الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والحكم فيما إذا بان الشهود عبيدا حكم ما إذا بانوا كفارا عند أبي محمد في مغنيه، وقال أبو البركات: للحاكم والحال هذه نقضه إذا كان لا يرى قبولهم في ذلك، وعلى هذا إن لم ينقضه فلا ضمان، وإن نقضه كان ما تقدم.
(تنبيه) لو كان المحكوم به قودا ثم بان ما تقدم، فمقتضى كلام أبي محمد في مغنيه أن الحكم كذلك، وقال أبو البركات: يرجع ببدل القود المستوفى على المحكوم له.
قال: وإذا ادعى العبد أن سيده أعتقه، وأقام شاهدا حلف مع شاهده وصار حرا.
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار أبي بكر، والرواية الثانية لا يثبت إلا بشاهدين، اختارها الشريف أبو الخطاب في خلافيهما، وغيرهما، واختلف اختيار القاضي، فتارة اختار الأول، وتارة اختار الثاني، كأنه آخر قوليه، ومنشأ الخلاف أن من نظر إلى أن العتق إتلاف مال في الحقيقة قال بالأول كبقية الإتلافات، ومن نظر إلى أن العتق نفسه ليس بمال، وإنما المقصود به تكميل الأحكام قال بالثاني: وصار ذلك كالطلاق والقصاص ونحوهما، والله أعلم.
[حكم شهادة الزور]
قال: ومن شهد شهادة زور أدب، وأقيم للناس في المواضع التي يشتهر بها أنه شاهد زور إذا تحقق تعمده لذلك.
3869 -
ش: أما أدبه فاتباعا لعمر رضي الله عنه، ولأنه أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة، تضر بالناس، فأشبه السب بل أولى، ويؤدب بما يراه الحاكم من جلد أو حبس، أو كشف رأس ونحو ذلك، وأما قيامه للناس في المواضع التي يشتهر فيها فليعرفه الناس فيجتنبوه، فيؤتى به في سوقه أو في قبيلته ونحو ذلك، فيطاف به ويقال: هذا شاهد زور فاجتنبوه.
وهذا كله إذا تحقق تعمده لشهادة الزور، وذلك إما بإقراره أو بما يلزم ذلك منه قطعا، بأن يشهد على رجل بعقد في مصر، ويعلم أنه في ذلك الوقت في الشام، أو يشهد بقتل رجل وهو حي ونحو ذلك، أما إذا لم يتحقق كما في تعارض
البينتين، أو ظهور فسق ونحو ذلك فلا، لأن الفاسق قد يكون صادقا، والتعارض لا يعلم به كذب إحدى البينتين بعينها.
وقد علم من كلام الخرقي أن شهادة الزور حرام، ولا ريب في ذلك، بل هي من أعظم الكبائر أو أعظمها، وقد قرنها الله سبحانه بالأوثان فقال:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] .
3870 -
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: «ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر، أو ذكر الكبائر فقال: «الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين» وقال «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو قال شهادة الزور» .
3871 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار» رواه ابن ماجه.
وكيف لا يكون كذلك وهو من الساعين في الأرض بالفساد، بل هو أعظم من المحاربين، لإمكان الاحتراز منهم، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، وعلى هذا فينبغي المبالغة في تعزيره بما يردعه ويكف شره، ولكي يرتدع أمثاله، والله أعلم.
قال: وإن غير العدل شهادته بحضرة الحاكم، فزاد فيها أو نقص قبلت منه ما لم يحكم بشهادته.
ش: وذلك بأن يقول فيما إذا شهد بمائة ثم قال: بل هي مائة وعشرة؛ أو بل هي خمسون ونحو ذلك، وذلك لاحتمال دخول السهو والغلط عليه الذي لا يسلم منه إنسان، والفرض أنه عدل غير متهم، فقبلت زيادته أو نقصه، كما لو تم على
الأولى، وقوله: ما لم يحكم بشهادته. احترازا مما إذا حكم بها فإنه لا تقبل زيادته ولا نقصه، لثبوت الحق الحكم، والله أعلم.
قال: وإذا شهد شاهد بألف، وآخر بخمسمائة حكم لمدعي الألف بخمسمائة، وحلف مع شاهده على الخمسمائة الأخرى إن أحب.
ش: أما كونه يحكم لمدعي الألف بخمسمائة فلحصول الاتفاق عليها من الشاهدين، وأما كونه يحلف مع شاهده على الخمسمائة الأخرى إن أحب فمبني على الحكم بشاهد ويمين وقد تقدم ذلك، وهذا مع الإطلاق كما صوره الخرقي، أو مع الاتفاق على السبب أو الصفة، أما مع الاختلاف، كأن يشهد أحدهما بألف من قرض، والآخر بخمسمائة من ثمن مبيع، أو أحدهما بألف بيض، والآخر بخمسمائة سود ونحو ذلك، فإن البينة لا تكمل على شيء، ويكون للمدعي بما ادعاه منهما شاهد واحد، فيحلف معه إن أحب، والله أعلم.
قال: ومن ادعى شهادة عدل فأنكر العدل أن تكون عنده، ثم شهد بها بعد ذلك، وقال: كنت قد أنسيتها. قبلت منه. ولم ترد شهادته.
ش: لأن الفرض أنه عدل، وما ادعاه من النسيان محتمل، فلا يرد قوله مع احتمال صدقه، وعدم تحقق قادح في عدالته.
قال: ومن شهد شهادة تجر إلى نفسه نفعا بطلت شهادته في الكل.
ش: وذلك بأن يشهد على زيد بدار له ولعمرو، ونحو ذلك، لأنها شيء واحد، فإذا بطل بعضه بطل كله، إذ الشيء يفوت بفوات جزئه، وخرج أبو محمد قولا آخر أن البطلان يختص بما هو متهم فيه، قال: من قولنا في عبد بين ثلاثة، اشترى نفسه منهم بثلاثمائة درهم، فادعى أنهم قبضوها منه، فأنكر أحدهم أن يكون أخذ شيئا، فأقر له اثنان وشهدا على المنكر بالقبض، فإن شهادتهما تقبل عليه في عتق حصته، وبراءة المكاتب منه على المنصوص، والله أعلم.
قال: وإذا مات رجل وخلف ابنا وألف درهم، فادعى رجل على الميت ألف درهم، فصدقة الابن، وادعى آخر مثل ذلك وصدقة الابن، فإن كان في مجلس واحد كانت الألف بينهما، وإن كانا في مجلسين كانت الألف للأول، ولا شيء للثاني.
ش: وضع هذه المسألة إذا مات رجل وخلف وارثا وتركة، فأقر الوارث لشخص بدين على مورثه يستغرق التركة، ثم أقر
لآخر، فإن كان في مجلسين فهي للأول بالإقرار، ولا شيء للثاني، لأنه إقرار على الغير وإنه غير مقبول، ولأن إقراره الأول منع من تصرفه في التركة تصرفا يضر بالأول، فلم يقبل إقراره عليه، كإقرار الراهن بجناية عبده المرهون، وإن كان في مجلس واحد فهل هي للأول لتعلق حقه بمجرد الإقرار له، أو يتشاركان فيها وهو قول الخرقي، وجزم به أبو محمد، لأن حال المجلس كحالة العقد، فهو كما لو أقر لهما معا، أو إن تواصل الإقراران تشاركا وإلا اختص الأول بها، وهو ظاهر كلام أحمد وهو حسن؟ على ثلاثة أقوال.
(تنبيه) لو كان الإقرار بعين التركة أولا، ثم أقر بها ثانيا، فإنها تكون للأول ثم يغرمها للثاني، لأنه حال بإقراره بينه وبينها.
قال: وإذا ادعى على مريض دعوى فأومأ برأسه أي نعم لم يحكم بها عليه حتى يقول بلسانه.
ش: ملخصه أنه لا يصح الإقرار بالإشارة من الناطق، وإن عجز عن الكلام في الحالة الراهنة، لأنه ناطق بالقوة، فأشبه الناطق بالفعل، ويخرج لنا صحة إقرار من اعتقل لسانه، وأيس من نطقه، كما في لعانه في وجه، وتعليل أبي محمد يقتضيه،
لأنه علل المسألة بأنه غير ميئوس من نطقه، فأشبه الصحيح، وقوله: على مريض: يخرج الصحيح، وهو على ضربين، من لا يصح إقراره بالإشارة بلا ريب، وهو القادر على النطق، ومن يصح إقراره بالإشارة إن فهمت وهو الأخرس، والله أعلم.
قال: ومن ادعى دعوى وقال: لا بينة لي. ثم أتى بعد ذلك ببينة لم تقبل، لأنه مكذب لبينته.
ش: هذا منصوص أحمد، وبه جزم أبو الخطاب في الهداية، وأبو محمد في مغنيه وكافيه، وغيرهما، لما علل به الخرقي من أنه مكذب لبينته، لإخباره بأنه لا بينة له، وقيل - وهو احتمال لأبي محمد في المقنع - يقبل سواء أحلفه الحاكم أو لم يحلفه، لاحتمال أن تكون البينة سمعت ذلك من غير أن يعلم، فأشبه ما لو قال: لا أعلم لي بينة. أو لاحتمال أن يكون قال ذلك عن نسيان، والله أعلم.
قال: وإذا شهد الوصي على من هو موصى عليهم قبلت شهادته.
ش: هذا والله أعلم اتفاق، لأنه غير متهم في ذلك، وقد يخرج عدم القبول من رواية عدم قبول شهادة عمودي
النسب بعضهم على بعض، والله أعلم.
قال: وإن شهد لهم لم تقبل إذا كانوا في حجره.
ش: لأنه متهم في ذلك، لجواز ذلك عند الحاجة إليه، ولأنه هو الذي يخاصم لهم، فلم تقبل شهادته لهم، كما لو شهد لنفسه، وقوله: إذا كانوا في حجرة. يحترز عما لو شهد لهم بعد زوال ولايته عنهم، فإن شهادته إذا تقبل لزوال المقتضي للمنع، والحكم في أمين الحاكم يشهد ليتيم تحت ولايته كالحكم في الوصي سواء، ونص الخرقي على هذه المسألة يؤيد أن قوله ثم: ولا تقبل شهادة خصم. أن مراده العدو.
قال: وإذا شهد من يخنق في الأحيان قبلت شهادته في حال إفاقته.
ش: حكى ابن المنذر هذا إجماعا ممن يحفظ عنه من أهل العلم، ويشهد له أن الاعتبار في الشهادة بحال أدائها، بدليل الصبي إذا كبر، وهذه العبارة تشعر بأن الغالب عليه الإفاقة، وهي عبارة الشيخين، ونحوها عبارة ابن حمدان قال: