الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أساس العبادة وشروط قبول العمل
أساس العبادة ودعائمها:
اختلفت الأقوال في تحديد العبادة المطالب بها الإنسان، فقد جعل قوم أن (.... أصل العبودية الخضوع والتذلل) .
أو (غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى) .
وقد استخرج هؤلاء هذا المعنى من قول العرب: (طريق معبد أي مذلل بالوطء وبعير معبد مذلل بالقطران
…
) .
وجعلوا بذلك معنى الدين هو: (الذل أو القهر) .
وهؤلاء خلطوا بين العبودية العامة التي هي: (عبودية أهل السماوات والأرض كلهم لله، برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم، فهذه عبودية القهر والملك
…
(إن كل من في السماوات والأرض إلا ءاتى الرحمن عبداً) ، فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم) .
وبين العبودية الخاصة التي هي: عبودية الطاعة والمحبة الأوامر، قال تعالى:(يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) .
وهناك من جعل العبادة بمعنى الحب فقط وهؤلاء هم المتصوفة الذين ذكر شيخ الإسلام انه: (
…
وجد في المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه
ذلك على نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية وتدخل العبد في نوع من الربوبية التي لا تصلح إلا الله - إلى أن قال - وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ، وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينتها الرسل، وحررها الأمر والنهي الذي جاءوا به بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته) .
وهؤلاء الذين جعلوا أصل عبادتهم المحبة: (
…
سلكوا في دعوى حب الله أنواعاً من أمور الجهل بالدين، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوي الباطلة التي لا حقيقة لها
…
والذي توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل، وكان هذا أصل مقصدهم
…
".
وهناك من جعل أصل عبادته (الخوف) من الله سبحانه وتعالى وهؤلاء هم الخوارج الحرورية فقد كانوا يتشددون في أمر الذنب والمعاصي، حتى كفروا المسلمين، وأوجبوا لهم الخلود في النار.
وهنا من عكس فجعل أصل العبادة عنده (الرجاء) وهؤلاء هم المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافياً لحصول العبودية والإيمان، وكل هؤلاء جانبوا الصواب في معرفة أصل العبودية لله سبحانه وتعالى بل أخذ كل واحد منهم بجزء من الصواب، وأهمل الأجزاء الأخرى. ولهذا فقد جمع شيخ الإسلام بين هذه الدعائم: الذل، والحب، والخوف، الرجاء مقرراً بذلك قول أهل الحق والعلم، أهل السنة والجماعة من خلال استقراء نصوص الشريعة، وأحوال السلف الصالح، وانتقد من جعل واحداً منها فقط هو أصل العبادة فقال - رحمه الله تعالى:
(والمقصود وهو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته وإنما يغلط في هذه من
حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط لا محبة معه، أو أن المحبة فيها انبساط مع الأهواء، أو إدلال لا تحتمله الربوبية
…
) .
ثم نقل عن بعض السلف قوله: (من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.
فأصل العبادة عند السلف ومن افتقى أثرهم، تتجاوز المعنى اللغوي الذي يدل على أصل استخدام لفظة (الدين والعبادة) إلى معنى آخر مأمور به من الشرع الحكيم.
قال شيخ الإسلام بعد أن ذكر الأصل اللغوي للدين والعبادة: (لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له) . وقال: (والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء
…
) .
وينص ابن القيم رحمه الله على أن: (العبادة تجمع أصلين غاية الحب بغاية الذل والخضوع) .
ودعائم هذه العبادة التي تنتظم أعمال الإنسان كلها: القلبية، والعملية الفردية والجماعية: المحبة والخوف والرجاء.
وقد جعل ابن القيم هذه الثلاث في قلب المؤمن: (
…
بمنزلة الطائرة فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائرة، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد.
ونقل رحمه الله عن غيره مثلاً آخر لهذه الدعائم العبادية الأساسية فقال: (
…
أكمل الأحوال اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب، فالمحبة هي المركب والرجاء حاد والخوف سائق..) .
فهذه هي العبادة، وهذا معناها الشامل، وهذه هي أصولها ودعائمها.