفين بوصفها بأنها بدعة، وهذا كاف ٍ في اعتبار أن بعض المحدثات كانت محبوبة ومستحسنة عند الصحابة رضوان الله عليهم، وفي هذا دليل ٌ على أن عموم " كل بدعة ضلالة " مخصص عندهم، إذ لو كان الأمر على إطلاقه لما صح وصف الصحابة لبعض البدع بالحسن أو نعتها بألفاظ التفضيل، كنِعْمَ وأحبُّ

ص: 413

وأمثلُ وأحسن ُ ونحو ذلك، مما يدل على أن وصف الضلالة، إنما يخص البدع القبيحة والسيئة، أما البدع الحسنة فمحمودة ٌ مثاب ٌ عليها

ولمناقشة هذا القول، والأدلة التي يستدل بها المحسِّن للبدع يحسُن أن يكون الكلام على الآثار التي استدل بها، ثم على المعنى المراد من هذه الآثار:

1-

أما حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جَمْع الناس لصلاة التراويح على إمام ٍ واحد فنصه عند البخاري بسنده عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة ً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع ٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ثم خرجت معه ليلة ً أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله) .

واحتجاج محسِّن البدع بهذا الحديث منقوض بما يلي:

أولا ً: أن فعل عمر رضي الله عنه، حينما جمع الناس في التراويح على إمام ٍ واحدٍ مأخوذٌ من فعله صلى الله عليه وسلم، كما روى البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها أخبرت: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة ً من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال ٌ بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بصلاته، فلما كان الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما

ص: 414

قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك) .

ففي هذا الحديث النص الصريح على أن الناس اجتمعوا على إمام ٍ واحدٍ في عهده صلى الله عليه وسلم، وبفعله عليه الصلاة والسلام، وأنه إنما ترك ذلك رأفة ً بأمته، وخشية ً منه عليه الصلاة والسلام أن تفرض عليهم، وقد ذكر هذا المعنى الحافظ في الفتح نقلا ً عن بعض العلماء عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما رأى الناس يصلون أوزاعا ً قال: (لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل

) .

قال: (

استنبط عمر ذلك من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم من صلى معه في تلك الليالي، وإن كان كره ذلك لهم، فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم - إلى أن قال ناقلا ً عن غيره - قيام رمضان سنة؛ لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم خشية الافتراض) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض رده على الذين يحتجون بقول عمر: (نعمت البدعة) على حسن بعض البدع:

(أما قيام رمضان فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنه لأمته، وصلى بهم جماعة ً لعدة ليال، وكانوا على عهده يصلون جماعة ً وفرادى، لكن لم يداوموا على جماعة ٍ واحدةٍ؛ لئلا تفرض عليهم، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم استقرت الشريعة، فلما كان عمر رضي الله عنه، جمعهم على إمام واحد، وهو أُبي بن كعب رضي الله عنه الذي جمع الناس عليها بأمر من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه هو من الخلفاء الراشدين، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

ص: 415

(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ

) .

وقال عليه رحمة الله في الاقتضاء: (فأما صلاة التراويح فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله في الجماعة - إلى أن قال - ولا صلاتها جماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة أو شهر رمضان ليلتين بل ثلاثا ً، وصلاها أيضا ً في العشر الأواخر في جماعة مرات - إلى أن قال - وكان الناس يصلونها جماعات في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم وهو يقرهم، وإقراره سنة ٌ منه صلى الله عليه وسلم ، وبمثل قول شيخ الإسلام هذا قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله والشاطبي في الاعتصام.

ثانيا ً: أن قول عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه) ، ينصرف إلى البدعة اللغوية لا الشرعية، وذلك لأمور:

الأول:

أن صلاة التراويح جماعة قد ثبت فعلها جماعة ً على إمام واحد في عهده صلى الله عليه وسلم فلا يمكن أن يسمي عمر هذه السنة الثابتة بدعة إلا من باب اللغة.

الثاني:

أن صرف قول عمر إلى البدعة اللغوية هو الأولى والأجمل بالفاروق ومنزلته رضي الله عنه، فهل يعقل أن يرضى عمر بالبدعة في دين الله وقد تلقى مع غيره من الصحابة قول النبي صلى الله عليه وسلم:(كل بدعة ضلالة) ؟ ! مع ما عرف عنه رضي الله عنه من حرص على اتباع السنة ومحاربة البدعة، بل وقطع كل ذريعة تؤدي إلى البدعة

ص: 416

الثالث:

أنه يرد في استعمال الصحابة بعض المصطلحات الشرعية بمعانيها الأصلية في لغة العرب، كقول أُبي بن كعب رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم:(أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذا ً تكفى همك ويغفر لك ذنبك) .

ومراده بقوله صلاتي: " دعائي "، كما في الرواية الأخرى للحديث ألا أجعل دعائي لك كله) .

وكقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر ٍ من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له

) الحديث.

والمراد: أنه طأطأ رأسه وانحنى له، ففي لسان العرب: (أسجد الرجل: طأطأ رأسه وانحنى، وكذلك البعير.

قال الأسدي أنشده أبو عبيد:

وقلن له اسجد لليلى فاسجدا يعني بعيرها أنه طأطأ رأسه لتركبه) .

والسجود بالمعنى الشرعي هو: الجلوس على الأعضاء السبعة عبادةً لله سبحانه.

وليس هذا هو مراد أم المؤمنين في وصفها للبعير، وإنما مرادها المعنى اللغوي، وكذلك لفظ الصلاة في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أراد به المعنى اللغوي، قال في لسان العرب نقلا ً عن ابن الأثير: (وقد تكرر في الحديث ذكر الصلاة

ص: 417

وهي العبادة المخصوصة وأصلها الدعاء في اللغة) .

ومن هذا الباب قول عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه) أراد بها البدعة بالمعنى اللغوي، وكان هذا المعنى معروفا ً في لغة العرب، فكانت تطلق لفظ البدعة على الأمر الجديد، كما روى الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد الديلي قال:(إني لمع أبي، رجل ٌ شاب ٌ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع القبائل ووراءه رجل ٌ أحول وضيء ذو جمة ٍ يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة يقول: يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ً، وأن تصدقوني حتى أُنفِذَ عن الله ما بعثني به، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالته قال الآخر من خلفه، يا بني فلان إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الحي بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه، فقلت لأبي من هذا؟ فقال: عمه أبو لهب) .

وقد فهم جماعة من العلماء هذا المراد من قول عمر رضي الله عنه ونصوا على ذلك في كلامهم، وإليك قول طائفة منهم على سبيل التمثيل:

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في جامع العلوم والحكم: (فكل من أحدث شيئا ً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريءٌ منه، وسواء ٌ في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام ٍ واحد ٍ في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: (نعمت البدعة هذه) .

ص: 418

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:

(

أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فُعل ابتداء ً من غير مثالٍ سابق ٍ، وأما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه دليل شرعي - إلى أن قال - ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وقد عُلم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد به كل عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاء به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم .

وقال رحمه الله:

(

كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة، وما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة، كما قال:(نعمت البدعة هذه)

) .

وقال في موضع ٍ آخر:

(ولا يحتج محتج بجمع التراويح ويقول: (نعمت البدعة هذه) فإنها بدعة في اللغة

) .

وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره:

(والبدعة على قسمين: تارة ً تكون بدعة ً شرعية ً كقوله: " فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "، وتارة ً تكون بدعة ً لغوية ً، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم (نعمت البدعة هذه) .

ص: 419

وتحدث الشاطبي معبرا ً عن ما يشبه هذه المعاني في معرض رده على المستحسن للبدع، والمستدل عليها بقول عمر رضي الله عنه، فقال: (

إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه، لا لأنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؛ لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه

) .

وقال في موضع ٍ آخر موجها ً كلام العز في تسمية بعض المصالح المرسلة بدعا ً: (

وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعاً في اللفظ كما سمى عمر رضي الله عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة) .

ثالثا ً:

لو افترض أن هذا الفعل من عمر رضي الله عنه ليس له دليل من السنة، ولا يصح صرف معنى قوله:(نعمت البدعة) إلى المعنى اللغوي، فإن فعله رضي الله عنه محل اقتداء لكونه من الخلفاء الراشدين الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتزام سنتهم حيث قال:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ".

وإلى هذا المعنى أشار ابن رجب رحمه الله عند كلامه على معنى قول عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه) حيث بين أنه هذا العمل له أصل في الشريعة، ثم ذكر أدلة المشروعية، فقال: (ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .

ص: 420

وأشار لهذا المعنى أيضا ً شيخ الإسلام فقال: (فلما كان عمر رضي الله عنه جمعهم على إمام واحد، والذي جمعهم أٌبي بن كعب جمع الناس عليها بأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعمر هو من الخلفاء الراشدين، حيث يقول صلى الله عليه وسلم " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ " يعني بالأضراس لأنها أعظم في القوة)، وأشار لهذا المعنى كذلك: الحافظ أبو موسى الأصفهاني في المجموع المغيث حيث قال:

(وقيام شهر رمضان في حق التسمية غير بدعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " و " اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر ٍ وعمر ") .

2-

وأما حديث غضيف بن الحارث عن رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد الصبح والعصر وقوله فيها:

(أما أنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبكم إلى شيء ٍ منها) فالجواب على احتجاج محسن البدع به، من أوجه:

الأول: أن الحديث ضعيف الإسناد فلا يصح الاحتجاج به، وإنما أوردته هنا مع أن محله القسم الأول الذي فيه الأدلة الضعيفة والموضوعة التي يحتج بها المبتدع؛ لكونه يتشاكل مع حديث:(نعمت البدعة) وحديث ابن عمر: (إنها لمن

ص: 421

أحب ما أحدث الناس إلي) وقوله عن صلاة الضحى: (من أحسن ما أحدثوا سبحتهم هذه) ووجه المشاكلة أن المبتدع وجد في هذه الآثار شبهة تعلق بها، وهي ثناء هؤلاء الأجلاء على بعض ما رأوه من أعمال، ووصفهم لها بالحسن أو الأفضلية، مع أن المعنى على خلاف ما فهمه المبتدع كما مر تفصيل ذلك في حديث عمر (نعمت البدعة) أما وجه ضعف حديث غضيف بن الحارث فهو أن فيه أبا بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني وهو ضعيف، قال ذلك عنه أحمد وغيره، وقد روي عن أبي بكر بن عبد الله بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعن هذا الحديث.

الثاني: وعلى افتراض صحة هذا الأثر عن غضيف بن الحارث فإنه لا حجة فيه لمحسن البدعة؛ لأنه وصف هذا العمل بالبدعية، وتبرأ من إجابة عبد الملك بن مروان على شيء ٍ منها، ثم أردف بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم:" ما أحدث قوم ٌ بدعة ً إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة ٍ خير من إحداث بدعة ".

وكل ذلك يدل على ذمه للبدعة وبراءته منها، وليس في هذا الأثر ما يدل على حسن البدعة، بل الذي فيه قبح سائر البدع صغيرها وكبيرها.

ص: 422

الثالث: قوله: (إنهما أمثل بدعتكم) ليس فيه ثناء على البدعة بل حقيقة هذا القول، ومعناه الذي يتناسب مع سياق الحديث ولغة العرب، أنه وصف هذا العمل بالبدعة التي تقرر عند جميع الصحابة ضلالتها وفسادها.

أما لفظة.. (أمثل) فإنها تأتي في لغة العرب بعدة معان، منها قولهم: (المريض اليوم أمثل، أي أحسن حالا ً، من حالة ٍ كانت قبلها

ويقال: هذا أمثل من هذا أي أفضل وأدنى إلى الخير

) .

وهذا المعنى يمكن أن يطلق على هذه البدع التي أنكرها الصحابي على عبد الملك، فهي بمقارنتها بالبدع الأخرى تعتبر أحسن حالاً وأخف شرا ً، وهي بالنظر إلى ما يخالطها من أعمال مشروعة تعتبر من البدع الإضافية، التي اختلط العمل المشروع فيها بما ليس له أصل في الشريعة، هذا وقد ورد في لغة العرب صيغ على وز أفعل لا يراد بها التفضيل.

3-

وأما حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه في القنوت، فقد احتج

ص: 423

به المحسن للبدع على أنه وصف القنوت في الصلاة بالبدعة ولم يزد، ولم يصف البدعة بالضلالة أو الفساد أو نحو ذلك مما يشعر استقباحه للبدعة، فسكوته عن وصف البدعة يدل على عدم ذمه لها، ثم إن القنوت في الصلاة أمر يقول به طائفة من أئمة الإسلام، ويعمله طوائف من المسلمين قديما ً وحديثا ً

ومع أنه عبادة محضة ولكنها لم تكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا على عهد خلفائه الراشدين كما نص على ذلك حديث أبي مالك الأشجعي، ثم مضى العمل بالقنوت بعد ذلك، وقال به وعمله أئمة الدين، وهذا يدل على أن الأمر إذا كان حسناً جاز العمل به، وإن لم يكن له دليلٌ ينص عليه

ولمناقشة هذه الشبهة ترد هذه الأمور:

الأول: أن هذا الأثر في دليلٌ على ذم البدعة، وحرص الصحابة على التحذير منها، فهذا الصحابي الجليل لما رأى القنوت في صلاة الفجر في عصر بني أمية، ولم يسبق له أن رأى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه الراشدين، وحكم بأن هذا العمل بدعة، وفي رواية الترمذي وأحمد (أي بنيَّ محدث) وفي رواية ابن أبي شيبة (يا بني َّ هي محدثة) .

ص: 424

وهذا دليل ٌ واضح ٌ على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يقيسون العمل من حيث البدعية وعدمها على المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، فما كان ثابتا ً عنهم فهو سنة يقتدى بها، وما لم يكن فهو محدثة وبدعة

وأما قوله عن القنوت بأنه بدعة فإنه كاف ٍ في الذم والتحذير، بحسب ما بلغ هذا الصحابي من العلم في هذه المسألة؛ لأنه قد استقر عند الصحابة رضوان الله عليهم أن البدعة بالمعنى الشرعي مذمومةٌ، وهذا هو وجه وصفه للقنوت بأنه بدعة ٌ، على أن هذا اجتهادٌ منه، أو على أنه قصد مطلق القنوت في كل صلاة فجر.

الثاني: القنوت يُراد به في الشرع عدة معان، أحدها: إطالة القيام للقراءة، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:" أفضل الصلاة طول القنوت ".

والثاني: قنوت الوتر، وهو مشروع، والثالث: قنوت الفجر بعد القيام بعد الركوع الثاني: وهو على قسمين:

الأول: قنوت ٌ عند النوازل وفي مشروعيته أحاديث كثيرة صحيحة.

الثاني: قنوت ٌ مطلق، وهذا ما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خلفاؤه، ولعل هذا هو الذي أنكره الصحابي طارق بن أشيم رضي الله عنه، واعتبره بدعة ٌ محدثة، وهذا التقسيم هو الذي يوجه الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الفجر، والتي قد يبدو من ظاهرها التعارض.

4-

أما حديث صلاة الضحى، وقول ابن عمر رضي الله عنهما (إنهما بدعة)، وقوله:(ما أحدث الناس شيئا ً أحب إلي منها) .

فليس فيها أي مستمسك لمن أراد تحسين بعض البدع، ودليل ذلك عدة

ص: 425

أمور:

أولا ً: ثبت بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى، ولم يداوم على ذلك وثبت أنه حث عليها.

وأداة مشروعية صلاة الضحى كثيرة، منها: ما رواه مسلم وغيره، عن عائشة رضي الله عنها قالت:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعا ً ويزيد ما شاء الله) .

وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:(أوصاني خليلي محمد صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى وأن أوتر قبل أن أنام) .

وفي صحيح مسلم وغيره، عن أبي ذر مرفوعا ً قال:(يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) .

وفي مسند أحمد، والسنن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(قال الله عز وجل: يا ابن آدم لا تعجزن عن أربع كلمات في أول النهار أكفك آخره) .

ص: 426

وفي مستدرك الحاكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب) .

ثانيا ً:

إنكار ابن عمر رضي الله عنهما على الذين يصلون الضحى، وتسميته الفعل بدعة، يجاب عنه بما يلي:

الجواب الأول: في قول الحافظ ابن حجر في الفتح (ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى؛ لأن نفيه محمول ٌ على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس الأمر) .

الجواب الثاني:

يحتمل أن الذي أنكره ابن عمر ليس هو صلاة الضحى، وإنما صفة رآها لاحقة بها، كإظهارها في المسجد، والملازمة لها، وصلاتها جماعة، ونحو ذلك، ذكر هذا الجواب الحافظ ابن حجر في الفتح، والنووي في شرح مسلم، وذكر معناه ابن القيم في الزاد.

الجواب الثالث:

لعل ابن عمر رضي الله عنهما يرى أن صلاة الضحى، تفعل من أجل سبب من الأسباب، وأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى

ص: 427

أنه يفعلها لسبب، كقدومه من سفر، أو فتحه لبلد، أو زيارته لقوم أو إتيانه لمسجد قباء، ونحو ذلك مما ثبتت به الأحاديث الصحيحة، وأما فعلها من غير سبب من هذه الأسباب فلم يثبت عنده، فرأى أن ذلك بدعة، وذلك اجتهاد منه رضي الله عنه.

فعلى الجواب الأول يحمل قوله رضي الله عنه على أنه اجتهاد منه في وصف هذا العمل المشروع بالبدعية، وقد يصيب المجتهد وقد يخطئ.

وأما على الجواب الثاني، والثالث، فإن اعتبار التخصيص بصفة ٍ أو هيئة أو سبب ٍ من الأمور التي يرد فيها الاجتهاد أيضا ً، فعلى اعتبار التخصيص هذا تكون البدعة التي أطلقها ابن عمر رضي الله عنهما على هذا العمل بدعة إضافية، اختلط العمل المشروع فيها بما ليس بمشروع، فعلى اعتبار مشروعية العمل يحمل قوله رضي الله عنه:(ما أحدث الناس شيئا ً أحب إلي منها) .

وعلى اعتبار ما لحق صلاة الضحى من ترك ٍ لسبب ٍ، أو اتصاف ٍ بصفة ٍ كالصلاة جماعة، أو في المسجد ونحو ذلك، يحمل قوله رضي الله عنه حين سئل عن صلاة الضحى، فقال:" بدعة ".

القسم الثاني: شبه من كلام العلماء:

كثيرا ً ما يتعلق المحسِّن للبدع والمرغِّب فيها بعبارات وشبهات من كلام العلماء، يحتج بها على ما يريد مدعيا ً أن هذا الكلام البشري هو التوجيه الصحيح للنصوص الشرعية الواردة في البدعة، وأن العالم الفلاني قال في البدعة كذا وكذا، وهو صاحب علم ٍ وفضلٍ وفهم ٍ، وكلامه في هذه المسألة أولى من كلامنا، وفهمه أولى من فهمنا.

ص: 428