المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

يجعل مودة أيا كان مقدارها بين المتعاشرين أو المتجاورين أو - زهرة التفاسير - جـ ٤

[محمد أبو زهرة]

الفصل: يجعل مودة أيا كان مقدارها بين المتعاشرين أو المتجاورين أو

يجعل مودة أيا كان مقدارها بين المتعاشرين أو المتجاورين أو المتجانسين! لقد فقدوا هذا فقدا تاما، وهذا شأن كل من ينفصل عن جماعته بالإحساس والأنانية الخسيسة!!

وفى قوله تعالى: (فَوْزًا عَظِيمًا) إشارة إلى استعظام الخير الذي ينال المؤمنين، شأن الحسود غير المحب.

وإن هؤلاء الذين يعيشون مع جماعة المؤمنين، ولا يحسون بإحساسهم، لا يخرجون إلى قتال، وإنما يخرج للقتال أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم، ويقدمونها لله تعالى رجاء ما عنده، فهؤلاء هم القوة، وهم العماد في الحروب والشدائد، ولذا قال سبحانه:

* * *

ص: 1760

(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ

(74)

* * *

إذا كان المخذلّون يتربصون بالمجاهدين، فإنه يجب أن يكون الجهاد للمخلصين، وأن يبعدوا عنهم المعوقين، فإنهم لَا يزيدونهم إلا خبالا واضطرابا! فليتقدم للقتال الذين لَا ينظرون إلى مغنم يبتغونه، ولا مال يريدونه، إنما يبيعون الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها، ويطلبون ثمنا هو الآخرة وما فيها من جنات وعيون، ونعيمها ثابت دائم، ومعها رضوان الله تعالى. وسبيل الله التي يجب القتال فيها هي سبيل الحق، وإعلاء دينه، وجعل كلمة الله هي العليا.

و" يَشْرُونَ " هنا معناها يبيعون أنفسهم، وذلك مثل قوله تعالى:(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ)، وقوله تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ)، وقوله تعالى:(وَشَرَوْهُ بِثَمَن بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدودَة)، أي باعوه. وإن الذي يبيع نفسه لله، ليفتدى الحق وأهله، له جزاؤه وأجره العظيم، ولذا قال سبحانه:(وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

ص: 1760

ومن يتقدم للقتال في سبيل الحق، طالبا رضاه سبحانه، فإن قتل واستشهد في سبيله سبحانه، أو غلب وانتصر بتأييد الله تعالى، ونال السلطان من الله بالغلب، فهو في كلتا حاليه سينال جزاء عظيما. و " سوف " هنا لتأكيد نيل الجزاء في المستقبل، وأكثر استعمالاتها في القرآن هي لتأكيد الوقوع في القابل، ولذا لا تدخل على النفي. وقد وصف الجزاء بالعظم للدلالة على مقداره، ونكِّر للدلالة على أنه لَا يحده تعيين، ولا يبينه تعريف، مهما يكن دقيقا.

وإنما ينال ذلك الجزاء من خرج مجاهدا في سبيل الحق، لَا يبتغي غير رضاء الله، ولا يبغي علوا في الأرض ولا تفاخرا. ولقد قال صلى الله عليه وسلم:" تَضَمَّن الله لمن خرج في سبيله لَا يخرج إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة "(1).

اللهم هب أمتك روح الجهاد في سبيل الحق، وهبنا رحمة من عندك، إنك أنت الوهاب.

* * *

(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)

* * *

(1) رواه مسلم: الإمارة - فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (1876)، والبخاري بلفظ:" تكفل الله ": فرض الخمس - أحلت لي الغنائم (2123) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 1761

هذه الآيات، وما يليها من آيات كريمات، للحض على الجهاد في سبيل الله وقد ابتدأ بدعوة المؤمنين لأخذ الأهبة، والنَّفْرَةِ للجهاد في سبيل الله وإعلاء الحق، والحفاظ على جماعتهم، وحماية أنفسهم، وأخذ الحذر لكيلا ينقض عليهم أعداؤهم.

وإنه في سبيل الاستعداد أن يبعدوا عن حسابهم أولئك الذين يثبطون عن القتال ولا يحتسبوا في عدادهم إلا أولئك الذين باعوا أنفسهم لله، وباعوا متع الحياة الدنيا، لينالوا نعيم الآخرة.

وفى هذه الآيات يحض على القتال بتذكيرهم بشرف ما يجاهدون من أجله، وهو رضا الله، وإعلاء كلمة الحق، ويذكرهم بإخوانهم الذين يرهقون بالظلم، ويعيشون مستضعفين أذلاء، لَا يجدون وليا يلي أمرهم، ولا نصيرا ينصرهم ويستنقذهم مما هم فيه من بلاء، ولذلك قال تعالى:

ص: 1762

(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) أي شيء ثبت لكم، حتى صرتم في حال لَا تقاتلون فيها في طريق الله طريق الحق الصحيح، والدين الذي لَا شك فيه، والهداية التي فيها خير الإنسانية في الدنيا، وحسن المآل في الآخرة، ولا تقاتلون في سبيل أولئك الذين استضعفوا لعدم وجود من ينصرهم، فضعفوا، وهانوا على أولئك الظالمين، وإن لم يهونوا عند الله سبحانه وتعالى، وعندكم أنتم أهل الحق والإيمان.

وأولئك المستضعفون الذين أراد المشركون إضعافهم وإذلالهم، منهم الرجال الذين سلبوا كل حول وقوة، وصاروا أذلاء، ومنهم النساء اللائي لَا قدرة لهن بحكم الأنوثة ومنهم الذرية الضعاف.

وهنا بحوث نحوية وبلاغية، لَا بد من الإشارة إليها.

أولها: موضع (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) من الإعراب، وقد قيل: إن (ما) دخلت على فعل محذوف يتضمن الكلام معناه ويقتضي تقديره، ويكون

ص: 1762

المؤدى ما يثبت لكم حال كونكم لَا تقاتلون في سبيل الله، فقوله سبحانه:(لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) استفهام إنكاري، وموضع الاستنكار أنهم لَا يقاتلون في سبيل الله مع توافر دواعي القتال من الإيمان وحماية من تجب حمايتهم بحكم الشرف، والكرامة الإنسانية.

ثانيها: قوله تعالى: (وَالْمُسْتَضعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) فإنهم قالوا إن القتال لاستنقاذهم قتال في سبيل الله، فلماذا ذكر بعد القتال في سبيل الله، وهو يشمله؛ وقد أجابوا عن ذلك بأن هذا من قبيل عطف الخاص على العام؛ لأن للخاص مزيد عناية بيانية. ومنهم من قال إن قوله تعالى:

(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ) منصوب على الاختصاص، والمعنى: لَا تقاتلون في سبيل الله وخصوصا المستضعفين إلخ. ومهما يكن من التخريج النحوي، فإن المؤدى أن النص على هؤلاء للتحريض على القتال، بحكم الشرف والمروءة، بعد التحريض عليه بحكم الدين والقربى إلى الله سبحانه وتعالى، ذلك أن العربي الكريم المعدن، وإن لم يكن مؤمنا، يرى من المروءة والشرف والنجدة ألا يعتدى على ضعيف، لَا قوة له، وأن من الواجب عليه أن ينصره، وأن يغيثه.

ثالثها: أن النص على النساء والولدان الصغار فيه تحريض أقوى تحريض؛ لأن هؤلاء يعيرون إذا تركوهم في أيدي الأعداء. وذكر الأولاد بالذات، وهم لم يجنوا أي جناية، فيه حث بذاته على القتال، فإذا كان المشركون قد أفحشوا في الاعتداء، فليس للمسلمين أن يخذلوا هؤلاء الضعفاء.

وإن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والذرية ليسوا مستسلمين للظلم، ولكنهم يريدون دفعه، ويتجهون إلى اللَّه تعالى أن يخرجهم منه، إذ يقولون كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم:

(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِم أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) لَا يجدون لهم قوة إلا الدعاء والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى يطلبون معونته وإمدادهم، فيقولون مقرين بأن لله وحده حق الربوبية، وبأنه هو

ص: 1763

الذي يحوطهم ويكلؤهم، وأنه وحده الذي يملك أمرهم أخرجنا من هذه المدينة الكبيرة، وهي مكة، التي يظلمنا أهلها، والظلم شأن من شئونهم، ويضرعون إليه سبحانه أن يجعل لهم وليا ينتمون إليه، وولاية قوية يشعرون تحت سلطانها بالعزة والكرامة، ويبتعدون عن ولاية الكافرين الظالمة العاتية الباغية، وأن يجعل لهم من ينصرهم، ويخرجهم من نير أهل الكفر، فهاهنا ثلاثة مطالب متلاحقة لهم توجهوا بها إلى ربهم:

أولها: الإخراج من نير الظلم، وحكم الظالمين.

وثانيها: أن يكونوا تابعين لولاية دولة الله، وهي الدولة الإسلامية، فلا يخرجون مشردين لَا دولة تحميهم، ولا ديار تؤويهم.

وثالثها: أن يكون لهم من الله نصير دائم ينصرهم، فلا يتمكن الأعداء وهنا بحوث بلاغية:

أولها - أن المراد من القرية مكة، وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون، ولم توصف هي بأنها ظالمة، كما وصف غيرها من القرى مثل قوله تعالى:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَة بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، وذلك تكريم لمكة، إذ هي حرم الله الآمن، ولم يمكن أن يوصف حرم الله الآمن بالظلم، ولو على سبيل المجاز والتقدير. وقد قال ناصر الدين السكندري في كتابه " الانتصاف " في هذه الآية ما نصه:(ووقفت على نكتة في هذه الآية حسنة، وهي أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز، فالظلم إليها ينسب بطريق المجاز، كقوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَة كَانَتْ آمِنَةً مطْمَئِنَّةً)، إلى قوله تعالى:(فكفرت بأنعم الله)، وقوله تعالى:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَة بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، وأما هذه القرية في سورة النساء، فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة، لأن المراد بها مكة، فوُقِّرت عن نسبة الظلم إليها، تشريفا لها، شرفها الله تعالى).

ص: 1764