الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد ذكر سبحانه وتعالى أنه سيخاطب عيسى يوم القيامة عن هذا الذي افتروه على المسيح، ونذكر هذه المجاوبة بالنص.
(وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)
* * *
هذه نظرات كليلة في سورة المائدة، ولننظر في ذكر معانيها.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
(1)
* * *
هذه أول آية من السورة، وهي تأمر المؤمنين بأن يوفوا بالعهود التي أخذت عليهم بمقتضى الإيمان، وهي الطاعة لله تعالى ولرسوله، والقيام بالتكليفات الشرعية، فالعقد هو كل ما يلتزمه المؤمنون، سواء أكان في الأحكام التكليفية أم من العهود التي يلتزم بها العباد، وبذلك تشمل ما يعقده الإنسان مع غيره من عقود واجبة الوفاء، وما يتبادلان فيه الالتزام، كالبيع والإجارة، وغيرهما، وتشمل ما يلتزمه المؤمن من صدقات، وما يلزمه الوفاء به بحكم الإيمان، فإن الإيمان ميثاق يلتزم فيه العبد بالطاعة، فإذا عصى فقد نقض ذلك الميثاق، وذلك كما كان
يفعل اليهود من نقض للمواثيق المؤكدة، وإن الأصل اللغوي لمعنى كلمة عقد أنه ربط لطرفي شيء، ومنه العقدة، وقد أطلق على الربط بين كلامين كالعقود القائمة، وأطلقه القرآن كما في هذا النص على كل الأحكام الواجبة الطاعة لها؛ لأنها تشمل معنى الربط؛ لأن المؤمن بمقتضى إيمانه قد عاهد الله تعالى على طاعته، والأخذ بكل ما يأمر به، وبكل ما ينهى عنه، وقد جمع الراغب الأصفهاني معنى كلمة عقد فقال:" العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء، ثم يستعار للمعاني فيقال نحو عقد البيع والعهد وغيرهما، يقال: عاقدته، وعقدته، وتعاقدنا، وعقدت يمينه. . . ".
والعقد على هذا: كل ارتباط يرتبط به المؤمن بموجب النقل أو بموجب العقل، وهو ما يدركه بالبديهة وأدنى نظر، سواء أكان بينه وبين نفسه بمقتضى إيمانه وخُلقه وإنسانيته، أم كان بينه وبين غيره، وكل هذا واجب الوفاء بحكم الله تعالى، فأوامر الله تعالى ونواهيه واجبة الوفاء، وعقود الإنسان مع غيره واجبة الوفاء إلا أن يكون فيها مخالفة لأمر الله تعالى ونهيه، فكل اتفاق على خلاف ذلك رد على صاحبه، ولا وفاء فيه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا "(1) ولقوله صلى الله عليه وسلم: " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولوكان مائة شرط "(2) ولأن تنفيذ العقود التي تتضمن خلاف ما جاء عليه الشرع يكون تنفيذها نقضا لعهد المؤمن الذي يجب تنفيذه، وهو طاعة
(1) ذكره البخاري تعليقا: الإجارة - أجر السمسرة بلفظ: " المسلمون عند شروطهم " وأخرجه الترمذي: الأحكام - في الصلح (1352) عن عَمْرِو بْنِ عَوْفِ الْمُزَنِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " الصُّلْحُ جَائِز بَيْنَ الْمُسْلمينَ إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالا أَوْ أحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلا شَرْطا حَرَّمَ حَلالا أو أَحَلَّ حَرَامًا " قَالَ أبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَن صَحِيح.
(2)
ذكره البخاري تعليقا: بَاب الْمُكَاتَبِ وَمَا لَا يَحِلُّ مِنْ الشرُوطِ التي تُخَالفُ كِتَابَ اللَّهِ، ورواه ابن ماجه: الأحكام - باب المكاتب (2521) عَنْ عَائِشَةَ زَوْج النًّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كما رواه أحمد بلفظ مقارب: مسند الأنصار - باقي المسند السابق (25258) عن عائشة رضي الله عنها.
الله تعالى ورسوله، وعهد الله تعالى أولى بالوفاء؛ ولأن عقود الناس تستمد قوة الوفاء من أمر الله، فلا يصح أن تكون على خلافه.
فالعقد: معناه في اللغة العربية ضم طرف إلى طرف، وربطهما ربطا محكما. يقال: عقد الرجل طرفي الحبل أو الحبلين إذا ربط أحدهما بالآخر، وضده الحل أي فك هذا الربط، وسمي الإيجاب والقبول عقدا لأنهما يضمان إرادتي المتعاقدين، ويربطان أحدهما بالآخر.
والعقد معناه في استعمال القرآن الارتباط، والعقود والعهود والمواثيق والمعاهدات والمحالفات والتعهدات والاتفاقات والالتزامات كلها في استعمال القرآن والاصطلاح الشرعي ألفاظ متقاربة المعنى المراد بها الارتباطات، سواء أكانت ارتباطات بين أفراد أو حكومات أو جماعات، وسواء أكانت ارتباطات على عمل أو على كف عن عمل. والفروق التي يقررها علماء القانون الدولي لهذه الألفاظ لا تحرف في الاصطلاح الشرعي.
والإيفاء بالعقد معناه تنفيذ ما يقتضيه والقيام بما يوجبه وافيا تاما غير منقوص، والإيفاء بالعقد والوفاء به والتوفية به ألفاظ مترادفة معناها واحد.
والمعنى بالإجمال: يا أيها المؤمنون نفذوا ارتباطاتكم، وقوموا بما تعاقدتم على القيام به وافيا تاما. وقد ذكر سبحانه العقود التي أمر بالإيفاء بها بصيغة العموم ولم يخصصها بنوع لتشمل كل ارتباط يرتبط به المؤمن، سواء أكان ارتباطه مع ربه أم ارتباطه مع نفسه أم ارتباطه مع فرد آخر، وسواء أكان ارتباط جماعتهم أو حكومتهم على عمل، أو كف عن عمل؛ ولهذا قال المحققون من المفسرين: العقود التي أمر الله المؤمنين أن يوفوا بها تشمل أربعة أنواع:
الأول: العقود التي عقدها المؤمن مع ربه بسبب إيمانه. فكل من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد التزم لله بأن يطيعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإحلال ما أحله وتحريم ما حرمه. فهذا عقد بين المؤمن وربه.
وسبب الالتزام فيه إيمانه. وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُم وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. . .)، وبقوله:(الَّذِينَ يُوفُون بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ).
الثاني: العقود التي عقدها المؤمن مع نفسه بسبب حلفه على أن يفعل فعلا أو يكف عن فعل، أو نذره أن يفعل فعلا أو يكف عن فعل؛ فكل من حلف على فعل أو كف عن فعل أو نذر فعلا أو كفا عن فعل فقد التزم أن يبر بيمينه، وأن يوفي بنذره. وسبب الالتزام يمينه أو نذره. وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله:(. . . وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ. . .).
الثالث: العقود التي يعقدها الأفراد بعضهم مع بعض من بيع وإجارة ورهن وشركة ومضاربة وزواج ونحوها؛ فكل من ارتبط مع غيره بعقد فعليه أن ينفذ موجب هذا العقد ولا يخل بشيء مما يقتضيه، وسبب الالتزام عقده بإرادته واختياره.
الرابع: العقود التي تعقدها الحكومة الإسلامية مع غيرها من الحكومات في السلم والحرب، فإذا تعاقدت دولة إسلامية مع أية دولة على أحكام عسكرية أو مدنية، دفاعية أو هجومية، إيجابية أو سلبية، فعلى الحكومة أن توفي بعقودها، وتنفذ التزاماتها.
فالله سبحانه أمر المؤمنين بأن يوفوا بكل الارتباطات التي يرتبطون بها أفرادا أو جماعات أو حكومات، مع ربهم، أو مع أنفسهم، أو مع أبناء نوعهم.
قال الإمام أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص المتوفى سنة (370 هـ) في كتابه في تفسير آيات الاحكام: العقد ما يعقده العاقد مع نفسه على أمر يفعله هو، أو ما يعقده مع غيره، ويسمى اليمين على المستقبل عقدا، لأن الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من فعل أو ترك. وكذلك العهد والأمان، لأن معطيه قد ألزم نفسه الوفاء به. وكذلك كل شرط شرطه الإنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد. وكذلك النذر وإيجاب القرب وما جرى مجرى
ذلك. وقد اشتمل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) على كل ذلك، وعلى إلزام الوفاء بالعهود والذمم التي نعقدها لأهل الحرب وأهل الذمة والخوارج وغيرهم من سائر الناس، وعلى إلزام الوفاء بالنذور والأيمان. ثم قال: ومتى اختلفنا في جواز عقد من العقود أو فساده أو في صحة نذر ولزومه صح الاحتجاج على جوازه ولزومه بعموم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ).
وإذا تعارض الإيفاء بعقد من هذه الأنواع الأربعة مع الإيفاء بعقد آخر منها، وجب على المؤمن أن يوفي بعقده مع ربه، ولا يجب عليه أن يوفى بعقده مع نفسه أو مع غيره إذا كان إيفاؤه بعقد منهما يخل بإيفائه بعقد ربه. فإذا حلف على ما فيه مخالفة أمر ربه فليحنث في يمينه وليوف عقده مع ربه ولا يوف بما حلف عليه؛ ولهذا ورد في الحديث " من حلف على شيء ورأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير منه وَلْيُكَفِّر عن يمينه " (1). وإذا عقد عقدا أو شرط شرطا يقضي بتحليل محرم أو تحريم حلال أو التزام بباطل شرعا فعليه أن يوفي بعقده مع ربه ولا يوفي بما يخالفه من عقود وشروط؛ ولهذا ورد في الحديث:" المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا "(2).
وقد خاطب الله المخاطبين في أمرهم بالإيفاء بالعقود بوصف الإيمان ليشير إلى أن الإيفاء بالعقود مما يقتضيه الإيمان، وفي هذا حث على امتثال الأمر والإيفاء بالعقد. وهذا الذي أشار إليه القرآن صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته إذ عدَّ الوفاء بالعهود من شعائر الإيمان وآيات المؤمن، ففي الحديث:" آية المؤمن ثلاث: إذا حدث صدق، وإذا اؤتمن أدَّى، وإذا وعد وفَّى "(3) وكما ذكرهم بإيمانهم في بدء هذه السورة إذ أمرهم بالإيفاء بالعقود جملة، ذكرهم بإيمانهم في
(1) سبق تخريجه.
(2)
سبق تخريجه.
(3)
سبق تخريجه.
أمرهم بكل عقد فصَّله فيها. ففي تفصيلِ ما حرمه قال:
(يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ ولا الْقَلائِدَ. . .).
وفى تفصيل التطهر لأداء الصلاة وهي عماد الدين قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجوهَكُمْ. . .).
وفى تفصيل عماد الدنيا وهو الشهادة بالقسط في إقامة حقوق الله قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ. . .).
فالمقصود بهذا إشعار المؤمنين بأن إيفاءهم بالعقود جملة وتفصيلا هو من مقتضى الإيمان، وأن نكث العهود والإخلال بما تقتضيه العقود لَا يتفق والإيمان. فالمؤمن حقا يوفِّي بالتزاماته لربه ولنفسه ولغيره. ومن هنا نفهم معنى الحديث:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن "(1).
وإن من أوائل الأحكام الشرعية ما أحله الله تعالى، وما أحله سبحانه قيده بقيود، ولذا قال تعالى:
(. . . أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتلَى عَلَيْكمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ. . .) ابتدأ الحكم ببيان الحلال من الأطعمة، لسببين: أولهما - أن العرب كانوا يحرمون في الجاهلية على أنفسهم بعض الحيوان لأوهام ورثوها، لم يأت بها دين، ولم يتصورها عقل، وليس للتحريم سبب يدركه أهل العقول. ثانيهما - أن النص جاء للإباحة مع القيد، فهي حلال بشرط ألا تكون مما يتلى تحريمه، وسيبينه الله تعالى من بعد، والتحريم سببه أحد أمرين: أولهما - ذاتي في ذات الحيوان كالخنزير والميتة، وما يشبه الميتة من التي تردت في منخفض من الأرض فنفقت، أو نطحت فهلكت، والثاني - عرضي بحال معينة كتحريم الصيد، فالنص لإباحة مقيدة مع ذكر القيد بالإشارة إليه ثم بيانه.
(1) متفق عليه، وقد سبق تخريجه.
والبهيمة: اسم لكل حيوان أعجم، لإبهامه من جهة نقص النطق، وعدم تمييزه.
والنعم في أصل الإطلاق العربي يكون على الإبل والبقر والغنم، واشتقاقها من النعمة؛ لأنها من نِعَمه سبحانه وتعالى التي أنعم الله بها، كما قال تعالى:(وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأكُلُونَ).
ويصح أن يكون مثل الإبل والبقر والغنم كل حيوان أو طير يتغذى من النبات، ولم يرد نص بتحريمه فيدخل الظبي وحمار الوحش وغيرهما من آكلات الأعشاب، كما يدخل الطير غير سباعه، وغيرها.
(أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) البهيمة في اللغة العربية: هي كل ذات أربع من الدواب. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم ذكورها وإناثها، وقد بينها الله سبحانه في سورة الأنعام بأنها ثمانية أزواج: من الضأن اثنين (الكبش والنعجة) ومن المعز اثنين (الجَدْي والعنز) ومن الإبل اثنين (الجمل والناقة) ومن البقر اثنين (الثور أو الفحل والبقرة أو الجاموسة). فهذه هي الأنعام في لسان القرآن.
ولما أمر الله المؤمنين بأن يوفوا بالعقود أخذ يفصل لهم العقود التي أمرهم أن يوفوا بها، وبدأ بأولها وأحقها بالإيفاء وهي عقودهم مع ربهم بمقتضى إيمانهم، وبدأ من هذه العقود ببيان ما أباح لهم أكله والانتفاع به من الحيوان، وما حرمه، لأن هذا الأكل والانتفاع أكثر ما يعرض للإنسان، وأكثر ما يحتاج إلى معرفة حكمه، ولأن أهل الجاهلية كانوا قد جاروا وظلموا في حكمهم في الأنعام، وبنوا تحريمهم لما حرموه منها، وتحليلهم ما أحلوه منها على نزعات وثنية، وأوهام لا يصح أن يبنى عليها تحريم ولا تحليل، فجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم.
(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ)، (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ
عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ).
وجعلوا من الأنعام بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميا.، وهكذا ساروا في تحريم الأنعام وإحلالها على ما تقتضيه وثنيتهم، لَا على ما تقتضيه مصلحتهم. فالله سبحانه بدأ عقوده مع المؤمنين ببيان أنه أباح لهم الأنعام كلها إلا ما يتلو عليهم تحريمه منها. فهو سبحانه بدأ ببيان ما فيه قضاء على وثنيات الجاهلية، وبما فيه إشعار المؤمنين بكمال النعمة عليهم، إذ أباح لهم الأنعام كلها والانتفاع بها بكل وجوه الانتفاع، ولم يقيد هذه الإباحة بما كانت تقيده به أهل الجاهلية من قيود وشروط لَا تقوم على أساس من المصلحة، وإنما تقوم على أوهام وأباطيل لَا يصح أن يبنى عليها تحريم ما رزق الله به عباده من الطيبات، بل قيدها باستثناء ما فيه ضرر بصحة الإنسان أو دينه. وعلى النفع والإضرار يبنى التحليل والتحريم. ومن هذا نفهم الحكمة في أن الله سبحانه قال:(أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) ولم يقل أحلت لكم الأنعام؛ لأنه أراد سبحانه التنبيه إلى أن الأنعام أحلت بوصف أنها بهيمة، وكل الأنعام ذكورها وإناثها متحقق فيها هذا الوصف، فكل الأنعام حلال لكم. وإضافة لفظ بهيمة للأنعام لتأكيد عموم الأنعام التي أحلت، وللإشارة إلى أن التفريق بين بعض الأنعام وبعضها - مع أنها كلها بهيمة - ظلم وحظر لما لَا مبرر لحظره. وفي سورة الحج:(. . . وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ. . .).
(إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) هذان استثناءان من العموم الذي دلت عليه (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ) لأن معناها أحلت الأنعام كلها لكم جميعا.
استثنى سبحانه من الأنعام التي أحلت الأنعام التي يتلو على المؤمنين آيات تحريمها في قوله سبحانه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّه وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ. . .)، وفي قوله:(حُرِّمَتَْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه. . .)، وفي قوله:(وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق. . .).
واستثنى سبحانه ممن أحلت لهم بهيمة الأنعام المحرمين بالحج أو العمرة أو بالحج والعمرة، والموجودين بأرض الحرم سواء أكانوا محرمين أم غير محرمين بقوله تعالى:(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ).
والإحرام بأحد النسكين أو بهما معا معناه في الشرع نية النسكين أو أحدهما نية مقرونة بشعار من شعائر الحج كالتلبية أو سوق الهدى. فمن أحرم أي نوى أحد النسكين واتخذ شعاره لَا يحل له ما دام محرما أن يصطاد الأنعام ولا غيرها من حيوان البر، سواء أكان الصيد من أرض الحل أم من أرض الحرم. ولا يحل له الأكل والانتفاع بما اصطاده وهو محرم. وأما صيد البحر والأكل منه فهو حلال للمحرم، قال تعالى:(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَللسَّيَّارَة وَحُرِّمَ عَلَيْبهُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا. . .).
فالمحرم لَا يحل له صيد البر؛ سواء أكان في أرض الحل أم في أرض الحرم.
وأرض الحرم لَا يحل الصيد فيها للمحرم وغير المحرم.
فمعنى (وَأَنتُمْ حُرُمٌ) أي محرمون، أو في أرض الحرم، أي وأنتم في حرمة الإحرام أو حرمة الأرض الحرام. ولله الحكمة البالغة في هذين الاستثناءين، فإنه استثنى مما أحل ما يتلو على المؤمنين من المحرمات دفعا للضرر عن دينهم وأجسامهم. وسيتبين في تفصيل المحرمات أن تحريم كل محرم منها إنما هو لدفع أذى ديني أو بدني. واستثنى ممن أحل لهم فريقين: المحرمين بأحد النسكين، لأنه أراد أن يكون إحرام المحرم شعار السلام والأمان، وتجنب العدوان حتى على الحيوان؛ ومتى عرف المحرم أنه لَا يحل له الصيد تجرد من أسلحته وآلاته وانصرف عن التفكير في إزعاج آمن أو مطاردة ضعيف، والموجود بأرض الحرم مطلقا، لأنه أراد أن تكون أرض الحرم أمنا حتى للصيد (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا. . .).
وقد استثنى سبحانه وتعالى من التحليل ما يتلى من بعد ذلك، وهو ما اشتمل عليه قوله تعالى من بعد: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ. . .). (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) المعنى: إن الله يحكم الحكم الذي يريده، لا الحكم الذي تهواه النفوس، أو الحكم الذي توارثه الخلف عن السلف. فهو سبحانه إذا حكم بإيجاب الإيفاء بالعقود، وحكم بإحلال بهيمة الأنعام، وحكم باستثناء بعض الأنعام مما أحله، وحكم باستثناء الفريقين ممن أحل لهم، إنما يصدر في حكمه عن إرادته. وسنته في إرادته بينها سبحانه بقوله:(. . . يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. . .).
وبقوله: (. . . مَا يُرِيذ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ. . .) فأحكامه التي ذكرها مصدرها إرادته، وهو ما يريد العسر ولا الحرج بحكمه، لَا في تحريمه المحرمات، ولا إحلاله المباحات، وإيجابه الواجبات، وكل ما أمر به أو نهى عنه أو شرعه.
ونرى أن " يحكم " تعدت من غير الباء فلم يقل تعالت كلماته: " إن الله يحكم بما يريده " بل قال: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكمُ مَا يُرِيدُ) وذلك لتضمن الحكم معنى حد الحدود، والمنع عن الموبقات، فكان التعدي بغير الباء.
وقد جاء في تفسير القرطبي: أن " هذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام، فإنها تضمنت خمسة أحكام: الأول: الأمر بالوفاء بالعقود، والثاني: تحليل بهيمة الأنعام، الثالث: استثناء ما يتلى بعد ذلك، الرابع: استثناء حال الإحرام فيما يصاد، الخامس: ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم.
وحكى النقاش: أن أصحاب الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة، ثم خرج فقال: والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت، فإذا هو قد كلف بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلا عاما، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته - في سطرين،
ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد (1) اللهم انفعنا بكتابك، واهدنا بهديه، واملأ قلبنا بنوره وعلمه إنك أنت العليم الحكيم.
ومن قرأ سورة الأنعام المكية ووقف على ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم وتحليل بناء على الأهواء والشهوات والتقاليد الوثنية، يفهم الحكمة البالغة فيما ختمت به هذه الآية من قوله سبحانه:(إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) أي لَا يحكم الحكم الذي تقتضيه الأهواء، وإنما يحكم الحكم الذي تقتضيه الحكمة والعدالة والمصلحة في الدين والدنيا، وهذا يوجب على المؤمن أن يتقبل أحكام الله بالإذعان والتسليم؛ لأن مصدرها إرادة الحكَم العدل اللَّطيف الخبير.
* * *
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)
* * *
في الآية السابقة أشار سبحانه وتعالى إلى ما أحل من طيبات، وأشار إلى مكان البيت الحرام وحرمته، وأنه لَا يحل صيده والإحرام قائم، وأن الله تعالى يحكم بما يريد، وهذا حكمه وأمره، وما على المؤمن إلا الطاعة فيما أمر به، وفي هذه الآية يبين سبحانه وتعالى ما يجب، وقد بَيَّن الحرمات التي تجب صيانتها ومن تتعلق بهم، وقد ذكر أمورا لَا يصح إحلالها، وهي شعائر الله تعالى، والشهر
(1) أجلاد أي مجلدات.
الحرام والهدي والقلائد، والذين يقصدون البيت. وقد ابتدأ بأولها، فقال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ. .)
النداء لأهل الإيمان الصادقين في إيمانهم الذين يعملون بما يأمر، وينتهون عما ينهى، وتصدير الكلام بهذا النداء لبيان ما كان محرما في الحج وما يدعو الإسلام إلى الاستجابة إليه من مقتضيات، والإحلال معناه أن يخالف أمر الله تعالى فما يكون حراما منهيا عنه في الحج يفعله ويستحله، وما يكون مأمورا به لا يستجيب له، وشعائر الله تعالى في هذا المقام المراد بها مناسك الحج، وما حرمه فيه من ثياب في أثناء الإحرام، وما أمر به من أمور فيه من السعي بين الصفا والمروة والطواف بالبيت الحرام، والوقوف بعرفة، ورمي الجمار وسائر الأفعال، فإن هذه كلها شعائر لله تعالى، كما قال تعالى:(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّه فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ). وكما قال تعالى في بعض هذه المناسك: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ. . .).
وسميت أعمال الحج شعائر، وهي جمع شعيرة، كما سميت مشاعر جمع مشعر، وهي أمور معلمة محسوسة مرئية، تدل على اتجاه القلوب إليه سبحانه وتعالى، فكان الإحرام مقترنا بمظهر حسي وهو ألا يلبس مخيطا، وأن يجهر بالتلبية، وكان الطواف وهو عمل حسي يدل على الاتجاه إلى ضيافة الرحمن، والإقامة بجوار بيته العتيق - أول بيت وضع - وفي ذلك اتصال دائم بين الرسالة الإلهية؛ إذ إن الذي بناه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، فكان الطواف به رمز الوحدة في الرسالة الإلهية، وأن آخرها متصل بأولها، وأنها سلسلة متصلة الحلقات تُتم كل واحدة جزءا حتى أوفت على الغاية برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك السعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة في المشهد الإسلامي الأكبر، ورمي الجمار، كما فعل إبراهيم عليه السلام من قبل، وذلك مظهر للتطهر التام، والخروج من وسوسة الشيطان، ورميه والإعراض عنه.
والأمر الثاني الذي لَا يحل، ونُهِي المسلمون عن إحلاله، هو الشهر الحرام، والمراد النهي عن القتال فيه، والشهر مفرد أريد به الجمع، وذلك أنه أشهر أربعة كما قال تعالى في سورة براءة:
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36).
وهذه الأشهر لَا يحل القتال فيها، فلا يبدأ المسلمون القتال فيها، ولكن يدافعون إن اعتُدي عليهم فيها، ولهم أن يطلبوا الهدنة إن جاءت في أثناء القتال فيها، فإن كان الذين يقاتلونهم لَا يؤمنون بها استمر القتال، إذ لَا مناص منه، وقد ادَّعى كثيرون أن منع القتال في هذه الأشهر نسخ، ولا نجد دليلا يدل على النسخ، بل الأدلة تدل على دوام التحريم بل الأدلة متضافرة غلى استمرار تحريمها؛ لأن ذلك جاء في سورة المائدة، وهي من أواخر القرآن نزولا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر التحريم في خطبة الوداع ولعل الذين ادَّعوا النسخ أخذوه من الحروب الإسلامية، والواقع أن المسلمين كانوا مضطرين للاستمرار.
والأشهر الحرم هي: ذو القعدة وذو الحجة، والمُحَرَّم، ورجب - الذي بين جمادى وشعبان - والأشهر الثلاثة الأولى فيها الحج والذهاب إليه والعودة منه، ورجب فيه العمرة، والتحريم ليكون الطريق آمنا في مدة الحج.
(وَلا الْهَدْي وَلا الْقَلائِدَ) الهدْي جمع هَدْيَة، وهو ما يُهْدَى، ويراد به هنا ما يهدى إلى البيت الحرام ليذبح في الحج، وإحلاله المنهي عنه ذبحه في غير موضع الحج، كما قال تعالى:
(. . . وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. . .)، كما أن من إحلاله اغتصابه أو منعه من أن يصل إلى البيت الحرام، والقلائد جمع قلادة، وهي ما تُقَلَّد به الهدْي، ومن الفقهاء من خصها بالبدن (الإبل والبقر) فلا يقلد سواها، والنهي عن إحلال القلائد قد اختلف المفسرون في معناه، وأحسن ما
قيل هو ما قرره الزمخشري وهو: أن النهي عن إحلال القلائد هو النهي عن إحلال الهدي الذي حمل القلادة، وكان ذكرها بعد ذكر الهدي عامة من قبيل ذكر الخاص بعد العام، وكان المعنى لَا تحلوا الهدي، ولا تحلوا القلائد بشكل خاص، وذلك لأن إحلال الهدي الذي أشعر وأعلم بالقلادة يكون أشد نهيا، إذ إنه اعتداء على ما أعلن بالحس أنه خصص للبيت الحرام، ولم يكتف بالنية وحدها، فما خصص بالنية قد يخفى، وما خصص بالحس لَا يخفى، وذكر الزمخشري وجها آخر، وهو أن النهي عن إحلال ذات القلائد، وإذا كانت القلائد لَا يحل الاعتداء عليها فأولى بذلك الحيوان الذي يحمل شعارها، ومهما يكن من التخريجين فالنهي ثابت عن إحلال الهدي وشعاره.
وإن سوق الهدي وذبحه من مناسعك الحج وفيه توسعة على سكان البيت الحرامِ، وإجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام:(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37).
ولكن هل يغني عن الهدي وذبحه في منى ما يُقَوَّم به من نقود؛ لقد أجمع الفقهاء على أنه لَا تغني قيمته عنه، ما دام يستطيع الرجل أن يهدي. وقد جعل الله تعالى الصيام بدل الهدى لمن لَا يجد، فقال تعالى:
(. . . فَإِذَا أَمِنتمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعمْرَةِ إِلَى الْحَجٍّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الْهَدْى فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتمْ تِلْكَ عَشرَةٌ كَامِلَةٌ. . .).
ولقد ثارت مناقشات حول استبدال الذبح بقيمة الهدي، لأن الناس لا يأكلون كل ما يذبح فيتلف، ووراء ذلك فشو الأوبئة ونحوها، وهذا فوق ما تنشره الدماء من أدواء.
ونقول في الجواب عن ذلك: إن هذا من ضيق عقل الإنسان، لَا من شريعة الديان، والقرآن أمر بالذبح، ولم يقل أحد من الصحابة أو من جاء بعدهم: إن قيمة الهدي تغني عنه، وكان يجب أن يفكر المفكرون في الانتفاع باللحم والدم من
غير أن يتعرضا للفساد والإفساد، وذلك بادخار اللحم، بالتثليج أو نحوه ليمد سكان الحرم الشريف باللحم أكثر العام. لَا في موسم الحج وحده، وأن تقام المدابغ لدبغ الجلود، فتكون مصدر ثروة، والدم يصنع منه أحسن الأواني، والنار تطهره، ولكن العقول تتسع في كل شئون الحياة، فإذا جاءت إلى أوامر الإسلام ضاقت، وذلك من ضعف الإيمان.
(وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ) المراد الذين يقصدون البيت الحرام لأداء الحج، وقد قال بعض العلماء: إن هؤلاء الذين ينهى عن إحلالهم (بمعنى منعهم) هم من كانوا من المشركين يقصدون البيت الحرام يبتغون التجارة ورضا الله تعالى بزعمهم، وقد نسخ هذا بقوله تعالى بعد ذلك:(. . . إِنَّمَا الْمُشْرِكونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا. . .).
ولكن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا، وقد قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم:" المائدة من آخر القرآن نزولا، فأحلوا حلالها وحرموا حرامها " وقال الحسن البصري: ليس فيها منسوخ. وعلى ذلك نقول: إن آمِّين البيت (أي القاصدين له حجا) هم من المؤمنين، ومعنى إحلال هؤلاء منعهم من الحج لحرب أو نزاع أو بغي، بل يجب أن يكون مفتوحا للجميع، وإذا كان الله تعالى قد جعله آمنا فقد فتحه لكل المؤمنين يقصدونه، وليس لأحد أن يمنعهم، فلا يحل لأحد أن يمنع أو يُصعِّب على الناس دخول البيت الحرام.
وقد بيَّن سبحانه مقصد هؤلاء الذين يؤمون البيت، وهو أنهم يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا، وفسر بعض العلماء الفضل بأنه التجارة، أي أنهم يبتغون من رضوان الله تعالى غرضا من أغراض الدنيا، وهو التجارة، وقد يكون في التجارة جلب أرزاق لسكان الحرم، فالتجارة غير ممنوعة، ولكن القصد الأسمى هو رضوان الله تبارك وتعالى، فهو العبادة التي يكون لها القصد الأول في البيت.
وفسر آخرون الفضل بالثواب، فالذين يقصدون البيت حاجين أو معتمرين يطلبون الثواب من الله تعالى، وهو النعيم المقيم، ويطلبون ما هو أكبر منه وهو رضوان الله تعالى، كما قال تعالى:(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21).
وهذا هو الذي نختاره، فإن المقام مقام طلب الثواب، لَا مقام طلب المال، ولكل مقام ما يناسبه.
وإن الآية تومئ إلى مناسك الحج والقيام بها، وقد ذكرت الآية السابقة أنه لا يحل الصيد مع الإحرام، وهذه الآية بينت ما يجب على المؤمن من القيام بشعائر الحج، وفتح أبواب مكة لمن يريدها من المؤمنين، وذكرت الآية الكريمة متي يباح الصيد، فقال سبحانه:(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا).
معنى الإحلال الخروج من الإحرام بالحج أو العمرة أو هما معا بأن يلبس الملابس كاملة، ويقص شعره وأظافره وغير ذلك مما كان يحرمه عليه الذي هو فيه من الحج مع لبس لباسه، والقيام بمظاهر النسك، والاتجاه إلى الله تعالى، والشعور بأنه في ضيافته عند بيته الحرام.
وإذا تحلل ذلك التحلل أبيح له ما حرمه الإحرام عليه، ومن ذلك الصيد، والأمر بالإحلال هنا ليس للطلب، فليس الصيد بمطلوب، ولكنه مباح، وقد جاءت صيغة الأمر بعد النهي، فكانت للإباحة، وهي كذلك في كل صيغة " افعل " بعد النهي غالبا، مثل قوله تعالى:(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ. . .).
وذلك بعد أن نهى عن البيع عند النداء للصلاة من يوم الجمعة في قوله تعالت كلماته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).
وقد روى في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها "(1).
والخلاصة أن هذا النص الكريم فيه إباحة الصيد بعد الخروج من الإحرام بعد أن كان محرَّما في أثناء الإحرام.
ولقد ساد الإسلام أرض العرب بعد أن كانت حجة الوداع، ولكن قد بقيت بعض الإحن في النفوس، ونفس المؤمن يجب أن تكون طهورا لَا يعيش فيها الحقد، ولا حب الانتقام، ولذا نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن أن يدفعهم البغض السابق لقوم لأنهم صدوهم عن المسجد الحرام، أن يمنعوهم كما منعوهم، فإن ذلك يكون اعتداء من أهل الإيمان؛ ولذا قال سبحانه:
(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا) يجرمنكم معناها يحملنكم؛ لأن " جَرَمَ " في هذا المقام وما يشبهه معناها حمل حملا قاطعا، يقال جرمني كذا على بغضه، أي حملني عليه حملا قاطعا، ومن ذلك قول الشاعر:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة
…
جَرَمَت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي حملت فزارة على أن تغضب.
والشنآن: البغض الشديد، يقال شَنِئت الرجل أشْنأ شنآنا وشَنْأ أبغضه، والمعنى. لَا يحملنكم البغض الشديد لقوم بسبب أنهم صدوكم، أي منعوكم من دخول المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم بأن تصدوهم، فالجاهلية والشرك يبرران ذلك الصد، والإسلام لَا يبرره، لأنه اعتداء على البيت الحرام، واعتداء على شعائر الله سبحانه وتعالى.
(1) جزء من حديث رواه مسلم: الجنائز - استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه (977)، ولفظه عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " نَهَيْتكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة ".
وقد يقال: إن الاعتداء كان وهم في الجاهلية، وقد أسلموا، فكيف يتصور أن يعاملهم المؤمنون بما كان منهم في الجاهلية مع أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله؟ والجواب عن ذلك أن جرح النفس قد يستمر أثره، فنهى الله تعالى المؤمنين عن أن يكون منهم ما يكون مجاوبة لما كان من آلام نالتهم بسبب صد المشركين لهم في الجاهلية، وخصوصا أن في بيان ذلك بيانا لأن كل صد عن المسجد الحرام اعتداء على شعائر الله، سواء كان ذلك قبل الإسلام أم كان سببه هوى النفس والشيطان، ومشاحة بين المسلمين أنفسهم كما حدث في عصور سابقة، وكما يحدث الآن مهما تكن الأسباب.
وهنا قراءتان لابد من ذكرهما، - أولهما، قراءة (أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) بفتح الهمزة، وهذه تشير إلى أن الصد كان في الماضي، والاعتداء مجارمة لما كان في الماضي، والقراءة الثانية (إن صَدُّوكُمْ) بكسر الهمزة (1)، ومؤداها أنه إذا كان في المستقبل من يصدكم عن المسجد الحرام، فلا تعاملوه بالمثل وتصدوه؛ لأن ذلك اعتداء.
والنص الكريم يدل على أن كل اعتداء حرام سواء أكان بالصد عن المسجد، أو كان بغيره فما حرم الصد إلا لأنه شعبة من الاعتداء.
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) إن الاعتداء والتعاون على البر والتقوى ضدان، وعندما يُذْكَر أمر يَرِدُ على الخاطر ضده؛ ولذا أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى بعد النهي عن الاعتداء. والبر: التوسع في فعل الخير للناس والطاعة لله تعالى وتطهير النفس من أدرانها، وهذا إذا لم تذكر التقوى؛ فإذا ذكرت التقوى معه، كما في هذا النص الكريم، كان البر هو الطاعة الظاهرة ونفع الناس، وإسداء المعروف لهم، وكانت التقوى تصفية النفس وتطهيرها وإخلاصها لله تعالى، وقد قال في ذلك أبو الحسن الماوردي: " ندب الله
(1)(إن صدوكم) بكسر الهمزة، بها قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وقرأ الباقون بفتح الهمزة. [غاية الاختصار - سورة المائدة (797). ج 2، ص 469].
تعالى إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له، لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته، وعمت نعمته " والإثم: أصله اللغوي الأفعال المبطئة عن الخير المانعة له، ثم أطلق على كل ما يفسد النفس ويفسد العمل، ويكون فيه العصيان، ومجافاة الخير، وقرب الشر، وإن الإثم إذا لم يتعد إلى غيره كان على نفسه، وإن تعدى على غيره كان عدوانا، وقد قال تعالى:(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112).
وقد نهى سبحانه عن التعاون على الإثم والعدوان، فنهى عن الإثم الذي تكون مغبته على صاحبه أو تفسد قلبه، وعن العدوان على غيره.
والتعاون: معناه تبادل المعونة، ويكون في الخير بمد يد المعونة في الشدائد، وكل يجود بما عنده لأخيه، فالعالم بعلمه، والشجاع القوي بدفاعه عن الضعيف، وأن يكون المؤمنون يدا على من سواهم، ومنع الظالم من ظلمه، وإرشاد الضال، ومنع الآثام. وهذا تعاون أفرادي عام، وله أشكال كثيرة، والتعاون الجماعي بتعاون الأسرة، وتعاون الحي، وتعاون الأمة، وتعاون الجماعة الإنسانية، وكل ذلك حثَّ عليه الإسلام، ومن التعاون تأليف جماعات له، والنبي صلى الله عليه وسلم أوجد أعظم تعاون جماعي وذلك بالإخاء في الإسلام.
وقد ذيل الله سبحانه النص الكريم بقوله: (إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وهذا إنذار لمن يتعاونون على الإثم والعدوان وترهيب لغيرهم (وقد أكد الله - تعالى - هذا المعنى بثلاث مؤكدات " إنَّ " الدالة على التوكيد)، وبذكر لفظ الجلالة، والوصف بالشدة. . اللهم قِنا غضبك، وامنحنا رضاك، إنك أنت الغفور الرحيم.
* * *