الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإنه سبحانه يحيط بكل شيء في هذا الوجود إحاطة قدرة وتصرف، فهو وحده المتصرف في السماوات والأرض وما بينهما، وإحاطة علم فهو يعلم كل ما في الكون وما في النفوس، فلا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض إنه وحده الخالق والمكون والمصرف والسميع البصير. اللهم املأ قلوبنا بذكرك، فبذكرك تطمئن القلوب.
* * *
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا
(127)
* * *
تعرضت سورة النساء لأحكام الأسرة في أولها، وبينت أحكام المواريث، والعلاقات المحرمة للزواج، ثم أشار سبحانه إلى حق الرجل وحق المرأة في الأسرة، وتعرضت من بعد ذلك للعلاقات الاجتماعية بين الناس، وبينت أن أساسها إقامة العدالة، وتنفيذ أحكام الله تعالى ثم ذكرت أدواء الجماعات، وأساسها الاعتداء من الخارج بالحروب ومن الداخل بالنفاق، وما يتبعه من فساد خلقي، وانحلال نفسي، وتعرضت من بعد ذلك لسبب الاعتداء والشرك والنفاق وهو تحكم الشيطان في النفوس.
ومن بعد ذلك عاد إلى بيان العلاقة بين الزوجين وفقه علاجها، وعلاقة آحاد الأسرة، والطب لأدواء الضعف بينهم. وفي خلط أحكام الأسرة والعلاقات فيها، والعلاقات الاجتماعية والإنسانية العامة إشارة إلى قيام المجتمع على الأسرة وأن صلاحها صلاح له، وأنه من الأخلاق الاجتماعية الفاسدة تجيء آفات الأسرة،
ومن قوة العلاقات الأسرية تجيء قوة المجتمع المتماسكة، فرعاية ضعفاء الأسرة توجد قوة للأمة تشترك في حماية زمارها، ومن إهمالها، تكون عناصر مقوضة لبنائها، والآيات التي نتكلم في معانيها مبينة علاج الضعفاء والعناية بهم، فقد قال تعالى:
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ) الاستفتاء معناه طلب الفتيا أو الفتوى، ومعنى الفتوى حل ما يشكل من الأمور، وإن العرب قد وقعوا في إشكال بالنسبة للمرأة، فقد كانوا في الجاهلية لا يفرضون لها حقوقا، لَا تأخذ من ميراث، ولا يكون لها أي حق قِبَل زوجها، بل كان عليها تبعات، من غير أن تلاحظ من جانبها واجبات، فجاء الإسلام وأعطاها في مقابل واجباتها حقوقا، فقال تعالى:(. . . وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ).
فكانوا في كل تصرفهم بالنسبة للمرأة تعتريهم حيرة، أينفذون دينهم وحكمهم الجاهلي أم أن للإسلام في كل أمر من هذه الأمور حكما تجب رعايته ويجب اتباعه فكثرت الأسئلة، وتعددت موضوعاتها، فمنهم من يسأل عن الميراث، ومنهم من يسأل عن الصداق. ومنهم من يسأل عن المعاملة، وجاءت الروايات فرادى ببعض الأسئلة، وكلها ينتهي إلى مجموعها، وهو حيرتهم في أمر المرأة وقد أجاب سبحانه هذا الاستفتاء بقوله تعالى:
(قلِ اللَّه يفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تؤْتُونَهُنَّ مَا كتِبَ لَهنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ) أي يفتيكم الله تعالى مبينا أمرهن وما يجب لهن، وقوله تعالى:(وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) قال كثير من المفسرين إن " ما " هنا في موضع الرفع بالعطف على لفظ الجلالة، والمعنى يفتيكم الله ويعلمكم أحكام النساء وحقوقهن، كما يعلمكم ما يتلى عليكم في كتاب الله من أحكام اليتامى من النساء اللاتي كتب لهن في كتاب الله من ميراث وحقت رعايتهن والقسط معهن عند الزواج، وإلا فليتزوج من غيرهن.
وقد قرر سبحانه وتعالى هنا وجوب العدل مع اليتيمة عند الرغبة في الزواج، وصرح بما أشار إليه قوله:(وإِن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) على ما فهمه بعض المفسرين من أن المراد إن خفتم ألا تقسطوا في النساء اليتامى فتزوجوهن من غير أن تعطوهن حقهن من ميراث أو صداق، وقد قال سبحانه في ذلك:(وَترْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ) والمعنى لَا تؤتونهن ما كتب الله لهن من حقوق، وترغبون أن تنكحوهن.
وهناك نجد قوله تعالى: (أَن تَنكِحُوهُنَّ) مصدرا (1) قد دخل عليه حرف جر محذوف، وهو إما (فِي)، و (إما) عن وعلى أن المحذوف: لَا تعطونهن ما كتب الله لهن من حقوق وترغبون في نكاحهن لأنفسكم، فلا تعطوهن ميراثا ولا صداقا، وعلى أن المحذوف " عن " يكون المعنى لَا تعطونهن ميراثهم، وتمنعونهن من النكاح، وترغبون عنه لكي يبقى المال تحت أيديكم.
ويظهر أن الذين كانوا يقدمون على شأن يتامى النساء فريقان، فريق يأكل مالها ولا يعطيها صداقها، ويرغب في نكاحها لجمالها، وفريق يستبد بمالها، ويرغب عن زواجها من نفسه أو من غيره حرصا على مالها، والآية تشمل الفريقين وتندد بالطائفتين، ولقد رُوي أن عمر بن الخطاب كان إذا جاءه وليّ اليتيمة، فإن كانت حسنة غنية قال عمر: زوِّجها غيرك والتمس لها من هو خير منك، وإذا كانت بها دمامة، ولا مال لها، قال له: تزوجها، فأنت أحق بها، وقد قال علي بن أبي طالب لولي يتيمة: تزوجها إن كنت خيرا لها، فإن كان غيرك خيرا لها فألحقها بالخير.
ولم تكن رعاية الله تعالى في أحكامه خاصة بيتامى النساء، بل إنها تعم المستضعفين وسائر اليتامى، ولذا قال سبحانه:(وَالْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الْوِلْدَان وَأَن تَقُومُوا لِلْيتامى بِالْقِسْطِ) وصيتان بنوع واحد من الضعفاء في الَأسر وهم اليتامى، بيد أن إحداهما مؤداها إعطاؤهم حقهم من المال. والثانية القيام على رعايتهم، وحفظهم من الضياع، وواضح أن الثانية عامة تشمل اليتيم الذي ترك له أبوه مالا، أو نال مالا من أية ناحية من النواحي، والأولى تكون لذوي المال.
(1) أي مصدرا مؤولا، وهو المنسبك من (أن) و (الفعل المضارع).
وبالنسبة لهذه الوصية القرآنية الإلهية نقول: إن العرب كان من عاداتهم ألا يرث إلا من يستطيع حمل السلاح ويغزو ويغنم ويستنصر به، ولذلك ما كانوا يورثون النساء، ولا الصغار الضعاف؛ لأنهم لَا يقومون بذلك: والله سبحانه وتعالى وزع الميراث توزيعا عادلا لم يفرق بين قوي وضعيف بل كانت رعايته للضعيف أشد، ولذلك أعطى الذرية أكثر مما أعطى الأبوين؛ لأن الذرية الضعاف أحوج إلى المال، وهو لهم ألزم، ولذلك قال تعالى في وصيته:(وَالْمًسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي الذيهن هم في حال يستضعفهم غيرهم ولا يعطيهم حقوقهم، وهم ضعفاء في ذات أنفسهم، أي أنه لَا بد أن يعطوا ميراثهم كاملا غير منقوص، وعبر عن هؤلاء بقوله سبحانه:(مِنَ الْوِلْدَانِ) ولم يعبر عنهم بيتامى، مع أنهم يتامى، للإشارة إلى ما يربطهم بالمتوفى، وهو كونهم أولاده، وهذا قدر يشتركون فيه مع الكبار، فالسبب في الميراث هو الولاء، وهم جميعا يشتركون فيه، وإذا اشتركوا في السبب وجب أن يشتركوا في المسبب وهو الميراث، ولا فرق في ذلك بين كبير وصغير.
والوصية الأخرى، وهي القيام على شئون اليتيم برعايته وكفالته، وإصلاح حاله، وتعهده بالعطف والمحبة والإكرام، وقد تكرر في القرآن الكريم الأمر برعاية اليتيم، وتكرر في قول النبي صلى الله عليه وسلم الأمر برعايته والتوصية به، ففي القرآن الكريم نجد كثيرا من ذلك مثل قوله تعالى:(فَأمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ).
وفى السنة مثل قوله صلى الله عليه وسلم " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا. . . " وضم أصبعيه (1) الكريمتين عليه الصلاة والسلام وقوله عليه الصلاة والسلام: " خير بيت من بيوت المسلمين بيت يكرم فيه يتيم، وشر بيت من بيوت المسلمين بيت يقهر فيه يتيم "(2).
(1) رواه البخاري: الأدب - فضل من يعول يتيما (6005)، والترمذي كتاب البر والصلة - ما جاء في رحمة اليتيم وكفالته (1918)، وأبو داود: الأدب - فيمن ضم اليتيم (5150)، وأحمد: باقي مسند الأنصار (22313) عن سهل بن سعد رضي الله عنه.
(2)
سبق تخريجه.
ونجد النص الكريم يقول: (وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ).
وهذا التعبير فيه ثلاث إشارات بيانية:
أولاهما - التعبير بالقيام، فإن مؤداه أن ينهض الولي على القاصر بعناية واهتمام لرعاية حاله، وكون الخطاب للجميع لَا لخصوص الأوصياء يدل على الوجوب على الأمة بشأن يتاماها، أو رعايتهم فرض كفاية فهو على الأمة مجتمعة.
ثانيها - التعبير باللام في قوله تعالى " لليتامى " أي أن يكون القيام والنهوض لمصلحة اليتامى الحقيقية، من حيث التربية والتهذيب، والمحبة من غير تدليل مضعف لقوة النفس والعزيمة والإرادة القوية.
ثالثها - أن يكون ملاحظا في ذلك القسط والعدل، بألا ينقص من ماله شيء ولا يترك هملا إذا لم يكن له مال، فإذا كانت العدالة المالية توجب ألا ينقص من ماله، فالعدالة الاجتماعية توجب أن تسد خلته وضعفه.
وكانت عناية الإسلام باليتامى؛ لأنهم قوة للأمة إن صلحوا، وقوة مدمرة في الأمة إن لم يصلحوا، إذ إنهم لو قُهروا ينشأون وبينهم وبين الناس عداوات مستمرة، ونفور يدفعهم إلى أن يكونوا مدمرين في الجماعة وعنصر تخريب، فإن أكثر الخارجين على الجماعة تبتدئ عقدهم النفسية في طفولتهم بالجفوة معهم، وحرمانهم من المودة والرحمة. (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا).
أي خير تفعلونه، ويكون نافعا لجماعتكم، مصلحا بينكم، فإن الله سبحانه وتعالى يكون عليما به علما دقيقا، لَا تخفى عنه فيه خافية، وفي ذكر هذا النص الكريم بعد الوصايا السابقة إشارة إلى أن هذه الوصايا تنفيذها خير محض، ونفعها لا شك فيه ولا ريب، نفعه لمن يفعله لأن عاقبته حسنى له، وخير للجماعة لأنه يقدم للمجتمع عناصر قوية بانية، وخير للضعفاء في أنفسهم، وهو خير عند الله يحتسب به الجزاء الأوفى عنده.
وإن فعل الخير يعلمه من يستطيع الجزاء علما محيطا دقيقا، فإذا علمه جازى به خير الجزاء، وقد أكد سبحانه علمه الذي يرتب عليه خير الجزاء بثلاثة مؤكدات: أولها - التعبير بـ إنَّ، وثانيها - نسبة العلم إلى الله جل جلاله، فهو علم يليق بذاته، وبقدرته وإرادته. وثالثها - صيغة المبالغة بوصفه بـ " عليم " ثم بلفظ الكينونة وهو كان، فإنه يقتضي استمرار العلم ودوامه، فعلى الذين يقومون على شئون اليتامى أن يعلموا أنهم في رقابة مستمرة من الله تعالى ذي الجلال والإكرام ويعلمون أنه مجاز على مقدار ما يعلم.
* * *
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)
* * *
وبعد هذه الوصايا في إعطاء الضعفاء من اليتامى حقوقهم والإنصاف لهم ذكر سبحانه وصاياه في علاج ما يكون بين الزوجين، فقال:
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) الخوف توقع الإنسان مكروها يقع به، وقد فسر الطبري النشوز بقوله: " يعني استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها أثرة عليها وارتفاعا بها عنها، وإما لكراهة
منه بعض أشياء بها أو لدمامتها وإما سنها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها، والإعراض ألا يؤنسها، وأن يصرف عنها وجهه. وقد قال بعض العلماء: إن الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز تباعد، والإعراض انصراف الوجه وعدم الأنس بها مع القرب منها ".
وإن المرأة إذا لَا حظت ذلك من زوجها لَا تقابل النشوز بمثله ولا الإعراض بالصد، فإن ذلك يوسع الهوة بينهما ويفك الأسرة، وينتهي الأمر إلى شقاق لا لقاء بعده، وإن العلاج في هذه الحالة نفسي يختلف باختلاف قوة النفرة، فإذا كانت لم تستحكم ويمكن أن يتوليا علاجها كان عليهما دينا أن يوليا العلاج، وإذا كان مع النفور خصام كان لَا بد من تدخل الغير، لإصلاح ذات البين، وإذا استحكمت النفرة، ولا سبيل للإصلاح فالافتراق، فهذه ثلاثة أنواع. وقد ذكر سبحانه وتعالى علاج المرتبة الأولى، فقال:
(فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْح خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) ففي هذه المرتبة يكون الواجب الديني على المرأة والرجل أن يعملا بأنفسهما على إصلاح ما بينهما، فتتطامن المرأة للعاصفة ويقرب الرجل امرأته إليه، ويترك شِماسَه (1) وإعراضه، ويتطامن لأهله، ويعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم:" خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي "(2)، وإن التطامن من الرجل لزوجه لتكون العشرة على مودة ورحمة هو عين العزة، فالكريم لَا يذل أهله والذليل هو الذي يهين أهله، وقد لوحظ في التعبير أمور ثلاثة.
أولها - أنه عبر عن طلب الصلح بقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يصْلِحَا بَيْنَهُمَا) وذلك ترفق في الإيجاب، فعبر عنه بنفي الإثم لكيلا يتوهم أحدهما أن في التساهل عن بعض حقه إثما. والصلح يقتضي أن يتسامح أحد الفريقين في
(1) الشِّماس: العداوة الظاهرة والعناد. [لسان العرب - شمس].
(2)
سبق تخريجه.
جزء من حقه؛ لينال خيرا أكثر مما تسامح فيه، فإذا تركت المرأة بعض حقها لتدوم العشرة بالمعروف فذلك لَا إثم فيه. بل فيه الخير.
ثانيها - أنه أكد الصلح بقوله " صلحا " للإشارة إلى أن الصلح في هذا المقام لا يكون صلحا ظاهرا، بل يكون نفسيا، بحيث تتلاقى القلوب وتصفو النفوس، ويحل الوئام محل الخصام، فليس الصلح في هذه الحال إنهاء لمشكلة فقط، بل هو تلاقي القلوب على المودة والرحمة.
ثالثها - أن الله تعالى أكد الصلح بقوله تعالى أولا " والصلح خير " أي أنه في ذاته خير يعم الطرفين؛ مَن تسامح يناله من الخير بمقدار ما تسامح أو بأضعاف ما تسامح، فهو قد أعطى ليأخذ وتساهل لتلزم ولتدوم نعمة الزوجية.
وأكد سبحانه الصلح بدعوة الزوجين ألا يشح أحدهما بالعطاء لرفيقه، ولذا قال تعالى:(وَأُحْضرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) والشح هو البخل، وهو هنا التشاح النفسي بأن يلتزم كل واحد من الزوجين موقفه متمسكا بحقوقه الشكلية، ومعنى قوله تعالى (وَأُحْضرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ) أن الشح جُعل حاضرا لَا يغيب عنها ولا تنفك عنه كأنها مطبوعة عليه، وعلى المتصالحين اللذين يريدان التصافي أن يلاحظا هذا ويعالجاه، فهو الداء، وإذا عرف سهل الدواء، وما دام الصلح كاملا يجب اجتثاث الشح الحاضر، ليكون الصفاء الدائم.
وأكد سبحانه وتعالى طلب الصلح ثالثا بقوله تعالى: (وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) في هذا النص الكريم علاج لشح النفس إذا حضر، ولوقوف كل في الجانب الذي يحفظ به حقوقه، ولا يتحرك، فإن العلاج لهذه الحال هو الإحسان، فليكن محسنا بدل أن يكون مُلحفا، فإذا كان الإحسان ذهب التشاح، والعلاقات في الأسرة لَا تبنى على الظاهر، بل تبنى على القلوب، والقلوب لَا يطهرها إلا تقوى الله في المعاملة، إذ إن المعاملة الطيبة، والإحسان وزيادة العطف وتقوى الله هي البلسم الشافي من الشح النفسي الذي يعتري ما يكون بين الزوجين.