الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المتكلم بليغًا متكلمًا من أساليب الكلام العربي ووجوه اعتباراته، بل يجب كذلك أن يكون المخاطب بهذا الكلام البليغ عارفًا بجهات الحسن وأسرار الجمال في التعبير، وإلا فلا معنى لاستحسانه، ولا عبرة بشأنه؛ لأنه ليس من أهل الذوق والمعرفة بخصائص التراكيب.
أحوال الإسناد الخبري
وننتقل الآن للحديث عن أول مبحث من مباحث علم المعاني، وهو أحوال الإسناد الخبري؛ إذ من المعلوم أن اللغة تتكون من ألفاظ مفردة، ترمز إلى معانيها التي وضعت لها، فالكلمات: زيد، عمرو، العلم، ناجح، قائم، نافع. لا تفيد سوى معانيها الوضعية، ونحن لا نتكلم كلمات مفردة، وإنما نستخدمها في تكوين الجمل والتراكيب بضم كلمة إلى أخرى، وبناء لفظة على لفظة حتى تفيد فائدة يحسن السكوت عليها. فعندما نقول: زيد ناجح، وعمرو قائم، والعلم نافع، فإن الكلام يفيد فائدة تامة، وكل جملة من هذه الجمل تشتمل على علاقة وارتباط بين طرفيها، وهما: المسند والمسند إليه. فالجملة الأولى مثلًا تفيد نسبة النجاح إلى زيد أو الحكم عليه بالنجاح، والجملة الثانية تفيد نسبة القيام إلى عمرو، والثالثة تفيد نسبة النفع إلى العلم وهكذا.
وإذا قلت: بكر غير مجتهد، والدنيا لا تدوم. فأنت هنا تحكم على بكر بنفي الاجتهاد تحكم على الدنيا بعدم الدوام، فمفهوم المسند منفي عن المسند إليه، وهذه النسبة بين الطرفين أو الرابطة بينهما هي ما يسميه البلاغيون الإسناد، وقد عرفوه بقولهم: هو ضم كلمة أو ما يجري مجراها إلى أخرى؛ بحيث يفيد الضم أن مفهوم إحداهما ثابت لمفهوم الأخرى أو منفي عنه. فمثال ضم كلمة إلى كلمة
لإفادة هذا المعنى قولك: زيد ناجح، ونجح محمد، ونجح زيد. في حال الإثبات. وقولك: بكر غير مجتهد، وما نجح خالد. في حالة النفي.
ومثال ضم ما يجري مجرى الكلمة، وهي الجملة التي تقع موقع المفرد، سواء في ذلك المسند أو المسند إليه إلى ما يجري مجرى كلمة أخرى، قولنا مثلًا:((سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض)) فالتسبيح والتحميد، وإن كان كل منهما قد أفاد معنى يحسن السكوت عليه إلا أنها في حكم الكلمة لوقوعها موقع المفرد، وقد يكون المسند إليه كلمة، والمسند جملة جارية مجرى المفرد، مثل:((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه)) وقد يحدث العكس مثل: لا إله إلا الله كلمة التوحيد، ومثل قوله تعالى:{وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (البقرة: 184). ونكرر على إثر ذلك أن المسند إليه هو المحكوم عليه، وهو يمثل المبتدأ في الجملة الاسمية، والفاعل في الجملة الفعلية، والمسند هو المحكوم به على المسند إليه، ويمثل الخبر في الجملة الاسمية أو الفعل في الجملة الفعلية.
والبحث في باب الإسناد الخبري يتناول ثلاث مسائل: أغراض الخبر، وأضربه، وأحواله من حيث الحقيقة والمجاز. والمراد بأحوال الإسناد الخبري الأمور التي تعرض له مثل التأكيد وعدمه، وكونه حقيقة أو مجازًا، وهذه الأمور يمكن أن تجري في الإنشاء أيضًا، ولكن لما كانت تجري في الخبر أكثر من الإنشاء، وكان الخبر هو المقصود الأعظم عند البلاغيين والأدباء قُيد الإسناد به فقيل: أحوال الإسناد الخبري. وأما البدء بأبحاث الخبر، فقد عللوه بأن الخبر أعظم شأنًا وأعم فائدة؛ لأنه هو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وفيه تقع الصياغات العجيبة، وبه تقع المزايا التي بها التفاضل، ولكونه أصلًا في الكلام؛ لأن الإنشاء إنما يحصل منه باشتقاق،
كالأمر والنهي أو بنقل كعسى ونعم وبعت واشتريت، أو بزيادة أداة كالاستفهام والتمني ونحو ذلك. كذا ذكره السعد في (المطول). والكلام الآن عن أغراض الخبر، ونقول: إن المخبِر عادة وغالبًا ما يقصد بخبره أحد أمرين:
الأول: فائدة الخبر؛ أي إفادته الحكم الذي يتضمنه الخبر، كقولك: زيد ناجح لمن لا يعلم بنجاحه، وهذه الفائدة هي المقصد الأول من مقاصد الإسناد الخبري. الثاني: لازم الفائدة؛ أي إفادة المخاطب كون المتكلم عالمًا بالحكم، نحو قولك لمن حفظ القرآن: أنت حفظت القرآن، وإنما سمي لازم الفائدة؛ لأنه يلزم من إفادة المخاطب الحكم إفادته أن المتكلم عالم به، وهذا هو المقصد الثاني من مقاصد الإسناد الخبري. والفرق بين الحالتين أن المخاطب في الحالة الأولى يكون جاهلًا بمضمون الخبر، ويريد المتكلم أن يعلمه به، وفي الثانية يكون عالمًا بمضمون الخبر إلا أنه لا يعلم أن المتكلم عالم به، فالسامع في هذه الحالة لم يستفد علمًا بالخبر نفسه، وإنما استفاد أن المتكلم عالم به.
ويتضح هذا المعنى جليّا عندما يسأل الأستاذ طلابه سؤالًا، فينبري أحدهم للإجابة عليه، فكلام الطالب هنا الغرض منه إفادة الأستاذ أن الطالب عالم بالإجابة على هذا السؤال، وليس الغرض إفادة الأستاذ بمضمون الإجابة؛ لامتناع تحصيل الحاصل، ويسمى هذا لازم الفائدة. وهذان الغرضان هما الأصل فيما يراد بالخبر، وهناك أغراض بلاغية أخرى يأتي لها الخبر، ويفهمها المخاطب من سياق الكلام وقرائن الأحوال، وهي عديدة ومتنوعة؛ لأنها تترجم عن
مشاعر المتكلمين وأحوالهم ونبضات قلوبهم، وغير ذلك من الانفعالات البشرية والآمال والآلام، التي لا تقف عند حد.
ومنها: إظهار التحسر، كما في قول الله تعالى حكاية عن امرأة عمران:{رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} (آل عمران: 36) فليس غرضها من هذا الخبر إعلام الله بمضمون هذا الخبر، ولا إعلامه تعالى بلازم الفائدة، وهو أنها تعلم بمضمون الخبر، وهو أنها وضعت أنثى، فالله تعالى أعلم بأن الوالدة أعلم من غيرها بما وضعت، وعليه فالغرض من هذا الخبر إظهار التحسر على خيبة رجائها، وعكس تقديرها، والتحزن إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا يحقق رغبتها في خدمة بيت المقدس؛ حيث كانت خدمته خاصة بالذكور دون الإناث؛ ولذلك تحسرت على فوات هذا الغرض، وتستطيع أن تدرك هذا الغرض بسهولة ويسر في قول الشاعر مثلًا:
ذهب الصبا وتولت الأيام
…
فعلى الصبا وعلى الزمان سلام
فالشاعر هنا يتحسر على أيام صباه وزهرة عمره التي ولت وأدبرت، وأسلمته إلى الشيخوخة، وهي تؤذن بدنو أجله وانقضاء حياته، فنغمة الحزن واضحة هنا في كلام الشاعر. ومن هذه الأغراض: إظهار الضعف والخشوع كقوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} (مريم: 4) فليس قصده عليه السلام إفادة الحكم أو لازمه، فالله سبحانه وتعالى عالم بهما، وعلمه محيط بكل صغيرة وكبيرة في الكون بأسره، وإنما الغرض من الخبر هنا إظهار الضعف بين يدي الله سبحانه وتعالى. ومن هذا القبيل قول الشاعر:
إن الثمانين وبُلّغتها
…
قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وقول آخر:
إلهي عبدك العاصي أتاك
…
مقرًّا بالذنوب وقد دعاك
فالشاعر في البيت الأخير في موقف ضراعة وخضوع؛ ولذلك فهو يعترف بذنبه وتقصيره، لعل الله يغفر له ذنوبه. من هذه الأغراض الثانوية: الاسترحام، والاستعطاف، كقوله تعالى في شأن موسى عليه السلام:{رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص: 24) فسيدنا موسى عليه السلام لا يقصد إلى أن يرجو الرحمة والعطف من ربه عز وجل. ومن هذا القبيل أيضا قول أبي نواس:
تعاظمني ذنبي فلما قرنته
…
بعفوك ربي كان عفوك أعظما
من هذه الأغراض أيضًا: الفخر، وذلك كقول أبي العلاء المعري:
وإني وإن كنت الأخير زمانه
…
لآت بما لم تستطعه الأوائل
فليس الغرض إفادة المخاطب الحكم أو لازمه، وإنما الغرض الفخر والاعتداد بالنفس. وكقول عمرو بن كلثوم:
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما
…
تخر له الجبابر ساجدينا
هو يفخر بقومه وبما لهم من القوة والبأس، ويباهي بعزهم ومنعتهم، كما يفهم من المقام. من ذلك أيضًا: الحث على شيء واستنهاض الهمم له، كقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ} (النساء: 95) وذلك تذكيرًا بما بينهما من التفاوت العظيم؛ ليتأنف القاعد بلا عذر، ويرتفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فينضم إلى صفوف المجاهدين، ويحظى بشرف الجهاد وعظيم الثواب. وكقولك أنت: لا يستوي العالم والجاهل؛ لأن فيه تحريكًا لحمية الجاهل وحثًّا له على تحصيل العلم ليلحق بركب العلماء، ويحظى بشرف الانتساب إليهم، والارتقاء إلى منزلتهم، ولا غرو فهم ورثة الأنبياء. من هذه الأغراض أيضًا التبعية: إظهار الفرح والسرور، وذلك كقولك لمن يعلم بنجاحك هذا العام: نجحت في الامتحان والحمد لله. ومنه كذلك: المدح، كقول النابغة الذبياني يمدح النعمان بن المنذر:
فإنك شمس والملوك كواكب
…
إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
ومن ذلك أيضًا: الذم، كقول جرير يهجو الفرزدق:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
…
أبشر بطول سلامة يا مربع
من ذلك أيضًا: التوبيخ والتقريع، كما في قول الله تعالى:{قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} (الأعراف: 123) يقول الزمخشري: "آمنتم به على الإخبار؛ أي فعلتم هذا الفعل الشنيع توبيخًا لهم وتقريعًا، وإنما أفاد الخبر التقريع والتوبيخ؛ لأنه حين أخبر به من هو عالم بفائدته تولد منه بحسب القرائن والأحوال ما ناسب المقام، والمناسب للمقام هنا هو التوبيخ والتقريع".
من ذلك أيضًا: النصح والإرشاد، كقول زهير:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
…
على قومه يستغن عنه ويذمم
وكقول الآخر ناصحًا بالابتعاد عن الهموم ومحذرًا من آثارها الضارة:
والهم يخترم الجسيم نحافة
…
ويشيب ناصية الصبي ويهرم
من ذلك أيضًا: البشارة بالثواب لأهل الخير، كما في قوله تعالى:{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 115). ومنه كذلك: التعجب، كما في قوله:{قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} (الأعراف: 138) فهذا تعجب منهم. ومن قولهم: {يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} (الأعراف: 138) وذلك بعد أن رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، وقد استفيد التعجب من المقام؛ لأن من شاهد مثل تلك الآيات العظام إذا صدر عنه مثل هذا الكلام دل ذلك على قصور فهمه وعقله وسوء تقديره وفساد تدبيره. وأسرار الخبر وأغراضه كثيرة ومتنوعة، ومن يستعرض الأساليب الرفيعة في القرآن والسنة وفي الأدب العربي شعرًا ونثرًا؛ فسوف يقف على كثير من هذه الأغراض، وهي لا تجري على قاعدة ثابتة، وإنما تفهم من سياق الكلام، وقرائن الأحوال، لكن هنا سؤال يفرض نفسه: ما وجه دلالة الخبر على أغراضه؟ يرى بعض البلاغيين أن الخبر يدل على الغرض الأول، وهو فائدة الخبر دلالة حقيقية؛ لأن الفائدة تفهم من ذات الخبر بلا وسائط.
أما بقية الأغراض فيدل عليها الخبر دلالة تبعية، فهي من مستتبعات التراكيب؛ أي أنها تفهم من الخبر بمعونة سياق الكلام وقرائن الأحوال، ولا توصف بأنها حقيقة، ولا مجاز، ولا كناية. وقيل: إن الغرضين الأولين -فائدة الخبر ولازم الفائدة- يدل الخبر عليهما دلالة حقيقية؛ حيث يفهمان من نفس الجملة والتركيب، أما بقية الأغراض كإظهار التحسر والضعف والفخر فيدل عليها الخبر بطريق الكناية. وقيل: إنه يدل على هذه الأغراض الثانوية بطريق المجاز المرسل الذي علاقته اللزوم. والرأي الأول هو الأقرب إلى الصواب، فهي من مستتبعات التراكيب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.