الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذا تقرر هذا فيحلف الحاكم الشاهدين من الكفار، إذا شهدا في الوصية كما تقدم، بعد العصر: ما خانا ولا كذبا ولا حرفا، وإنها لوصية الرجل.
وهل ذلك على سبيل الوجوب - وهو الأشهر - أو الاستحباب؟ على وجهين، ثم إن اطلع على أنهما استوجبا إثما لخيانتهما وأيمانهما الكاذبة، قام رجلان من أولياء الموصي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، ويقضي لهم اقتداء بالآية الكريمة والله أعلم.
قال: ولا تجوز شهادتهم في غير ذلك.
ش: قد تقدم ذلك عن قرب، والخلاف في شهادة بعضهم على بعض، فلا حاجة إلى إعادته.
[موانع قبول الشهادة]
قال: ولا تقبل شهادة خصم.
ش: لما فرغ الخرقي من شروط الشهادات، شرع يتكلم في موانعها وقوله: خصم.
(يحتمل) : أن يريد به العدو، وهو الظاهر، فلا تقبل شهادة القاذف على من قذفه، أو من قطع عليه الطريق على القاطع، ونحو ذلك، لما تقدم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت» والقانع الذي ينفق عليه أهل
البيت، رواه أحمد وهذا لفظه، وأبو داود والغمر الحقد، ولأن العداوة تورث تهمة شديدة، فمنعت الشهادة كالقرابة القريبة، ولا ترد قبول شهادة الكفار في الوصية، لأن الشارع استثنى ذلك للحاجة الداعية إليه، وأبو محمد أجاب بأن العداوة ثم دينية، والدين يمنع شهادة الزور، ومقتضى تعليله قبول شهادة الكفار مطلقا، ويرد عليه أن البدعي لا تقبل شهادته على السني، بخلاف العكس، وإن كانت العداوة دينية تمنع شهادة الزور.
ويحتمل أن يريد كل خصم فيدخل فيه من خاصم في حق، كالوكيل أو الوصي، لا تقبل شهادته فيما هو وكيل أو وصي فيه، وكالشريك أو المضارب، لا تقبل شهادته فيما هو شريك أو مضارب فيه، وذلك لأنه يشهد لنفسه فأشبه المالك.
واعلم أن إطلاق الخرقي غير مراد، إذ شهادة العدو تقبل لعدوه، لانتفاء التهمة، إنما الممتنع شهادته عليه، وكذلك شهادة الوكيل أو الوصي تقبل في غير ما هو وصي أو وكيل فيه، وكذلك الشريك والمضارب تقبل شهادتهم في غير مال الشركة والمضاربة.
تنبيهان (أحدهما) شرط العداوة أن تكون ظاهرة، وأن تكون لغير الله، كذا قيده ابن حمدان (الثاني) لو كان القذف في حال الشهادة، كمن شهد على رجل بحق، وقذفه المشهود عليه، لم ترد شهادته بذلك، لئلا يتخذ ذلك وسيلة في إبطال الشهادات والحقوق، والله أعلم.
قال: ولا جار إلى نفسه نفعا.
ش: أي نفعا بشهادته، كشهادة الغرماء للمفلس المحجور عليه، أو للميت بمال، لأن حقوقهم تتعلق بذلك لو ثبت، وخرج قبل الحجر لأن الحق متعلق بالذمة، لا يقال: تتوجه المطالبة إذا لأنا نقول: المطالبة لليسار، مع أن ابن حمدان اختار في الكبرى الرد والحال هذه، لأن توجه المطالبة تهمة تصلح لرد الشهادة. انتهى.
ومن ذلك شهادة أحد الشريكين بعفو الآخر عن شفعته، وشهادة السيد لعبده المأذون له في التجارة، أو لمكاتبه، والأجير لمستأجره فيما استأجر فيه نص عليه، والوارث لمورثه بجرح قبل الاندمال، ونحو ذلك، لما في ذلك كله من التهمة المانعة من قبول الشهادة.
3849 -
وقد روي عن الزهري قال: مضت السنة في الإسلام أن لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، والظنين المتهم.
3850 -
«وعن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا شهادة لخصم ولا ظنين» .
والاعتبار بالوارث حال الموت، كما في الوصية، وفي شهادة الوارث لمورثه في مرضه بدين وجهان، والقبول قطع به أبو محمد، وفرق بينه وبين ما تقدم، لأن منع الشهادة للجرح كان لاحتمال إفضائه إلى الموت، فتجب الدية للوارث الشاهد ابتداء، فيكون شاهدا لنفسه، وهنا الحق إنما يجب للمشهود له ثم يجوز أن ينتقل، ويجوز أن لا ينتقل، قلت: وعلى هذا الفرق ينبغي أن يخرج في الشهادة بالجرح خلاف، بناء على أن الشهادة هل تجب للمجروح ابتداء أو للورثة، انتهى.
ثم على القول بالقبول متى حكم بها لم يتغير الحكم بالموت بعده، والله أعلم.
قال: ولا دافع عنها.
ش: أي دافع عن نفسه ضررا، كأن يشهد المشهود عليه بجرح الشهود، أو العاقلة بجرح شهود قتل غير العمد، لأنهم يدفعون بذلك الدية عن أنفسهم، وقيل: إن كان الشاهد منهم فقيرا أو بعيدا قبلت شهادته، لانتفاء التهمة في الحال الراهنة، وكذلك شهادة الضامن للمضمون عنه بقضاء الحق، أو الإبراء منه ونحو ذلك، لما في ذلك من التهمة المخلة بالثقة من الشاهد، والله أعلم.
قال: ولا تجوز شهادة من يعرف بكثرة الغلط والغفلة.
ش: قد تقدم أن هذا أحد شروط الشهادة، لأن من كان كذلك لا تحصل الثقة بقوله، ولهذا لم تقبل روايته، قال ابن حمدان: إلا في أمر جلي مع بحث الحاكم عنه.
انتهى.
وتقييده بكثرة الغلط يحترز عن قليله، إذ أحد لا يسلم من ذلك، وإنما تتفاوت مراتب الناس فيه، ولا شك أن كثرة غلطه تخل بغلبة ظن صدقه ومقتضى قول الخرقي وغيره أنه لو تساوى حاله أو تقارب قبل قوله، وكلام أبي محمد في المغني يحتمل خلاف هذا، لأنه قال: ولا يمنع من الشهادة وجود غلط نادر، أو غفلة نادرة، والله أعلم.
قال: وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت.
ش: لعموم: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] ونحو ذلك، وكما في روايته وفي شهادته بالاستفاضة، مع أنه لا بد أن يسمعها من عدلين، ولا بد من معرفتهما، ليعرف عدالتهما، ودعوى عدم تيقن الصوت ممنوع، إذ قد يكون المشهود عليه ممن ألفه الأعمى، وكثرت صحبته له، فيعرف صوته يقينا.
3851 -
ولهذا قال قتادة: للسمع قيافة كقيافة البصر.
وقد أشعر كلام الخرقي أنه لا تجوز شهادة الأعمى على الأفعال، وهو كذلك، لعدم آلة ذلك منه، نعم لو تحمل الشهادة على ذلك قبل العمى جاز أن يشهد به بعده، إذا عرف المشهود عليه باسمه ونسبه، وكذلك إن لم يعرفه بذلك، بل تيقن صوته، قاله في المغني فإن لم يعرفه إلا بعينه فوصفه فهل تقبل لقيام الصفة مقام المشاهدة، وهو قول القاضي، أو لا تقبل لعدم ضبط ذلك غالبا؟ فيه وجهان، ولعل لهما التفاتا إلى القولين في السلم
في الحيوان وقد تقدم، والله أعلم.
قال: ولا تجوز شهادة الوالدين وإن علوا للولد وإن سفل.
ش: وسواء في ذلك ولد البنين، وولد البنات، لما في ذلك من التهمة المانعة كما تقدم ولأن بينهما بعضية، فكأنه شهد لنفسه.
3852 -
قال: صلى الله عليه وسلم «فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها» ولأنه إذا شهد له في المال ونحوه كأنه شهد لنفسه، لأن ماله كماله، بدليل قوله عليه السلام «أنت ومالك لأبيك» (وفي المذهب) رواية أخرى بالقبول، قال الجمهور: فيما لا يجر به نفعا غالبا، نحو أن يشهد أحدهما لصاحبه بعقد نكاح، أو قذف، قال القاضي وأصحابه، وأبو محمد في المغني: أو مال، وهو مستغن عنه، لانتفاء التهمة غالبا، وأطلق القبول في الكافي، فإن ثبت الإطلاق فمستنده العمومات، ولا ريب أن المذهب على كل حال الأول.
قال: ولا شهادة الولد وإن سفل لهما وإن علوا.
ش: الخلاف في شهادة الولد لهما كالخلاف في شهادتهما له، والمذهب هنا كالمذهب ثم، إلا أن التهمة في شهادة الولد للوالد أخف من العكس، فلهذا (عن أحمد رواية ثالثة) تقبل شهادة الولد لهما، ولا تقبل شهادتهما له، وعللها بأن مال الابن لأبيه، بخلاف مال الأب، فإنه لا يضاف إلى ابنه، وقول الخرقي: ولا تجوز شهادة الوالدين إلى آخره، مقتضاه أن شهادة أحدهما على صاحبه تقبل، وهو المذهب بلا ريب، حتى إن أبا البركات جزم بذلك، إذ شهادته له إنما ردت للتهمة، ولا تهمة في شهادته عليه، وقد قال سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [النساء: 135] فأمر سبحانه بالشهادة عليهم، ولو لم تقبل لما كان في الشهادة عليهم فائدة، وحكى القاضي في المجرد رواية أخرى - وقال في الروايتين: نقلها مهنا - لا تقبل كما في الشهادة له، جعلا له كالفاسق.
تنبيه: الولد هنا والوالد المراد بهما من النسب، لا من الرضاع والزنا، والله أعلم.
قال: ولا السيد لعبده.
ش: لأن العبد له، فشهادته له شهادة لنفسه في الحقيقة.
قال: ولا العبد لسيده.
ش: لأنه متهم، وقد دخل في كلامه المكاتب لا تجوز شهادته لسيده، لأنه عبد له.
قال: ولا الزوج لامرأته، ولا المرأة لزوجها.
ش: هذا هو المذهب المشهور، المجزوم به عند الأكثرين، لتبسط كل منهما في مال الآخر عادة، فأشبه الولد مع الوالد وبالعكس، ولهذا أضيف مال أحدهما إلى الآخر، قال سبحانه وتعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] وقال {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 53] فأضاف البيوت إليهن تارة، وإلى النبي صلى الله عليه وسلم أخرى، (وعن أحمد) رحمه الله رواية أخرى: تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، تمسكا بالعمومات، وقد خرج من كلام الخرقي شهادة أحدهما على صاحبه، فتقبل بلا خلاف، وهو أمثل الطريقتين، والطريقة الثانية في ذلك الخلاف أيضا، والله أعلم.
قال: وشهادة الأخ لأخيه جائزة.
ش: للعمومات، ولا يصح إلحاقه بالوالد والولد،
لضعف التهمة في حقه أو انتفائها، وقد علم من كلام الخرقي قبول شهادة كل قريب ما عدا الوالدين والمولودين بطريق الأولى، وكذلك الأجنبي، وإن كان صديقا ملاطفا، على الأشهر المقطوع به عند الشيخين وغيرهما.
قال: وتجوز شهادة العبد في كل شيء إلا في الحدود.
ش: مذهبنا قبول شهادة العبد في كل شيء ما عدا الحدود والقصاص، لأنه منا ومن رجالنا، وممن نرضاه، ومن ذوي العدل، فدخل في الآيات الكريمات، وكما في روايته وفتياه، وأخباره الدينية.
3853 -
وفي الصحيح «عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما. فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «كيف وقد زعمت» وفي رواية: فنهاه عنها، وفي رواية «دعها عنك» ودعوى أنه لا مروءة له ممنوع، بل هو كالحر، ينقسم إلى من له مروءة ومن لا مروءة له، وقد كان كثير من سلف هذه الأمة وعلمائها وصالحيها موالي، ولم يحدث فيهم بالإعتاق إلا الحرية والحرية لا تحدث علما ولا
دينا، واختلف في الحدود والقصاص (فعنه) تقبل فيهما أيضا، وهو اختيار القاضي يعقوب، وإليه ميل ابن عقيل في التذكرة، فإنه قال: لي عن أحمد منع في الحدود، وذلك لما تقدم من العمومات (وعنه) لا تقبل، لما في شهادته من الخلاف، إذ كثير من الفقهاء أو أكثرهم لا يقبلها، وذلك شبهة، والحدود والقصاص تندرئ بالشبهة، وقيل: يقبل في القصاص، لأنه حق لآدمي، مبني على الشح والضيق، لا الحدود، لأنها حق لله تعالى، وحقوق الله سبحانه مبنية على المساهلة والمسامحة، وهو ظاهر كلام الخرقي.
قال: وتجوز شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء.
ش: أي الأحرار، لدخولها في {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] الآية، مع حديث عقبة المتقدم.
(تنبيه) حكم المكاتب والمدبر، وأم الولد حكم القن في ذلك، وكذلك المعتق بعضه، قاله أبو محمد في المغني، ولا معنى لقول ابن حمدان في الكبرى: قلت: وكذا المعتق بعضه.
قال: وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره.
ش: لعموم الآيات، ولأنه عدل مقبول الشهادة في غير الزنا، فيقبل في الزنا كغيره.
قال: وإذا تاب القاذف قبلت شهادته.
3854 -
ش: لعموم «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» .
3855 -
«التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يجب ما قبله» أي يقطع ما
قبله، وإذا يصير كمن لم يقذف، ولأنه تائب من ذنبه، فقبلت شهادته كالتائب من الزنا، أو قتل النفس، بل أولى، لأنها أعظم من القذف، وأما قوله سبحانه وتعالى:{وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور: 4] فمعناه إن لم يتوبوا، بدليل آخر الآية، بناء عندنا على أن الاستثناء إذا تعقب جملا عاد إلى جميعها، ما لم يمنع منه مانع، وبيان ذلك له موضع آخر.
3856 -
ويدل عليه هنا ما يروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي بكرة رضي الله عنه حين شهد على المغيرة به شعبة رضي الله عنه: لست أقبل شهادتك.
ولم ينكر ذلك منكر فكان إجماعا.
3857 -
قال: سعيد بن المسيب: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة رجال أبو بكرة، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، ونكل زياد، فجلد عمر رضي الله عنه الثلاثة، وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم.
فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما، وأبى أبو بكرة فلم تقبل شهادته، وكان قد عاد مثل النصل من العبادة.
3858 -
وما رواه ابن ماجه بسنده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام» فقال ابن عبد البر: لم يرفعه من روايته حجة.
ثم يدل على ضعفه قبول شهادة كل محدود تائب في غير القذف، انتهى.
واللام في القاذف للعهد، أي القاذف بالزنا، ويحتمل أنها للجنس، فيدخل فيه القذف
بالشتم ونحوه، وهو أمشى على ما قال أبو محمد، فإنه أي القاذف بالشتم ترد شهادته وروايته، وهذا يدل على أن القذف بالشتم ونحوه عنده كبيرة، وإلا كان اعتبر تكرر ذلك، وإطلاق الخرقي يقتضي: وإن لم يجلد، وهو كذلك عندنا، لأن الله سبحانه رتب على رمي المحصنات ثلاثة أشياء، الجلد، وانتفاء الشهادة، والفسق، فيتبين بمجرد الرمي.
(تنبيه) إذا جاء القاذف مجيء الشاهد كما في قصة الذين شهدوا على المغيرة، فإن شهادته ترد دون روايته، بدليل ما تقدم عن عمر في حق أبي بكرة رضي الله عنهما، مع أنه مقبول الرواية بلا تردد، بخلاف من قصد الشتم والقذف، فإن شهادته وخبره وفتياه لا يقبلن حتى يتوب.
قال: وتوبته بأن يكذب نفسه.
ش: هذا هو المشهور من المذهب، جزم به القاضي في الجامع الصغير، وأظن وفي التعليق الكبير، والشريف وأبو الخطاب في خلافيهما، وابن عقيل في التذكرة وغيرهم.
3859 -
لأنه يروى عن عمر رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 5]
قال: «توبته إكذاب نفسه» » .
وهذا نص إن ثبت، ولأن عرض المقذوف تلوث بالقذف، والإكذاب يزيل ذلك التلوث، فيصير كأن لم يوجد قذف وهو المقصود، وفرق القاضي أظنه في المجرد، وزعم أنه المذهب، فقال إن كان قذفه بالسب والشتم فكما تقدم، وإن كان بالشهادة فتوبته أن يقول: القذف حرام باطل، ولن أعود إلى ما قلت.
حذارا من أن يكون صادقا، فلا يؤمر بالكذب، ونحو هذا قال السامري، ولفظه: ندمت على ما كان مني، ولا أعود إلى ما أتهم فيه.
قال: ولا يقول: ولا أعود إلى ما كان مني.
لما فيه من منع الشهادة، واختار أبو محمد في المغني أنه إن لم يعلم صدق نفسه فكالأول، وإن علم صدقه فتوبته الاستغفار والإقرار ببطلان ما قاله، وتحريمه، وأنه لا يعود إلى مثله، وعلله بأنه قد يكون كاذبا في الشهادة، صادقا في السب، ونحو هذا جزم به في
الكافي، وفيه نظر، فإن الكذب مخالفة الواقع، والصادق لم يخالف الواقع، فكيف يقر ببطلان ما قاله، ثم كيف يكون كاذبا في الشهادة، مع أنه صادق فيما لفظ به، نعم الشرع منعه من الشهادة حيث لم يكمل النصاب ونحو ذلك، فإن قيل: إن الله سبحانه جعله عنده - أي في حكمه - كاذبا مطلقا، قلنا: فإذا يتوجه إطلاق الخرقي والأكثرين، ويكون تكذيبه نفسه راجعا لما في حكم الله سبحانه، وحكى في المقنع قولا ظاهره أنه رابع أنه إن علم صدق نفسه فتوبته أن يقول: قد ندمت على ما قلت، ولا أعود إلى مثله، وأنا تائب إلى الله تعالى منه.
وهو حسن.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يعتبر مع توبة القاذف إصلاح العمل، وجزم به كثير من الأصحاب، وظاهر كلام أبي محمد في المقنع - وتبعه ابن حمدان - أن فيه الخلاف الآتي، ومقتضى ما في المغني نفي الخلاف من القاذف بلفظ الشهادة، أما غير القاذف فهل يكتفى بمجرد توبته، أو لا بد من إصلاح عمله سنة؟ فيه روايتان مشهورتان، المشهور منهما الأول، ولأبي محمد في الكافي احتمال أنه يعتبر مضي مدة نعلم
توبته فيها، من غير توقيت، والقاضي يجعل محل الخلاف في غير المبتدع، أما المبتدع فيعتبر له مضي سنة، وهو مقتضى كلام السامري.
(تنبيه) : هل من إصلاحه مجانبة من كان يواليه في ذلك أم لا؟ على روايتين. والله أعلم.
قال: ومن شهد وهو عدل بشهادة قد كان شهد بها وهو غير عدل وردت عليه لم تقبل منه في حال عدالته.
ش: هذا هو المذهب المعروف، المجزوم به عند الأكثرين، لأنه يتهم بأدائها، لما لحقه بردها من الغضاضة والمعيرة، فيحتمل أنه أظهر العدالة ليزول عنه ما حصل له من ذلك، ولا يرد ما إذا ردت لكفره أو صغره، أو جنونه أو رقه، أو حرابته ثم أعيدت بعد زوال ذلك، فإنها تقبل على الأصح، لانتفاء التهمة في ذلك غالبا أو قطعا، وأيضا الفسق يخفى فيحتاج في معرفته إلى بحث واجتهاد، وكذلك العدالة، وإذا نقول شهادة مردودة بالاجتهاد، فلا تقبل بالاجتهاد، حذارا من نقض الاجتهاد بالاجتهاد، ومن ثم قيل - وصححه أبو
البركات، وقال أبو محمد في الكافي: إنه الأولى - فيما إذا ردت لتهمة رحم، أو زوجية، أو عداوة، أو جلب نفع، أو دفع ضرر، ثم زال ذلك: إنها لا تقبل لذلك، وقيل - وقال في المغني: إنه الأشبه بالصحة - يقبل نظرا للتعليل الأول، إذ لا عار على الشاهد في الرد بذلك، بخلاف الرد بالفسق، والله أعلم.
قال: وإن كان لم يشهد بها عند الحاكم حتى صار عدلا قبلت منه.
ش: إذ العدالة - وكذلك البلوغ والإسلام والحرية - إنما تعتبر حال الأداء، لأنه حال ترتب الحكم، بخلاف ما قبل ذلك، ولذلك قبلت رواية من كان صبيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كابن عباس، والنعمان بن بشير، وغيرهما رضي الله عنهم من صبيان الصحابة، وقد أجمع الناس على إحضار الصبيان مجالس السماع، وفائدته ذلك، والله أعلم.
قال: ومن شهد وهو عدل فلم يحكم بشهادته حتى حدث منه ما لا تجوز شهادته معه لم يحكم بها.