الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المرجئة:
لما وقعت الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه انقسم الصحابة كل بحسب اجتهاده، فرهط منهم مع علي وآخرون مع طلحة والزبير، وجماعة منهم مع معاوية، وبقيت فئة منهم لم تشارك في القتال، ولم يبدو رأيهم في المقاتلين، ومن هؤلاء سعد بن أبي وقاص وأبو بكرة، وابن عمر وعمران بن حصين، وأرجؤوا الحكم في أي الطائفتين أحق، وفوضوا أمرهم إلى الله - تعالى -.
وهذا هو أول الكلام عن الإرجاء، وهو كما ترى ليس الإرجاء البدعي المتعلق بالإيمان، كما قال سفيان بن عيينه عندما سئل عن (الإرجاء فقال:" الإرجاء على وجهين: قوم أرجأوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك.. فأما المرجئة اليوم فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا تجالسوهم، ولا تؤاكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصلوا معهم، ولا تصلوا عليهم ".
قال الطبري بعد أن ساق جملة من الآثار في ذم المرجئة والتحذير منهم: (الإرجاء معناه ما بيّنا قبل من تأخير الشيء، فمؤخر أمر علي وعثمان رضي الله عنهما إلى ربهما، وتارك ولايتهما والبراءة منهما، مرجئاً أمرهما فهو مرجيء، ومؤخر العمل والطاعة عن الإيمان ومرجئهما عنه فهو مرجيء
…
) .
وأول من أظهر الإرجاء، بمعنى إرجاء أمر المتحاربين من الصحابة إلى الله عز وجل هو (الحسن بن محمد بن الحنفية) كما ذكر ذلك علماء التراجم، وذكروا ندمه على تأليفه للكتاب الذي وضعه في الإرجاء.
وذكروا نقد بعض الأئمة له بسبب هذا المؤلف، وعدّوه بذلك من المرجئه، وقد نقل العراقي عن الدارقطني قوله: (هو صحيح الحديث واحتج به أهل الصحيح، فلا اعتبار بكونه نسب إلى الإرجاء، فلم ينقل أنه عاد إليه بل قد روي عنه أنه ندم عليه.. ".
وإن كان هذا الإعتذار عن الحسن بن محمد وله وجاهته من جانب، إلا أنه يوهم كما نقلت كتب التراجم أنه من المرجئة المبتدعة، وقد محّص الحافظ بن حجر القول في ذلك، وذكر أنه اطلع على كتاب الحسن بن محمد ولم يجد فيه القول المبتدع، الذي يعزل العمل عن الإيمان، فقال في تهذيب التهذيب ما نصه: (
…
قلت: المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه، غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة، المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور
…
) ، إلى أن قال الحافظ ناقلاً من هذا الكتاب: (
…
ونوالي أبا
بكر وعمر رضي الله عنهما ونجاهد فيهما، لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ونرجيء من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله إلى آخر الكلام.
فمعنى الذي تكلم فيه الحسن أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة، يكون مخطئاً أو مصيباً، وكان يرى أنه يرجيء الأمر فيهما، أما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرج عليه فلا يلحقه بذلك عاب) .
وقد خصص البخاري رحمه الله باباً في كتاب الإيمان للرد على المرجئة خاصة كما قال ابن حجر: (قوله: (باب خوف المؤمن من أن - يحبط عمله وهو لا يشعر) هذا الباب معقود للرد على المرجئة خاصة "، وقد روى البخاري بسنده في هذا الباب عن زبيد قال: سألت أبا وائل عن المرجئة فقال: حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ".
وفي هذا دلالة على أن قول المرجئة المبتدعة قد شاع فيما قبل سنة مائة للهجرة.
إلا أن هذه البدعة لم تكن في بداية الأمر إلا موقفاً مضاداَ لموقف الخوارج، الذين يرون كفر مرتكب الكبيرة وخلوده في النار، فجاء هؤلاء بالقول بأن الأعمال ليست من الإيمان، مع أنه لابد في الإيمان من الإقرار باللسان، وأن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب.