المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

(يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) وإذا كان سبحانه وتعالى - زهرة التفاسير - جـ ٤

[محمد أبو زهرة]

الفصل: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) وإذا كان سبحانه وتعالى

(يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) وإذا كان سبحانه وتعالى هو صاحب السلطان المطلق، فإنه لَا يسأل عما يفعل وليس وراء ما يأمر به معقب من أحد، فهو يعذب من يشاء عقابا رادعا في الدنيا، ليمنع غيره من أن يقع في الشر، كما وقع هو، ويغفر لمن يسلك طريق التوبة، والأمر في كل ذلك إلى مشيئته هو وحده، وهو العليم الخبير اللطيف بعباده، الذي لَا يكون معه إلا ما فيه خيرهم، وإن علا على إدراكهم، وعسر على فهمهم، فمشيئته مطلقة تعلو حكمة ما يفعل - على عقولنا ومداركنا.

ولقد كانت مشيئة الله تعالى مقترنة بقدرته، ولذلك قال سبحانه:(وَاللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو سبحانه قادر على كل شيء، فكل ما في هذا الوجود خاضع لإرادته وقدرته وسلطانه، لَا يخرج عنه شيء، ولا يعجز عن شيء؛ اللهم أظلنا برحمتك وعفوك وغفرانك، إنك على كل شيء قدير.

* * *

ص: 2182

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‌

(41)

* * *

ص: 2182

بعد بين الله سبحانه وتعالى حسد أحد ابني آدم لأخيه وكيف أدى الحسد والحقد إلى أن يقتل الأخ أخاه، بين سبحانه وتعالى ما هو نتيجة للحقد، من قتل النفوس، وقيام المجرمين بالشر فرادى وجماعات، وآثار هذه الجرائم في الجتمع، وبين أشد أنواع جرائم الفتك والاعتداء في الجماعة وهي الحرابة، ثم ذكر السرقة، وهي في معنى الحرابة؛ لأنها سطو على الأمن، وإزعاج للناس، وجعلهم في اضطراب مستمر وبلبال دائم، وهمّ مقيم، وذكر عقوبتها الزاجرة، وآثارها الملقية بالأمن والاستقرار في النفوس.

وبعد هذا البيان من آثار الحقد، والحسد في الجرائم الحسية ونشرها، ذكر سبحانه أثر الحقد والحسد في الجرائم المعنوية والاعتقادية، وهي التي يجمعها جحود الحق حسدا وحقدا واستكبارا، كحسد أحد ابني آدم على أخيه إذ حقد واستكبر، وذكر حقد اليهود والمنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم -وحسدهم له ولقومه على ما آتاهم الله من فضله، فأرسل في العرب رسولا يدعو إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وقد كان سياق قصة ابني آدم مبيت، استمكان الحقد والحسد في نفوس الأشرار، وإذا علم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي له أن يحزن على ما يصيبه نتيجة للحقد والحسد؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ) النداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنداء له عليه السلام بـ (يَا أَيُّهَا) - التي تدل على نداء البعيد مع أنه من الله قريب وهو له مجيب؛ لبيان الشأن العظيم لما يدعوه إليه ويناديه لأجله، وللموضوع الذي ينبهه إليه، وهو حال الذين يخاطبهم وتدبير الدعوة على مقتضى حالهم، وتوقع ما يقع منهم.

وقد قال فخر الدين الرازي: إن نداء الله تعالى له عليه السلام يكون بـ " يا أيها النبي " ما عدا موضعين: أحدهما - هذا الموضع، والثاني - في قوله تعالى:(يَا أيُّهَا الرسول بلغ ما أنزل اليك). وقال إن النداء: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) فيه زيادة تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسالة أخص من النبوة، والحق أن النداء بالنبوة

ص: 2183

وبالرسالة كلاهما فيه تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم بدرجة واحدة، لأن في كليهما بيان صلته بالله تعالى بها، ولكنا نرى أن النداء بـ " يا أيها الرسول " ونهيه، ويبلغ رسالته التي شرفه الله تعالى بها ولكنا نرى أن النداء " يا أيها الرسول " يناسب ما يطلبه الله تعالى منه، وهو تبليغ الرسالة؛ إذ يقتضي أن يلاقي الأخيار والأشرار، وأن يتوقع من الأشرار ما قد يثير النفس فإن لج به الألم ذهبت نفسه حسرات، ولا يتفق ذلك مع العزمة الواجبة لأداء الرسالة.

وقد كان النهي منصبا لَا على ذات الحزن، بل قال سبحانه:(لا يَحْزُنكَ) أي لَا تجعلهم يدخلون الحزن على نفسك باستعظام ما يفعلون، وبذلك يندفع الاعتراض القائل أن الحزن ألم نفسي يدخل على النفس إجبارا من غير استئذان، والنهي عنه ليس نهيا عن أمر للنفس فيه اختيار، بل هو نهي عن أمر للإرادة فيه سسلطان بالصبر وضبط النفس، وتوقع الأمور قبل وقوعها فمن توقع النائبات قبل وقوعها يخف وقعها، ويسهل احتمالها، وأولئك الذين يسارعون في الكفر يتوقع منهم الشر فلا يحزن الرسول عند وقوعه، فمعنى النهي في قوله تعالى:(لا يَحْزُنكَ) يتضمن أمرين:

أولهما - قبل وقوع شر أولئك المنافقين يتوقعه، فلا يحزن إذا وقع، وثانيهما - ألا يبقى أي أثر من ألم لوقوع الشر، والمعنى الضمني لهذا النص: لَا تعبأ بما يصنع هؤلاء مما من شأنه أن يحزن، فلا ينبغي أن تحزن.

وقوله: (الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) معناه: الذين يتنقلون بحركات سريعة في دركات الكفر فينحدرون من دركة إلى دركة ويوغلون فيه إيغالا من غير مواناة ولا تدبر ولا تفكر، وهذا سر التعدية بـ " في " دون " إلى "، لأن التعدية بـ " إلى " تفيد الدخول فيه بعد أن لم يكن، أما التعدية بـ " في " فإنها لَا تفيد الدخول بعد أن لم يكن، بل تفيد الانتقال في مداخله من حال إلى أسوأ منها في سرعة من غير تفكير.

ص: 2184

وهذا يزكي معنى النهي عن أن يكون منهم ما يحزن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يتوقع من الكفار الذين مردوا على النفاق إلا الإيغال فيه، والازدياد في الشر.

وقد بين سبحانه نوع هؤلاء الناس، فقال تعالت كلماته:(مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ). (مِنَ) هنا بيانية، فهي تدل على أن ما بعدها بيان للذين يسارعون في الكفر متنقلين في دركاته موغلين في الجحود، وقد كان أول وصف يدل على جحودهم الشديد، وإمعانهم في الضلال والتضليل هو أنهم يقولون:" آمَنَّا " بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وقوله تعالى بأفواههم متعلق بقوله تعالى:(قَالُوا).

وقدم قوله تعالى (آمَنَّا) على قوله تعالى (بِأفْواهِهِمْ) للإشارة إلى مسارعتهم بقول الإيمان وإعلانه وذكره، إمعانا في التضليل والنفاق، ولأن قول الله تعالى (بِأَفْواهِهِمْ)، ولو أنه متعلق بكلمة (قَالُوا) فيه حكم على ادعائهم الإيمان والحكم يتأخر دائما عن واقعة الحكم، فالواقعة قولهم (آمَنَّا)، والحكم من الله تعالى بأنه إيمان بالأفواه، لَا بالقلوب فهو إعلان عن الإذعان، ولقد أكد سبحانه وتعالى ذلك الحكم بقوله تعالى:(وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) أي لم تذعن للحق وتسلم به وتخضع له قلوبهم، وليس المعنى لم تصدق قلوبهم؛ لأنَّ الإيمان ليس هو المعرفة الجردة، بل إنه إذعان وخضوع لما تقتضيه المعرفة ويقينها، فإن من أولئك يهودا كانوا يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم، ولكن معرفتهم هذه صحبها تمرد على الحقائق، وعبث، وسير في الجحود، فلا يمكن أن يتحقق الإيمان منهم، وإن كانت لديهم المعرفة بالحقائق، إذ لم يذعنوا لها، والتعبير بالأفواه بدل الألسنة - إشارة إلى تزيين كلامهم فقط حتى صار الفَم كله يشترك في ادعاء الإيمان لَا طرف اللسان فقط.

(وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ) هي داخلة في البيان الذي دلت عليه " من " الأولى، وعلى ذلك يكون هؤلاء داخلين في الذين يسارعون في الكفر، فإنهم فريقان، فريق المنافقين، وفريق اليهود الذين

ص: 2185

تميزوا بهذا الاسم، وإن اشتركوا معهم في معنى النفاق، ويكون قوله تعالى (مِنَ) بعد (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ) وصفا للفريقين معا، لأنه يجمعهم المسارعة في الكفر، هذا أحد مخرجين للآية الكريمة، وهو يتفق مع إحدى القراءتين (1)، وهي التي لَا يكون فيها الوقف عند قوله تعالى:(وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) بل تكون القراءة متصلة. والقراءة الثانية أن يكون الوقف عند قوله تعالى: (وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ) ويكون قوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا). استئنافا لفريق آخر، ويكون قوله تعالى (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ)، وصفا لليهود، ويكون المعنى أن الذين يعاندون النبي صلى الله عليه وسلم فريقان: أحدهما - منافق يعلن الإيمان، ويبطن الكفر وسبب جحودهم أنهم مردوا على النفاق، وضعفت نفوسهم، وانحل موضع اليقين في قلوبهم لسماع الباطل من القول، والزور من الدعاوى، حتى اختلط عندهم الحق بالباطل، وفقدوا التمييز بينهما بسوء ما يصنعون، وكلا الفريقين يلتقي عند مصب الجحود والنكران، والمسارعة في الكفر، وإن كان قوله تعالى:(يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ). غير متجه إلى اليهود من حيث النسق البياني على القراءة الثانية فإنه من حيث التضمن والواقع ينطبق عليهم وصف المسارعة على الكفر، والتنقل في دركاته.

وفى الحق، إن القراءتين (2) مقصودتان من حيث المعنى، والقراءة الأولى معناها مقصود بالنص، والقراءة الثانية (كذلك) وكلتاهما قرآن يتلى ويفهم، ويراد معنى، كُلا ومنفردا.

وقوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ). هو وصف للفريقين على إحدى القراءتين، أو على مجموع القراءتين، وسمَّاع صيغة مبالغة من سامع، أي من صفاتهم التي صارت فيهم خصلة من خصالهم أنهم كثيرو سماع الكذب، قد استمرأته قلوبهم وأسماعهم، يجدون لذاذة في الاستماع، ويصل إلى قلوبهم

(1) عبر بالقراءة، وأراد الوقف (في أثناء القراءة).

(2)

أي الوقفين. والقراءات المتواترة توقيفية من عند الله تعالى.

ص: 2186

فيفسد موضع التفكير والتدبر، كأولئك الذين يلقون بأسماعهم في الخرافات، فيتقبلونها كأنها حقائق ثابتة لَا مجال للريب فيها عندهم، فهم بهذا ضالون، وتكون اللام في قوله تعالى:(لِلْكَذِبِ)، للتعدية، أو لتقوية التعدية، وأن السماع منصب على الكذب، وقال بعض اللغويين: إن اللام للتعليل أي سماعون لأجل أن يكذبوا، وأحسب أن التخريج الأول أقرب إلى القبول؛ لأن ذلك وصف لهم، فهو غير معلل، وهو يدل على فساد قلوبهم من داخلها، لَا من أمر خارج فقط، وقد بين سبحانه الذين يستمعون إليهم، والذين يغذون قلوبهم المملوءة بالصديد والدم، فقال سبحانه وتعالى:(سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأتُوكَ) أي أنهم يكثرون سماع الباطل ويكثرون من سماع قوم آخرين لم يأتوك لهم تأثير فيهم، فاجتمع فيهم فساد الباطن الذي جعلهم لَا يستمرئون إلا سماع الشر، ووجود من يستغلون فيهم ذلك الضعف القلبي، فيعملون على استهوائهم إلى الباطل، والتعبير بـ " قوم آخرين "، فيه إشارة إلى أن أولئك الذين يستمعون إليهم بعيدون عن سلطان الدعوة الإسلامية، إذا كان البعد حسيا، أو بعيدون عن قبول قوله إذا كان البعد معنويا، وكلاهما يشمله القول.

وفى الجملة: إن في هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث إن الذين يسارعون الكفر من المنافقين واليهود إذا كانوا يتنقلون في دركات الجحود، ولا يستمعون إليك، فلأنهم يجيئون إليك وقلوبهم مملوءة بالباطل، والإيمان الصافي يحتاج إلى آنية صافية من كدرة الهوى، وأخباث الشر، وإذا كان فيها شيء من ذلك فإشراق الإيمان قد يذهب به إذا لم يكن ثمة تغذية له من كلام الآخرين، واستمراء الباطل.

وقد وصف الله الذين يمرقون عن الحق مروق السهم من الرمية ويدعون إليه بقوله تعالت كلماته: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) الكلم اسم جنسي جمعي لكلمة، فهو معناه كلام، والتحريف أصله من

ص: 2187

الحرف، وهو طرف الشيء، ومعناه إمالة الكلام عن معناه، وإخراجه عن أطرافه وحدوده، والتحريف يكون على ضروب شتى فيكون بتغيير الألفاظ والزيادة فيها والنقص منها، وذلك تحريف في اللفظ والمعنى، وإما أن يكون التحريف بتفسير الكلام بغير ما تدل عليه الألفاظ، وتوجيه المعاني إلى غير مقاصدها، ويكون التحريف بإدخال احتمالات في الألفاظ، وهي غير قابلة لها، وقد قال الأصفهاني في هذا المعنى:" وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن على الوجهين " وقد خرج على هذا المعنى النص الكريم الذي نتكلم في معناه.

واليهود حرفوا التوراة بكل أنواع التحريفات، فزادوا فيها كلمات ليغيروا المراد فيها، ففي تحريم الربا زادوا كلمة " أخاك الإسرائيلى " ليجعلوه محرما بين الإسرائيليين فقط. وحذفوا منها عبارات، وأتوا بقصص مكذوبة كقصص ابنتي لوط، وحملوا ما بقي من عبارات من غير زيادة فيها أو نقص على غير معانيها، أو جعلوها محتملة لغيرها، ورجحوا غير الظاهر على الظاهر، وحذفوا منها ما كان فيه التبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ). أي من بعد استقرار مواضعه، وبيان حلالها وحرامها، وفي آيات كثيرة كان التعبير القرآني، يحرفون الكلم عن مواضعه، أي يصرفونه عن مواضعه بزيادة أو نقص، والتعبير هنا هو قوله تعالمت كلماته:(مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ). أي من بعد استقرار أحكامه وهو مناسب للمقام هنا؛ لأن الموضوع، كما تدل الآيات التالية مسوقة لتغييرهم في الأحكام، ومحاولتهم العبث بها.

وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ما كان يقوله القوم الآخرون الذين يسمعون لهم؛ فهم يعطونهم معلومات محرفة باطلة عن التوراة وما فيها، ويقولون للسامعين لهم: إن أوتيتم هذا فخذوه، أي إن آتاكم النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الذي هم عليهم فإن لهم أن يقبلوه، وأن هذا كقول الله تعالى فيهم حاكيا عنهم قوله:

ص: 2188

(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ. . .)، وإن هذه الحال هي أبلغ الضلال الذي ينال العقول، وهو الفتنة التي تعتريها، ولذلك قال سبحانه:

(وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). الفتنه هنا: الضلال واستهواء النفوس إليه، وذلك أن الفتنه تطلق بمعنى الاختبار الشديد، والوقوع في البلايا والشدائد والنوازل، وأن هؤلاء قد اختبرت نفوسهم بما سلط عليهم من باطل ودعوات إليه، وسقطوا في الاستجابة لهذا الشر، فكانت هذه هي الفتنة التي وقعوا فيها باختيارهم، واستهوتهم الأهواء الردية، ووقعت بهم البلايا الشديدة، وقد أراد الله تعالى أن يقعوا فيها باختيارهم، فالضلال باختيارهم وسلوكهم سبيله، وتجانفهم عن طريق الحق، والله تعالى أراد لهم ما اختاروا.

وقد بيَّن الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لَا يملك أن يزيل عنهم ذلك الضلال لأن من يرد الله فتنته وضلاله بكتابة ذلك عليه، وتسجيله في لوحه المحفوظ، فلن يملك أحد دون الله شيئا في ذلك، فلا يستطيع تغييره، وأنت يا نبي الله لا تستطيع التغيير فلا تحزن لضلالهم، ولا تهتم لما يقعون فيه:(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدي مَن يَشَاءُ. . .). (أولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّه أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ).

إن هؤلاء الذين أركست نفوسهم في الشر والضلال، حتى صار النفاق دأبهم، وتحريف القول بعد استقرار مواضعه طريقهم، واستمراؤهم للكذب يستمعون إليه وصفهم - أولئك المتصفون بهذه الصفات لم يرد الله تعالى أن يطهر قلوبهم، ذلك أن قلوبهم اكتسبت سيئات تراكمت وتكاثفت، حتى أربدت، وخالطها الشر وأصبح ملاصقا لها كأنه جزء من كيانها، والله سبحانه يأخذ بيد من يرتكب الشر عن جهالة، أما من اكتسبت نفسه الخطايا وأحاطت به، فإنه سبحانه وتعالى يتركه، لينال جزاء ما كسبت يداه؛ ولذا قال سبحانه:

ص: 2189

(لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) هؤلاء هم الذين فتنوا في دنياهم بوقوعهم مختارين في بلائهم، فأولئك المنافقون والذين هادوا لهم - بسبب ما وصفوا - خزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة، يبلغ من الإيلام والأذى ما لا يدرك كنهه ولا يعرف حقيقته إلا رب العالمين، وما أعطانا من علم في كتابه الحكيم، وعلى لسان رسوله الأمين.

وأما الخزي في الدنيا، فهو الذل الدائم المقيم مهما يكن من مظاهر القوة، ذلك أن النفاق وحده ضعف في النفس واضطراب في العقل، وكشف لحاله مهما يكن عنده من قدرة على الإخفاء والتستر، فإن ثوب النفاق شفاف دائما، وذلك فوق ما يتسم به من جبن وخور إن لم يكن معلوما لكل الناس فإنه يكون معلوما بينه وبين نفسه، وهم يحسبون أنهم يستهزئون بالناس، والناس يعلمونهم، والله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون.

واليهود لَا يعيشون إلا في كنف غيرهم من الناس أو على خداع الناس، وحسبهم ذلك خزيا وعارا.

وقانا الله تعالى شر هذا الخزي، ووقَى المسلمين من شر النفاق والمنافقين، وحمى الأمة الإسلامية منه، وهو العليم بذات الصدور.

* * *

(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)

* * *

ص: 2190

الكلام مستمر في بيان أوصاف الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم، والذين غلبت عليهم الشقوة والضلالة، حتى صاروا لَا يخضعون إلا لأهواء قوم لم يشرق في قلوبهم نور الإيمان، ولم تطمئن قلوبهم ببرد اليقين للإذعان للحقيقة بعد أن يعرفوها.

وقد انتقلت الآيات من التعميم إلى التخصيص، فخصت اليهود بوصف آخر غير أنهم سماعون للكذب بأنهم أكالون للسحت.

ص: 2191

(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) هذا وصف للذين يسارعون في الكفر عامة وفي اليهود خاصة، وهم مرنوا على سماع الباطل واستمرءوه وأضافوا إلى ذلك وصفا من بابه، وهو أنهم يستمرئون المال الخبيث الذي ينبت من باطل، وإذا كانت آذانهم تستمرئ باطل القول وزوره، فأفواههم وذممهم تستمرئ أكل أموال الناس بالباطل، والسحت كما يفهم من مصادر اللغة وآثار التابعين والصحابة، كل كسب يكون بطريق آثم، ومن ذلك الرشوة والربا، وأخذ الأجور في الشفاعات، وقد سئل عبد الله بن مسعود عن السحت، فقال: الرجل يطلب الحاجة للرجل فيقضيها فيهدي إليه هدية فيقبلها (1)، وإذا كانت الهدية في مقابل قضاء الحاجات سحتا، فماذا يكون كسب الجاه والمال والمناصب، وما تدر عليه من مال بطريق النفاق والفتاوى الباطلة في الدين، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به "(2).

وذكر الطبري الأصل اللغوي لكلمة سحت، فقال: " وأصل السحت (3) كَلَبُ الجوع، يقال: فلان مسحوت المعدة، إذا كان أكولا، لَا يلفى أبدا إلا جائعا،

(1) عَنْ أبِي أُمَامَةَ عَنْ النبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: " منْ شَفَعَ لأَخِيهِ بِشَفَاعَة فَأهْدَى لَهُ هَدِيَةً عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أتَى بَابًا عَظِيما منْ أبْوَابِ الربا "[رواه أبو داود: البيوع - الهدية لقضاء الحاجة (3541)، وأحمد: باقي مسند الأنصار (21748)]. أوردته لغلبة الغفلة عنه.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

كما في جامع البيان ج 6، ص. 14.

ص: 2191

وإنما قيل للرشوة السحت تشبيها بذلك، كأن بالمسترشي من الشره إلى أخذ ما يعطاه من ذلك - مثل الذي بالمسحوت - المعدة من الشره إلى الطعام، يقال منه: سحته، وأسحته لغتان محكيتان عن العرب. . . ومنه قوله تعالى: (. . . فَيُسْحِتَكم بِعَذَابٍ

). وتقول العرب للحالق: " اسحت الشعر، أي استأصله ".

ونرى أن ابن جرير ذكر الرشوة فقط هنا، وإن كان السحت يشمل أكل مال الناس بالباطل، ولو كان هدية في نظير مسعى حميد كما ذكرنا عن ابن مسعود، وقد روي عن مسروق التابعي أنه شفع لرجل في حاجة، فأهدى إليه جارية فغضب غضبا شديدا، وقال: لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك، ولا أكلم فيما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول:" من شفع شفاعة ليرد بها حقا، ويرفع بها ظلما فأهدى له فقبل فهو سحت ".

وإن هذا الكلام المروي يبدو منه أمران: أحدهما أن كل أكل لمال الغير بالباطل يعد سحتا سواء أكان برضاه أم كان بغير رضاه. وثانيهما - أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كانوا لفرط إيمانهم بالحق ووجوب نصرته يرون أن نصرة الحق ودفع الباطل يجب أن تكون لله، وأنه لَا يصح أخذ أجر في نظيرها، ولو كان هدية تعطى في مسمحة ومحبة، حتى لَا يرنق قول الحق بغرض من أغراض الدنيا، وحتى لَا يستغل الجاه، ولكي تعلو معنويات الأمور، ولا تسيطر مادياتها.

وإن اليهود قد اشتهروا بالسحت، وخصوصا في الحكم، وقد أرادوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بشرعته رجاء أن يكون في حكمه ما هو أخف من حكم ما عندهم، لَا طاعة لحكمه، وخصوصا للحق عنده، ولذا قال سبحانه:(. . . فإن جَاءوكَ فَاحْكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) يومئ هذا النص الكريم إلى أنهم سيتحاكمون إليه، وقد تحاكموا إليه بالفعل لَا طلبا للحق والعدل، ولكن رجاء التخفيف عمن أرادوا التخفيف عنه، وروى في موضوع التحاكم الذي ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم فيه عدة روايات تنتهي إلى خبرين:

ص: 2192

أولهما - أنهم كانوا يقيمون حد الزنى، إلى أن زنى منهم شاب ذو شرف، فقال بعضهم لبعض؛ لَا يدعكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه، فجلدوه، وحملوه على إكاف حمار؛ (برذعة) وجعلوا وجهه قبل ذنب الحمار، ثم زنى بعد ذلك وَضِيعٌ ليس له شرف وليس له من يحامي عليه، فقالوا: ارجموه، ثم وجد من بينهم من استنكر تلك التفرقة، فقالوا: كيف لم ترجموا الذي قبله، ولكن اصنعوا بهذا مثل ما صنعتم بسابقه، ثم قالوا: سلوه لعلكم تجدون عنده رخصة. وكأنهم استثقلوا إقامة الحد، وأرادوا أن يترخصوا، ويقبلوا حكم النبي صلى الله عليه وسلم فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه حكم توراتهم يجب أن ينفذ، وأنه لَا يصح الفرار من هذا الحكم، وإن ذل الأمم يكون إذا غيرت الأحكام فيها لأجل الأقوياء، وبدلت على حسب الأهواء.

ثانيها - أن اليهود ما كانوا يعدلون فيما بينهم، ولا تتكافأ دماؤهم في نظرهم، فكانت قريظة إذا قتلت قتيلا من بني النضير كانت تَجِب الدية كاملة في حال وجوب الدية، وإذا قتلت النضير من قريظة كانت نصف الدية لشرف في الأولى ونقص في الثانية، ويروى أنهم كانوا إذا قتل رجل من بني النضير قرظيا لا يقتل به ووجبت الدية، وإذا كان المقتول نضيريا قتل به، فكانت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بينهم دماءٌ، فتحاكموا، فحكم بالتسوية، لأن ذلك هو العدل، وهو حكم التوراة.

وقد خير الله تعالى نبيه في أن يحكم بينهم أو يعرض عنهم، ولماذا كان ذلك التخيير، وإقامة العدل واجبة، وقد مكن من إقامته بتحكيمهم؟ والحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيرا ذلك التخيير، ليتعرف أمرهم، فإن كانوا يريدون الحق ويطلبونه ويذعنون له استجاب للأمر وحكم، وإن كان يعلم أنهم جاءوا مغرضين في قلوبهم مرض، لَا ينفذون إلا ما يتفق مع أهوائهم وليسوا خاضعين لسلطانه - ينفذ فيهم الحق الذي يراه، أما الذين يكونون تحت سلطانه وينفذ الحق فيهم، فإنه لا تخيير بل يقضى بينهم، وكذلك الأمر من بعده صلى الله عليه وسلم، ولذلك قرر الفقهاء أن

ص: 2193

الذميين في المعاملات المالية والزواجر الاجتماعية خاضعون للأحكام الشرعية، ولا يجيز الحاكم في الحكم بينهم بشرع الله تعالى؛ لأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، أما رعايا الدول الأخرى الذين يقيمون في ديارهم ويربطهم بالمسلمين الجوار وميثاق عدم الاعتداء، كما كان الشأن في يهود المدينة في أول أمرهم، قبل أن تظهر خيانتهم، ويضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى إجلائهم.

وهنا ملاحظة لفظية، وهي في قوله تعالى:(فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ).

لماذا كان التعبير بـ " إن " الدالة على الشك ولم يكن التعبير بـ " إذا " الدالة على التحقيق، مع أنهم جاءوا إليه فعلا؟ والجواب عن ذلك أن الشك كان بالنسبة لحالهم، فهم كانوا مترددين في التحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهم بعد الحكم لم ينفذوا، فحالهم حال شك ابتداء وحال شك انتهاء، وعدم إذعان في الحالين؛ لأن في قلوبهم، كما قال تعالى في أشباههم:(أَفِي قلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ. . .).

ولقد زعم بعض العلماء أن الحكم الشرعي كان هو التخيير عند تحاكم غير المسلمين ثم نسخ، وصار الحكم لازما، والحق أن التخيير لَا يزال قائما بالنسبة لغير المسلمين الذين يطلبون حكم الإسلام من الحاكم المسلم لينفذوه في ديارهم، والتخيير ليتعرف الحاكم حالهم، فيحكم حتما إن كانوا طلاب حق، وله أن يرفض إن كان في قلوبهم مرض، ولا ضرر من الإعراض، ولذلك قال سبحانه:(وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا).

وإنه في حال الإعراض يصاب أولئك الذين يريدون الحكم لهواهم لَا للحق في ذاف - بخيبة أمل قد تحرك فيهم عناصر الضغينة والمقاومة، وإشاعة قالة السوء عن النبي صلى الله عليه وسلم فبين الله سبحانه وتعالى في ذكره الحكيم أنه لَا تضره هذه الأفعال، وقد نفَى سبحانه وتعالى الضرر نفيا مؤكدا بـ " لن " " لبيان أنهم لَا طاقة عندهم في أن يضروه، وكان نفي الضرر في هذا المقام له مغزاه، لأنَّ احتكامهم إليه صلى الله عليه وسلم فيه نوع من المسالمة والإذعان في الظاهر لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو إعلان للتصديق،

ص: 2194

فإذا أعرض، فقد يكون ثمة احتمال الضرر الذي ينال الدعوة الإسلامية، وشدة لجاجتهم في الباطل، فنفَى الله سبحانه وتعالى ذلك الضرر؛ لأن الإعراض يكون حيث يدرك النبي عليه الصلاة والسلام أنه لَا مجال لأن ينفذوا ما يحكم به، وأنهم يريدون أن يطوعوا أحكامه لأهوائهم، أو يتأولوها بغير المقصود منها، فيكون أكرم للدعوة، وأكرم لمقامه عليه الصلاة والسلام أن يذرهم في غيهم يعمهون، والله سبحانه وتعالى غالب على أمرهم.

(وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) القِسط هو:

النصيب بالعدل الذي لَا وكس فيه ولا شطط، وتوصف به الأعمال الطيبة، فقد قال تعالى:(. . . لِيَجْزِيَ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات بِالْقِسْطِ. . .).

وقال تعالى؛ (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ. . .).

والقَسْطُ أخذ نصيب غيره، والإقساط إعطاء غيره نصيبه غير منقوص؛ ولذلك قال العلماء: إن القاسط هو الظالم، ولذا قال تعالى:(وَأَمَّا الْقَاسطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا). والمقسط هو العادل، ومنه قوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). والمعنى الجملي للنص الكريم: إن اخترت أن تحكم بينهم لرجاء أن ينفذوا الحكم ويذعنوا له، فلا تتبع أهواءهم واحكم بالعدل والقسطاس المستقيم، وذلك العدل بين الله تعالى حكمه، وشرع لزومه في كتبه المقدسة فإذا كان هناك زنى فالقسط أن يحكم بالحد، لَا فرق بين شريف وضعيف، وقادر وغير قادر، بل الجميع أمام الحق على سواء، فالقسط هو إعطاء كل ذي حق حقه، وتنفيذ حدود الله تعالى بالمساواة، فلا يعفى منها شريف دون ضعيف، فإن في هذا هلاك الأمم، وذل الشعوب.

وقد ذيل النص الكريم بقضية عامة شاملة، وهي قوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). وفي ذلك تزكية للعدل وتأكيد لطلبه، فقد أكد الكلام بالجملة الاسمية، وبـ " إنَ " المؤكِّدة، وبتصدير الكلام بلفظ الجلالة، وببيان أن محبة الله تعالى لَا تكون إلا للعادلين المقسطين الذين لَا يجورون، وكان التعبير بـ " إنْ " في

ص: 2195