الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع
(أحوال المسند إليه: الحذف، والذكر)
حذف المسند إليه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ ثم أما بعد:
نتحدث عن أحوال المسند إليه، ونخص من هذه الأحوال أحوال حذف وذكر المسند إليه.
ونبدأ بالقول: بأن موضع المسند إليه في جملة الإسناد والمحكوم عليه أو المخبِر عنه كالفاعل والمبتدأ وما أصله المبتدأ وهو -كما نعلم- أحد أركان الجملة، ويمثل هذا المحكوم عليه في جملة الإسناد، والمسمى بالمسند إليه الفعل في الجملة الفعلية، والاسم المبتدأ في الجملة الاسمية، وقد يؤتَى في الجملة الفعلية بشيء مما يتعلق بالفعل كالجار والمجرور والظرف إلى غير ذلك، وهذا مبحث وجزء ثالث من أجزاء الإسناد يختص بالجملة الفعلية، ويسمى بمتعلقات الفعل.
إذن يقصد بأحوال المسند إليه الأمور التي يأتي عليها ليكون الكلام بها مطابقًا لمقتضى الحال، أما ما يعرض له لا من هذه الحيثية بل من حيث إ نه مطلق لفظ ككونه ثلاثيًّا أو رباعيًّا، فليس ذلك مما نحن بصدده؛ لأننا نريد أن نتحدث هنا عن أحوال المسند إليه التي يقتضيها المقام، ويصير بها الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، مثل الحذف والذكر والتعريف والتنكير والتقديم والتأخير، إلى آخر ذلك.
وإليك هذه الأحوال مقرونةً بما ذكره البلاغيون لكل منها من أغراض وأسرار. حذف المسند إليه:
لا يصح الحذف لغةً إلا إذا وجد دليل يدل على المحذوف، فإذا لم يوجد هذا الدليل كان الذكر واجبًا متعينًا لفساد الكلام بالحذف، أما إذا دل على المحذوف
دليل كان الحذف جائزًا؛ لأن المحذوف حينئذٍ في حكم المعلوم لوجود القرينة الدالة عليه، كما أن الذكر يكون جائزًا أيضًا؛ لأنه الأصل كما يقتضي العقل والإعراب، ومما ينبغي أن يُعلم أن البلاغة لا تدلي بدلوها في الكلام إلا بعد صحته لغةً، فما منعته اللغة أو أوجبته لا يكون للاعتبارات البلاغية فيه مجال.
ومن هنا يتضح أن الحذف الممنوع؛ انعدام القرينة والذكر المتعين لذلك لا تنظر إليهما البلاغة، وإنما محط نظرها هو جواز كل من الحذف والذكر لغةً لوجود القرينة، فإذا وجد بعد ذلك سر بلاغي يطلب الحذف ويرجحه على الذكر، صارت البلاغة في الحذف، وإذا وجد داع بلاغي يوجب الذكر ويستدعيه ونُكتة تتطلبه وتقتضيه كانت البلاغة في الذكر.
وهذه بعض الدواعي والأسرار التي تقتضي حذف المسند إليه نعرضها فيما يلي:
أولها: الاختصار والاحتراز عن العبث بِناءً عن الظاهر، فإن الكلام الذي يحذف منه المسند إليه أخصر وأوجز من نظيره الذي يذكر فيه المسند إليه، كما أن المسند إليه الذي علم من القرينة والسياق ولم يوجد سر بلاغي يقتضي ذكره يصبح ذكره حينئذٍ بمثابة الزيادة التي لا قيمةَ لها، فحذفه يصون الكلام ويبعده عن العبث من منظور البلاغة، التي ترى أن ذكر الشيء المعلوم الذي لا يظهر لذكره فائدة يعد عبثًا يتسامَى عنه كلام البلغاء.
والأصل أن ذكر المسند إليه ليس عبثًا في الحقيقة، وإن كان ذكر المسند إليه ليس عبثًا في الحقيقة والواقع؛ لأنه ركن من الكلام، ولذلك جعل البلاغيون العبث المحترز عنه مبنيًّا على ظاهر الكلام المشتمل على القرينة الدالة فقط لا على الحقيقة والواقع.
يقول الخطيب القزويني في بداية حديثه عن دواعي حذف المسند إليه: أما حذفه فإما لمجرد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر. ذكر ذلك في (الإيضاح) ولنتأمل معًا قول الشاعر:
جزى الله عني صالحًا بوفائه
…
وأضعف أضعافًا له في جزائه
صديق إذا ما جئت أبغيه حاجة
…
رجعت بما أبغي ووجهي بمائه
نجد أن الأصل هو صديق، فحذف المسند إليه لدلالة البيت السابق عليه، وصار المحذوف في حكم المعلوم لوجود القرينة الدالة، ولا شك أن الكلام بحذف المسند إليه أوجز مما لو قال: هو صديق، ولو ذكر لأورث الكلام ثقلًا وترهلًا وتطويلًا ينأَى به عن الإيجاز، ويجعله في نظر البليغ عبثًا ينبغي أن يبعد عن كلام البلغاء، كما أن حذف المسند إليه جاء على خلاف الأصل فتتشوف النفس إلى ذكر الموجب له، وفي ذلك دفع إلى إعمال الفكر وتنشيط العقل وإثارة الحس؛ حتى يكشف السامع أسرار الحذف معولًا على عقله، ويدرك المراد من المعاني معتمدًا على نفسه، وحين يقع على مطلوبه منها يكون ذلك أمكن وأرسخ في نفسه من المعاني التي يجدها واضعةً من ظاهر اللفظ؛ لأن المحصول بعد التعب أعز من المنساق بلا طلب.
هذه أسرار ثلاثة. ويمكن أن نضيف إليها غرضًا رابعًا للح ذف متمثلًا في المحافظة على وزن الشعر. هذا ومن تتبع مواطن الحذف يجد أن الأسرار الثلاثة الإيجاز والاحتراز عن العبث والحث على إعمال الفكر وإثارة الحس، تكمن وراء كل حذف، وليست مقصورة على حذف المسند إليه، وما أكثر ما يفيده الحذف عند تأمله من أسرار ونكات يدركها المتذوق بقلبه ولُبه، وإن لم يفصح عنها بلفظه ولسانه ورحم الله عبد القاهر الجرجاني حين قال منوهًا بشأن الحذف ومبرزًا
قيمته البلاغية: هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصد عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجد أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تبِن.
انتهى من كتابه (الدلائل).
2 -
يحذف المسند إليه أيضًا لضيق المقام بسبب شعر أو ضجر أو شدة أو حزن أو ألم أو خوف فوات فرصة، فإن المتكلم إذا كان على شيء من ذلك عمد إلى الإيجاز بحذف المسند إليه، أما المقام في مثل هذه السياقات يضيق بذكره فيقتضي حذفه، تأمل مثلًا قول القائل للصياد: غزال، والأصل هذا غزال، ولكنه حذف المسند إليه لضيق المقام حتى تفوت الفرصة لصيده، وعلى هذا قول المستغيث: حريق أو غريق، والأصل هذا حريق أو هذا غريق، فضيق المقام بسبب خوف فوات فرصة الإنقاذ اقتضى حذف المسند إليه والمبادرة بذكر المسند.
ومن الحذف لضيق المقام بسبب الحذف والألم والشدة والضجر قول الشاعر:
قال لي كيف أنت قلت عليل
…
سهر دائم وحزن طويل
والأصل أنا عليل، وحالي سهر دائم وحزن طويل، لكن ضيق المقام بالنظر لما عليه الشاعر من حزن وضجر بسبب العلة والمرض اقتضى حذف المسند إليه، وفي مثل هذا البيت يمكن أن يكون ضيق المقام بسبب آخر، وهو المحافظة على وزن الشاعر مع السبب المذكور آنفًا؛ لأن النكات البلاغية لا تتزاحم كما يقولون.
وعلى هذا النمط جاء قول المتنبي عندما أصابته الحمى:
وملني الفراش وكان جنبي
…
يمل لقاؤه في كل عام
عليل الجسم -يقصد: أنا عليل الجسم- ممتنع القيام
…
شديد السكر من غير المدام
والأصل أنا عليل الجسم أنا ممتنع القيام أنا شديد السكر من غير المدام، لكن المتنبي حذف المسند إليه؛ لأن العليل يثقل عليه الكلام، فهو نازع إلى الإيجاز دائمًا لضيق صدره عن إطالة الكلام؛ بسبب ما يعتريه من توجع وضجر.
وهكذا نلحظ أن ضيق المقام المفضي للحذف يرجع غالبًا إلى ضيق صدر المتكلم؛ نظرًا لما يحسه من آلام أو استغراب واستبعاد لما يُلقَى عليه من أخبار.
كما نراه في قول السيدة سارة زوج سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما دخل الملائكة المكرمون على زوجها وبشروه بأنه سيولد له ولد غزير العلم، هو إسحاق عليه السلام قال القرآن عنها:{فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} (الذاريات: 29) لم تقل: أنا عجوز، أنا عقيم؛ لما كانت تحسه من ضيق صدرها عن الإطالة في الكلام بسبب مانتابها من استغراب وتعجب واستبعاد؛ نظرًا لما كانت عليه من عقم وما لحقها ولحق زوجها من كبر.
3 -
ثالث أسرار حذف المسند إليه: اختبار تنبه السامع أو اختبار مقدار تنبهه ومبلغ ذكائه؛ ذكر البلاغيون أن من دواعي حذف المسند إليه: إرادة اختبار تنبه السامع عند وجود القرينة الواضحة، مثل أن يزورك رجلان سبقت لأحدهما صحبة لك فتقول لمن معك العالم بهذه الصحبة: وفي، تريد: الصاحب وفي، فتحذف المسند إليه اختبارًا لهذا السامع؛ أي: يتنبه إلى أن المسند إليه المحذوف هو الصاحب بقرينة ذكر الوفاء، إذ هو المناسب لمعنى الصحبة والصداقة أم لم يتنبه.
4 -
كما ذكروا من الدواعي كذلك إرادة اختبار مقدار هذا التنبه عند وجود القرينة الخفية، كأن يزورك رجلان أحدهما أقدم صحبةً من الآخر فتقول لمن معك العالم بهذه الصلة: جدير بالإحسان، تريد أقدمهما صحبةُ جديرٌ
بالإحسان، فتحذف المسند إليه اختبارًا لمبلغ تنبه السامع؛ أي: يتنبه إلى هذا المحذوف لهذه القرينة الخفية، وهي أن أهل الإحسان قديمو الصحبة دون حادثها أم لم يتنبه.
5 -
أيضًا من دواعي حذف المسند إليه: تعين المسند إليه؛ إما لأن الخبر لا يصلح إلا له حقيقة، فيكون وضوح المسند إليه لدى المخاطب حقيقيًّا، كما في قوله تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} (الرعد: 9) فإن قوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو؛ أي: الله عز وجل ولكن لما كان هذا الخبر لا يكون إلا له حقيقة جاء الكلام على الحذف؛ لتعين المسند إليه حقيقةً، في ذلك إشارة إلى وحدانيته سبحانه وعظمته وجلاله، وإما لأن الخبر لا يصلح إلا للمسند إليه ادعاءً، فيكون وضوح أمره عند المخاطب ادعائيًّا كذلك، وهذا يكون فيمن اشتهروا بصفات بلغوا فيها الكمال ولو عند المتكلم، فيأتي بالخبر حاذفًا المسند إليه ادَّعاءً منه أن الصفة -أي: المسند- لا تكون هنا إلا للموصو ف المحذوف وهو المسند إليه، فكأنه متعين.
وقد يكون في ذلك إشارة إلى تقدير المسند إليه وتعظيمه والمبالغة في اتصافه بالمسند المذكور، بادعاء أنه بلغ فيه حد الكمال فلا يكون إلا له؛ مثل قولنا مثلًا: عادل في حكومته؛ أي: عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقولك: وهاب الألوف، تريد كريمًا لا تذكره ادعاءً؛ لتعينه وشهرته.
قد يكون في هذا الادعاء إشارة إلى الاستخفاف بالمسند إليه وعدم الاعتداد به، كما في قول قوم موسى عليه السلام الذي حكاه القرآن عنهم:{فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} (الصف: 6) أي: هذا ساحر هذا كذاب، قاصدين بذلك
الحذف أن قولهم: ساحر كذاب لا ينصرف عند إطلاقه إلا إلى موسى عليه السلام زعمًا منهم أن هذه الصفة لا تصلح إلا له، فهو متعين في اعتقادهم الباطل وزعمهم الكاذب لهذه الصفة:{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} (الكهف: 5).
هذا؛ وقد يكون تعيين المسند إليه المقتضي للحذف بسبب أنه معهود بين المتكلم والمخاطب كقولك مثلًا: حضر، تريد رجلًا معينًا بينك وبين مخاطبك. وقد يحذف المسند إليه لتأتي الإنكار عند الحاجة إليه كقولك عن رجل معروف بظلمه وفسقه: فاجر ظالم، والأصل فلان فاجر، فلان ظالم، ولكنك تحذف المسند إليه ليكون الحذف سبيلًا إلى الإنكار عندما يواجهك فلان هذا باللوم أو العتب، فييسر عليك الحذف ويمكنك حينئذٍ من أن تقول له: ما قصدتك وإنما أردت غيرك، ولو ذكرت المسند إليه في مثل هذا المقام لَمَا تأتى لك الإنكار.
6 -
من دواعي حذف المسند إليه: صون المسند إليه عن اللسان تعظيمًا له، أو العكس، صون اللسان عن ذكره تحقيرًا له؛ ففي حالة إرادة التعظيم للمسند إليه وتكريمه قد يحذف للإشعار بأنه بلغ من كرم المنزلة وسمو المكانة حدًّا يخشى عليه بذلك من مجرد الجريان على لسانه، فيوهم المتكلم سامعه ويشعره أن في جريان المسند إليه على اللسان وذكره تقليلًا من شأنه، ونقصًا من طهارته، وكأن اللسان شيء حقير ينبغي أن يحفظ منه المسند إليه ويصان.
وإذا أريد تحقير المسند إليه قد يحذف كذلك؛ إشعارًا بأنه بلغ من المهانة والحقارة حدًّا جعل ذكره فادحًا في طهارة لسان ذاكره، وفي معنى هذا يقول الشاعر:
ولقد علمتُ بأنهم نجَس
…
فإذا ذكرتهم غسلت فمي
وعند التأمل ندرك أن النجاسة هنا التي يخشَى منها على المسند إليه لجريانه على اللسان أو يخشى على اللسان منها لذكره المسند إليه، أمر اعتباري افتراضي يهدف إلى الإشعار بالتعظيم أو التحقير، ولذلك عبَّر الخطيب القزويني بكلمة الإبهام عند ذكره هذا الغرض من أغراض حذف المسند إليه فقال: وأما لإيهام أن في تركه تطهيرًا له عن لسانك وتطهيرًا للسانك عنه.
ومن الحذف لصون المسند إليه عن اللسان؛ تعظيمًا له قول الشاعر:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم
…
دجى الليل حتى نظم الجذع ثاقبه
نجوم سماء كلما انقض كوكب
…
بَدَا كوكب تأوي إليه كواكبه
والأصل هم نجوم سماء، فحذف المسند إليه؛ لصونه عن اللسان تعظيمًا له، ومثله قول الآخر:
وعلمت أني يوم ذاك منازل كعبًا ونهدًا
…
قوم إذا لبسوا الحديد تنمروا حِلقًا وقدًّا
والأصل هم قوم، فحذف المسند إليه لصونه عن اللسان؛ تعظيمًا له، ومن هذا القبيل قولك: رافع راية التوحيد مقوض دعائم الشرك تريد نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم.
ومن الحذف لصون اللسان عن ذكر المسند إليه تحقيرًا له قول بعض العرب في ابن عم له موسر سأله فمنعه، وقال: كم أعطيتك مالي وأنت تنفقه فيما لا يعنيك، والله لا أعطينك، فتركه حتى اجتمع القوم في ناديهم وهو فيهم، فشكاه إلى القوم وذمه، فوثب إليه ابن عمه فلطمه فهجاه قائلًا:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه
…
وليس إلى داع النَّدى بسريع
حريص على الدنيا مضيع لدينه
…
وليس لما في بيته بمضيع
والأصل هو سريع هو حريص، ف حذف المسند إليه لصون اللسان عن ذكره؛ تحقيرًا له، وعليه قوله تعالى:{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} (البقرة: 18) وقوله سبحانه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ} (القارعة: 10، 11) والتقدير هم صم؛ أي: المنافقون، هم بكم، هم عمي، وكذلك وما أدراك ما هي هي نار حاميه.
هذا؛ وقد ذكر البلاغيون أنه من مألوف الأسلوب عند العرب أنهم يريدون الكلام على حذف المسند إليه في مقامات المدح والهجاء، وعند ذكر الديار والأطلال، وهي مقامات تدعو إلى الإيجاز لضيق صدر المتكلم كما يظهر لنا ذلك عند ذكر الديار والأطلال، وتدعو كذلك إلى ما يوحي به الحذف من تعدد المعاني وتباين الصفات، حتى كأن اللاحق منها شيء جديد مستقل عن السابق، ولا شك أن هذا الذي يوحي به الحذف أبلغُ في تأدية الغرض من مدح أو قدح.
ومن هذا المنطلق يمكن أن يكون السر المقتضي للحذف أيضًا في الأبيات السابقة -زيادةً على ما ذُكِر- هو المبالغة في المدح أو الهجاء؛ بسبب ما أوحى به الحذف من تعدد المعاني وتميز الصفات، والنكات البلاغية -كما قلنا- لا تتزاحم.
7 -
ومن دواعي حذف المسند إليه: التعجيل بالمسرة أو المساءة، ف قد ذكر البلاغيون أنه من الأسرار التي تقتضي حذف المسند إليه تعجيل المسرة إذا كان الخبر مما يسر به كقولك للسائل: دينار، وكقولك لمخاطبك: نجح، تريد ابنك نجح، فتحذف المسند إليه إذا أردت أن تعجل بذكر ما يفرح ويسر.
8 -
وذكر البلاغيون أيضًا من دواعي حذف المسند إليه: إرادة تعجيل المساءة إذا كان الخبر مما يساء به، مثل قولك: راسب؛ أي: المهمل، تخاطب بذلك مَن تريد إساءته.
9 -
هذا؛ وقد عد بعض البلاغيين من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل فيما بُني فعلُه للمعلوم باعتباره أيضًا مسندًا إليه، وذلك كقوله تعالى:{كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} (القيامة:26، 27) وقوله سبحانه: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} (الواقعة:83: 85) أي: بلغت الروح التراقي وبلغت الروح الحلقوم، وسر حذفه هنا ظهوره ظهورًا واضحًا والعلم به؛ لأن الآيات في ذكر الموت والأموات، ولا يبلغ التراقي والحلقوم عند الموت إلا الروح، وهنا سر آخر سوى ظهور الفاعل والعلم به، يتمثل في الإشارة إلى ما عليه الروح من قرب مفارقتها لصاحبها، وكأن حذفها من العبارة يشعر بذهابها.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى حكايةً عن سيدنا سليمان عليه السلام: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (ص: 32) فالمراد هنا بالضمير المستكن في الفعل: {تَوَارَتْ} الشمس، لكن حذفت من الكلام لقوة الدلالة عليها، ولأنها غابت وغربت، وهذا يلائم غيابها من العبارة المتمثل في حذفها.
ومنه أيضًا قوله -جل وعلا-: "لقد تقطَّع بينكَم"(الأنعام: 94) على قراءة نصب "بينكم" وحذف الفاعل المراد به والله أعلم الأمر، وهو الصلة بين القوم وشركائهم، وسر الحذف هنا الإشارة إلى أن هذه الصلة لا جدوى منها ولا فائدةَ فيها يوم لقاء الله عز وجل-فهي صلة ساقطة لا اعتداد بها ولا قيمة لها كما يشير إلى ذلك السياق في قول الله تعالى:{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} (الأنعام: 94).
وبالتأمل نجد للحذف في هذه المواطن سرًّا عامًّا يتمثل في ظهور الفاعل ظهورًا بينًا لدلالة الكلام عليه دلالةً قويةً، حتى لكأنه مذكور بلفظه، ولعل هذا ما سوغ حذف الفاعل عند مَن أجازه، ثم لكل حذف بعد ذلك سره الخاص الذي يدل عليه المقام والسياق.
10 -
جعل وا كذلك من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل الذي بني فعله للمفعول، باعتباره هو الآخر مسندًا إليه، وذكروا من هذا الحذف أسرارًا تقتضيه منها ما يأتي:
العلم به كقول الشاعر:
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها
…
منعنا بها من جيئة ود هوب
وكقوله -عز من قائل -: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} (الجمعة: 10) وتأمل قوله: {وقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (هود: 44) تجد أن الفعل قد بني للمفعول في قوله: {قِيلَ} و {غِيضَ} و {قُضِي} للعلم بالفاعل الحقيقي وهو الله القادر، ووراء حذف الفاعل سر آخر وهو الإشارة إلى سرعة الاستجابة والامتثال، وأن هناك قوةً خارقةً قد اختطفت الماء، فانمحى وزال.
وانظر لذلك إلى قول الله عز وجل: {فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} (الأعراف: 119، 120) تجد أن وراء حذف المسند إليه دقائق ولطائف؛ أهمها الإشارة إلى قدرة الخالق فهو الغالب وليس موسى، بل لقد أوجس موسى في نفسه خيفة عندما رأى حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من
سحرهم أنها تسعى، كقوله تعالى:{فَغُلِبُوا} بالبناء للمجهول إشارة إلى قدرة الله القاهر، وتنبيهًا على أن الغلبة كانت بتدبيره تعالى وصنعه، وبهذا يظل موسى في مرتبة العبودية العاجزة التي لا تصنع شيئًا خارقًا، وإنما يجريه الله تعالى على يديها.
وتأمل قوله تعالى: {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ} وإشارته إلى سرعة امتثالهم بأمر الله، وكأن قوة القهار قد نزعت العناد والكفر من رؤوسهم، فانكبوا ساجدين مؤمنين برب العالمين.
من هذه الأسرار لحذف المسند إليه الخوف على المسند إليه المقصود به الفاعل، كقول الشاعر:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني
…
ولا قرار على زأر من الأسد
كذلك ضيق المقام نظرًا لما عليه المتكلم كقول الشاعر:
أُسرت وما صحبي بعزل لدى الوغى
…
ولا فرسي مُهر ولا ربه غمر
وكذا احتقار المسند إليه المحذوف كقول الشاعر:
لئن كنت قد بلغت عني خيانة
…
لمبلغك الواشي أغش وأكذب
ومنه كذلك الخوف منه كقول القائل: ضُرب فلان، بحذف الفاعل الحقيقي وبناء الفعل للمفعول؛ خوفًا من هذا المعتدي على نفسه.
ومن ذلك أيضًا الجهل به كقولك مثلًا: بني هذا المسجد عام كذا، إذا كان المسجد قديمًا لم يعلم شيء عن شخص بانيه، والمعلوم هو تاريخ البناء فقط من كتابته على الجدران مثلًا.
هذا؛ وهناك من البلاغيين من عَدَّ اتباع الاستعمال الوارد عن العرب غرضًا يقتضي حذف المسند إليه كما في الأمثال نحو قولهم: رمية من غير رام؛ أي: هي رمية موفقة ممن لا يحسن الرمي، وحُذف المسند إليه وهو الضمير اتباعًا للاستعمال الوارد عن العرب. ونحو قولهم: شنشنة أعرفها من أخذم؛ أي: هي شنشنة، والشنشنة: الطبيعة والعادة، وأخذ م: ابن قائل المثل وكان عاقًّا لأبيه -والعياذ بالله- فلما مات أخذم تواثب أبناؤه على جدهم وأوسعوه ضربًا حتى أدموه فأنشد:
إن بني أدرجوني بالدم
…
من يلقَى آساد الرجال يكلم
ومن يكن رِدءًا له يقدم
…
شنشنة أعرفها من أخذم
أي: ضربهم إياه خَصلةً وعادةً يعرفها من أبيهم أخذ م فذهب الشطر الأخير مثلًا.
وكما في النعت المقطوع إلى الرفع لقصد إنشاء المدح مثل: الحمد لله أهل الحمد، والتقدير هو أهل الحمد؛ قياسًا على قول العرب: الحمد لله الكريم، أو لقصد الترحم مثل: اللهم ارحم عبدك المسكين، أو لقصد إنشاء الذنب مثل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، والتقدير هو، وقد اعترض على هؤلاء بأن الحذف في مثل هذه المواطن ذاتي أوجبته اللغة العربية، فكيف نجعل الموجب له سرًّا بلاغيًّا؟
فأجابوا: لأن الحذف مع وجوبه من ناحية اللغة لا يُصار إليه إلا لغرض بلاغي يقتضيه، فلو أخذنا بظاهر ما يفهم من كلامهم لجعلنا رفع الفاعل ونصب المفعول لغرض بلاغي كذلك؛ ولذا علَّق على ردهم هذا الشيخ عبد المتعال الصعيدي رحمه الله فقال: وهو جواب ظاهر الضعف؛ لأنه لا معنى لتوقف الحذف عن الغرض البلاغي مع وجوبه في ذاته، إذ لا بد منه، وُجد هذا الغرض أم لم يوجد. ذكر ذلك في تحقيقه على (الإيضاح) في كتاب البغية.
والخَطْب في ذلك سهل، فاتباع الاستعمال الوارد عن العرب بحذف المسند إليه لم يجب علينا لغرض بلاغي جديد، ولكن هذه الأساليب عندما قيلت في مقاماتها الأولى، كان الداعي إلى الحذف فيها أغراضًا بلاغيةً في الأساس أوضحها الاختصار والإيجاز وهو قيمة عظيمة وفضيلة من فضائل الكلام جليلة؛ لأن المتكلم بها في هذه المقامات هم العرب الذين لا يتصرفون في كلامهم بحذف أو ذكر اعتباطًا، ف هم أرباب الصناعة العربية، وأعرف الناس بأسرارها.
إذا كان الأمر كذلك، أدركنا أن الحذف في هذه الأساليب كان ابتداءً لغرض بلاغي، بدليل أن ما نحسه عند حذف المسند إليه من جمال القول وقوته نستشعره عند ذكره، ولهذا إذا تكلمنا بشيء من هذا الوارد عن العرب على حذف المسند إليه، وجب عليهم أن نتبعهم في حذف ما حذفوا؛ لأننا لا نأتي بمثيل هذه الأساليب إلا في مقام تُشابه مقاماتها الأُولَى التي قيلت فيها؛ فلكي تظل محتفظة بقيمتها البلاغية وغرضها الداعي للحذف أولًا، وجب علينا بلاغةً أيضًا أن نذكرها في مقامها الثاني المشابه للأول على النحو الذي ذكرت به أولًا من حذف المسند إليه، فيتحقق بذلك ثانيًا ما تحقق أولًا.
إلى غير ذلك من الدواعي والأسرار التي تقتضي حذف المسند إليه، ولا يمكننا أن ندعي حصرها أو الإحاطة بها، ولكننا نتناولها صورًا لعلها تهدينا إلى طريقة النظر في مثل هذا الباب، فالذي يتأمل الأساليب ويسترشد بالسياق وقرائن الأحوال، قد تتكشف له أسرار سوى ما ذكر، ويقع على أغراض ونكات لم تدون من قبل، والأمر أولًا وآخرًا مبني على الذوق وتلمس أسباب الحذف.