الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تعريف المسند إليه بـ"أل
"
وننتقل الآن للحديث عن سر التعريف بـ"أل ":
فإن المسند إليه يعرف بـ"أل " لغرضين:
أحدهما: الإشارة بها إلى معهود خارجي، وهي التي يكون مدخولها معينًا في الخارج، وتسمى اللام حينئذ لام العهد الخارجي.
ثانيهما: الإشارة بها إلى الحقيقة، وهي التي يكون مدخولها موضوعًا للحقيقة والماهية، وتسمى اللام حينئذ لام الحقيقة أو لام الجنس، ولكل من اللامين أقسام ثلاثة بالنظر إلى مدخولها.
أقسام لام العهد الخارجي، وسر التعبير عنها:
1 -
هناك لام العهد الخارجي الصريحي، وهي التي يتقدم لمدخولها ذِكر صريح في الكلام، كما في قولك مثلًا: صنعت في طالب معروفًا ولم يحفظ الطالب هذا المعروف، فإتيان المسند إليه وهو لفظ الطالب معرفًا بـ"أل " للإشارة بها إلى معهود خارج عهدًا صريحًا لتقدم ذكره صراحةً في قولك: صنعت في طالب معروفًا، ومثاله أيضًا قوله تعالى:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} (النور: 35) فلفظ المصباح والزجاجة كل منهما مسند إليه، وقد أتيَا معرفين بـ"أل " إشارةً إلى معهود خارجي، وهذا المعهود قد صرح به قبلًا في قوله سبحانه:{فِيهَا مِصْبَاحٌ} ، {فِي زُجَاجَةٍ} ولذا سميت اللام هنا لام العهد الخارجي الصريحي.
2 -
وهناك لام العهد الخارجي الكنائي وهي التي يتقدم لمدخولها ذكر كنائي؛ أي: غير مصرح به كما في قول الله تعالى في شأن أم مريم: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} (آل عمران: 35، 36) فلفظ الذكر مسند إليه؛ لأنه اسم ليس فهو في الأصل مبتدأ، وقد جاء معرفًا بـ"أل " للإشارة بها إلى معهود خارجًا عهدًا كنائيًّا لعدم التصريح بلفظه، وإنما ذكر كنايةً في قوله تعالى حكاية عن أم مريم:{نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} فإن لفظ ما مبهم يعم الذكور والإناث، لكن التحرير وهو أن يعتق الولد ليكون وقفًا على خدمة بيت المقدس كان خاصًّا بالذكور فقط، فـ"ما" حينئذ كناية عن الذكر لاختصاص التحرير بالذكور، والمراد بالكناية هنا الخفاء؛ لأن فهم الذكر من لفظ "ما" الذي يطلق على الذكر والأنثى فيه نوع خفاء؛ لعدم التصريح.
ويصح أن يكون المراد بالكناية المعنى الاصطلاحي عند البلاغي وأن المطلوب بها موصوف؛ لأن التحرير من الصفات المختصة بالذكور فهو إذن ملزوم والذكر لازم له، وقد أطلق اسم الملزوم وهو لفظ:{مَا فِي بَطْنِي} الموصوف بالتحرير وأريد اللازم وهو الذكر، ومن أجل هذا سميت اللام هنا لام العهد الخارجي الكنائي.
3 -
النوع الثالث: لام العهد الخارجي العل م ي، وهي التي لا يتقدم لمدخولها ذكر مطلقًا لا صريحًا ولا كناية ً، ولكن للمخاطب عهد به سواء كان حاضرًا بالمجلس أو غائبًا عنه؛ كأن تقول في شأن رجل حاضر: أبدع الرجل في خطبته، وتسمى اللام حينئذ لام العهد العلمي الحضوري؛ لأن المتكلم اعتد فيها على ما عند المخاطب من علم بشأن هذا الحاضر في المجلس، وكأن تقول في شأن رجل
غائب: حاضرنا الرجل فأبدع في محاضرته فالمسند إليه في المقامين جاء معرفًا ب ـ"أل " للإشارة بها إلى معهود خارجًا عهدًا علميًّا لتقدم عهد المخاطب به، ومنه في غير المسند إليه قول الله تعالى:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (الفتح: 18) فالمراد بالشجرة شجرة معهودة عهدًا علميًّا حيث لم يتقدم لمدخولها ذِكر لا صريحًا ولا كناية وإن كانت غير مسند إليه.
أقسام لام الحقيقة:
فهي تنحصر فيما يسمى بلام الحقيقة، أو لام الجنس، وكذا لام العهد الذهني، ولام الاستغراق.
فلام الحقيقة أو لام الجنس: هي التي يكون مدخولها مرادًا به الحقيقة نفسها بغض النظر عما ينطوي تحتها من أفراد، كما في قولهم: الرجل خير من المرأة؛ أي: حقيقة الرجل خير من حقيقة المرأة، وهذا لا ينافي أن يكون بعض أفراد جنس النساء خيرًا من بعض أفراد جنس الرجال؛ لأن المنظور إليه في الخيرية والمفاضلة إنما هو الحقيقة لا الفرض، ومنه قولهم: أهلك الناسَ الدينارُ والدرهم، فالمسند إليه جاء معرفًا ب ـ"أل " للإشارة بها إلى الحقيقة والجنس بغض النظر عن الأفراد؛ لأن الحكم المذكور على جنس هذين النقدين لا على نقد بعينه.
ومثله قول أبي العلاء المعري:
والخِل كالماء يبدي لي ضمائره
…
مع الصفاء وي خ فيها مع الكدر
فالحكم بالتشبيه هنا على حقيقة الخل لا على خل معهود، ومنه في غير المسند إليه قول الله تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} (الأنبياء: 30) يراد حقيقة الماء لا ماء معين، ونحوه:{أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} (الأنعام: 89).
أما لام العهد الذهني: فهي التي يكون مدخولها مرادًا به فرد مبهم من أفراد الحقيقة لقرينة دالة على ذلك؛ أي: أن الفرد المبهم مستفاد من قرينة خارجية لا من المعرف باللام؛ لأنه موضوع بالحقيقة، بخلاف النكرة فإنها تدل على الفرد المبهم ابتداء بذاتها.
ومن أمثلة هذه اللام كلمة الذئب في قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} (يوسف: 13) فالقصد هنا إلى فرد مبهم من حقيقة الذئب، والقرينة على ذلك قوله:{أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ} فليس المراد الحقيقة نفسها؛ لأن الحقيقة من حيث هي أمر لا وجود له خارجًا حتى يتحقق منه أكل أو شرب، وإنما يتأتَّى ذلك من الأفراد، كما أنه ليس المراد حقيقة من حيث وجودها في جميع الأفراد؛ لاستحالة أن تجتمع الذئاب كلها على أكله، ولا الحقيقة من حيث وجودها في فرد بعينه، إذ لا عهد في الخارج بذئب معين، لتعين أن يكون المراد فردًا مبهمًا من أفراد الحقيقة.
ومن أمثلة هذه اللام كلمة الغراب في قول الشاعر:
فمَن طلب العلوم بغير كد
…
سيدركها إذا شاب الغراب
فليس المراد الحقيقة نفسها؛ لاستحالة قيام الشيب بما لا وجود له في الخارج، ولا الحقيقة في ضمن جميع أفرادها لعدم الداعي إليه، ولا الحقيقة من حيث وجودها في فرد بعينه إذ لا عهد بغراب معين، فتعين أن يكون المقصود فردًا غير معين من أفراد الحقيقة بقرينة قوله: شَاب َ.
ومن هذا القبيل في غير المسند إليه قولك: أدخلُ السوق، فليس المراد حقيقة السوء لاستحالة الدخول فيما لا وجود له خارجًا، ولا سوقًا بعينها، إذ ليس بينك وبين مخاطبك سوق معينة، ولا جميع أفراد حقيقة السوق لاستحالة
الدخول في جميع أفراد هذه الحقيقة، فتعين أن يكون المراد فردًا ما من أفرادها، ومنه قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
…
فمضيت ثمة قلت لا يعنيني
فالشاعر لا يريد حقيقة اللئيم لاستحالة المرور بما لا وجود له في الخارج ولا لئيمًا بعينه، إذ لا عهد له به، ولا الحقيقة في ضمن جميع أفرادها؛ لعدم تأتي المرور بكل لئيم، فتعين أن يكون المراد فردًا غير معين من أفراد الحقيقة.
هذا؛ ولك أن تسأل قائلًا: كيف سُميت هذه اللام لام العهد الذهني مع أن مدخولها فرد غير معين، فلا عهد فيه لازمًا ولا خارجًا؟
وأجيبك: بأنه معهود في الذهن باعتباره أحد أفراد الحقيقة المعهودة في الذهن، بمعنى أنها معلومة متميزة عما عداها من الحقائق، فعهديته تبع لعهدية الماهية، وصح ب هذا الاعتبار اعتبار الفرد المبهم معهودًا ذهنيًّا، وصح تسمية هذه اللام الداخلة عليه بلام العهد الذهني.
لام الاستغراق: وهي التي يكون مدخولها مرادًا به جميع الأفراد المندرجة تحت الحقائق عند قيام القرينة الدالة على ذلك؛ أي: على أن ليس القصد إلى الحقيقة نفسها ولا من حيث وجودها ف ي فرد مبهم لتخرج لام الجنس ولام العهد الذهني، وسميت لام الاستغراق لاستيعابها وشمولها جميع أفراد الحقيقة، وتكون لام الاستغراق هذه للاستغراق الحقيقي والعرفي.
فالاستغراق الحقيقي هي ما يكون م د خو ل ها مرادًا به كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب الوضع كما تقول: الغيب يعلمه الله، فإن القصد فيه إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الغيب وضعت؛ أي: كل أفراد الغيب لا تخفى على الله، وكما في قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ} (العصر: 2، 3) فإن القصد فيه إلى جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الإنسان بحسب الوضع؛ أي: كل فرد من أفراد الإنسان، ومنه في غير المسند إليه قوله تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (السجدة: 6) أي: محيط علمًا بكل مغيب وكل مشاهد.
وهذا الاستغراق والشمول لا بد عند إرادته من نصب قرينة تدل عليه، وهذه ال قرينة ال دالة على الاستغراق إما أن تكون حالية وإما أن تكون مقالية؛ فالحالية كما في قولنا: الغيب يعلمه الله، فالقرينة هنا على إرادة الاستغراق حالية؛ لظهور أن ليس المراد حقيقة معنى الغيب وماهيته؛ إذ ليس ذلك مما استأثر الله بعلمه، ولا أن يكون المراد فردًا مبهمًا أو معينًا من أفراد الغيب، فحاشا لله العليم بخفايا الأمور أن يقتصر علمه على بعض الغيوب؛ فتعين إذن أن يكون المراد جميع الأفراد بقرينة الحال، والقرينة المقالية كما في قوله تعالى:{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} فالقرينة هنا على أن المراد هنا عموم الأفراد، لا الحقيقة نفسها ولا فرد مبهم أو معهود في أفرادها القرينة، بدليل صحة الاستثناء في قوله سبحانه بعد:{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} فهذا أمارة العموم؛ لأن شرط الاستثناء دخول المستثنى في المستثنى منه لو سكت عن ذكر المستسنى، ودخوله فيه فرع عمومه الدال على الاستغراق والشمول، وهذا الدخول شرط صحة الاستثناء، فتعين أن يكون المراد جميع الأفراد بقرينة صحة الاستثناء المذكور.
أما لام الاستغراق العرفي فهي تلك التي يكون مدخولها مرادًا به كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف والعادة؛ كما في قولك مثلًا: امتثل الطلاب أمر الأستاذ، ف ـ"أل " في الطلاب يراد بها الاستغراق العرفي؛ لأن مدخولها أريد به
جميع الأفراد التي يتناولها اللفظ بحسب العرف وما جرت به العادة لا جميع الأفراد حقيقة ً.
هذا؛ وبالتأمل فيما سبق ندرك أمرين مهمين:
أولهما: أن حمل "أل " التي للعهد الذهني على الفرد المبهم والتي للاستغراق على جميع الأفراد مشروط بالقرينة الدالة على ما حملتَا عليه، أما بدون القرينة فكلتا اللامين محمولة على الحقيقة؛ لأن مدخولها موضوع للحقيقة؛ فإذن فالنظر إلى الفرد المبهم في لام العهد الذهني وإلى جميع الأفراد في لام الاستغراق إنما هو بالقرينة لا بالوضع.
ثانيهما: المعرف بلام العهد الذهني موضوع للحقيقة، وإنما يُحمل على الفرد المبهم عند قيام القرينة الدالة عليه، فهو إذن ذو شبهين من جهتين: يشبه النكرة من جهة المعنى ويشبه المعرفة من جهة اللفظ؛ أما شبهه بالنكرة فلأن مفاد كل منهما بعض غير معين، إلا أنه يدل على هذا البعض بالقرينة، والنكرة تدل عليه بالوضع؛ ولهذا يعامل معاملة النكرة من جهة المعنى فيوصف بالجملة على نحو ما توصف النكرة كما في قول الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
…
...............................
وأما شبهه بالمعرفة فلجريان أحكام المعارف عليه غالبًا فهو يقع مبتدأً، كما في قولك: الذئب في حديقتي، ويكون ذا حال كما في قولك: رأيت الذئب خارجًا من حديقتك يطارده كلب، ويأتي موصوفًا بالمعرفة كقولك: السوق ذات السلع الجيدة يقصدها الناس. إلى غير ذلك من أحكام.