الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كتاب القاضي إلى القاضي]
قال: وإذا حكم على رجل في عمل غيره وكتب بإنفاذ القضاء عليه إلى قاضي ذلك البلد قبل كتابه، وأخذ المحكوم عليه بذلك الحق.
ش: كتاب القاضي إلى القاضي مقبول في الجملة بالإجماع، ويرجحه مكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الأطراف كقيصر وكسرى وغيرهما.
3818 -
وفي الصحيح «أنه كتب إلى قيصر «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر عظيم الروم أما بعد فأسلم تسلم أسلم يؤتك الله أجرا عظيما، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين و {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران: 64] الآية» ومكاتبة سليمان عليه السلام بلقيس، قال سبحانه حكاية عنها
{إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ - إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 29 - 31] الآية.
إذا تقرر هذا فاعلم أن كتاب القاضي إلى القاضي لا يقبل في حق الله تعالى كالحدود ونحوها، ويقبل في كل حق لآدمي يثبت بشاهدين أو بشاهد ويمين، أو شاهد وامرأتين، وهل يثبت فيما عدا ذلك؟ فيه ثلاث روايات (القبول مطلقا) ويحتمله إطلاق الخرقي (وعدمه مطلقا) وهو مختار كثير من أصحاب القاضي (والقبول إلا في الدماء) وحكم حد القذف، حكم الحدود، إن قيل المغلب فيه حق الله تعالى وإلا حكم الدماء.
ثم الكتاب على ضربين (أحدهما) أن يكتب بما حكم به، وهو الذي ذكره الخرقي، وذلك بأن يحكم على رجل بحق فيغيب قبل إيفائه أو تقوم البينة على حاضر بحق فيهرب قبل الحكم عليه ويثبته، ويسأل الحاكم الحكم بذلك فيحكم به، ففي جميع ذلك متى سأل المحكوم له الحاكم أن يحكم بذلك وأن يكتب له كتابا بحكمه، فإنه يلزمه إجابته، ويلزم
المكتوب له قبول ذلك والعمل به، وإن قربت المسافة، فيؤخذ المحكوم عليه بذلك الحق، إن اعترف أنه المحكوم عليه، وإن أنكر أنه المسمى في الكتاب، ولم يقم المدعي عليه بينة بذلك فالقول قوله مع يمينه.
(الضرب الثاني) أن يكتب بما ثبت عنده ليحكم به حاكم آخر، مثل أن تقوم عنده بينة بحق لشخص على شخص، فيسأله صاحب الحق أن يكتب له كتابا بما حصل عنده، فإنه يكتب له بذلك، قال القاضي: يكتب له: شهد عندي فلان وفلان بكذا. ليحكم به المكتوب إليه، ولا يقول: ثبت عندي. لأن قوله: ثبت عندي. حكم بشهادتهما، ولا يقبل هذا الكتاب إلا أن يكون بين الحاكمين مسافة القصر على المذهب، وبه قطع أبو محمد، وقيل: يقبل إذا لم يمكن الذاهب إليه بكرة أن يعود إليه عشية، والخرقي رحمه الله إنما ذكر إذا كتب إلى قاض معين، والحكم فيما إذا كتب إلى قاض مبهم كمن يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين - كذلك، والله أعلم.
قال: ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة عدلين يقولان: قرأه علينا، أو قرئ عليه بحضرتنا، فقال: اشهدا على أنه كتابي إلى فلان.
ش: أما اشتراط شاهدين لقبول كتاب القاضي إلى القاضي فلا ريب فيه، لما سيأتي إن شاء الله تعالى من أن ما ليس بمال،
ولا يقصد، منه المال، لا يقبل فيه إلا شاهدان، وأما صفة الشهادة فإنه يقرؤه عليهما، أو يقرؤه غيره بحضرتهما، ثم يقول: اشهدا علي أن هذا كتابي إلى فلان. وقال القاضي: يكفي أن يقول: هذا كتابي إلى فلان. من غير أن يقول: اشهدا علي. انتهى. ثم إذا وصلا إلى المكتوب إليه قالا. نشهد أن هذا كتاب فلان إليك، كتبه بقلمه وأشهدنا عليه بما فيه؛ ولو كتب كتابا وأدرجه وختمه، وقال: هذا كتابي إلى فلان اشهدا علي بما فيه. لم يصح على المذهب المشهور، وهو مقتضى قول الخرقي، لأن شهادته وقعت على ما فيه وأنه مجهول، وبنى أبو محمد ذلك على قول أحمد فيمن كتب وصيته وختمها وقال: اشهدا علي بما فيها. أنه لا يصح وخرج رواية أخرى بالصحة من قوله فيمن وجدت وصيته مكتوبة عند رأسه، وعرف خطه وكان مشهورا، أنه ينفذ ما فيها، وقد تقدم في الوصايا أن الأولى تقرير هذين النصين على بابهما، كما هو طريقة ابن حمدان، وأبو البركات قال هنا: وعنه ما يدل على الصحة، ولم يبين المأخذ، انتهى.
فعلى هذه الرواية قال أبو محمد في المقنع: إذا عرف المكتوب إليه أنه خط القاضي الكاتب وختمه جاز قبوله. وكذا قال
ابن حمدان وزاد قيل لا. وظاهر هذا أن على هذه الرواية يشترط لقبول الكتاب أن يعرف المكتوب إليه أنه خط القاضي الكاتب وختمه، وفيه نظر، وأشكل منه حكاية ابن حمدان قولا بالمنع، فإنه إذا تذهب فائدة الرواية، والذي ينبغي على هذه الرواية أن لا يشترط شيء من ذلك، وهو ظاهر كلام أبي البركات، وأبي محمد في المغني، نعم إذا قيل بهذه الرواية فهل يكتفي بالخط المجرد من غير شهادة؟ فيه وجهان حكاهما أبو البركات، وعلى هذا يحمل كلام ابن حمدان وغيره، انتهى.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط ختم كتاب القاضي إلى القاضي، وهو كذلك.
3819 -
لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كتب الكتاب إلى قيصر لم يختمه، فقيل له: إنه لا يقرأ كتابا غير مختوم، فاتخذ الخاتم، وهذا يدل على أن الختم ليس بشرط، وأنه إنما فعله لمصلحة، وهي قراءة الكتاب.
(تنبيهان)(أحدهما) هل يشترط في الشاهدين أن يكونا عدلين عند المكتوب إليه، أو يكتفي بذلك عند الكاتب؟ فيه قولان حكاهما ابن حمدان (الثاني) جعل ابن حمدان من صور الروايتين إذا شهدا أن هذا كتاب فلان إليك من عمله، وجهلا ما فيه، والذي ينبغي قبول مثل هذه الشهادة، لانتفاء الجهالة عنها، وقصاراه أنها لم تفد فائدة، إذ ما في الكتاب لا يثبت بذلك، والله أعلم.
قال: ولا يقبل الترجمة عن أعجمي حاكم إليه إذا لم يعرف لسانه إلا من عدلين يعرفان لسانه.
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار عامة الأصحاب، بناء على إجراء ذلك مجرى الشهادة (والثانية) يقبل في ذلك عدل واحد، بناء على إجرائه مجرى الخبر، وهو اختيار أبي بكر.
3820 -
وقد استشهد لذلك بما في حديث «زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره فتعلم كتاب اليهود، قال: حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه» ، رواه البخاري وأحمد.
3821 -
وقال البخاري: وقال أبو جمرة: كنت أترجم بين ابن عباس
وبين الناس فعلى هذا يشترط للمترجم ما يشترط للراوي من الإسلام والتكليف، والعدالة والضبط، كما هو معروف في موضعه، ولا تشترط الذكورية ولا الحرية، ولا الإتيان بلفظ الشهادة، وعلى الأولى الترجمة شهادة، يشترط فيها ما يشترط في الشهادة على الإقرار بذلك الحق الذي وقعت الترجمة فيه، ففي الحدود والقصاص تشترط الحرية على المشهور، وعدلان ذكران، وفي الزنا هل يكفي مع الحرية والذكورية اثنان، أو لا بد من أربعة؟ فيه وجهان من الروايتين في الإقرار بذلك، وفي غير ذلك وغير المال لا تشترط الحرية، ويكتفى بذكرين حرين، وفي المال يكفي رجل وامرأتان، ولا بد من لفظ الشهادة في جميع ذلك.
(تنبيه) حكم التعريف والرسالة كذلك، والله أعلم.
قال: وإذا عزل فقال: كنت قد حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحق. قبل قوله، وأمضي ذلك الحق.
ش: هذا منصوص أحمد، وبه جزم القاضي في جامعه، وأبو الخطاب في خلافه، وابن عقيل في تذكرته وغيرهم، لأنه أخبر بما حكم به، وهو غير متهم، فأشبه ما لو أخبر بذلك حال ولايته، ولأنه لو لم يقبل ذلك منه لأفضى إلى ضياع حقوق كثير من الناس، وذلك ضرر وإنه منفي شرعا، ولأبي الخطاب في الهداية احتمال بأنه لا يقبل قوله، وعلله بأنه في حال ولايته لا يجوز حكمه بعلمه، فبعد عزله أولى، واستثنى أبو البركات من هذا الاحتمال ما كان على وجه الشهادة عن إقرار، فعلى هذا لو كان حكمه مستندا إلى بينة لم يشهد، لأنه شهادة على شهادة، ولم يتحقق وجود شرطها، واستثنى ابن حمدان منه ما إذا شهد مع غيره أن حاكما حكم به، ولم يذكر نفسه، وحكى قول أبي البركات قولا انتهى. وشرط القبول على المذهب أنه لا يتهم، ذكره أبو الخطاب وغيره.
وقد فهم من كلام الخرقي أنه لو قال ذلك في حال ولايته قبل منه بطريق الأولى وهو كذلك، حتى مع التصريح أنه حكم بالنكول أو بعلمه، ونحو ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد (ومقتضى كلامه) أيضا أنه لو أخبر في حال ولايته بحكم في غير محل ولايته أنه يقبل منه، لأنه إذا قبل قوله بعد العزل فلأن يقبل