الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حذف خبر {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} لدلالة خبر {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} عليه وتعيينه له، والتقدير: واللائي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر كذلك.
ومن ذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} (فاطر: 4)؛ حيث حذف جواب الشرط وتقديره: وإن يكذبون فاصبر، ودلت عليه القرينة اللفظية وهي {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ، فهذه الجملة ليست هي جواب الشرط وإنما هي علة لجواب الشرط المحذوف، وفيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كي لا يحزن لإعراضهم وتكذيبهم. ومن ذلك قوله تعالى:{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} (الحديد: 10) فقد دل المذكور من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، على المحذوف، والتقدير: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعده وقاتل.
المساواة والإطناب
وبعد الانتهاء من الكلام عن الإيجاز بأنواعه وأضربه، يأتي دور الكلام عن المساواة:
وهي -على حد ما ذكر البلاغيون- تأدية المعنى المراد بعبارة مساوية له؛ بأن تكون الألفاظ على قدر المعاني، لا يزيد بعضها عن بعض ولا ينقص، وقد اتخذوا من متعارف الأوساط مقياسًا يقيسون عليه الكلام، فالكلام إذا قل عن متعارف الأوساط كان إيجازًا، وإذا زاد عنه كان إطنابًا، وإذا جاء على حد متعارف الأوساط فهو المساواة، وهو في باب البلاغة لا يُحمد ولا يُذم، واستشهدوا لها بنحو قوله تعالى:{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} (فاطر: 43) وقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (الأنعام: 68) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات))، وقول طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
…
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقول زهير:
ومهما يكن عند امرئ من خليقة
…
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
هذا، ولم تسلم هذه الشواهد التي استشهد بها البلاغيون للمساواة؛ لأنك عند التأمل تجدها راجعة إما إلى الإيجاز أو إلى الإطناب، فمثلًا في الآية الأولى إذا رجعت إلى سياقها في النظم الكريم:{اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَاّ بِأَهْلِهِ} (فاطر: 43) تراه قد وقعت تذييلا، والتذييل من أنواع الإطناب، كما أنها أسلوب قصر، والقصر من الإيجاز، وقول الله تعالى:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} (الأنعام: 68) وكذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات)) لا يخفى عليك رجوعهما إلى إيجاز القِصَر؛ لأن المعاني التي تكمن في الآية الكريمة والحديث الشريف معانٍ كثيرة غزيرة، وألفاظهما قليلة كما ترى، فهو من إيجاز القِصَر كما مر بنا، وتجد في الشطر الأول من بيت طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
إيجازًا بحذف الجار والمجرور، والتقدير: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا به. وفي بيت زهير تجد قوله:
وإن خالها تخفى على الناس
اعتراضًا بين الشرط وجوابه، وهكذا تستطيع أن ترجع ما استشهد به البلاغيون للمساواة إما إلى الإيجاز وإما إلى الإطناب، فالأَولى أن تُجعل المساواة قاصرة على كلام الأوساط؛ لأنها نادرة الوقوع في التعبيرات الجيدة والكلام البليغ، ولأن البلاغيين قد جعلوها خالية من جميع الاعتبارات البلاغية، وقالوا: إنها لا تُحمد ولا تُذم في باب البلاغة.
الذي يعنينا بعد الكلام عن الإيجاز "الإطناب"، وهو في اللغة: مصدر أطنب، يقال: أطنب في كلامه، إذا بالغ فيه وطول ذيوله، وفي عرف البلاغيين معناه: زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، أو عرض المعنى في عبارة زائدة؛ بحيث تحقق الزيادة فائدة، كما في قول الله تعالى:{رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} (مريم: 4)، فقد أراد زكريا عليه السلام أن يخبر بكبره وتقدم سنه، فجعل الألفاظ زائدة على المعاني لفائدة، وهي إظهار ضعفه وتأكيد الوهن؛ لأنه لو قال: رب إني قد كبرت لأفاد ذلك الإخبار بتقدم العمر فقط، دون ظهور الضعف، إذ قد يكون مع تقدم سنه قويّا نشيطًا.
ومن ذلك قول الله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طه: 17، 18) فقد كان يكفي في الجواب أن يقول موسى عليه السلام: عصا، ولكنه أطنب وفصّل، فأضاف العصا إليه وذكر وظائفها بعضها مفصلًّا:{أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} ، وبعضها مجملًا:{وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} ، ولعله كان يطمع في أن يُسأل عن هذه المآرب فيجيب عنها، وبهذا يمتد الحديث ويطول؛ لأنه في مقام رب العزة سبحانه، وهو مقامٌ يحلو فيه الإطناب؛ لأنه مقام تعظيم وتشريف، فالزيادة في الجواب -كما ترى- تحققُ فائدة، فإذا لم تحقق الزيادة فائدة في الكلام كان تطويلًا أو حشوًا؛ وذلك أنها إذا كانت غير مُتعينة كالمترادفين مثلًا نحو: الكذب والمين، والنأي والبعد، وأقوى وأقفر، ونوم ونعاس، وحظ ونصيب- سُميت الزيادة تطويلًا، من ذلك ما جاء في قول عدي بن الرقاع:
وقددت الأديم لراهشيه
…
وألفى قولها كذبًا ومينا
قددت: أي قطعت، والفاعل مستتر يعود إلى الزُّباء ملكة تدمر، والأديم: هو الجلد، والراهشان: عرقان في باطن الذراع، والضمير المضاف إليه يعود لجذيمة بن الأبرش ملك الحيرة وقصتهما مشهورة، فالكذب والمين بمعنى واحد، ولا يتغير المعنى بإسقاط أحدهما، وإذا كانت الزيادة متعينة سميت حشوًا، والحشو نوعان: حشو يفسد به المعنى، كقول المتنبي:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى
…
وصبر الندى لولا لقاء شعوب
فكلمة "الندى" في البيت حشو أفسد المعنى؛ إذ المراد لا فضل في الحياة للشجاعة والصبر والندى، لولا الموت واعتقاد الشجاع والصابر والجواد أنهم ملاقو الموت، وهذا صحيح بالنسبة للشجاعة والصبر، فاسد بالنسبة للندى؛ إذ الشجاع لو علم أنه مخلّد لن يصيبه الموت لكان إقدامه وشجاعته لا فضل فيهما؛ لأنه أقبل على البطولة وهو على يقين بأن الموت لن يصيبه، وكذا الصابر عندما يعلم أنه لن يموت يكون صبره لا فضل فيه، وإنما تظهر مزية الشجاعة والصبر عندما يعلم صاحبهما أن الموت أمامه، ثم يقبل أو يصبر فعندئذ يكون للإقدام مزية وللصبر فضل، أما الندى فتظهر مزيته ويبدو فضله إذا عَلم صاحبه أنه مخلد ولن يموت؛ لأن علمه بأن الموت لن يلقاه يدعوه إلى الإمساك وادخار المال كي ينتفع به؛ إذ هو مخلد، فإذا جاد به عندئذ ظهر لجوده فضل وبدت له مزية، أما إذا علم أن الموت أمامه وسيلقاه -لا محالة- فهذا يدعوه إلى البذل والعطاء، ولا فضل للندى عندئذ، أما الحشو الذي لا يفسد المعنى فهو كما في قول زهير، وقد مثّلوا به:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
…
ولكنني عن علم ما في غد عم
فكلمة "قبله" مستغنى عنها، فهو حشو، ولكن ذكرها لا يفسد المعنى، ومثله قول الآخر في رثاء أخٍ له:
ذكرت أخي فعاودني
…
صداع الرأس والوصب
فلفظ "الرأس" في البيت حشو لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يكون إلا في الرأس، وليس بمفسدٍ للمعنى، ومما تجدر الإشارة إليه أن الحكم بزيادة كلمة وعدم فائدتها تابع للمقام والحال التي قيلت في جوِّها الكلمة، أن تقطع بعدم الفائدة إلا إذا أحطت بالسياق وعرفت قرائن أحواله، وعندما تتأمل الأبيات التي استشهد بها البلاغيون للحشو غير المفسد- يتضح لك أن تلك الكلمات التي حكوا بزيادتها وحشوها قد أفادت معنى اقتضاه المقام، فتأمل مثلا عبارة:"دمعًا جرى من مقلة" في قول البوصيري:
أمن تذكر جيران بذي سلم
…
مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم
مع ما هو معلوم من أن الدمع لا يجري إلا من مقلة العين، فقوله:"من مقلة" حشو لا فائدة فيه، كذا قالوا، وكذا في قول الآخر:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
وقول الآخر:
عاودني صداع الرأس
تجد أن تلك الكلمات "مقلة، الرأس" قد أفادت تأكيدًا اقتضاه المقام، وهذا التأكيد لا يُفاد بطيها؛ ولذا لا نُوافق من قال: بأنها حشو ولا فائدة فيها، ونحن نقول: ذقته بفمي ورأيته بعيني وسمعته بأذني ووطئته بقدمي، ولا يقول أحدٌ: إن تلك الكلمات "بفمي، بعيني، بأذني، بقدمي" زائدة؛ لأنها أفادت تأكيدًا اقتضاه المقام، واقرأ إن شئت قول الله عز وجل: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ