المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

(وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) توقع موسى عليه السلام - زهرة التفاسير - جـ ٤

[محمد أبو زهرة]

الفصل: (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) توقع موسى عليه السلام

(وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) توقع موسى عليه السلام أن يتخاذلوا إذ يدعوهم إلى العزة والنصر، فنبههم إلى ما يؤدي إليه التخاذل عن الدخول، وهذا التعبير " ارتد على دبره "، كتعبير " نكص على عقبيه "، وكتعبير " ولوا الأدبار " استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن توافرت أسبابه بحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء بدل أن يسير بمقدمه إلى الأمام، وهذا التعبير يصور قبح التخاذل حسا ومعنى.

ولقد كان رجوع بني إسرائيل - إذا لم يعملوا على دخول الأرض المقدسة - أن يعودوا إلى حكم فرعون، ويخسروا ما كسبوا من عزة وكرامة وحرية ويذهب عنهم، فإن البقاء على العزة يحتاج إلى مشقة الحصول عليها، ولئن ارتدوا عن العزة بعد نيلها، فإنهم الخاسرون، إذ لَا يرضي بالعذاب الهون إلا الأخسرون.

وإن بني إسرائيل كانوا قد ضعفت همتهم، وماتت عزائمهم؛ ولذلك أجابوا دعوة العزة بقولهم:

* * *

ص: 2112

(قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا

(22)

* * *

صح ما توقعه موسى عليه السلام منهم، وما نهاهم عنه؛ إذ إن روح التردد والهزيمة قد ملك قلوبهم، واستولى على نفوسهم، فقرروا له أنهم لن يدخلوا؛ لأن فيها قوما جبارين، والجبار في اللغة يطلق على الطويل القوي، والمتكبر، والعاتي، وهو مأخوذ من نخلة جبارة إذا كانت طويلة لَا ينال تمرها، وقد جاء في لسان العرب (الجبار من النخيل، وهو الطويل الذي فات يد المتناول، ويقال جبار إذا كان طويلا عظيما قويا تشبيها بالجبار من النخل) وجاء في مفردات الراغب أن الجبار من جبر، وهو الإصلاح بقهر وقوة.

ويكون على هذا معنى جبارين أنهم قوم غلاظ شداد عندهم قدرة على القهر، وقد قيل في الأخبار أنهم بنو عناق الذين يسكنون أمامهم في أدنى الأرض المقدسة إليهم، وهم أولو قوة، وأولو بأس شديد ولعلهم الذين قال تعالى فيهم:

ص: 2112

(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6).

امتنع بنو إسرائيل عن القتال وأكدوا المنع بثلاثة تأكيدات:

أولها - في ندائهم بقولهم يا موسى فإن ذلك النداء فيه نوع من التذليل والاستغاثة، ليسكت عنهم.

ثانيها - وصفهم لخصومهم بأنهم جبارون أي أقوياء قاهرون، وأول الوهن الذي يعتري النفوس أن يشعر المجاهد بضعفه أمام خصمه.

ثالثها - أنهم أكدوا النفي بقولهم " لن ندخلها " فهذا التعبير بـ " لن " فيه تأكيد للنفي، وجعل غاية النفي أن يخرج هؤلاء منها، وهم أقوياء فمن يخرجهم، فكأن هذا نفي مؤبد. وهم لَا يريدون قتالا،؛ ولذلك قالوا من بعد ذلك النفي (فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ).

وهذا يدل على أنهم لَا يريدون قتالا، بل لَا يريدون دخولا؛ لأن احتمال خروجهم بعيد؛ ولذلك كان التعبير بإن الشرطية التي تفيد الشك في الخروج، والتعبير بالوصف في قولهم:(فَإِنَّا دَاخِلُونَ) يدل على إرادة الدخول من غير عمل يعملونه، ومن غير معاناة ومجاهدة. . اللهم هب المسلمين العزة والقوة وأبعِد عنهم الوهن الذي هو داء الضعفاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

* * *

ص: 2113

(قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

* * *

الكلام موصول في شأن بني إسرائيل عندما طلب إليهم موسى عليه السلام أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله عليهم أن يدخلوها، فقد أجابوا راهبين خائفين بأن فيهم قوما أشداء عمالقة، وأنهم لن يدخلوها ما دام هؤلاء، وهم يتكلون على الله تعالى في إخراجهم، كأن الله تعالى يخرجهم من غير عمل يعملونه وذلك لأن خنوعهم لحكم فرعون أمات فيهم روح الهمة والنخوة والمغالبة، ولأنهم أحرص الناس على الحياة، أي حياة كانت، كما قال تعالى:(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ. . .)، ومع هذا التخاذل في جماعتهم كان فيهم من يريد أن يتقدم، ولكنهم نادرون، وليسوا كثيرين؛ ولذلك قال الله فيهم:

ص: 2114

(قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا) هذان رجلان من بني إسرائيل أعطيا نعمة الصبر وقوة الإيمان، قد خالفا الذين قالوا: لن ندخلها حتى يخرجوا، وقد ذكر المفسرون اسم الرجلين، كما جاء في التوراة، والآية لَا تحتاج في فهمها إلى اسميهما، ولكن تحتاج إلى معرفة أوصافهما، ومؤدى قولهما، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى لهما وصفين: أحدهما - أنهم من الذين يخافون، وثانيهما - أن الله أنعم عليهما.

ص: 2114

أما الأول - فقد قال تعالى فيه أنهم " يخافون " ولم يذكر الأمر المخوف، ولذلك كان للعلماء في تقدير المفعول تخريجان: أحدهما - أن يقدر المحذوف في الذكر هو الله سبحانه وتعالى، والمعنى يخافون الله ويتقونه، ويرجحون تقواه، والخوف من عصيانه على الخوف من أعدائه، ولو كان ذوي بطش شديد، أو جبارين في الأرض، فكل قوة مهما عظمت تصغر بجوار قوة الله تعالى.

والتخريج الثاني - أن يكون المعنى يخافون الأعداء ويقدّرون قوتهم، ولكن أنعم الله تعالى عليهم بطاعة الله تعالى.

وذكر الزمخشري وجها آخر، وقد تبعه فيه الكثيرون، وهو أن المراد من الذين يخافون هم بعض الجبارين، والاسم الموصول موضوعه الجبابرة، والضمير محذوف يعود إلى بني إسرائيل، ويكون المعنى على ذلك أن رجلين من الجبارين الذين يخافهم بنو إسرائيل ويرهبونهم، قالوا ادخلوا عليهم، ويكون على هذا التفسير معنى أنعم الله عليهما أنه أنعم عليهما بنعمة الإيمان.

وقد رجح ذلك الزمخشري بأمرين: أولهما - أن هناك قراءة بضم الياء " يُخافون "(1) وهذا يتعين أن يكون المراد اثنين من الجبارين، وإحدى القراءتين تكون مفسرة للأخرى، والثاني - (أنعم الله عليهما) فإن الظاهر منها في هذا المقام هو نعمة الإيمان، وذلك لمن يكونون غير مؤمنين وقد صاروا مؤمنين، ولكن ذلك الأمر غير مؤكد؛ لأنها ليست مقحمة على التفسير الأول، بل لها معناها، وهو أن الله أنعم على الرجلين اللذين قالا الحق من بني إسرائيل بنعمة الصبر، وقوة العزيمة والهمة، فوق نعمة الطاعة وتجنب المعصية.

(ادْخُلُوا عَيهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ). هذه مقالة الرجلين اللذين أنعم الله تعالى عليهما فيما حكى الله تعالى عنهما، أراد ذانكم الرجلان أن يزيلا خوف بني إسرائيل من أهل هذه الأرض إذ إنهم أجسام ليس فيها قلوب قوية،

(1) ليست في العشر المتواترة.

ص: 2115

وقد ذكر ابن جرير الطبري ما يصور أنه مقالتهم، فقال:" قالوا لجماعة بني إسرائيل: إن الأرض مررنا بها وجسسناها صالحة رضيها ربنا فوهبها لنا، وإنها لم تكن تفيض لبنا وعسلا، ولكن افعلوا واحدة، ولا تعصوا الله ولا تخشوا الشعب الذين بها، فإنهم جبناء مدفوعون في أيدينا، إن حاربناهم ذهبت منهم، وإن الله معنا فلا تخشوهم ".

ويظهر أن هذه العبارات مصدرها إسرائيلي؛ لأنها تتقارب مع نصوص التوراة التي بأيديهم، ومهما تكن صحة النسبة في هذه الأقوال، فإن الآية الكريمة لها مدلولها بعباراتها التي حكاها سبحانه وتعالى عنهم، فإن معنى قوله تعالى:(ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ) أي فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ادخلوا مفاجئين لهم فاتحين عليهم الباب، فإنهم عندئذ يصيبهم الذعر، وتأخذهم الفجاءة، ويتحيرون، فتأخذهم السيوف، وتكونون أنتم الغالبين، وفي العبارة ما يفيد تأكيد الغلب؛ لأنه عبر عن الغلب بالجملة الاسمية، وإن التي تؤكد القول.

ولا شك أن غزو قوم في دارهم فجاءة يؤدي إلى هزيمتهم، ولقد قال في ذلك بطل الحروب علي بن أبي طالب:" ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ".

(وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) قوة النصر تعتمد على أمرين: أولهما - عمل حاسم وعزم أكيد، وثانيهما - تأييد من عند الله، وتوكل عليه وتفويض إليه، وقد بين الرجلان كما حكى سبحانه عنهما العمل الحاسم، وهو الدخول المفاجئ، والثاني هو التوكل على الله تعالى وحده حق التوكل، وألا يعتمد على أحد سواه، وألا يرجى النصر إلا منه، ولذلك قدم الجار والمجرور في قوله تعالى:(وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا) أي على الله وحده توكلوا أي هو وحده النصير: (. . . وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ). وإن التوكل الحق لا يكون إلا من قلب مذعن مؤمن بالله مخلص له، مجيب لما يأمر وينهى؛ ولذلك قرن التوكل بقوله:(إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

ص: 2116