الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن بدعهم أنهم قالوا عن كلام الله سبحانه وتعالى بأنه حروف وأصوات حادثة في ذاته بعد أن لم يكن متكلماً، فهم وإن قالوا بأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته - وهذا حق - إلا أنه يمتنع عندهم أنه كان في الأزل متكلماً بمشيئته وقدرته.
ومن بدع محمد بن كرام قوله: (الإيمان هو نطق اللسان بالتوحيد مجرد عن عقد قلب وعمل جوارح) .
وهذا هو عين قول المرجئة، بل إن ابن كرام قال الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن، فعليه يكون المنافق مؤمناً.
ومما ابتدعته الكرامية قولهم: (إن النبي تجوز منه الكبائر سوى الكذب) .
وقد نسب إلى ابن كرام تجويز وضع الأحاديث على الرسول عليه السلام.
(ج) أبو الحسن الأشعري:
علي بن إسماعيل بن إسحاق، يصل نسبه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، ولد سنة ستين ومائتين للهجرة وتوفي سنة 324هـ وقيل 330هـ وقيل بعد ذلك.
دخل بغداد، وتعلم الحديث بها على زكريا بن يحيى الساجي، وروى عنه جماعة، وتعلم الكلام من زوج أمه: أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه،
واعتنق بسببه مذهب الاعتزال، وبلغ فيه الغاية، ثم إنه كان يورد الأسئلة على أستاذه في الدرس، فلا يجد فيها جواباً شافياً، فكان ذلك سبب مراجعته لمعتقده، إذ عارض مسائل الكلام بما في القرآن والسنة، فوجد بينها بوناً شاسعاً، فأثبت ما وجد من أدلة الاعتقاد بالنص، ونبذ ما وراء ذلك، ثم خرج على الناس في البصرة، وعلى منبرها فأعلن توبته من اعتقاد المعتزلة، وأظهر للناس فضائح المعتزلة وقبائحهم، وكانت له مناظرة مع الجبائي في القدر، ألزمه فيها بقول أهل السنة وأفحمه حتى انقطع الجبائي، وقد ألف في أوبته هذه كتاب (الإبانة عن أصول الديانة) أبان فيه مسلكه في الاعتقاد، وأظهر فيه طريقته فقال:(قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به ابو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائفين وشك الشاكين..) .
إلا أن الأشعري (لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في، كتبه كلها كالإبانة، والموجز، والمقالات، وغيرها، وكان مختلطاً بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم..".
ولذلك فإنه يعد من متكلمي أهل الإثبات، ومن متكلمة الصفاتية، ويعتبر من أقربهم إلى السنة وأتبعهم لأحمد بن حنبل.
بل إنه (.. أقرب إلى مذهب أحمد بن حنبل وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد، الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وابن الجوزي) .
وقد ذكر شيخ الإسلام ذم ابن حزم للأشعري وأصحابه ومبالغته في ذلك فقال:
(وكذلك أبو محمد بن حزم، مع معرفته بالحديث وانتصاره لطريقة داود، وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر، قد بالغ في نفي الصفاتن وردها إلى العلم.. ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث، ويذم الأشعري وأصحابه ذماً عظيماً، ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات.
ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته، أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات، أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله) .
ومما تقدم يظهر أن الأشعري كانت له ثلاث مراحل في الاعتقاد، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام بقوله:
(وكنت أقرر للحنبلية وأبين أن الأشعري وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه كان تلميذ الجبائي، ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجي أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أموراً أخرى، وذلك آخر أمره، كما ذكره هو وأصحابه في كتبهم) .
المرحلة الأولى:
القول بالاعتزال وقد تلقاه عن أبي علي الجبائي، ومكث عليه فترة من الزمن، ثم أعلن توبته منه ومعاداته له.
قال شيخ الإسلام: (هذا أبو الحسن الأشعري نشأ في الاعتزال أربعين عاماً يناظر عليه، ثم رجع عن ذلك، وصرح بتضليل المعتزلة، وبالغ في الرد عليهم.
المرحلة الثانية:
أخذه عن ابن كلاب، وقوله ببعض أقوالهن واعتقاده على طريقة الكلابية، مع بعض أشياء تفرد بها.
فإن أبا الحسن لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، فقد كان ابن كلاب إماماً للأشعري وأصحابه.
وفي هذه المرحلة حصل الاضطراب حول اعتقاد الأشعري، فأتباعه الذين
ينتسبون إليه يأخذون أقواله التي قال بها في هذه المرحلة، ويزيدون عليها وينقصون منها، ويعتبرون هذا آخر ما وصل إليه، ولذلك ينتمون إليه، ولكن أتباع مذهب الأشعري الذين سلكوا مسلكه في هذه المرحلة، لم يكتفوا بما قاله الأشعري بل قالوا بأقوال لم يقل بها، وسلكوا مسالك نهى عنها وذمها، وهم مع ذلك مختلفون في مذهبهم، فليست مقولاتهم في أبواب الاعتقاد متفقة، فتجد أن لأئمة الأشاعرة مقولات مختلفة ومتباينة في قضايا العقيدة.
وهذه المرحلة التي مر بها الأشعري، هي التي كان أئمة السنة ينكرون فيها مقولاته ويردونها.
قال شيخ الإسلام: (والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا التجهم والاعتزال..".
فقد بقي عند الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال بعض أصولهم العقلية، فقال ببعض الأقوال المبتدعة مثل نفي قيام الأفعال الاختيارية بالله - سبحانه -، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيه ونسبوه إلى البدعة، وبقايا بعض الاعتزال، فقد (وافق الأشعري ابن كلاب في إثبات الصفات اللازمة، ونفي أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها) .
المرحلة الثالثة:
عقيدته التي استقر عليها أخيراً، وهي عقيدة أهل السنة في جمهور ما ذهب
إليه.
يظهر ذلك جلياً في مؤلفه المشهور: (الإبانة عن أصول الديانة) حيث قال فيه: (قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما يقول أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل.. قائلون ولمن خالف قوله مجانبون..) .
ثم سرد جملة أقواله في سائر أبواب الاعتقاد، وفيها إثبات صفات الله سبحانه وتعالى كما وردت بدون تأويل.
وفيها طائفة من أبواب الاعتقاد على منهاج السلف، ومما يدل على ترك الأشعري لعقيدة ابن كلاب وانتقاله عنها إلى عقيدة أهل السنة، ما ذكره الذهبي في كتاب العلو حيث قال:
(ونقل الإمام أبو بكر بن فورك المقالة المذكورة عن أصحاب الحديث، عن أبي الحسن الأشعري في كتاب (المقالات والخلاف بين الأشعري وبين أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري) تأليف ابن فورك فقال:
الفصل الأول: في ذكر ما حكى أبو الحسن رضي الله عنه في كتاب (المقالات) من جمل مذاهب أصحاب الحديث، وما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك، ثم سرد ابن فورك المقالة بهيئتها، ثم قال في آخرها: فهذا تحقيق لك من ألفاظه أنه معتقد لهذه الأصول التي هي قواعد أصحاب الحديث، وأساس توحيدهم)
ويعتبر كتاب (الإبانة) من المؤلفات المعتمد عليها في تقرير عقدية أهل السنة والجماعة - في الجملة - وممن اعتبر ذلك محمد بن أحمد السفاريني في (لوامع الأنوار) وابن القيم في (النونية) وابن تيمية في (درء التعارض) ولهذا فقد شكك بعض الناس في نسبة كتاب الإبانة إلى الأشعري؛ بسبب وقوفهم على ما اعتقده بعد انتقاله من الاعتزال إلى ابن كلاب، وقد فند هذا الزعم وأبان حقيقة الأمر الشيخ حماد الأنصاري، في رسالته عن أبي الحسن الأشعري.
إذ وثق نسبة هذا الكتاب إليه بأنواع من التوثيق تكفي المنصف، ومن قبله ابو القاسم بن درباس في رسالته:(الذب عن أبي الحسن الأشعري) وبهذا يظهر لنا أن الأشعري في آخر أمره قد قال بأقوال أهل السنة، ودافع عن معتقاداتهم، ورد على من خالفهم، كما في كتابيه (مقالات الإسلاميين) و (الإبانة) وصار الأشعري بذلك يعد متكلماً لأهل السنة، وموافقاً لأئمة الحديث في جمهور ما يقولونه، مع حصول بعض المخالفات منه في بعض أقواله لما كان يقول به السلف، وقد أشار إلى ذلك ابن عساكر في تبيين كذب المفترى وأشار إلى
ذلك شيخ الإسلام مبيناً السبب في بقاء بعض أصول المعتزلة معه فقال:
(.. ولهذا كان هو - أي الأشعري - وأمثاله يعدون من متكلمة أهل الحديث، وكانوا هم خيرة هذه الطوائف، وأقربها إلى الكتاب والسنة، ولكن خبرته بالكتاب والسنة كانت مجملة، وخبرته باكلام كانت مفصلة، فلهذا بقي عليه بقايا من أصول المعتزلة) وهذا القول لا ينافي ما ذكرنا من كونه استقر على اعتقاد السلف، وقال بقولهم، وسلك طريقة أهل السنة والحديث، وذهب إلى ما كان يقوله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل.
ولكن يمكن أن يقال إن الأشعري مع كل هذه التوبة الصادقة، بقيت معه بقايا من علم الكلام لا يقر عليها، ولا تنقص من فضله (والأشعري ابتلي بطائفتين، طائفة تبغضه، وطائفه تحبه..) وخير من ذلك ما قاله شيخ الإسلام، بعد أن ذكر طائفة من العلماء، الذين كانت لهم مقولات مبتدعة وأقوال مخالفة للصواب.. قال:(.. ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق، وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا إلى طرده، والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها.. والله يتقبل من جميع عباده الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات.. ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه..) .