الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر المسند إليه
وننتقل ب الحديث الآن عن ذكر المسند إليه ودواعي ذلك.
ذكرنا فيما سبق أن محل البحث في حذف المسند إليه أو ذكره، هو التعرف على الأسرار البلاغية التي رجحت الحذفَ على الذكر، أو الذكرَ على الحذف، ولا يكون ذلك إلا إذا جاز الحذف والذكر لغة لوجود القرينة الدالة، وقد عرفنا بعض الأسرار المقتضية للحذف، ونريد أن نذكر بعض الأسرار والدواعي التي تقتضي ذكر المسند إليه.
ونذكر من ذلك:
كون المسند إليه هو الأصل ولا مقتضى للعدول عنه إلى الحذف؛ أي: أن الأصل أن يدل على المسند إليه باللفظ بشرط ألا يقصد المتكلم غرضًا من أغراض الحذف؛ فإذا قصَد المتكلم غرضًا من أغراض الحذف كانت البلاغة في الحذف، أما إذا لم يقصد المتكلم ذلك عدنا إلى الأصل وهو الذكر، وكانت النكتة فيه كونه الأصل، وليس في قصد المتكلم غرض يقتضي الانصراف عن الذكر إلى الحذف.
الأمر الثاني من دواعي ذكر المسند إليه: زيادة الإيضاح والتقرير للمسند إليه؛ أي: زيادة انكشافه لفهم السامع وتثبيته في نفسه؛ لأن المسند إليه المحذوف معلوم وواضح وثابت بالقرينة فكأنه مذكور، فإذا صرح به فكأنه ذكر ثانيًا؛ ف تحصل بذلك زيادة الإيضاح والتقرير، وإذا أراد المتكلم زيادة الإيضاح والتقرير للمسند إليه في نفس السامع اقتضى هذا الغرض أن يذكر المسند إليه؛ كما تقول مثلًا: هؤلاء جدو وهؤلاء نجحوا بتفوق، فتذكر المسند إليه وهو في الإشارة الثاني بقصد زيادة إيضاحه
وتقريره في ذهن السامع، وأن هؤلاء الذين ثبت لهم الجد هم أنفسهم الذين ثبت لهم النجاح بتفوق، وتكرار هؤلاء مَفاد اختصاصهم لكل واحد من الأمرين مميزًا لهم عمن عداهم، وفي هذا من الإيضاح والتقرير ما لا يخفى.
وقد يكون للمسند إليه مزيد تعلق بنفس المتكلم ذاته، ويعمد إلى الذكر تجاوبًا مع ما يحسه هو تجاه المسند إليه؛ مراعاةً لحاله، وانظر معي إلى قول مالك بن الريب في قصيدته التي قالها حين استشعر دنو الأجل وهو في خراسان، قال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
…
بجنب الغضى أزجي القلاص النواجيا
وليت الغضا لم يقطع الركب
…
وليت الغضا ماشي الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا
…
مزار ولكن الغضا ليس دانيا
والغضا: هو شجر في ديار أهله، والشعر في هذه الحالة النفسية القاسية التي يستشعر فيها دنو الأجل، ويستشعر فيها الإحساس بالغربة، ويفيض فيها الحنين والتعلق بالأهل، تراه مرتبط النفس بالغضا أقوى ما يكون الارتباط، لذلك ذكر لفظ المسند إليه الغضا وكرره أكثر من مرة، من هذا القبيل ذكر الشاعر اسم صاحبته بتكراره أحيانًا؛ لما يحسه تجاهها من حب جارف وشوق عال، ولما يشعر به من التلذذ عند جريان اسمها على لسان؛ كقول الشاعر مثلًا:
ألا ليت لُبنى لم تكن لي خلة
…
ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هي
حيث ذكر لبنى في الشطر الثاني، وكان يمكنه أن يستغني عن ذكر المسند إليه اسم صاحبته بالضمير المستتر بالفعل: ولم تلقني، ولكن الشاعر يحرص على ذكر الاسم؛ لأنه يحبه ويحب أن ينطق به دائمًا وأبدًا،
ومثل ذلك قول الآخر:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا
…
ليلاي منكن أم ليلى من البشر
فالذكر هنا لغرض التلذذ، وأيضًا مثل التلذذ ق صد التيمن والتبرك؛ إذ أن المتكلم في ذكره المسند إليه راعى حال نفسه أيضًا مستجيبًا لما يشعر به تجاه مدلول لفظ المسند إليه كما في قولك مثلًا: نبينا صلى الله عليه وسلم قائل هذا القول، جوابًا لِمَن سألك: هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا؟ فتذكره؛ تيمنًا وتبركًا بذكر اسمه، كقولك أيضًا لمن سألك قائلًا: هل الله يرضَى هذا؟ فتقول: الله يرضاه.
هذا؛ وكما يكون المقتضي بذكر المسند إليه زيادة إيضاحه وتقريره، يكون كذلك الداعي للذكر الإيضاح والتقرير بالمعاني المنسوبة إلى المسند إليه والأحكام المحكوم بها عليه، وإنما يعمد البليغ إلى ذكر المسند إليه ليبرز هذه الأحكام والمعاني في صورة بينة واضحة مؤكدة، ويكون السر الإيضاح والتقرير بدون إضافة كلمة زيادة، فترى هذا السر بذكر المسند إليه ماثلًا في قول ابن الدمينة يخاطب صاحبته أميمة، معارضًا لها حين عاتبته بقولها:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني
…
وأشمت بي مَن كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني
…
لهم غرضًا أرمى وأنت سليم
فلو أن قولًا يكلم الجسم قد بَدَا
…
بجسمي من قول الوشاة كلوم
فقد قال في جوابها:
وأنت التي قطعت قلبي حزازة
…
وفرقت قرح القلب فهو كليم
وأنت التي كلفتني دلج السرى
…
وجون القطر بالجهلتين جثوم
وأنت التي أحفظت قومي فكلهم
…
بعيد الرضا داني الصدود كظيم
حيث ذكر الشاعر ضمير صاحبته المسند إليه في كل بيت مسندًا إليها هذه الأخبار التي بدت بذكر المسند إليه في صورة واضحة مؤكدة، وحققت في الوقت نفسه ما أراده من العتاب والتثريب.
ومما ذكر فيه المسند إليه لغرض الإيضاح والتقرير الخبر وتأكيد الحكم المحكوم به على المسند إليه أيضًا قول الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (الرعد: 5) حيث ترى المسند إليه يُذكر ويكرر مع كل خبر عنه ومع كل حكم عليه، وكان من الممكن أن يكتفَى بذكره أولًا ويحذف بعد ذلك، ولكنه -والله أعلم- قصد إلى تقرير هذه الأخبار وتأكيد هذه الأحكام، فهم كفروا بربهم وهم الأغلال في أعناقهم وهم أصحاب النار، وفي هذا تكرار للمسند إليه من إعلان الغضب والوعيد ما لا يخفى.
ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (لقمان: 5) ففي إعادة ذكر المسند إليه زيادة تقرير وإيضاح، وإبراز لمكانة هؤلاء المؤمنين الذين آمنوا بالغيب وأقاموا الصلاة وأيقنوا بالدار الآخرة.
من هنا نعلم أن ذكر المسند إليه كما يكون لزيادة إيضاحه وتقريره في نفسه، يكون كذلك لإيضاح الخبر عنه وتقرير الحكم عليه، وتأكيد المعاني المنسوبة إليه.
وقد يجتمع هذان الغرضان لذكر المسند إليه في كلام واحد كما تراه مثلًا في قول عمرو بن كلثوم:
قد علم القبائل من معد
…
إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنا العاصبون إذا أطعنا
…
وأنا الغا نم ون إذا عصينا
وأنا المنعمون إذا قدرنا
…
وأنا المهلكون إذا أوتينا
وأنا الحاكمون بما أردنا
…
وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا التاركون لما سخطنا
…
وأنا الآخذون لما هوينا
حيث تجده قد ذكر المسند إليه وكرره، والسر في ذلك هو تقرير ما أخبر به عن قومه، وتأكيد المعاني المنسوبة إليه في الوقت ذاته تجد للذكر سرًّا آخرَ يتصل
بالمسند إليه نفسه وهو زيادة إيضاحه وتقريره؛ تأكيدًا لذات قومه وإبرازًا لهذه الذات في مواجهة الأعداء الذين توهموا في نظر عمرو بن كلثوم أن قومه قد أضعفتهم الحروب وأفنتهم المعارك، كما نفهم من قوله:
ألا يحسب الأعداء أنَّا
…
تضعضعنا وأنا قد فنينا
ترانا بارزين وكل حي
…
قد أخذوا مخافتنا قرينا
ومن هذا القبيل قول الخنساء في رثاء أخيها صخر:
وإن صخرًا لكافينا وسيدنا
…
وإن صخرًا إذا نشت لنحار
وإنا صخر لتأتم الهداة به
…
كأنه علَم في رأسه نار
حيث نجد المسند إليه وهو صخر قد ذكر وتكرر لزيادة إيضاحه وتقريره؛ تجاوبًا مع ما تحسه نحو أخيها من شدة التعلق به، والذي يجعل من ذكره اسمه وتكراره شيئًا حبيبًا إلى نفسها، ووسيلةً من وسائل السلوى وتخفيف الآلام، كما نجد لذكر المسند إليه هنا سرًّا آخرَ يتمثل في تقرير المعاني التي نسبتها إليه، وتأكيد الأخبار التي أخبرت بها عنه.
من دواعي ذكر المسند إليه أيضًا الاحتياط لضعف الاعتماد على القرينة، وذلك إذا كان هناك قرينة تدل على المسند إليه لو حذف، ولكن هذه القرينة خفية فيخشى المتكلم حينئذٍ إن هو اعتمد عليها أن يلتبس المراد على السامع، ولذلك يأخذ بالاحتياط فيذكر المسند إليه غير معول على القرينة الموجودة كما يقال مثلًا: مَن حضر؟ ومَن سافر؟ فيقال في الجواب: الذي حضر زيد والذي سافر عمرو، ولا يقال: زيد وعمرو؛ لأن السامع قد يجهل تعيين ذلك من السؤال.
الأمر الذي يلي ذلك من دواعي ذكر المسند إليه التنبيه على غباوة السامع؛ أي: تنبيه الحاضرين على غباوة المقصود بالسماع، وأنه لا يفهم إلا ما تنص عليه الألفاظ؛ لأن في الحذف تعويلًا على الذكاء والقدرة على الإفادة من السياق والقرائن، فيعمد المتكلم إلى ذكر المسند إليه وإن كان السامع فاهمًا له بالقرينة؛ لأجل تنبيه الحاضرين على غباوة السامع إما لقصد إفادة أنها وصفه أو بقصد إهانته وتحقيره، فيقال في جواب من سأل: ماذا قال عمرو؟ عمرو قال كذا.
من ذلك أيضًا: الرغبة في بسط الكلام وإطالته، وذلك داع مشهور من دواعي ذكر المسند إليه، ويتأتى حيث يكون إصغاء السامع مطلوبًا للمتكلم لخطر مقامه أو لقربه من قلبه، ولهذا يطال الكلام مع الأحبة، ومن ذلك قول الله تعالى حكايةً عن سيدنا موسى عليه السلام:{هِيَ عَصَايَ} (طه: 18) وكان يكفي في الجواب أن يقول: عصا، لكنه ذكر المسند إليه وهو الضمير وأضاف العصا إلى نفسه؛ حبًّا في إطالة الكلام بحضرة ذي الجلال؛ لأنه تشريف، ولهذا لم يكتفِ موسى عليه السلام بذكر المسند إليه، بل أعقب ذلك بذكر أوصاف لم يُسأل عنها، فقال:{أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طه: 18) وقد سأله سبحانه وهو بكل شيء؛ لأنه -والله أعلم- أراد لفت انتباهه إلى العصا حتى يتبينها، ويعرف أنها ليست إلا عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فهي يابسة جامدة حالها كحال أي عصا، فإذا تلقى الأمر بإلقائها وألقاها ورآها حيةً تسعى، كان ذلك أبين في إبطال قانونها وإحالته عن وصفها بخلق الحياة والحركة فيها، وهذه هي آية الألوهية ومعجزة النبوة.
كذا ذكره دكتور محمد أبو موسى في (خصائص التراكيب).
من ذلك أيضًا: التسجيل على الثابت، كأن يقول القاضي لشاهد واقعة هل أقر هذا بأنه فعل كذا؟ فيقول الشاهد: نعم، فلان هذا أقر بكذا، ويذكر المسند إليه لئلا يجد المشهود عليه سبيلًا إلى الإنكار فيما لو لم يذكر اسمه، وجعل الشيخ عبد المتعال الصعيدي - يرحمه الله - من الذكر للتسجيل على السامع حتى لا يتأتى له الإنكار قول الفرزدق في علي بن الحسين رضي الله عنهما حين أنكر هشام بن عبد الملك معرفته:
هذا ابن خير عباد الله كلهم
…
هذا التقي النقي الطاهر العَلَم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
…
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
…
بجده أنبياء الله قد ختموا
من دواعي ذكر المسند إليه: إظهار تعظيم المسند إليه أو إهانته؛ فالأول نحو: أمير المؤمنين حاضر، والثاني نحو: السارق اللئيم حاضر، جوابًا لمن سأل عنهما ليفيد المتكلم سامعه أن تلك الذات المعبر عنها بهذا الاسم عظيمة، وأن هذه المعبر عنها بهذا الاسم مَهانة.
من ذلك أيضًا: إظهار التعجب من المسند إليه، وذلك حيث يكون الحكم غريبًا يندر وقوعه، كما في قولك محدثًا عن إنسان سبق ذكره: فلان يصارع الأسود، أو يحمل أطنانًا من الحديد، وتذكر المسند إليه لقصد إظهار التعجب من شدة بأسه؛ إلى غير ذلك من نكات الذكر، إذ ليست سماعية حتى يمكن استيعابها، بل المدار في ذلك على الذوق السليم، فما عده الذوق داعيًا من دواعي الذكر أو الحذف أو غيرها أُخذ به وإن لم يذكره أهل البلاغة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.