الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم محل هذه المسألة إذا لم يكن ثم نية أو ما يقوم مقامها من قرينة حال ونحو ذلك، أما مع النية أو بدلها فإن الحكم يناط بها ويعتمد عليها، والله أعلم.
[حكم فعل المحلوف عليه ناسيا]
قال: وإذا حلف بعتق أو طلاق أو لا يفعل شيئا ففعله ناسيا حنث.
ش: قد تقدمت هذه المسألة في قوله: وإن فعله ناسيا فلا شيء عليه إذا كانت اليمين بغير الطلاق والعتاق، والخلاف فيها فلا حاجة إلى إعادتها، والله أعلم.
[حكم التأويل في اليمين]
قال: ومن حلف فتأول في يمينه فله تأويله إذا كان مظلوما، فإن كان ظالما لم ينفعه تأويله، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«يمينك على ما يصدقك به صاحبك» .
ش: التأويل أن يقصد بلفظه ما يخالف ظاهره مع احتمال اللفظ له، كأن يحلف أنه أخي وينوي بذلك أخوة الإسلام، قال الله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] أو المشابهة استعارة، أو يحلف أنه كان تحت سقف، وينوي به السماء، قال الله تعالى:{وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} [الأنبياء: 32] أو يحلف أنه كان على فراش أو بساط، مريدا بذلك الأرض، قال سبحانه:{وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} [الذاريات: 48] وقال سبحانه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا} [نوح: 19] أو يحلف ما لفلان عندي
وديعة، مريدا بـ «ما» الذي، أو ما فلان ها هنا، ويريد موضعا معينا، ونحو ذلك مما هو سائغ في اللغة، مع أن السابق إلى فهم السامع خلافه.
ولا يخلو المتأول من ثلاثة أحوال: (أحدها) أن يكون الحالف مظلوما، كأن يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لناله أو مسلما أو ذميا ضرر، فهذا له تأويله بلا ريب.
3714 -
3715 -
وفي حديث الإسراء المتفق عليه: «مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح» .
3716 -
وقال عليه السلام: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» ، (الحال الثانية) : أن يكون ظالما، كالذي يستحلف على حق عنده، فهذا لا ينفعه التأويل، وتنصرف يمينه إلى ظاهر اللفظ الذي يقصده المستحلف بلا ريب أيضا.
3717 -
لما استدل به الشيخ رحمه الله وهو حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» وفي لفظ: يصدقك عليه صاحبك وعنه رضي الله عنه أيضا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اليمين على نية المستحلف» رواهما مسلم وغيره، ولأنه لو ساغ التأويل والحال ما تقدم
لاتخذ ذلك وسيلة إلى جحود الحق، وبطل المعنى المقصود باليمين، وهو تخويف الحالف من عاقبة اليمين، ولا ريب أن الشريعة تأبى مثل ذلك، والشيخ رحمه الله اعتمد في الاستدلال على اللفظ الأول، وكذلك غيره من الأئمة من أصحابنا وغيرهم، وبعض العلماء اعتمد في الاستدلال على الثاني، وقال: إن معنى الأول أن يمينك التي يجوز لك أن تحلفها هي التي تكون صادقة في نفسها، بحيث لو اطلع عليها صاحبك لعلم أنها حق وصدق، وأن ظاهرها كباطنها، فيصدقك على ما حلفت عليه، وإذا فائدة هذا الحديث أن الحالف يعرض على نفسه اليمين، فإن وجدها كما تقدم حلف إن شاء، وإلا أمسك.
(الحال الثالثة) إذا كان المتأول لا ظالما ولا مظلوما، وهذه الحالة لم يتعرض الخرقي لها بنفي ولا إثبات، وفيها قولان حكاهما أبو العباس، وقال: إن ظاهر كلام أحمد المنع في اليمين، اهـ.
وظاهر كلام الشيخين الجواز، واعتمد أبو محمد على ما روي أن مهنا كان عنده هو والمروذي وجماعة،
فجاء رجل يطلب المروذي ولم يرد المروذي أن يكلمه، فوضع مهنا إصبعه في كفه، فقال: ليس المروذي ها هنا، وما يصنع المروذي ها هنا، يريد ليس في كفه، ولم ينكر ذلك الإمام أحمد.
3718 -
واستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح ولا يقول إلا حقا، والمزح أن يوهم السامع بكلامه غير ما يفهم من ظاهره، كما قال لتلك العجوز:«لا يدخل الجنة عجوز» يعني أن الله ينشئهن أبكارا، عربا أترابا.
3719 -
وعن أنس رضي الله عنه «أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله احملني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا حاملوك على ولد ناقة» فقال: وما أصنع بولد الناقة. قال: «وهل تلد الإبل إلا النوق» رواه أبو داود.
3720 -
«وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل احتضنه من ورائه: «من يشتري
العبد» فقال: يا رسول الله، تجدني إذا كاسدا. قال:«لكنك عند الله لست بكاسد» ، وهذا كله من التأويل الحق الجائز، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا، (قلت) : وهذا كله ورد في غير اليمين وهو واضح، أما اليمين فلها حرمة، فقد يقال: لا حاجة إلى ارتكابها والتعريض فيها، لا سيما وقد عضد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم:«اليمين على نية المستحلف» خرج منه المظلوم لما تقدم، وللاتفاق أيضا فيما أظن، فيبقى ما عداه على مقتضى العموم، والله أعلم.