المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

أنثى، وبكَّتهم بها، ونبههم على جهلهم واعتقاداتهم فيها، مع أنها - زهرة التفاسير - جـ ٤

[محمد أبو زهرة]

الفصل: أنثى، وبكَّتهم بها، ونبههم على جهلهم واعتقاداتهم فيها، مع أنها

أنثى، وبكَّتهم بها، ونبههم على جهلهم واعتقاداتهم فيها، مع أنها آلهة لَا تعقل ولا تسمع ولا تبصر، بل لَا تفعل فعلا بوجه من الوجوه ".

وخلاصة هذه التعليلات أن الله تعالى يبين ضلال الشرك بأن العابد فيه لا يعبد إلا ما هو كالإناث، يحتاج إلى من يحميه ولا يحمي أحدا، ويترك عبادة الله تعالى القهار القادر على كل شيء. الذي لَا يوجد ذو قوة في هذا الوجود إلا كان يستمد قوته منه سبحانه.

وإن الذي يدفعهم إلى ذلك هو وسوسة الشييطان الذي كان سلطانه عليهم كسلطان المعبود الذي يعبد! ولذلك يقول تعالى:

(وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا)" المريد " على وزن فعيل من الفعل (مرد)، وهذا الفعل يطلق بعدة إطلاقات، منها أن (مرد)، معناها مَرَن على الشر، ومن ذلك قوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، ومنها أنه من يخرج على الطاعة، ومن ذلك (مارد، ومتمرد)، ويطلق على من ظهر شره، وتجرد من الخير، ومن هذا (شجرة مرداء) إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها. وإن الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس ويدفعها إلى الشر، فيه كل هذه الأوصاف، فهو قد تعوَّد الشر، وهو قد عتا، وهو قد خرج على الطاعة لله تعالى، وهو قد تجرد من كل خير، فيكون المعنى على هذا: إنهم يدعون، أي يعبدون، في الواقع شيطانا قد عتا، وتجرد من الخير، وتعود الشر، فلا يكون منه إلا شر، وإذا كان هؤلاء يلجأون إليه في دعائهم، وكأنهم يعبدونه، إذ يعبدون الأوثان التي زينها لهم، فهم في أبعد الضلال، ويسلكون طرقا من الشر متعددة! وقد ذكر سبحانه ما يفعله الشييطان بعقول هؤلاء، فقال تعالى:

* * *

ص: 1863

(لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ‌

(118)

* * *

أي إن الله سبحانه وتعالى طرده من رحمته، وأخرجه من جنته، كما عتا وتمرد وخرج عن طاعته، فلم يسجد لآدم، وقد أمره الله تعالى بالسجود له، فلما طرده الله من ظلال جناته بسبب عصيانه بالنسبة لآدم، وجعل عمله في هذا الوجود مصادمة الخير، وجذب

ص: 1863

ذرية آدم إلى الشر قال مؤكدا بلسان المقال والفعال: لأتخذن من عبادك الذين خلقتهم من ذرية آدم نصيبا مفروضا، أي مقدارا معينا قليلا كان أو كثيرا. أي أنه سيستهوي طائفة من عباد الله، ويسيطر على نفوسهم، ويجعلهم في طاعته، بدل أن يكونوا في طاعة الله سبحانه وتعالى. ويقول الأستاذ الإمام محمد عبده: إن النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل واحد من الاستعداد للشر، الذي هو أحد النجدين في قوله تعالى:(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، وفي الحق أن هذا ليس من اتخاذ الشيطان، إنما هو خلق الشخص، والشيطان يأخذ من يأخذه من العباد من طريق السيطرة على جانب الشر.

اللهم جنبنا وسوسة الشيطان وتزيينه، واجعلنا معك، ومع القرآن، ومع الرسول، ومع المؤمنين.

* * *

(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)

* * *

ص: 1864

ذكر الله سبحانه في الآيات السابقة ما عاهد الشيطان عليه نفسه الشريرة، من أنه سيتخذ نصيبا مفروضاً مقدرا من بني آدم عباد الله سبحانه، بيَّن الله سبحانه إضلاله لهم، وطريق هذا الإضلال، وهو أن يُمنِّيهم بالأماني الكاذبة، فيهيموا في أحلام لَا أصل لها، ويجعلهم بها في أوهام، فيقطعون آذان الأنعام من غير مبرر معقول، وَيُغيِّرون خلق الله من غير مبرر، ويحسبون ذلك عبادة يُتقرب بها، ولكنهم بها يتخذون الشيطان وليا فيغرهم ويخدعهم، ويكونون في ضلال، ولذلك قال سبحانه وتعالى:

ص: 1865

(وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ) يؤكد الشيطان كما ذكر الله أنه سيضل عباده، ويبعدهم عن الحق، ليسيروا في الباطل إلى أقصى مداه، ويتجنبوا الحق في كل مسالكه. وإنه قد بين سبحانه طريق الشيطان في الإضلال، كما ذكرها على لسانه فقال:(وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ)؛ أي لأجعلنهم يتمنون الأماني. والمعنى أن الشيطان في إضلاله للعباد يخلق في صدورهم أماني يتمنونها ويطمعون في تحقيقها، فتستولي على نفوسهم، وينفذ إليهم من طريق المطامع، بأن يودع في أنفسهم أوهاما يظنونها تحققها، فكلما تمنوا ألقى الشيطان في أمنيتهم أوهاما معها، فيصيرون خاضعين له على الدوام، والمؤمن يصون نفسه من الأماني، فلا يخضع للشيطان ابتداء. وقد قال تعالى في صور الأوهام التي يضعها الشيطان في نفوسهم، فيكون كالآمر لهم:

(وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ) والبتك معناه القطع، وقد اختص بقطع أعضاء الجسم أو الشعر، والمراد بالقطع هنا ما كانوا يفعلونه، إذ كانوا يقطعون آذان الأنعام، أو يشقونها شقا واسعا، ويتركون الحمل عليها، ويفعلون ذلك كأنه أمرٌ تكليفي مطلوب منهم تقربا للأوثان، وما كان ذلك الأمر إلا من الشيطان الذي زين لهم ذلك فاتبعوه، فهو كالآمر لهم الذي يجعل ما ليس بعبادة أصلا عبادة، وإن ذلك تشويه لما خلق الله سبحانه وتعالى. يروى في ذلك أن أبا الأحوص من الصحابة أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رث الهيئة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:" هل لك من مال؟ "

ص: 1865

قال: نعم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإذا آتاك الله مالا، فليُرَ عليك أثره "(1)، ثم قال عليه الصلاة والسلام:" هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتشق آذانها، وتقول: هذه بُحُر (أي جمع بحيرة) وتشق جلودها، وتقول: هذه صرُم (جمع صريمة)؛ قال: أجل. قال: " كل ما آتاك الله حِل، وموسى الله أَحَدُّ من موساك، وسَاعد الله أشد من ساعدك " (2).

(وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرنَّ خَلْقَ اللَّهِ) أي أنه يزين لهم الشر، فيغيرون خلق الله تعالى بتشويه الأجسام بالخصاء، وفقء الأعين، والوشم، وتغيير الفطرة بتحويلها إلى أوهام.

ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، فحرّمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وأمرتهم أن يغيروا خلقي "(3). فتغيير الخلق يشمل التغيير المادي والمعنوي، وكان كل ذلك خضوعا لأوامر الشيطان. فكانوا بهذا أولياءه.

(وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا) ومن يوالي الشيطان فيطيعه مع أنه متمرد عن الحق، داع إلى الشر، ويترك الحق وأمر الله، فإنه بهذا يخسر خسرانا واضحا يخسر الحق فلا يتبعه، ويرتكب الشر، ويترك المعقول إلى المرذول، ويمسخ فطرة الله تعالى، وتنحرف نفسه، ويلتوي تفكيره، وتشوه إنسانيته، وذلك خزي في الدنيا ووراءه عذاب في الآخرة. وأي خسارة أعظم من هذه الخسارة وأوضح منها.

* * *

(1) رواه: النسائي: الزينة (5223) وأحمد: مسند الشاميين - حديث أبي الأحوص عن أبيه (16780).

(2)

تتمة الرواية السابقة كما في مسند أحمد: مسند المكيين - حديث مالك بن نضلة عن أبيه (15457).

(3)

جزء من حديث طويل رواه مسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها - الصفات التي يعرف بها في الدنيا (2865).

ص: 1866