الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بـ قد وبالمجيء في قوله تعالى (قَدْ جَاءَكم) أي أنه أتاكم كالأمر المحسوس المؤكد الذي يرى ويحس، فهو قائم بين أيديكم وحجة عليكم.
ثانيها - إسناد الإنزال إلى الذات العلية ذات الجلال والإكرام في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ) فأسند إليه تعالى للإشارة إلى أنه تعالى المرجع وكما أن المآب إليه.
ثالثها - وصف الشرائع والقصص والمواعظ التي نزل بها القرآن بأنها نور مبين واضح، أي أنه لَا يخفى إلا على من أنفت حواسه، وفسدت مشاعره، وأصيب بعمى البصيرة، وكان عليه غشاوة، لَا يرى معها النور الواضح المبين.
وإن الناس الذين خوطبوا بذلك الخطاب الإلهي قسمان، فريق آمن واهتدى، وانتفع بالنور الذي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم به، وفريق ضل وغوى، ولم ينتفع بالنور الذي حمل مصباحه المزهر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بين سبحانه وتعالى الفريق الذي اهتدى فقال تعالت كلماته:
* * *
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ
…
(175)
* * *
ذكر الله سبحانه وتعالى وصفين للذين اهتدوا وزادهم هدى. أول هذين الوصفين أنهم آمنوا بالله تعالى، وثاني هذين الوصفين أنهم اعتصموا به، فلا يلجأون إلا إليه، ولنتكلم في كل من هذين الوصفين، ومقامهما من اتباع الحق، والاهتداء بهديه.
أما الإيمان بالله فمعناه الإيمان بعظمته وجلاله، والإحساس بأنه فوق كل شيء، وهو القاهر فوق عباده والإذعان له، والمحبة لذاته الكريمة واجبة على الإنسان، وأن يذكره دائما كأنه يراه، كما في الحديث، " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك "(1)، والإيمان بالله تعالى يقتضي اعتقاد الوحدانية، وأنه لا منشئ للكون سواه، ولا يعبد بحق غيره، ويقتضي أن يحب الوجود؛ لأن الله تعالى خالق الوجود، ويقتضي ألا يحب شيئا إلا ابتغاء مرضاة الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(1) سبق تخريجه.
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشيء لَا يحبه إلا الله "(1) فالإيمان بالله تعالى يقتضي الإخلاص المطلق لذاته العلية، وإذا وجد ذلك الإخلاص اتجه اتجاها مستقيما، وإذا اتجه ذلك الاتجاه أشرق عليه بنور الحكمة، وطلب الحق لذات الحق، وتجرد من تدرن النفس بالهوى، والشهوة، وبذلك يكون للحق، ولا يكون منه إلا الحق، لأنه أخلص للحق جل جلاله.
وأما الاعتصام بالله تعالى، فإن معناه ألا يجد لنفسه عاصما من الناس إلا هو، ولا ملجأ يلجأ إليه الا هو، ولا معاذ له إلا رب العالمين، وبهذا يعلو عن طاعة المستكبرين، وبتجافى عن الخضوع لذوي السلطان إلا بالحق، فلا يذل ولا يخضع، ولا يجبن، ولا ينافق، ولا يكذب، ولا يكون فيه إلا السلوك الفاضل، ولا يكون إلا المجتمع الفاضل المؤمن بالله، وبالحق لَا يخشى في الله لومة لائم، ولا يدهن في كلامه، ولا أفعاله، ولا يخاف إلا الله تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي يخضع لكل شيء، تبارك وتعالى بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
ولقد ذكر سبحانه وتعالى جزاء هؤلاء، فقال تعالت كلماته:
(فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ منْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) هذا جزاء الذين آمنوا بالله واعتصموا به، وهو جزاء مكون من ثلاثة أجزاء: رحمة وفضل، وهداية إلى الطريق المستقيم الذي لَا عوج فيه ولا أمت.
ولكن ما هي الرحمة؟ وما هو الفضل، وما هي الهداية؟ ثم أهذا الجزاء في الدنيا أم هو في الآخرة؟ أم هو فيهما معا؟ لم يبين النص الكريم مكان ذلك الجزاء المؤكد، وعندي أن هذا الجزاء في الدنيا والآخرة.
وعلى هذا يكون معنى الرحمة في الدنيا أن يكونوا في سعادة واطمئنان وهدوء بال، لأنهم فوضوا أمورهم للعلي الأعلى الذي ليس كمثله شيء، وهو العلي الحكيم، وركنوا أنفسهم إلى الملجأ الأعصم، والركن الأمكن، فاطمأنوا
(1) سبق تخريج ما في معناه.
بالله تعالى، وبذكره، وبامتلاء قلوبهم به، كما قال تعالى:(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، ولا شك أن شقاء الناس في الدنيا سببه انحرافهم عن الجادة وانشغالهم بامور توجد بلبالا مستمرا، واضطرابا دائما، من خصومات، وأحقاد، وحسد، ولجاجات، ومن شأن المؤمن أن يعلو عن سفساف هذه الأمور، فيكون في راحة واطمئنان بال، وكل آفة بالجسم تهون بجوار الاطمئنان بالله، وكل نعيم مادي دنيوي يذهب به القلق وعدم الاطمئنان.
هذه رحمة الدنيا، أما رحمة الآخرة، فهي النعيم المقيم، وجنات عدن خالدين فيها أبدا.
هذه الرحمة بنوعيها، ومعانيها، أما الفضل، فأصل معناه الزيادة، وهو يطلق على الزيادة في الإحسان، والزيادة في العطاء، والزيادة في المنزلة.
والفضل في الدنيا هو علو المنزلة والسلطان العادل والتمكين لهم إذا كانوا على جادة الايمان لم يجانبوها، كما قال تعالت كلماته:(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5).
يؤمنون بالله تعالى ويعتصمون به، وينصرونه وينصرهم، ويمكن لهم في الأرض، ويمن عليهم بالعزة، وإذا وجدت الذين يحملون شعار أهل الايمان في ذلة ومغلوبين على أمرهم بعد أن قامت دولة الحق، فاعلم أن ذلك لأنهم جانبوا طريق الإيمان، وضعف إيمانهم بالله، والأخذ بأوامره. (الَّذِينَ آمَنوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
هذا هو الفضل في الدنيا، وأما الفضل في الآخرة، فهو رضوان الله تعالى، والرفعة في الدرجات، والقرب منه سبحانه، وذلك هو الفضل العظيم.
والجزء الثالث هو الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو في الدنيا السبيل إلى الآخرة؛ وذلك لأن الإيمان بالله تعالى حق الإيمان يضيء في القلب، فيعرفه السبيل القويم، الذي يوصل إليه تعالى، فمن آمن بالله فقد اهتدى إليه، ومن