الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وظاهر كلام الخرقي أن التخيير جار وإن كان الحنث محظورا، وهو أحد الوجهين، إناطة بوجود السبب، (والوجه الثاني) : لا يجزئه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إذا حلف على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير» والإتيان هنا ليس بخير، فلا يتناوله الأمر بالتقديم، على أن الملحوظ في التقديم الرخصة، والرخص لا تباح بالمعاصي.
(تنبيه) : الكفارة قبل الحنث محللة لليمين، قال الله تعالى:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] وبعد الحنث مكفرة، قال سبحانه:{ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] قال بعضهم: أي فحنثتم.
[الاستثناء في اليمين]
قال: وإذا حلف بيمين فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك، ولا كفارة عليه إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام.
ش: إذا حلف فقال مثلا: والله لأدخلن الدار إن شاء الله. فهو مخير في الجملة بين الفعل والترك، فإن ترك لم يحنث إجماعا.
3703 -
وقد شهد له ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه» رواه الخمسة، وحسنه الترمذي.
3704 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من
حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث» رواه الترمذي والنسائي.
3705 -
وفي الصحيحين أيضا من حديثه «قال سليمان بن داود - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك، قل: إن شاء الله، فلم يقل ونسي، وطاف بهن ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قال إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا لحاجته» .
إذا تقرر هذا فشرط صحة الاستثناء الاتصال المعتاد على
المذهب المعروف، فلو سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي، ونحو ذلك بطل استثناؤه، ولا يضر السكوت لعارض من تنفس أو عطاس، ونحو ذلك، إذ الاستثناء أحد المخصصات، فاعتبر اتصاله كبقية المخصصات، من الشرط والصفة وغيرهما.
3706 -
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما من رواية أبي داود وغيره «من حلف علي يمين فاستثنى» فظاهره أن الاستثناء يكون عقب الحلف، وقال أحمد: حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة «إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك» ولم يقل: واستثن. قلت: والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما حكم على اليمين التي يحنث بتركها، ولهذا لم يقل له ولم يستثن، (وعن أحمد) رواية أخرى: لا يضر الفصل اليسير، بشرط أن لا يخلط كلامه بغيره.
3707 -
لما روي عن عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما: «والله لأغزون قريشا، والله لأغزون قريشا» ثم قال: «إن شاء الله» » ، وفي رواية عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية عن عكرمة يرفعه أنه قال:«والله لأغزون قريشا ثم قال: إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا إن شاء الله ثم قال: والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال: إن شاء الله» زاد فيه بعض الرواة: ثم لم يغزهم. رواه
أبو داود، واحتج به أحمد، فقال: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لأغزون قريشا» ثم سكت ثم قال: إنما هو استثناء بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره، اهـ.
3708 -
وفي الصحيحين «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مكة: لا يختلى خلاها الحديث، فقال له العباس: يا رسول الله إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: إلا الإذخر» فأثر الاستثناء وهو منفصل.
3709 -
وفي حديث سليمان عليه السلام أن الملك قال له: قل إن شاء الله، فلم يقل، وظاهره أنه قال له ذلك بعد الفراغ من اليمين. وقد قال عليه السلام:«لو قال: إن شاء الله - يعني وقت قال له الملك - لم يحنث» (وحكى ابن أبي موسى) عن بعض الأصحاب أن المشترط المجلس، لأن حالة المجلس كحالة الكلام، وينبغي أن يقيد هذا أيضا بما قيد به الذي قبله، من أنه لا يخلط كلامه بغيره، وكلام الخرقي رحمه الله محتمل للقولين الأولين، (واشترط) القاضي، وأبو البركات وغيرهما مع ما تقدم أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه، لأن المخرج بالاستثناء غير مراد بالحكم عليه، وإلا لزم أن يكون مرادا غير مراد، وهو متناقض، فيلزم منه رفع ما أوقعه، وظاهر بحث أبي محمد أن المشترط قصد الاستثناء فقط، حتى لو نوى عند تمام يمينه صح استثناؤه، وفيه نظر، وظاهر إطلاق الخرقي عدم الاشتراط أصلا، وهو وجه حكاه ابن البنا، وبناه على أن لغو اليمين عندنا صحيح، وهي ما كان على الماضي، وإن لم يقصده، وهو ظاهر حديث الإذخر وحديث سليمان.
وقول الخرقي: وإذا حلف، يشمل كل حلف، وكذلك ظاهر الحديث، وقد استثنى من ذلك الطلاق والعتاق كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا يصير ملخص الأمر أن كل يمين تدخلها الكفارة، كاليمين بالله تعالى، والنذر والظهار يدخلها الاستثناء، وقد نص أحمد على ذلك.