الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْجُمُعَة أَن أَصْحَابنَا اخْتلفُوا فِي قَوْله: «وَمن مَسّه فَليَتَوَضَّأ» عَلَى وُجُوه مِنْهَا أَنه عَلَى ظَاهره وَيجْعَل الْوضُوء وَاجِبا عَلَيْهِ، قَالُوا: لِأَن بدنه بِالْمَوْتِ صَار عَورَة (وَقيل) : إِن النّظر إِلَى بدنه حرَام إِلَّا لضَرُورَة فَصَارَ كبدن الْمَرْأَة كَذَا ذكره، وَهُوَ غَرِيب، وَجزم ابْن يُونُس أَيْضا فِي «شرح التَّعْجِيز» بِأَن بدنه عَورَة، وَيحرم النّظر إِلَى جَمِيع بدنه، وَلَا أعلم من ذكر ذَلِك غَيرهمَا.
الحَدِيث السَّابِع
رُوِيَ أنَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن» .
هَذَا الحَدِيث فِيهِ مقَال رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش - بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تَحت، ثمَّ شين مُعْجمَة - الْعَنسِي - بالنُّون - (الْحِمصِي، عَالم أهل الشَّام) عَن مُوسَى بن عقبَة، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا بِهِ. وَقد وَقع لنا بعلو كَمَا ذكرته بإسنادي فِي «تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: لَا نَعْرِف هَذَا الحَدِيث إِلَّا من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن مُوسَى بن عقبَة. قَالَ: وَسمعت مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل -
يَعْنِي: البُخَارِيّ - يَقُول: إِن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش يروي عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق أَحَادِيث مَنَاكِير. كَأَنَّهُ ضعف رِوَايَته عَنْهُم فِيمَا ينْفَرد بِهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا (حَدِيثه) عَن أهل الشَّام - أَي وَحَدِيثه هَذَا عَن أهل الْحجاز، كَمَا صرح بِهِ عبد الْحق (فِي «أَحْكَامه» ) - وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: إِسْمَاعِيل أصلح من بَقِيَّة.
قَالَ أَبُو بكر الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَّا إِسْمَاعِيل، وَلَا نعلم يرْوَى عَن ابْن عمر من وَجه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، وَلَا يرْوَى عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الْحَائِض إِلَّا من هَذَا الْوَجْه.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» : لَيْسَ هَذَا بِالْقَوِيّ، وَاسْتشْهدَ بِهِ فِي «الْمعرفَة» وَقَالَ: إِن سلم (من) إِسْمَاعِيل وَمن تَابعه.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه، نَا عبد الله بن حَمَّاد الآملي، عَن عبد الْملك بن (مسلمة) عَن الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن، عَن مُوسَى بن عقبَة، وَلم يذكر الْحَائِض، وَمن حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الحساني، عَن رجل، عَن أبي معشر، عَن مُوسَى بِهِ بِذكر الْحَائِض، وَمن حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، عَن مُوسَى بن عقبَة
و (عبيد الله) بن (عمر) ، عَن نَافِع بِهِ، و (فيهمَا) رد عَلَى قَول الْبَزَّار أَنه (لَا نعلم رَوَاهُ عَن مُوسَى بن عقبَة إِلَّا إِسْمَاعِيل؛ فقد تَابعه الْمُغيرَة وَأَبُو معشر) وَصحح شَيخنَا الْحَافِظ فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي «شَرحه لِلتِّرْمِذِي» طَرِيق الْمُغيرَة، وَنقل تَوْثِيق رواتها مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه، ذكره الْخَطِيب فِي «تَارِيخه» وَقَالَ: ثِقَة. والآملي أخرج لَهُ البُخَارِيّ، وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان، والمغيرة هُوَ الْحزَامِي مُتَّفق عَلَيْهِ، قَالَ: فَالْحَدِيث إِذا صَحِيح الْإِسْنَاد؛ لِأَن إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش لم ينْفَرد بِهِ عَن مُوسَى بن عقبَة.
قلت: لَكِن فَاتَ شَيخنَا ذكر حَال عبد الْملك بن مسلمة الَّذِي يرويهِ عَن الْمُغيرَة، وَهُوَ ضَعِيف؛ فقد قَالَ ابْن حبَان: يروي مَنَاكِير كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن يُونُس: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: (مُضْطَرب) لَيْسَ بِقَوي، حَدثنِي بِحَدِيث فِي الْكَرم عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عَن جِبْرِيل مَوْضُوع. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عبد الْملك هَذَا كَانَ بِمصْر، وَهَذَا غَرِيب عَن مُغيرَة
بن عبد الرَّحْمَن وَهُوَ ثِقَة. وَضَعفه الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» أَيْضا.
قلت: فَلَو سلم الْإِسْنَاد من هَذَا الرجل لصَحَّ. وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فأعل هَذِه الطَّرِيقَة فِي «تَحْقِيقه» بمغيرة بن عبد الرَّحْمَن وَقَالَ: إِنَّه مَجْرُوح ضَعِيف. وَهُوَ عَجِيب مِنْهُ؛ فمغيرة هَذَا أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَة، وَهُوَ ثِقَة، قَالَ أَحْمد: مَا بحَديثه بَأْس. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: رجل صَالح. نعم؛ وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ عَبَّاس (الدوري) عَن ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَأوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» لأجل هَذِه (المقولة) فِيهِ، وَلَيْسَ بجيد مِنْهُ؛ فقد قَالَ أَبُو دَاوُد: غلط عَبَّاس (عَلَى) ابْن معِين.
وَأما الطَّرِيقَة الثَّالِثَة الَّتِي أخرجناها عَن الدَّارَقُطْنِيّ، فَقَالَ ابْن عدي: لَيْسَ للْحَدِيث أصل من حَدِيث عبيد الله - يَعْنِي: الْعمريّ - وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِيهِ أَيْضا: إِنَّه حَدِيث ينْفَرد بِهِ إِسْمَاعِيل بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَإِسْمَاعِيل فِيمَا يروي (عَن) أهل (الْحجاز وَأهل) الْعرَاق غَيره أوثق مِنْهُ. ثمَّ نقل عَن يَحْيَى بن معِين أَن إِسْمَاعِيل كَانَ ثِقَة فِيمَا يروي عَن أَصْحَابه أهل الشَّام، وَمَا رَوَى عَن غَيرهم فخلط فِيهَا. وَقَالَ:(وَبَلغنِي) عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ أَنه قَالَ: إِنَّمَا يروي هَذَا: إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن مُوسَى بن عقبَة، وَلَا أعرفهُ من حَدِيث غَيره،
وَإِسْمَاعِيل مُنكر الحَدِيث عَن أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق.
قلت: وَفِي كَلَام البُخَارِيّ هَذَا مَا أسفلناه (عَلَى) كَلَام الْبَزَّار.
وَأما الطَّرِيقَة الثَّانِيَة فَهِيَ معلولة من وَجْهَيْن: جَهَالَة الرجل وَضعف أبي معشر - وَهُوَ نجيح السندي - قَالَ ابْن نمير: كَانَ لَا يحفظ الْأَسَانِيد. وأجمل عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» القَوْل فِي ضعف (هَذَا الطَّرِيق) فَقَالَ: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من غير طَرِيق إِسْمَاعِيل وَلَا يَصح أَيْضا. ثمَّ قَالَ: وَأحسن مَا (فِيهِ) حَدِيث سُلَيْمَان (بن مُوسَى) الْآتِي.
(قلت:)(ذَاك) فِي مس الْمُصحف لَا فِي قِرَاءَة الْجنب، كَمَا ذكره هُوَ بعد، وَقد أسلفناه (فِي الْبَاب) قبله فِي أثْنَاء الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين.
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي وَذكر حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش
…
فَذكره من طَرِيق التِّرْمِذِيّ وَمن تَابعه، فَقَالَ أبي: هَذَا خطأ؛ إِنَّمَا هُوَ عَن ابْن عمر قَوْله. وَفِي كتاب «الْخلال» و «ضعفاء الْعقيلِيّ» عَن عبد الله - يَعْنِي: ابْن أَحْمد بن حَنْبَل - وَذكر هَذَا الحَدِيث؛ قَالَ (أبي) : هَذَا بَاطِل أنكر عَلَى إِسْمَاعِيل. يَعْنِي: أَنه وهم مِنْهُ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» أَن فِيهِ (نظرا) وَرَوَى عَن البُخَارِيّ نَحوا مِمَّا سلف. وَقَالَ الضياء الْمَقْدِسِي فِي «أَحْكَامه» : إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش تكلم فِيهِ غير وَاحِد من أهل الْعلم، غير أَن بعض الْحفاظ قَالَ: قد رُوِيَ من غير طَرِيقه بِإِسْنَاد لَا بَأْس (بِهِ) وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى الطَّرِيقَة الَّتِي صححت (وَبينا وهنها)(و) أَشَارَ إِلَى قَول ابْن عَسَاكِر فِي «أَطْرَافه» : قد رَوَاهُ عبد الله بن حَمَّاد الآملي، عَن القعْنبِي، عَن الْمُغيرَة، عَن مُوسَى بن عقبَة. لَكِن قَوْله عَن القعْنبِي الظَّاهِر وهمه فِيهِ؛ فَإِن عبد الله بن حَمَّاد إِنَّمَا رَوَاهُ عَن عبد الْملك بن مسلمة عَن الْمُغيرَة كَمَا تقدم، وَهُوَ ضَعِيف كَمَا سلف أَيْضا.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» بعد (ذكر) رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش: وَرُوِيَ أَيْضا عَن غَيره، عَن مُوسَى بن عقبَة - وَهُوَ ضَعِيف - ثمَّ سَاق مُتَابعَة الْمُغيرَة وَأبي معشر السالفتين.
وَأما الْمُنْذِرِيّ؛ فَإِنَّهُ حسن الحَدِيث، فَقَالَ فِي (الْقطعَة) الَّتِي خرجها من أَحَادِيث (الْمُهَذّب) بِالْإِسْنَادِ: هَذَا حَدِيث حسن، وَإِسْمَاعِيل تكلم فِيهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ جمَاعَة من الْأَئِمَّة.
قلت: وَحَاصِل مقالات الْحفاظ فِي إِسْمَاعِيل ثَلَاث:
أَحدهَا: ضعفه مُطلقًا. ثَانِيهَا: ثقته مُطلقًا. ثَالِثهَا: أَنه ضَعِيف فِي غير الشاميين، و (عَلَيْهِ) الْأَكْثَرُونَ.
قَالَ الْفَسَوِي: تكلم قوم فِيهِ، وَهُوَ ثِقَة عدل أعلم النَّاس بِحَدِيث الشَّام، أَكثر مَا تكلمُوا فِيهِ قَالُوا: يغرب عَن ثِقَات الْحجاز. وَقَالَ عَبَّاس عَن يَحْيَى: هُوَ ثِقَة. وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة عَنهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْس فِي أهل الشَّام. وَقَالَ دُحَيْم: هُوَ فِي الشاميين غَايَة وخلط عَن الْمَدَنِيين. وَقد أسلفنا قَول البُخَارِيّ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لين، مَا أعلم (أحدا) كف عَنهُ إِلَّا أَبُو إِسْحَاق (الْفَزارِيّ) . أَي: فَإِنَّهُ قَالَ: ذَا رجل لَا يدْرِي مَا يخرج من رَأسه! وَقَالَ النَّسَائِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حبَان: كثير الْخَطَأ فِي حَدِيثه؛ فَخرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: مَا كَانَ أحد أعلم بِحَدِيث أهل الشَّام مِنْهُ لَو ثَبت عَلَى حَدِيث أهل الشَّام، وَلكنه خلط فِي حَدِيثه عَن أهل الْعرَاق. وَقَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» فِي حَدِيث «إِذا قاء أحدكُم» : هُوَ سَاقِط؛ لَا سِيمَا عَن الْحِجَازِيِّينَ. وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَا يحْتَج بِهِ. وَعبارَة الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِيهِ: وَثَّقَهُ أَحْمد وَيَحْيَى بن معِين مُطلقًا. وَأَثْنَى يزِيد بن هَارُون عَلَى حفظه ثَنَاء بليغًا (أَي) فَقَالَ: مَا رَأَيْت أحفظ مِنْهُ، مَا أَدْرِي (مَا) الثَّوْريّ؟ !
قلت: وَصحح لَهُ التِّرْمِذِيّ غير مَا (حَدِيث) من رِوَايَته عَن أهل
بَلَده خَاصَّة، مِنْهَا حَدِيث:«لَا وَصِيَّة لوَارث» وَحَدِيث « (بِحَسب) ابْن آدم أكلات يقمن صلبه» وَحَدِيثه هَذَا - أَعنِي: الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ - قد علمت أَنه لم ينْفَرد بِهِ، وتوبع عَلَيْهِ، وَله شَاهد أَيْضا من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا:«لَا تقْرَأ الْحَائِض وَلَا النُّفَسَاء شَيْئا من الْقُرْآن» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ قبل الزَّكَاة فِي «سنَنه» من حَدِيث مُحَمَّد بن الْفضل، عَن أَبِيه، عَن طَاوس، عَن جَابر بِهِ، وَمُحَمّد هَذَا مَتْرُوك وَنسب إِلَى الْوَضع، ووالده ثِقَة.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفا عَلَيْهِ من حَدِيث يَحْيَى بن أبي أنيسَة، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، وَقَالَ:«لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض وَلَا النُّفَسَاء شَيْئا من الْقُرْآن» وَيَحْيَى هَذَا مَتْرُوك؛ كَمَا (قَالَه) أَحْمد وَغَيره، وَأَبُو الزبير يحْتَاج إِلَى دعامة، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الْأَثر لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَصَحَّ عَن عمر رضي الله عنه «أَنه كَانَ يكره أَن يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ جنب» قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» بعد أَن سَاقه بِإِسْنَادِهِ: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح.