المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ومن أسمائهم: ‌ ‌أصحاب السنن: الذين هم أعلم الناس بكتاب الله، كما قال - حقيقة البدعة وأحكامها - جـ ١

[سعيد بن ناصر الغامدي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌مدخل كتاب البدعة

- ‌شروط العمل المقبول:

- ‌حقيقة العبادة في الإسلام:

- ‌أساس العبادة ودعائمها:

- ‌ الإنسان عامل مريد *

- ‌ شروط العمل المقبول *

- ‌الشرط الأول: الإخلاص:

- ‌الشرط الثاني: الموافقة للشرع:

- ‌الاعتصام بالسنة

- ‌الاعتصام لغة وإصلاحاً:

- ‌السنة…تعريفها واستعمالاتها

- ‌السنة في الاصطلاح:

- ‌1- السنة بالمعنى العام:

- ‌2- أما السنة بالمعنى الخاص:

- ‌ذم البدع

- ‌ومن الآثار الواردة في ذم البدع:

- ‌لمحة تاريخية عن ظهور البدع

- ‌المبحث الأول:اللمحة التاريخية الموجزة لظهور البدع:

- ‌الفترة الأولى: "فترة ما قبل ظهور البدع

- ‌الفترة الثانية من سنة 36 - 100 ه

- ‌ الخوارج

- ‌الشيعة:

- ‌القدرية:

- ‌المرجئة:

- ‌الفترة الثالثة: 101 - 177ه

- ‌1- غيلان بن مسلم الدمشقي (105ه

- ‌2- الجعد بن درهم توفي بعد عام 118هـ وهو من أهل حران:

- ‌3- الجهم بن صفوان (128ه

- ‌4- واصل بن عطاء (131ه

- ‌5- عمرو بن عبيد بن باب البصري (144ه

- ‌6- مقاتل بن سليمان (150ه

- ‌7- عبد الواحد بن زيد (177ه

- ‌الفترة الرابعة: 178 - 300ه

- ‌ أمهات الفرق الضالة

- ‌1- الشيعة:

- ‌2- الخوارج:

- ‌3- القدرية:

- ‌4- المرجئة:

- ‌5- الصوفية:

- ‌6- المعتزلة:

- ‌7- أشخاص لهم أقوال قامت عليها بدع:

- ‌(أ) ابن كلاب:

- ‌(ب) محمد بن كرام بن عراق أبي عبد الله السجستاني المتوفي سنة 255ه

- ‌(ج) أبو الحسن الأشعري:

- ‌أسباب ظهور البدع

- ‌أحدهما: سبب قدري أزلي:

- ‌والضرب الثاني من أسباب الابتداع:كسبي، وهو على أنواع:

- ‌1- اتباع الهوى:

- ‌2- قلة العلم بالشرع المنزل:

- ‌وفروع جهل المبتدعة بالشريعة كثيرة ومتنوعة منها:

- ‌3- اتباع العوائد:

- ‌1- اتباع الآباء والمشائخ:

- ‌2- اتباع المذهب والطائفة:

- ‌3- ابتاع العادة والعرف والشائع:

- ‌4- أخذ أهل السلطة بها أو سكوتهم عنها:

- ‌5- كون المبتدع من ذوي الفصاحة والبيان:

- ‌6- احتفاء المبتدعة ببعضهم وتعاونهم فيما بينهم:

- ‌موقف السلف من البدع:

- ‌نبذة موجزة لبعض المؤلفات في البدعة ودراسة موجزة لأهمها:

- ‌القسم الأول:

- ‌القسم الثاني:

- ‌القسم الثالث:

- ‌القسم الرابع:

- ‌ أما كتاب البدع والنهي عنها لابن وضاح:

- ‌أما المآخذ فهي:

- ‌أما كتاب الحوادث والبدع للطرطوشي:

- ‌ أما كتاب الاعتصام للشاطبي:

- ‌أما كتاب (البدعة تحديدها موقف الإسلام منها) للدكتور عزت علي عطية:

- ‌المعنى اللغوي والاصطلاحي للبدعة

- ‌الباب الأول:تعريف البدعة ومفهومها عند أهل السنة وغيرهم

- ‌الفصل الأول:

- ‌أ - المعنى اللغوي للبدعة

- ‌ب - المعنى الاصطلاحي للبدعة إجمالا ً:

- ‌الفصل الثاني: مفهوم البدعة عند أهل السنة وأدلتهم

- ‌أهل الحديث والأثر:

- ‌أهل الجماعة:

- ‌الفرقة الناجية:

- ‌أتباع السلف:

- ‌الطائفة المنصورة:

- ‌الخلف العدول:

- ‌أصحاب السنن:

- ‌1- البدعة تكون في العبادات والمعاملات:

- ‌2- البدعة تكون في العقائد والأقوال والأعمال:

- ‌خامساً: البدعة هي ما ليس له أصل في الدين:

- ‌المراد بالأصل:

- ‌1- كتاب الله سبحانه وتعالى

- ‌2- سنة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌3- الإجماع

- ‌4- قول الصحابي وفعله:

- ‌وهناك أنواع من المرفوع حكماً

- ‌1- قول الصحابي من السنة كذا:

- ‌2- قول الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا:

- ‌3- قول الصحابي كنا نفعل كذا وكنا نقول كذا:

- ‌4- أن يحكم الصحابي على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو معصية:

- ‌5- إذا قال الصحابي قولاً يخالف القياس:

- ‌حجية قول الصحابي:

- ‌تنوعت مذاهب العلماء في هذه المسألة وانقسمت إلى خمسة مذاهب مشهورة:

- ‌المذهب الأول:

- ‌المذهب الثاني:

- ‌المذهب الثالث:

- ‌المذهب الرابع:

- ‌المذهب الخامس:

- ‌من أسباب الوقوع في الابتداع

- ‌2- الجهل بمقاصد الشريعة:

- ‌وهذه القاعدة الشرعية تصوغ لنا مقاصد شرعية أغفلها المبتدعة فضلوا وأضلوا، منها:

- ‌1- النظر إلى الشرع بعين الكمال لا بعين النقص:

- ‌2- الإيقان بأنه لا تضاد بين آيات القرآن، ولا بين الأخبار النبوية، وبين أحدها مع الآخر:

- ‌3- الإيقان بأن لا تعارض بين العقل الصريح والنص الصحيح مطلقا ً:

- ‌3- عدم التسليم للنصوص الشرعية والانقياد لها:

- ‌أ. رد الأحاديث

- ‌ب. إتباع المتشابه من الأدلة

- ‌جـ. معارضة النصوص الشرعية بالأهواء فالصوفي بالكشف والذوق، والمتكلم بالرأي والمنطق والنظر والقياس الفاسد.. أو بما يسمونه قواعد قطعية ذوقية كانت أو عقلية

- ‌د. الاستدلال ببعض النصوص دون النظر في غيرها

- ‌هـ الاعتماد على الحكايات والرؤى والقياسات والأحاديث الواهية والضعيفة

- ‌4- إحداث قواعد ونظريات عقلية أو ذوقية أو سياسية يسير عليها المبتدع وينقاد لها:

- ‌5- اتباع العوائد والمشايخ:

- ‌6- سوء الفهم للقرآن والسنة: وعدم معرفة أقوال السلف:

- ‌بعض تعريفات البدعة

- ‌1- تعريف عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى

- ‌2- تعريف الزركشي رحمه الله

- ‌3- ابن الأثير

- ‌4- تعريف الجرجاني في كتاب التعريفات:

- ‌5- قول الغزالي في الإحياء:

- ‌6- تعريف محمد عبد الحي اللكنوي الهندي:

- ‌والمفاهيم الخاطئة للبدعة

- ‌1- قول ابن حجر الهيتمي

- ‌2- قول السيوطي في الحاوي:

- ‌3- قول ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري:

- ‌5- قول الشعراني في كتابه المسمى باليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر، وهو مصنف لبيان وشرح اعتقاد محي الدين بن عربي:

- ‌6- قول القاضي أبي بكر بن العربي في شرحه للترمذي، عند قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإياكم ومحدثات الأمور)) :

- ‌7- قول يوسف السيد هاشم الرفاعي:

- ‌8- قول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:

- ‌9- قول محمد علوي مالكي عند ذكره لحديث: (كل بدعة ضلالة) :

- ‌القسم الأول: شُبه الأدلة:

- ‌القسم الثاني من شبه الأدلة:

- ‌والعلماء الذين يحتج بأقوالهم المحسنُ للبدع على أقسام:

- ‌القسم الأول:

- ‌القسم الثاني:

- ‌القسم الثالث:

الفصل: ومن أسمائهم: ‌ ‌أصحاب السنن: الذين هم أعلم الناس بكتاب الله، كما قال

ومن أسمائهم:

‌أصحاب السنن:

الذين هم أعلم الناس بكتاب الله، كما قال ذلك عمر وعلي رضي الله عنهما.

هؤلاء هم أهل السنة الذين هم أهل الإسلام، كأهل الإسلام بين سائر الملل.

والذين (شهادتهم مقبولة على سائر فرق الأمة، بخلاف أهل البدع والأهواء

) .

ولذلك فسوف أذكر هنا مفهوم أهل السنة والجماعة للبدعة على اعتبار أن فهمهم هو الأقوم، ونهجهم في العلم والعمل والاعتقاد هو الأسلم والأعلم والأحكم.

وأريد بالمفهوم عن قولي في هذا الفصل: (مفهوم البدعة عند أهل السنة)، وفي الفصل الثاني الذي يليه:(مفهوم البدعة عند غير أهل السنة) معنيين:

الأول:

فهم هؤلاء وأولئك للنصوص الشرعية الواردة في البدعة وما يترتب على هذا الفهم من تصورات وأحكام وأعمال، وقد جاء في تاج العروس: (

الفهم تصور المعنى من اللفظ) .

ص: 280

الثاني:

ما يستخرج من هذه المفاهيم والتصورات من معان ومدلولات، وقد جاء في اللسان قوله:(فهمت الشيء عقلته وعرفته) .

والبدعة في هذين الفصلين مأخوذة من تعريف حدي مباشر، يدل على المعنى بمنطوقه الصريح، ومأخوذة كذلك من فحوى العبارات وإشارات الألفاظ.

قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله في شرح روضة الناظر: (واعلم أن مراده بالفحوى والإشارة المفهوم، وعُرّف المفهوم بأنه ما يقتبس من الألفاظ من فحواها وإشاراتها، لا من صيغتها) .

وأقصد بالمفهوم هنا المعاني التي يحتويها التعريف صراحة؛ لأنها أساسيات في دلالته، والمعاني التي يتضمنها التعريف إيماءً؛ لأنها من لوازمه أو توابعه.

فقد تكون الدلالة في هذه المعاني كلية، وقد تكون جزئية، وقد تكون مجملة في مواطن، مبينة في مواطن أخرى، وقد تكون جزءاً من الحد في المواضع وتكون في مواضع أخرى احترازاً أو حكماً

ولكنها في مجموعها تعطي تصوراً لمعنى البدعة عند الفريقين.

ص: 281

ثانيا ً: البدعة هي التي تفعل بقصد القربة:

وهذا أصل أصيل عند أهل السنة، يفرقون به بين الفعل الذي يكون بدعة والفعل الذي يكون معصية فقط، وإن كانت البدعة معصية لله سبحانه وتعالى إلا أنها تفوق المعصية في الإثم والحكم.

فالمعصية في أصل وقوعها من حيث العمل والاعتقاد تختلف عن البدعة من جهة ما يقترن بكل ٍ منهما....

فالعاصي لا يعتقد أنه بمعصيته يُرضي الله بخلاف المبتدع فإنه يعتقد في عمله المحدث القربة إلى الله، وهذا هو وجه المفارقة.

ووجه ٌ آخر: هو ما تؤول إليه البدعة من مفاسدٍ حالية ومآلية في الدنيا والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعية أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتب على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير بخلاف المعصية أو المخالفة.

ومن هنا نفهم أن قول سفيان الثوري رحمه الله حين قال: (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها) .

والسبب في عدم توبة المبتدع أنه يرجو بعمله أو قوله أو اعتقاده المحدث القرب من الله، فلا ينفك من ملازمة العمل.

وبسبب كون البدع أشر من المعاصي، وأهلها أضر من أهل الذنوب أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الخوارج، ونهى عن قتال الولاة الظلمة.

ومما جاء عن السلف في اعتبار أن البدعة أشد ضررا ً من المعاصي، ما رواه ابن وضاح بسنده عن أبي بكر بن عياش قال: (كان عندنا فتى ً يقاتل

ص: 291

ويشرب وذكر أشياء من الفسق، ثم أنه تقرَّأ فدخل في التشيع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت، وهو يقول: لأنت يوم كنت تقاتل وتفعل ما تفعل خير منك اليوم) .

والدليل على اختصاص البدعة بوصف قصد القربة، ما ورد في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:(جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالَّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .

وفي لفظ مسلم: (

فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش

) الحديث.

قال الحافظ ابن حجر: (قوله: " فمن رغب سنتي فليس مني " المراد بالسنة الطريقة - إلى أن قال -: والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى - ثم قال - وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة، فيفطر

ص: 292

ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس وتكثير النسل) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (

ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس الملذات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، - ثم ذكر الحديث -

) .

فالإنكار إنما توجه إليهم بسبب قصد القربة بهذا الترك.

ومثل هذا حديث سعد بن أبي وقاص قال: (رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا)، قال النووي:(قال العلماء: التبتل هو الانقطاع عن النساء، وترك النكاح انقطاعاً إلى عبادة الله.. .)

ومن هنا تتقرر هذه القاعدة التي نص عليها الشاطبي رحمه الله حيث قال:

(ولا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المبتدع مشروعا ً، وليس بمشروع) .

فالفعل الذي يقترن به أصل التشريع بإلحاق حكم شرعي له، كالاستحباب أو الوجوب يكون بدعة، فإن لم يقترن به هذا القصد فهو منهي عنه؛ لكونه معصية أو هو عفو.

وباعتبار وصف القربة في البدعة جاء تعريف شيخ الإسلام للبدعة، بأنها

ص: 293

الدين الذي لم يأمر به الله، ولا يخفى ما في هذا النعت من اعتبار قصد القربة في العمل المحدث ليكون بدعة.

قال رحمه الله: (وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة، أن البدعة: هي الدين الذي لم يأمر الله به ورسوله، فمن دان دينا ً لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك، وهذا معنى قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) .

وقال: (

فإن البدعة ما لم يشرعه الله من الدين، فكل من دان بشيء لم يشرعه الله فذاك بدعة، وإن كان متأولا ً فيه) .

وقال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث: (البدعة التي يظن الناس أنها قربة، وهي بخلاف ذلك - ثم قال - فهذا الذي وضعت الكتاب لأجله

) .

وقال الشيخ عثمان بن فودي في إجياء السنة وإخماد البدعة عند ذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)) قال: (وقد بين العلماء رضي الله عنهم أن المعنى في الحديث المذكور راجع لتغيير الحكم باعتقاد ما ليس بقربة قربة، لا مطلق الإحداث إذا تناولته الشريعة بأصولها، فيكون راجعا ً إليها) .

وقصد القربة يراد به: إلحاق حكم شرعي بعمل محدث كالندب والاستحباب والإيجاب، أو الكراهة والتحريم، قال شيخ الإسلام:

(فمن ندب إلى شيءٍ يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله، من غير أن يشرعه الله فقد

ص: 294

شرع من الدين ما لم يأذن به الله) .

ويراد به كذلك استحسان الفعل المحدث، وإن لم يلحق به حكما ً شرعيا ً، وإن كان ذلك غير متصور؛ لأن من لوازم استحسانه إلحاق وصف شرعي به، وإلصاق حكم تشريعي بالبدعة.

وقصد القربة يتوجه إلى العمل الذي لا يتصور فيه غير إرادة القربة كالعبادات المحضة، وهي حق خالص لله سبحانه، فلا بد من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع.

وكل ما فهم من الشرع أنه لا خيرة للعبد فيه، سواء ً كان له معنى ً معقول أو غير معقول، فإنه مما يعلم أن قصد الشارع فيه الوقوف عند ما حده من غير زيادة ولا نقصان.

والعبادة التي هي حق لله سبحانه وتعالى لا يتصور فيها غير إرادة القربة فالإحداث فيها يسمى ابتداعا ً، سواء ً قصد القربة أو افتراض أنه لم يقصد القربة، فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة ٍ مخصوصة كالصلاة والذكر فهو مبتدع، حتى مع افتراض عدم قصده للقربة.. مع أن هذا الافتراض تخيلي لا يمكن وقوعه.

ويتوجه قصد القربة كذلك إلى العمل الذي يحمل أوجهاً متعددة مثل الأمور الدنيوية، فينظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه القربة إذا اتحدت أوجه الفعل الواحد، ويتضح هذا بالمثال:

فمن لبس ثوبا ً بلون ٍ معين، ولم يرد بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا ألحقته أمور منهي عنها، كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصية.

ص: 295

أما إذا أراد بذلك الثوب المعين، واللون المعين القربة، أو ألحق به وصف استحسان أو استحباب أو ندب أو إيجاب، فإنه يكون حينذاك بدعة، كما تفعل طوائف الصوفية التي تشترط لونا ً معينا ً لمريدي طريقتها.

والخلاصة:

أن كل ما فعل أو ترك بقصد القربة، مما ليس له أصل في الشرع بدعة

ويخرج بذلك ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذٍ معصية أو مخالفة أو عفوا ً، ولا يطلق عليه بدعة.

مثال ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذٍ معصية أو مخالفة أو عفوا ًً، ولا يطلق عليه بدعة.

مثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون معصية: جميع المنهيات الشرعية كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا العمل بقصد القربة إلى الله فهو بدعة

ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون معصية: ترك المأمور به شرعا ً كترك النكاح للقادر عليه، وكترك الدعوة إلى الله لمن وجبت عليه.

فإذا كان هذا الترك بقصد القربة إلى الله بذلك فهو بدعة، ومثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون عفواً: حلق الرأس في غير نسك، فإن فعل بقصد القربة فهو بدعة.

ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون عفوا ً: الامتناع عن أكل اللحم للتطبب ونحوه، فإن كان الترك للحم تدينا ً فهو بدعة.

وقد ذكر شيخ الإسلام ما يشبه هذا الكلام في مواطن من كتبه، ومن ذلك ذكره للحلق الذي يكون مشروعاً والحلق الذي يكون جائزا ً والذي يكون بدعة.

ص: 296

وهذا الشرط - الذي هو قصد القربة - هو ما عناه الشاطبي في تعريفه للبدعة بقوله: (طريقة في الدين تضاهي الشرعية

) .

ثم شرح ذلك بقوله:

(

يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة - إلى أن قال - فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية

) .

ومن هذه المضاهاة طلب القربة من الله سبحانه وتعالى، وقد حاول بعض محسني البدع إلغاء هذا الشرط، واعترض عليه بأنواع من الاعتراضات المقتضية لتحسين بعض البدع، التي قصد بها القربة، كبدعة التوسل بذوات الصالحين، وبدعة التبرك بآثارهم، وبدعة الاحتفال بالمولد النبوي.

مع أن المضاهاة من ألزم صفات البدعة؛ لأن (

البدعة لا تكون حقا ً محضا ً موافقا ً للسنة؛ إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا ً، ولا تكون باطلا ً محضا ً لا حق فيه؛ إذ لو كانت كذلك لما خفيت على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل، إما مخطئا ً غالطا، وإما متعمدا ً لنفاقٍ فيه وإلحاد) .

ومن آكد أوجه المضاهاة بين البدعة والسنة قصد القربة؛ لأن (الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل أحد، لا يكون قولا ً ومذهبا ً لطائفة ٍ تذب عنه، وإنما يكون باطلا ً مشوبا ً بحق، كما قال تعالى: ((لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)) .

ص: 297

وبهذا الاعتبار جعلت البدعة: الإحداث في الدين، وقيدت بالدين، لأنها تخترع فيه، وينسبها صاحبها إليه، ويجعلها منه فيتعبد بها ويتقرب إلى الله بفعلها.

ثالثا ً: البدعة تكون بالفعل والترك:

وهذا يشمل البدعة الفعلية والبدعة التركية، أي أن البدعة تكون بفعل غير المشروع، كما تكون بترك ما هو مباح أو مشروع، أو بعبارة أخرى فعل ما تركه الشارع وترك ما شرعه، أو ما أباحه تقربا ً وديانة ً

فأما فعل غير المشروع فواضح، وأمثلته كثيرة، ومن أدلته:((من عمل عملا ً ليس عليه أمرنا فهو رد)) .

فإذا فعل المكلف ما تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود الداعي لذلك، وانتفاء الموانع فقد ابتدع، وأمثلة ذلك:

الجهر بالنية في الصلاة، والأذان في العيدين، والاجتماع على صلاة معينة في أول رجب، أو أول جمعة فيه، وأو في ليلة النصف من شعبان، ونحو ذلك.

وأما ترك المشروع فهو: أن يترك المكلف ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شرعه أو أباحه تديناً.

ومثال ذلك ما رواه الترمذي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني إذا أصبت اللحم انتشرت النساء، وأخذتني شهوة فحرمت علي اللحم، فأنزل الله تعالى:

ص: 298

((يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) ، ومثال ذلك أيضاً قصة الثلاثة الذين حرموا على أنفسهم ما أباحه الله بقصد المبالغة في التعبد لله.

ومن ذلك ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا أبو سرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه) .

ومن ذلك ما رواه البخاري عن قيس بن أبي حازم، قال: (دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل، هذا من عمل

ص: 299

الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت، قال: امرؤ من المهاجرين

) الخبر. قال الحافظ ابن حجر: (والصمت المنهي عنه ترك الكلام في الحق لمن يستطيعه، وكذا المباح المستوي الطرفين) .

قال شيخ الإسلام بعد ذكر هذا الحديث: (

فيدخل في هذا، كل ما اتخذ عبادة مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام - إلى أن قال - فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية الذي لم يشرع في الإسلام) .

وقال رحمه الله: (

فالتكلم بالخير، خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به، فأما الصمت الدائم فبدعة ٌ منهي عنها، وكذلك الامتناع عن أكل الخبر واللحم، وشرب الماء، فذلك من البدع المذمومة أيضا ً

) .

وهناك أمثلة عديدة للترك الذي يعد بدعة، بيد أنه يجب التأمل في المتروك من جهة قصد المكلف، ومن جهة اعتبار الشارع: (فإذا كان الترك: لأمر يعتبر مثله شرعا ً، كالذي يمنع نفسه من الطعام الفلاني، لأنه يضره في جسمه

فإن قلنا بأن التداوي مطلوب شرعا ً، اعتبر هذا الترك مطلوبا ً، وإن قلنا بإباحة التداوي فالترك مباح.

وإذا كان الترك: للشيء الذي لا بأس به، حذرا ً من الشيء الذي به بأس وهو المتشابه ليستبرئ لدينه وعرضه، فهذا من أوصاف المتقين، وإذا كان الترك لأمر غير معتبر في الشرع، فيأتي هنا اعتبار قصد المكلف، فإن كان الترك تديناً

ص: 300

فهو الابتداع.

وإن لم يكن بقصد الترك فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك ولا يسمى هذا الترك بدعة

) .

ومما يلحق بهذا الفصل: ما سكت عنه الشارع، ولم ينص عليه بشيء ٍ يفيد إباحته أو تحريمه، وهذا من الأبواب الكبيرة التي دخل منها المبتدعة لترويج بدعهم.

ويمكن ضبط المسكوت عنه بما يلي:

أولا ً: أن (الأًصل في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل على الأمر والأصل في العقود والمعاملات الصحة، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم) .

ثانيا ً: أن السنة كما أنها تكون بفعله صلى الله عليه وسلم، وتقريره، فإنها تكون بسكوته كذلك، وهذا ما يسمى بالسنة التركية، وهي:(أن يسكت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفعل غير الجبلي مع قيام المقتضي وعدم المانع) .

فسكوته عليه الصلاة والسلام هو المعتبر بشرط ألا يكون فعلا ًجبليا ً، فإن ترك الفعل الجبلي لا يعتبر سنة تركية، وبشرط أن يكون المقتضي للفعل موجودا ً والمانع مفقودا ً، وهذا يتصور في كل أمر عبادي يراد به القربة من الله تعالى، فإن تركه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعمل به فإن ذلك دليل ٌ على أن تركه هو السنة، وفعله هو البدعة؛ لأن المقتضي موجود وهو التقرب من الله، والوقت وقت تشريع،

ص: 301

والنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الكتمان، فتركه صلى الله عليه وسلم مع وجود كل هذه المقتضيات وانتفاء الموانع دليل ٌ على أن المشروع هو الترك.

وبناء ً على ما سبق يتضح لنا ما يلي:

أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم للفعل مع وجود الداعي إليه وانتفاء المانع منه يعتبر قسما ً من أقسام السنة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مشرع، ولا يجوز أن يترك ما شرعه الله، لأن ذلك يعتبر تقصيرا ً في البيان، وتأخيراً له عن وقت الحاجة، وهذا ما عصم منه النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فلا بد أن يكون لسكوت النبي صلى الله عليه وسلم دلالة ولتركه معنى، وهو أنه لا زيادة ولا نقصان على ما صدر منه وأن السنة ترك ما تركه عليه الصلاة والسلام.

قال شيخ الإسلام: (ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضيا ً وزوال المانع سنة، كما أن فعله سنة

) .

ويشترط لاعتبار الترك سنة مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على الترك.

رابعا ً: كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي يتعلق به الابتداع:

ومما يتعلق به الخطاب الشرعي الفعل والترك، وقد سبق الكلام عن الترك، أما الفعل فهو من حيث تعلق الخطاب الشرعي به على ضربين:

ص: 302