الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولذلك اهتم به عبد القاهر، وأوسعه شرحًا وتفصيلًا في (دلائل الإعجاز) لأنه السبيل إلى فهم بلاغة القرآن الكريم، والوقوف على أسرار إعجازه، وخروجه عن طوق البشر.
مراتب البلاغة، وأهمية تربية الملكة على التكلم بالكلام البليغ
ولو أخذنا في الاعتبار مراتب البلاغة في الكلام لوجدنا أن درجات الكلام البليغ تتفاوت في الحسن، ويعلو بعضه على بعض تبعًا لاستيفاء مقومات البلاغة من مراعاة الأحوال والمقتضيات التي بها يرتقي الكلام ويزداد حسنًا وجمالًا، ويعلو قدره في ميزان البلاغة؛ ولذلك قسم البلاغيون البلاغة إلى ثلاث طبقات: عليا؛ هي بلاغة القرآن الكريم. ووسطى. ودنيا تتفاوت فيها بلاغة البلغاء من البشر.
يقول الخطيب القزويني في (الإيضاح): "وللبلاغة طرفان، أعلى إليه تنتهي، وهو حد الإعجاز وما يقرب منه، ويتمثل في القرآن الكريم بألفاظه ومعانيه ونظمه ومطابقته لمقتضيات الأحوال المختلفة مع دقة التعبير وقوة التأثير". ثم يقول: "وأسفل منه تبتدئ، وهو ما إذا غُير الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات، وإن كان صحيح الإعراب، وبين هذين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة في درجاتها، يعلو بعضها على بعض بحسب اختلاف المقامات ومراعاة الخصائص والاعتبارات المناسبة، والبعد عن أسباب الإخلال بالفصاحة". ويتبع البلاغة وجوه كثيرة تورث الكلام حسنًا وقبولًا، وتكسوه بهاء ونضارة، وهي المحسنات اللفظية والمعنوية، والتي أطلقوا عليها اسم البديع.
بلاغة المتكلم: ذلك أن المتكلم البليغ هو الذي يستطيع التعبير عن معانيه بعبارات صحيحة ملائمة للموضوع الذي تقال فيه ومطابقة لأحوال المخاطبين، وقد عرفها البلاغيون بقولهم: هي ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ. والملكة: كيفية راسخة في النفس، يستطيع بها المتكلم أن يعبر عن مراده تعبيرًا بليغًا في أي معنى من المعاني: كالمدح والفخر، والهجاء والغزل والرثاء، وغير ذلك من الأغراض والمقاصد، فهو بليغ، وإن لم ينطق بالفعل؛ لأن لديه القدرة على صوغ الكلام البليغ. وهذه الملكة تتكون بالمران، وتنمية الموهبة الفطرية في إدراك الفروق بين الأساليب المختلفة، ولا بد من الاطلاع على روائع التراث الأدبي، والتأمل في عيون الشعر العربي للوقوف على مظاهر الحسن فيها، والتعرف على الأسباب التي من أجلها نالت هذه المنزلة وسمت إلى تلك المكانة، وعندئذ يصبح المتكلم من الخاصة العارفين بأساليب الكلام العربي ووجوه اعتباراته.
ولقد عرض الخطيب وشراح تلخيصه لمسألة: كيفية تربية الملكة لدى الناشئ. فذكر ضمن ما يجب أن يكون على ذُكر من طالب هذا العلم قول السكاكي: "ليس من الواجب في صناعة، وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق منها، فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق". وهذا الكلام لم يعجب بعض المحققين؛ إذ يرى هذا البعض أنه خيرًا من هذا ألا يقلد الناشئ إلى أن يتربى له الذوق، فيذوق بنفسه؛ لأن التقليد مذموم في كل علم. والحق أن هذا ما أشار
إليه الشيخ عبد القاهر في (دلائل الإعجاز) حيث ذكر ما مفاده: أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع، ولا يجد لديه قبولًا حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة وممن تحدثه نفسه بأنّ لما تومئ إليه من الحسن أصلًا، فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، فيجد الأريحية تارة، ويعرى منها أخرى، وإذا أعجبته تعجب، وإذا نبهته لموضع المزية انتبه.
فأما من كان الحالان عنده على سواء، وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة وإلا إعرابًا ظاهرًا، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع الذي يدرك به وزن الشعر، ويميز به مزاحفه من سالمه في أنك لا تتصدى لتعريفه لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف. يقول:"واعلم أن هؤلاء، وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإن من الآفة أيضًا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في شيء ما لم تعرف المزية فيه، ولا يعلم إلا أن له موقعًا من النفس وحظًّا من القبول، فهذا بتوانيه في حكم القائل الأول، واعلم أنه ليس إذا لم يكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل، ولأن تعرف العلة في بعض الصور فتجعله شاهدًا في غيره أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك، وتعودها الكسل والهوينى. قال الجاحظ: وكلام كثير جرى على ألسنة الناس، وله مضرة شديدة، وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم: لم يدع الأول للآخر شيئًا، فلو أن علماء كل عصر مذ حرت هذه الكلمة في أسماعهم تركوا الاستنباط لما لم ينته إليهم عمن قبلهم لرأيت العلم مختلًّا". كذا ذكره الخطيب القزويني بالتفصيل في كتابه (الإيضاح).
وخلاصة القول أنه يجب أن يكون المتكلم عارفًا بقواعد البلاغة التي تورث الكلام حسنًا وبهاء، وإلا جاز حمل الكلام الصادر منه على غير جهات الحسن، كأن يحمل كلامه المؤكد مثلًا على غير نفي الشك ورد الإنكار؛ لأنه لم يقصد إلى شيء من ذلك، فلا قيمة لكلامه في ميزان البلاغة. ولقد ظهر مما سبق أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى أمرين؛ أحدهما: الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وذلك إنما يتحقق بمراعاة مقتضى الحال. وثانيهما: تمييز الفصيح من غيره على مستوى الكلمة المفردة والتركيب كله، وذلك بمعرفة الأمور المخلة بالفصاحة: من التنافر والغرابة، ومخالفة الوضع اللغوي، وضعف التأليف والتعقيد، والبعد عن هذه العيوب حتى تتحقق الفصاحة التي هي شرط في البلاغة. وتمييز الفصيح من غيره منه ما ترجع معرفته إلى علم متن اللغة، كالغرابة، أو إلى علم الصرف والوضع اللغوي كمخالفة القياس، أو إلى علم النحو كضعف التأليف والتعقيد اللفظي، أو يدرك بالذوق السليم والحس الصادق، وهو التنافر، فلم يبق إلا التعقيد المعنوي الذي يحترز عنه بعلم البيان.
أما الخطأ في تأدية المعنى المراد، فالاحتراز عنه يكون بعلم المعاني، وأما تحسين الكلام وتزيينه بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال والفصاحة، فهذا هو موضوع علم البديع. وبذلك انقسمت البلاغة عند المتأخرين إلى هذه العلوم الثلاثة: علم المعاني، وهو ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، وعلم البيان، وهو ما يحترز به عن التعقيد المعنوي، وعلم البديع، وهو ما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال والفصاحة.