الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكالصوم الواجب بأصل الشرع؛ وقيل: لا يجب إلا الكفارة لظاهر الحديثين، وقيل: لا يجب إلا الإطعام، كالواجب بأصل الشرع وهو صوم رمضان، وقيل: إن هذا النذر غير منعقد أصلا، لأنه تكليف ما لا يطيق، وهو غير جائز شرعا، وحكم ما إذا نذر الصوم وهو قادر ثم عجز حكم ما تقدم، إلا أنه لا نزاع في انعقاد نذره.
[حكم من نذر صياما أو صلاة ولم يذكر عددا]
قال: وإذا نذر صياما ولم يذكر عددا ولم ينوه فأقل ذلك صوم يوم.
ش: لأنه ليس في الشرع صوم مفرد أقل من يوم، فيجب ذلك، لأنه اليقين، وهذا مع الإطلاق، أما مع التقييد بلفظه أو بنيته فيعمل على ذلك بلا ريب.
قال: وأقل الصلاة ركعتان.
ش: أي وإذا نذر صلاة فأقلها ركعتان، ما لم ينو أكثر أو يسمه، وهو إحدى الروايتين، وهي التي نصبها أبو الخطاب والشريف في خلافيهما، وقطع بها القاضي في الجامع، وابن عقيل في التذكرة. (والرواية الثانية) : يجزئه ركعة، ومبناهما على أن أقل ما يصح التطوع به هل هو ركعة أو ركعتان؟ على روايتين تقدمتا ومفهوم كلامه ثم أن أقله ركعتان، وعليه جرى ها هنا.
[ما يلزم من نذر المشي إلى بيت الله الحرام]
قال: وإذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزئه إلا أن يمشي في حج أو عمرة.
ش: من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه الوفاء بنذره، كما تضمنه كلام الخرقي، لأنه قربة وطاعة فلزمه كنذر الصلاة.
3760 -
ودليل الأصل ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق عليه، ولا يجزئه الذهاب إلا في حج أو عمرة لأنه المشي المعهود في الشرع إلى البيت، فحمل إطلاق الناذر عليه، ولقد غالى أبو محمد فقال: إذا نذر إتيان البيت غير حاج ولا معتمر لزمه الحج أو العمرة، وسقط شرطه، لمناقضته لنذره. وفيه نظر، لجواز التصريح بخلاف الظاهر، والكلام إنما يتم بآخره ويلزمه المشي من دويرة أهله، والإحرام من حيث يحرم للواجب، وحكم من نذر المشي إلى موضع من الحرم كذلك، بخلاف غيره، كعرفة وغيرها، والله أعلم.
قال: فإن عجز عن المشي ركب وكفر كفارة يمين.
ش: إذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه المشي، لظاهر حديثي أنس وأخت عقبة رضي الله عنهما وسيأتيان، ولأن المشي
والحال هذه قربة، لأنه مشي إلى عبادة، والمشي إلى العبادة أفضل، فإن عجز عن المشي جاز له الركوب.
3761 -
لحديث أنس رضي الله عنه أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادى بين ابنيه فقال: «ما بال هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي. قال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني» وأمره أن يركب» . متفق عليه.
3762 -
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت، أو قال: أن تحج ماشية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئا، فلتحج راكبة ولتكفر عن يمينها» . رواه أبو داود.
وإذا ركب كفر كفارة يمين (على إحدى الروايتين) واختيار القاضي، وأبي محمد، لهذا الحديث، وبه احتج أحمد، ولأبي داود في رواية والترمذي في حديث عقبة بن عامر قال:«ولتصم ثلاثة أيام» ، ولعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:«كفارة النذر كفارة يمين» ؛ (وعن أحمد رواية أخرى) : يجب عليه هدي من الميقات لأنه أخل بواجب في الإحرام، فلزمه الهدي كتارك الإحرام من الميقات، والإحرام دونه.
3763 -
ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن «أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، وإنها لا تطيق ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد بدنة» » ، وفي رواية: أمرها أن تركب وأن تهدي هديا. رواه أبو داود، ويخرج لنا (رواية ثالثة) أنه لا شيء عليه، بناء على تارك المنذور لعذر، وهو ظاهر حديث أنس رضي الله عنه المتقدم.
3764 -
وعن «عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته فقال: «لتمش ولتركب» متفق عليه، وليس في الصحيح ذكر كفارة.
وإن عجز عن مشي البعض وقدر على البعض، فإنه يمشي ما قدر عليه، ويركب ما عجز عنه، «لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأخت عقبة:«لتمش ولتركب» أي لتمشي ما قدرت عليه ولتركب ما عجزت عنه، وحكم الكفارة على ما سبق.
هذا كله إذا ترك المشي لعجزه عنه، أما إذا تركه مع قدرته عليه فلا ريب في وجوب الكفارة عليه، ثم هل هي كفارة يمين أو هدي؟ على الروايتين السابقتين والمذهب على إجزاء حجه، وقال أبو محمد: قياس المذهب أنه يستأنف الحج ماشيا لتركه صفة النذر، كما لو نذر صوما متتابعا ففرقه، وعلى هذا لو مشى بعضا وركب بعضا ففيه احتمالان، (أحدهما) : يحج ثانيا فيمشي ما ركب؛ (والثاني) : لا يجزيه إلا حج يمشي في جميعه، اعتمادا على ظاهر نذره.
تنبيهان: (أحدهما) : عكس مسألة الخرقي إذا نذر الركوب إلى بيت الله الحرام فإنه يلزمه، لأن فيه إنفاقا في الحج، فإن تركه ومشى لزمته الكفارة، ثم هل هي كفارة أو هدي؟ على الروايتين السابقتين، وهذا كله مع الإطلاق، أما لو نوى بالمشي أو بالركوب إلى البيت إتيانه، فإنه يلزمه إتيانه في حج أو عمرة، ولا يلزمه مشي ولا ركوب. (الثاني) يلزم المنذور من المشي أو الركوب في الحج أو العمرة إلى التحلل، لانقضاء النسك إذًا، وقال أحمد: يركب في الحج إذا رمى، وفي العمرة إذا سعى، لأنه لو وطئ بعد ذلك لم يفسد حجا ولا عمرة، وظاهر هذا أنه إنما