الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من أوصافه، وشأنا من شئونه، وخلقا من أخلاقه، ومن صار الإثم عادة له، حتى صار يوصف بأنه خوَّان، وأثيم. فكلمة خوان صيغة مبالغة معناها أن الخيانة صارت وصفا ملازما له، وكلمة أثيم صيغة مبالغة من إثم، تفيد أن الإثم صار وصفا ملازما!. وأن محبة الله تعالى شأن من شئونه سبحانه تليق بذاته الكريمة، وهي تتضمن معنى الرضوان، وتستلزم فيض رحمته ومنح غفرانه، فمن فقد محبة الله تعالى، فقد حرم من الرضوان، وحرم من رحمة الله تعالى التي تكون للتوابين، وحرم غفرانه؛ لأنه لَا يكون إلا لمن أحاطت به خطيئته، حتى لَا ينتقل إلا من إثم إلى إثم!!.
وقد أكد سبحانه نفي محبته لهؤلاء الذين أرْكسَت نفوسهم في الخيانة، ودنَّس الإثم نفوسهم، حتى أصبحوا لَا يعيشون إلا في آثام، بالجملة الاسمية المصدرة بحرف " إن " الدال على التوكيد.
وهنا إشارة معنوية: وهي أنه تعالى وصف الذين حرموا محبته بأنهم خوانون أثيمون؛ وذلك له معناه لأن اختيان النفس، وتعودها الخيانة يجرها إلى آثام كثيرة، فمن خان يسرق ويكذب، ويأكل أموال الناس بالباطل، ولا يتحرج عن إثم، فكأن الخيانة جاذبة معها كل الآثام!.
* * *
(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
…
(108)
* * *
إن أولئك الخوانين الأثيمين لا تنالهم محبة الله تعالى، ولا رحمته ولا مغفرته، ومن شأنهم أن يكونوا بعداء عن الناس غير ملتقين بهم، فهم دائما يستخفون من الناس ليدبروا ما يدبرون، ولأنهم في جفوة مستمرة، ولا يحبون الناس ولا يألفونهم، ولا يحبون لقاءهم، وإذا لقوهم أظهروا غير ما يكتمون، وأبدوا غير ما يخفون!. فالخائن لمجتمعه وأمته يتسم بسمة تجمع عيوبا ثلاثة: هذه السمة هي الاستخفاء، وهذه العيوب هي الجفوة التي تحمله على ألا يظهر، وكتمانه أمره حتى لَا يكشف، وتدبيره السوء في استخفائه! والباعث على ذلك كله الأنانية الظالمة، والأثَرة القاطعة!.
وإنهم إذ يستخفون من الناس لَا يشعرون برقابة الله على أعمالهم، لأن ذلك الشعور ينبعث من ضمير حي قوي موجه للنفس، والوجدان الديني القوي لا يكون في قلب جاف قاس، قد ترك الناس ولم يألفهم، وهذا معنى قوله تعالى:(وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ)، فهو مطلع عليهم، وإن كانوا لَا يشعرون، وعليم بأمرهم، وإن كانوا يستخفون من الناس، ويبتعدون عنهم.
والاستخفاء المبالغة في طلب الخفاء، والابتعاد، وذلك ليتسنى لهم تدبير ما يريدون، والله سبحانه معهم إذ يدبرون السوء، لذا قال سبحانه تعالت كلماته وجلت قدرته:
(وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) هؤلاء الذين يستخفون من الناس مجافين لهم، ولا يشعرون برقابة الله تعالى عليهم، والله مطلع على أقوالهم وأعمالهم، اطلاع من يصاحبهم في غدوهم ورواحهم، وهو معهم عندما يدبرون الأعمال في خفية من الناس والأقوال التي لا يرضي الله عنها. فالتبييت تدبير الأمر في البيات، أي الليل، وأطلق على كل ما يدبر بعيدا عن الناس، ويقول الزمخشري في معنى النص الكريم:" يدبرون ويزورون - وأصله أن يكون بالليل - ما لَا يرضي من القول. . . فإن قلت: كيف سمى التدبير قولا، وإنما هو معنى في النفس؛ قلت: لما حدَّث بذلك نفسه سمى قولا على المجاز ".
فالتبييت معناه التدبير في الخفاء مطلقا، سواء أكان تدبير قول يسترون به عملهم، ويزينون به مظهرهم، أم ترتيب عمل يخفونه، ويقومون به، فإن أعمال المنافقين جميعها تدبَّر بليل، وتنفذ بليل، حتى تظهر آثارها في الجماعة، ولكن الله سبحانه وتعالى ذكر القول فقط، فقال:" ما لَا يرضي من القول "، فلماذا ذكر القول وحده؛ لقد وجه الزمخشري سؤالا قريبا من هذا، وأجاب عنه، ونحن نقول: إنَّه ذكر القول وحده مقترنا بعدم رضا الله تعالى، لأن أقصى ما يتستر به المنافق قول مزخرف يضل، ولذلك بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن عليم اللسان منافق القلب هو