المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الظلم، والفساد الذي يعم وأولئك كثيرون، ولذلك قال سبحانه (وَإِنَّ - زهرة التفاسير - جـ ٤

[محمد أبو زهرة]

الفصل: الظلم، والفساد الذي يعم وأولئك كثيرون، ولذلك قال سبحانه (وَإِنَّ

الظلم، والفساد الذي يعم وأولئك كثيرون، ولذلك قال سبحانه (وَإِنَّ " كَثِيرًا مِّنَ النًاسِ لَفَاسِقُونَ).

هذا النص فيه عزاء للنبي صلى الله عليه وسلم من تمرد الناس على حكم العدل وحكم الحق، وعزاء لكل داع للخير من بعده، لكيلا ييئس داع؛ لأنه يحسب أن الخير يسير بمنطق مستقيم في النفوس، كما هو في ذات نفسه، فالله سبحانه وتعالى ينبه دعاة الخير إلى أنهم لَا يتوقعون الاستجابة من الأكثرين، كما قال تعالى لنبيه:(وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ). وقال سبحانه: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ. . .). ولأن دعوة الخير لا تجد الاستجابة بيسر، وكانت جهادا، وكانت تعبا، وعلى الداعي ألا تذهب نفسه حسرات إذا لم يجد الأكثرين يجيبونه، وليعلم أن دعوة الحق لها صدى يسمع في الأجيال وإن كانت لَا تسمع في زمان صاحبها.

والفسق معناه في الأصل خروج اللب عن قشرته التي تحميه من الفساد، وأطلق على الخروج عن الحق والتمرد عليه؛ لأن الحق هو الذي يحمي النفوس، ويكلؤها من عفن الرذيلة وفسادها، ومؤدى الكلام أن الذين ينغضون رءوسهم عن سماع الحق ودعوته، وعن الخضوع لحكمه ليسوا عددا قليلا ولكنهم كثير، وقد أكد سبحانه وتعالى كثرتهم بـ " إنَّ "، وبـ " اللام " في خبرها، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل، وقد استنكر سبحانه فعل الفاسقين، ولو كانوا كثرة كاثرة، فقال تعالت كلماته:

* * *

ص: 2236

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ

(50)

* * *

هذا استفهام إنكاري توبيخي، أي أنه إنكار للواقع الذي يقع من الفاسقين عن أمر ربهم، وعن الحكم الذي يحكم به الله تعالى، والفاء هنا هي التي تفصح عن شرط مقدر، أي إذا كانوا يخرجون فهم يبغون حكم الجاهلية، وقدمت الهمزة على الفاء، لأن الاستفهام له الصدارة في الذكر دائما، ولو كان استفهاما إنكاريا لاستنكار الواقع، وسوق الكلام بشكل الاستفهام الإنكاري فيه تأكيد لمعنى ابتغائهم حكم الجاهلية، ثمة تأكيدان آخران، لارتضائهم الحكم الجاهلي: أولهما - تقديم

ص: 2236

المفعول على الفعل، وفي ذلك إشارة إلى أنهم بإعراضهم عن حكم القرآن لا يبتغون ولا يريدون إلا الحكم الجاهلي، أي أنه لَا يخضع الشخص إلا لأحد نوعين من الحكم حكم القرآن، والثاني حكم الجاهلية - وقد يقال: بينهما ثالث، وهو حكم العقل والقسطاس، ونقول: إن من يبني حكم العقل والقسطاس لا يمكن أن يتولى عن حكم القرآن، إنما يتولى عن حكم القرآن من يريد حكم الهوى والشهوة، وحكم العقل وحكم الشهوة نقيضان لَا يجتمعان.

والتأكيد الثاني لارتضائهم حكم الجاهلية - هو التعبير عن رضاهم عنه بقوله تعالى: (يَبْغُونَ)؛ لأن البغي هو الطلب بشدة تؤدي إلى الظلم.

وإنه لَا وسط بين حكم الجاهلية وحكم القرآن؛ لأن حكم القرآن هو العدل وهو النظام، وهو المساواة في الحقوق والواجبات، لَا يعفى من حكمه شريف، ولا حاكم، وليس فيه مَن ذاته مصونة لَا تُمس، بل الجميع أمام الله تعالى على سواء، وأما حكم غير القرآن ففيه التفاوت بالطبقات، وفيه السيطرة التي لا يسوغها منطق ولا عدل، ولا نظام، وفيه أكل أموال الناس بالباطل، كالربا، وسائر أنواع السحت، وقد قال بعض التابعين: من حكم بغير الله فهو حكم الجاهلية.

وقد جاء في التفسير الأثري لابن كثير المحدِّث والمؤرخ ما نصه:

" ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، كما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم " الياسق "، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية، والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله. . . .

ص: 2237

وما أشبه " الياسق " الذي وضعه جنكيزخان بـ " قانون نابليون " وما جاء بعده من قوانيننا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.

(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) الاستفهام هنا إنكاري فيه إنكار للوقوع، أي أنه بمعنى النفي المؤكد، كأنه استفهم عن أن يكون ثمة من هو أحسن حكما من الله، فأجيب بالنفي المؤكد الذي لَا يتصور فيه أن يكون من هو أحسن حكما، والمعنى لَا أحد أحسن حكما من الله لقوم يوقنون، وهنا يرد سؤال هو لقد ذكر أنه لَا أحد أحسن حكما من الله لقوم يوقنون، مع أنه سبحانه أحسن حكما لمن يوقنون ومن لَا يوقنون، إذ هو العدل والمصلحة. وبها ينتفع البر والفاجر، والسليم والسقيم، فهو الخير الوارف الظلال، فلماذا القيد بقوله تعالت كلماته:(لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)؟. والجواب عن ذلك يتكون من جزءين: أولهما - أن أولئك هم الذين ينتفعون به، فكان الأحسن لهم والأقوم، أما غيرهم فهم قوم بور، وهم في غيهم يعمهون.

* * *

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)

* * *

ص: 2238

فى الآيات السابقات ذكر سبحانه وتعالى كتب اليهود الأولى، وكتب النصارى الأولى التي لم يعرها تغيير وتبديل، وبين أن القرآن هو الحاكم المهيمن على ما جاء قبله من الكتب، وأنه الحاكم عليها، وأنه المتبع ولا شريعة من الله سواه، بعد أن نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الذين يتبعون غيره خارجون عن مبدئه، ويبغون حكم الجاهلية، إذ فارق ما بين حكم الجاهلية وحكم العدل هو الحكم بالهوى، وإذا كان ما مضى من آي كريمة قد تعرض لعلاقات الكتب فكان من المناسب أن يبين القرآن الكريم علاقة الجماعة الإسلامية بغيرها من الجماعات اليهودية والنصرانية، فجاء قوله تعالى ناهيا:

ص: 2239

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) الأولياء جمع ولي، والولي يطلق بمعنى الودود المحب، أو الصديق، ومن ذلك قوله تعالى:(. . . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). ويطلق بمعنى النصير الحافظ، ومن ذلك قوله تعالى:(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. . .).

وهو في هذا النص الكريم يجمع بين النصرة والمحبة، والتوفيق والهداية، ويطلق الولي بمعنى من يتولي الأمر، ومن يكون صاحب الولاية، كما قال تعالى:(إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا. . .). وما المراد من اتخاذ الأولياء المنهي عنه في هذه الآية، يفسره الزمخشري بأنه الاستنصار والمودة والمحبة، ونفسره بأن يجعلوا ولايتهم لغيرهم في الانتماء، والنصرة، ويقبلوا أن يكونوا هم أهل ولايتهم التي ينتمون إليها، وينضوون تحت لوائها، فهي مثل قوله تعالى:(لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28).

وهذا الرأي يؤيده ما جاء في سبب النزول، وتذكره كتب التفسير وهو أن بعض الأنصار كان يتولى بعض اليهود لما كان يرى فيهم من عدد كثير، وما عندهم

ص: 2239

من سلاح. فتبرأ منهم لما نهي عن أن يكون عليه أو له أولياء غير المؤمنين واستمر على ولايتهم بعض المنافقين، فدل هذا على أن المراد بالولاية هنا الاستنصار بهم، والاندماج في ولايتهم، ولو سرا.

وهنا يرد سؤال أيجوز لنا أن نتخذ منهم بطانة ومعاونين؟ والجواب عن ذلك أنه لَا يجوز، وقد ورد بذلك النص القرآني، فقد قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118).

ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى عن أن يستخدم غير المسلمين في الدولة الإسلامية، ويروى في ذلك أن أبا موسى الأشعري كان له كاتب نصراني، فأرسل إليه أمير المؤمنين عمر ينهاه عن ذلك، وجاء في آخر كتابه:(لا تقرِّبوهم إذ أقصاهم الله) فرد عليه أبو موسى يقول له: (لا قوام للبصرة إلا به). فكتب إليه عمر مرة أخرى كلمة موجزة: (مات النصراني والسلام) وقد فسر الزمخشري تلك الكلمة الموجزة بقوله: (يعني أنه قد مات، فما كنت تكون صانعا حينئذ فاصنعه الساعة، واستغن عنه بغيره).

والسؤال الثاني الذي يرد؛ أيجوز للمسلم أن تكون بينه وبين غير المسلم مودة؛ أم يجب التباعد عنه ما أمكن؟ ونقول في الجواب عن ذلك: إنه قد ورد في هذا نصان يبدو أنهما بادي الرأي متعارضان، أولهما - قوله عليه الصلاة وأتم التسليم:" لا تراءى ناراهما "(1) أي لَا تجمعهما نار يستدفئان بها أو يستضيئان بضوئها، أي لَا يجتمعان على مودة واصلة. والثاني - قوله تعالى:(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8).

(1) عَنْ قَيْسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى قَوْمٍ مِنْ خَثْعَمَ، فَاسْتَعْصَمُوا بِالسُّجُودِ، فَقُتِلُوا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ:«إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلَا لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» . [رواه النسائي: القسامة - القود بغير حديدة (478)، وأبو داود: الجهاد - النهي عن قتل من اعتصم بالسجود (2645)].

ص: 2240