الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرَّابِعُ: الِاسْتِصْلَاحُ:
وَهُوَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ.
وَالْمَصْلَحَةُ: جَلْبُ نَفْعٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ، ثُمَّ إِنْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا كَاقْتِبَاسِ الْحُكْمِ مِنْ مَعْقُولِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَقِيَاسٌ، أَوْ بِبُطْلَانِهَا كَتَعَيُّنِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ كَالْمَلِكِ وَنَحْوِهِ، فَلَغْوٌ، إِذْ هُوَ تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهَا بِبُطْلَانٍ وَلَا اعْتِبَارٍ مُعَيَّنٍ فَهِيَ:
إِمَّا تَحْسِينَيٌّ، كَصِيَانَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ نِكَاحِهَا الْمُشْعِرِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ بِتَوَلِّي الْوَلِيِّ ذَلِكَ.
أَوْ حَاجِيٌّ، أَيْ: فِي رُتْبَةِ الْحَاجَةِ، كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ لِحَاجَةِ تَقْيِيدِ الْكُفْءِ خِيفَةَ فَوَاتِهِ، وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ هَذَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ. وَإِلَّا لَكَانَ وَضْعًا لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ. وَلَاسْتَوَى الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ لِمَعْرِفَةِ كُلٍّ مَصْلَحَتَهُ.
ــ
«الرَّابِعُ» : أَيْ: مِنَ الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا: «الِاسْتِصْلَاحُ» ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ صَلَحَ يَصْلُحُ، «وَهُوَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ» ، فَإِنَّ الشَّرْعَ أَوِ الْمُجْتَهِدَ يَطْلُبُ صَلَاحَ الْمُكَلَّفِينَ بِاتِّبَاعِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمُرَاعَاتِهَا.
قَوْلُهُ: «وَالْمَصْلَحَةُ جَلْبُ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ» .
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الِاسْتِصْلَاحَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ، احْتِيجَ إِلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَهِيَ كَمَا ذَكَرَ جَلْبُ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ؛ لِأَنَّ قِوَامَ الْإِنْسَانِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَفِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ بِحُصُولِ الْخَيْرِ وَانْدِفَاعِ الشَّرِّ، وَإِنْ شِئْتَ، قُلْتَ: بِحُصُولِ الْمُلَائِمِ وَانْدِفَاعِ الْمُنَافِي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِثَالُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمَّا كَانَ يُؤْذِيِهِ غَلَبَةُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، احْتَاجَ فِي الصَّيْفِ إِلَى رَقِيقِ اللِّبَاسِ، وَالتَّعَرُّضِ لِلْهَوَاءِ الْبَارِدِ بِالْجُلُوسِ فِي أَمَاكِنِهِ، وَتَبْرِيدِهَا بِالْمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لِيَحْصُلَ لَهُ الرَّوْحُ الْمُوَافِقُ، وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ الْكَرْبُ الْمُنَافِي، وَفِي الشِّتَاءِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ إِنْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا بَيَانٌ لِأَنْوَاعِ الْمَصْلَحَةِ وَأَقْسَامِهَا، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هَذَا، وَهُوَ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، «كَاقْتِبَاسِ الْحُكْمِ» ، أَيِ: اسْتِفَادَتُهُ وَتَحْصِيلُهُ «مِنْ مَعْقُولِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ» ، كَالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَهُوَ «قِيَاسٌ» ، كَاسْتِفَادَتِنَا تَحْرِيمَ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ مِنْ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ، وَاسْتِفَادَتِنَا تَحْرِيمَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ أَنَّ النَّبِيذَ مَنْصُوصٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعَ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكَقَوْلِنَا: يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ ذَاتِ الْمَحْرَمِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ قِيَاسًا عَلَى وَطْئِهَا بِالزِّنَى، وَهُوَ مَحَلُ إِجْمَاعٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطْلَانِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، أَيْ: لَمْ يَعْتَبِرْهُ كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمُوسِرَ كَالْمَلِكِ وَنَحْوِهِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ، وَلَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْكَفَّارَةِ الزَّجْرُ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَزْجُرُهُ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ لِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَ رِقَابًا فِي قَضَاءِ شَهْوَتِهِ، وَقَدْ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ صَوْمُ سَاعَةٍ، فَيَكُونُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّوْمُ أَزْجَرَ لَهُ، فَيَتَعَيَّنُ.
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مُلْغًى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ أَرَادَ الشَّرْعُ ذَلِكَ، لَبَيَّنَهُ أَوْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، إِذْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَإِيهَامُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ فِي الْأَحْكَامِ مَعَ افْتِرَاقِهِمْ فِيهَا لَا يَجُوزُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَصَالِحِ: مَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّرْعُ «بِبُطْلَانٍ وَلَا اعْتِبَارٍ مُعَيَّنٍ» ، فَهُوَ، أَيْ: هَذَا الْقِسْمُ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: «التَّحْسِينِيُّ» الْوَاقِعُ مَوْقِعَ التَّحْسِينِ وَالتَّزَيِينِ، وَرِعَايَةِ حُسْنِ الْمَنَاهِجِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَحُسْنِ الْأَدَبِ فِي السِّيرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، «كَصِيَانَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ نِكَاحِهَا» بِإِقَامَةِ الْوَلِيِّ مُبَاشِرًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ بَاشَرَتْ عَقْدَ نِكَاحِهَا، لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا مُشْعِرًا «بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ» مِنْ غَلَبَةِ الْقِحَةِ، وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ، وَتَوَقَانِ نَفْسِهَا إِلَى الرِّجَالِ، فَمُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ حَمْلًا لِلْخَلْقِ عَلَى أَحْسَنِ الْمَنَاهِجِ وَأَجْمَلِ السِّيَرِ، وَقَدْ ضَرَبَ الْمَثَلَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأُمِّ خَارِجَةَ، وَهِيَ امْرَأَةٌ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَكَحَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَتُطَلِّقُهُمْ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِيِهَا، فَيَقُولُ: خِطْبٌ، فَتَقُولُ هِيَ: نِكْحٌ، أَيْ: يَقُولُ لَهَا: أَنَا خَاطِبٌ لَكِ، فَتَقُولُ هِيَ: قَدْ أَنَكَحْتُكَ نَفْسِي، فَجَاءَهَا بَعْضَ الْأَيَّامِ رَجُلٌ خَاطِبٌ وَهِيَ عَلَى بَعِيرٍ فَخَطَبَهَا، فَأَنْكَحَتْهُ نَفْسَهَا، ثُمَّ أَعْجَلَتِ الْبَعِيرَ أَنْ يَبْرُكَ، فَوَثَبَتْ عَنْهُ وَهُوَ قَائِمٌ لِتَجْتَمِعَ بِزَوْجِهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا، فَقِيلَ: أَسْرَعُ مِنْ نِكَاحِ أُمِّ خَارِجَةَ، يُضْرَبُ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْ يُبَالِغُ فِي الْعَجَلَةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مِنَ الْمَصَالِحِ هُوَ «الْحَاجِيُّ، أَيْ» : الْوَاقِعُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«فِي رُتْبَةِ الْحَاجَةِ» ، أَيْ: تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، «كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ؛ لِحَاجَةِ تَقْيِيدِ الْكُفْءِ» خِشْيَةَ أَنْ يَفُوتَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيَحْصُلُ بِحُصُولِهِ نَفْعٌ، وَيَلْحَقُ بِفَوَاتِهِ ضَرَرٌ ; وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا قَاطِعًا، وَنِسْبَةُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِلَى هَذَا نِسْبَةُ كِتَابِ «الزِّينَةِ» مِنَ الطِّبِّ إِلَى بَاقِي كُتُبِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ هَذَيْنِ» ، يَعْنِي الضَّرْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَهُمَا التَحْسِينِيُّ وَالْحَاجِيُّ «مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ» يَشْهَدُ لَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ، أَيْ: لَا يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ كُلَّمَا لَاحَ لَهُ مَصْلَحَةٌ تَحْسِينِيَّةٌ أَوْ حَاجِيَّةٌ اعْتَبَرَهَا، وَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْأَحْكَامَ حَتَّى يَجِدَ لِاعْتِبَارِهَا شَاهِدًا مِنْ جِنْسِهَا، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لِلتَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وُجُودُ أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهَا، لَلَزِمَ مِنْهُ مَحْذُورَاتٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ «وَضْعًا لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ» ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ هُوَ مَا اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: إِجْمَاعٌ، أَوْ نَصٌّ، أَوْ مَعْقُولُ نَصٍّ، وَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَا تَسْتَنِدُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ رَأْيًّا مُجَرَدًا.
الثَّانِي: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، «لَاسْتَوَى الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ» ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْرِفُ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ الْوَاقِعَةَ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَاسْتِخْرَاجُ الْأَحْكَامِ مِنْهَا.
الثَّالِثُ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَاسْتُغْنِيَ عَنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَصَارَ النَّاسُ بَرَاهِمَةً
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى الرُّسُلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ كَافٍ لَنَا فِي التَّأْدِيبِ وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، إِذْ مَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ، أَتَيْنَاهُ، وَمَا قَبَّحَهُ، اجْتَنَبْنَاهُ، وَمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، فَعَلْنَا مِنْهُ الضَّرُورِيَّ، وَتَرَكْنَا الْبَاقِيَ احْتِيَاطًا، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ مِنَ الْمَصَالِحِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ لَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا.
أَوْ ضَرُورِيٌّ: وَهُوَ مَا عُرِفَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ كَحِفْظِ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالدَّاعِيَةِ، وَالْعَقْلِ بِحَدِّ السُّكْرِ، وَالنَّفْسِ بِالْقِصَاصِ، وَالنَّسَبِ وَالْعِرْضِ بِحَدِّ الزِّنَى وَالْقَذْفِ، وَالْمَالِ بِقَطْعِ السَّارِقِ.
قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ لِعِلْمِنَا أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ. وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، لَا قِيَاسًا؛ لِرُجُوعِ الْقِيَاسِ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ دُونَهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً، إِذْ لَمْ تُعْلَمْ مُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ، كَالْقَتْلِ فِي السَّرِقَةِ، فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ كَقَوْلِ مَالِكٍ: يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
ــ
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: " الضَّرُورِيُّ "، أَيِ: الْوَاقِعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ، أَيْ: هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِ سِيَاسَةِ الْعَالَمِ وَبَقَائِهِ وَانْتِظَامِ أَحْوَالِهِ، " وَهُوَ مَا عُرِفَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ " وَالْعِنَايَةُ بِهِ كَالضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ " حِفْظُ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالدَّاعِيَةِ " إِلَى الرِّدَّةِ، وَعُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَةِ، وَحِفْظُ " الْعَقْلِ بِحَدِّ السُّكْرِ "، وَحِفْظُ النَّفْسِ بِالْقِصَاصِ "، وَحِفْظُ النَّسَبِ بِحَدِّ الزِّنَى الْمُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِ الْأَنْسَابِ بِاخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَحِفْظُ الْعِرْضِ بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَحِفْظُ " الْمَالِ بِقَطْعِ السَّارِقِ ". وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَ ضَرُورِيَّةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي " الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى " مُسْتَقْصًى، فَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
" قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ " لِأَنَّا عَلِمْنَا " أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ " لَا حَصْرَ لَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ، " وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً "، وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ " إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ " دُونَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ.
" وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً ". هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْتُ:" قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا "، وَلَمْ أَقُلْ: قَالَ أَصْحَابُنَا؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ مِنْهُمْ حَتَّى الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ إِذَا اسْتَغْرَقُوا فِي تَوْجِيهِ الْأَحْكَامِ، يَتَمَسَّكُونَ بِمُنَاسَبَاتٍ مَصْلَحِيَّةٍ، يَكَادُ الشَّخْصُ يَجْزِمُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلشَّارِعِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَا يُشْبِهُ التَّمَسُّكَ بِحِبَالِ الْقَمَرِ، فَلَمْ أُقْدِمْ عَلَى الْجَزْمِ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِعَدَمِ الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَقَوُّلًا عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً احْتَجَّ بِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا، " وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ "، كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً، لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِفِعْلِ ذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً، " فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ "، كَمَا حُكِيَ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ " قَتْلَ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ".
قُلْتُ: لَمْ أَجِدْ هَذَا مَنْقُولًا فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ جَمَاعَةً مِنْ فُضَلَائِهِمْ، فَقَالُوا: لَا نَعْرِفُهُ.
قُلْتُ: مَعَ أَنَّهُ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ مُتَّجِهٌ جِدًّا، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ مِنْهُمُ الْحَوَارِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ فِي جَدَلَيْهِمَا.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمَصَالِحُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَمَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ، نَحْوُ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ لِئَلَّا يُعْصَرَ الْخَمْرُ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ خَشْيَةَ الزِّنَى.
وَمَا لَمْ يَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا إِلْغَائِهِ وَهِيَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ، وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ حُجَّةٌ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ أَوِ التَّتِمَّةِ، لَمْ تُعْتَبَرْ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ جَازَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، وَحَكَى مِثَالَ ذَلِكَ وَتَفْصِيلَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهَا حُجَّةً ; بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، عَلِمْنَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَلِكَ بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَمَهْمَا وَجَدْنَا مَصْلَحَةً غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّرْعِ، فَنَعْتَبِرُهَا؛ لِأَنَّ الظَّنَّ مَنَاطُ الْعَمَلِ.
قُلْتُ: هَذَا دَلِيلٌ قَوِيٌّ لَا يَتَّجِهُ الْقَدْحُ فِيهِ بِوَجْهٍ، وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ وَنَحْوِهِ، إِذْ هُوَ مَصْلَحَةٌ ; لِأَنَّا نَقُولُ: هَذِهِ مَصْلَحَةٌ نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَالْعَمَلُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادِيٌّ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَا الْمَصْلَحَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، لَكَانَ دَفْعًا لِلنَّصِّ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: يُنْقَلُ عَنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ مِنْ خَوَاصِّهِ اعْتِبَارَ الْعَوَائِدِ، وَالْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ، وَسَدَّ الذَّرَائِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. أَمَّا الْعُرْفُ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، وَمَنِ اسْتَقْرَأَهَا وَجَدَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ فِيهَا.
قُلْتُ أَنَا: هَذَا كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يَرْجِعُ فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ وَكُلِّ مَا لَمْ يَرِدْ مِنَ الشَّرْعِ تَحْدِيدٌ فِيهِ إِلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ.
قَالَ: وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ، فَغَيْرُنَا يُصَرِّحُ بِإِنْكَارِهَا، وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ التَّفْرِيعِ تَجِدُهُمْ يُعَلِّلُونَ بِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يُطَالِبُونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ الْفُرُوقِ وَالْجَوَامِعِ بِإِبْدَاءِ الشَّاهِدِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ، بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَةِ.
قَالَ: وَأَمَّا الذَّرَائِعُ، فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مُعْتَبَرٌ إِجْمَاعًا، كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ، وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ عز وجل -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِنْدَ ذَلِكَ حِينَئِذٍ.
وَثَانِيهَا: مُلْغًى إِجْمَاعًا، كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ عَصْرِهِ خَمْرًا، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ خَشْيَةَ الزِّنَى، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَثَالِثُهَا: مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَبُيُوعِ الْآجَالِ، اعْتَبَرْنَا نَحْنُ الذَّرِيعَةَ فِيهَا، وَخَالَفْنَا غَيْرُنَا، فَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ أَنَّا قُلْنَا بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِنَا، لَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِنَا.
وَقَالَ أَيْضًا: الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقِيسُونَ، وَيُفَرِّقُونَ بِالْمُنَاسَبَاتِ، وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ، وَلَا يُعْنَى بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ إِلَّا ذَلِكَ.
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ الْعَمَلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم عَمِلُوا أُمُورًا لِمُطْلِقِ الْمَصْلَحَةِ، لَا لِتَقَدُّمِ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ، نَحْوُ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ، وَوِلَايَةُ الْعَهْدِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ رضي الله عنهما وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْخِلَافَةَ شُورَى، وَتَدْوِينُ الدَّوَاوِينِ، وَعَمَلُ السِّكَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاتِّخَاذُ السِّجْنِ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ رضي الله عنه وَهَدَمَ الْأَوْقَافَ الَّتِي بِإِزَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّوْسِعَةُ فِيهِ عِنْدَ ضِيقِهِ، وَتَجْدِيدُ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ فِي الْجُمْعَةِ ; فَعَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ رضي الله عنه كُلُّ ذَلِكَ لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَمِنْ مَذْهَبِنَا أَيْضًا سَدُّ الذَّرَائِعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا بِإِبْطَالِ الْحِيَلِ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ عَلَى أَبِي الْخَطَّابِ وَمَنْ تَابَعَهُ عَقْدَ بَابٍ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ يَتَضَمَّنُ الْحِيلَةَ عَلَى تَخْلِيصِ الْحَالِفِ مِنْ يَمِينِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَجَعَلُوهُ مِنْ بَابِ الْحِيَلِ الْبَاطِلَةِ، وَهِيَ التَّوَصُّلُ إِلَى الْمُحَرَّمِ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ، وَقَدْ صَنَّفَ شَيْخُنَا تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَةَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - كَتَابًا بَنَاهُ عَلَى بُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ، وَأَدْرَجَ جَمِيعَ قَوَاعِدِ الْحِيَلِ، وَبَيَّنَ بُطْلَانَهَا بِأَدِلَّتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: اعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْمَصْلَحَةَ إِلَى مُعْتَبَرَةٍ، وَمُلْغَاةٍ وَمُرْسَلَةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَغَيْرِ ضَرُورِيَّةٍ تَعَسَّفُوا وَتَكَلَّفُوا، وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْمَصَالِحِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا وَأَقْرَبُ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَقُولَ: قَدْ ثَبَتَ مُرَاعَاةُ الشَّرْعِ لِلْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ بِالْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ:
الْفِعْلُ إِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مُجَرَّدَةً، حَصَّلْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً مُجَرَّدَةً، نَفَيْنَاهَا، وَإِنْ تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً مِنْ وَجْهٍ وَمَفْسَدَةً مِنْ وَجْهٍ، فَإِنِ اسْتَوَى فِي نَظَرِنَا تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ، وَدَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، تَوَقَّفْنَا عَلَى الْمُرَجِّحِ، أَوْ خَيَّرْنَا بَيْنَهُمَا كَمَا قِيلَ فِي مَنْ لَمْ يَجِدْ مِنَ السُّتْرَةِ إِلَّا مَا يَكْفِي أَحَدَ فَرْجَيْهِ فَقَطْ. هَلْ يَسْتُرُ الدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ مَكْشُوفًا أَفْحَشُ، أَوِ الْقُبُلَ؛ لِاسْتِقْبَالِهِ بِهِ الْقِبْلَةَ؟ أَوْ يَتَخَيَّرُ لِتَعَارُضِ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَالْمَفْسَدَتَيْنِ؟ ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِ ذَلِكَ، بَلْ تَرَجَّحَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، فَعَلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ شَرْعًا، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَخَرَّجُ كُلُّ مَا ذَكَرُوهُ فِي تَفْصِيلِهِمُ الْمَصْلَحَةَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا كَالْقِيَاسِ، فَمَصْلَحَتُهُ ظَاهِرَةٌ مُجَرَّدَةٌ، أَوْ رَاجِحَةٌ، وَأَمَّا الْمُلْغَاةُ كَمَنْعِ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ، فَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ وَالْمَفْسَدَةَ تَعَارَضَتَا فِيهِمَا، لَكِنَّ مَصْلَحَتَهُمَا ضَعِيفَةٌ وَمَفْسَدَتَهُمَا عَظِيمَةٌ، فَكَانَ نَفْيُهَا أَرْجَحَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ النَّفْعِ الْمُتَحَقِّقِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ، وَالِارْتِفَاقِ الْمُتَحَقِّقِ بِالشَّرِكَةِ فِي السُّكْنَى لِأَجْلِ مَفْسَدَةٍ مَوْهُومَةٍ، وَهِيَ اعْتِصَارُ الْخَمْرِ، وَحُصُولُ الزِّنَى، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ مَظْنُونَةٌ، لَكِنَّهَا غَيْرُ قَاطِعَةٍ. وَالْمَصْلَحَةُ الَّتِي تُقَابِلُهَا قَاطِعَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا بِالْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الْمَظْنُونَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وأَيْضًا فَإِنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمَذْكُورَةَ خَاصَّةٌ، وَالْمَصْلَحَةَ الَّتِي تُقَابِلُهَا عَامَّةٌ، وَالْتِزَامُ مَفْسَدَةٍ خَاصَّةٍ، أَيْ: قَلِيلَةٍ؛ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَثِيرَةٍ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّ مَنَافِعَ الْعِنَبِ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ حُصْرُمًا عَلَى حَالِهِ، وَطَبِيخًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهَذِهِ خَمْسُ مَنَافِعَ، وَلَعَلَّ فِيهِ غَيْرَهَا، وَالْمَمْنُوعُ مِنْ مَنَافِعِهِ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْخَمْرُ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ: ابْنُ آدَمَ، لَكَ ثَمَرَةُ الْكَرْمِ حُصْرُمًا، وَعِنَبًا، وَعَصِيرًا، وَزَبِيبًا، فَهُنَّ أَرْبَعٌ لَكَ، فَاتْرُكْ لِيَ الْخَامِسَةَ: النَّصِيرُ {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} [الْأَنْفَالِ: 41] ، فَتَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَنَافِعِ الْمُبَاحَةِ بِزِرَاعَةِ الْعِنَبِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا لِمَفْسَدَةِ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُحَرَّمَةٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا تَعْيِينُ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ، فَلَيْسَ يَبْعُدُ إِذَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ عَامٌّ ضَعِيفٌ فَيُخَصُّ بِهَذَا الِاجْتِهَادِ الْمَصْلَحِيِّ الْمُنَاسِبِ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ طَرِيقٌ مَهْيَعٌ. وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ.
وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الْوَاقِعَةُ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، كَمُبَاشَرَةِ الْوَلِيِّ عَقْدَ النِّكَاحِ، وَتَسْلِيطِهِ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ لَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا.
وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ كَحِفْظِ الدِّينِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسَبِ، وَالْعِرْضِ، وَالْمَالِ، فَهِيَ وَإِنْ عَارَضَتْهَا مَفْسَدَةٌ، وَهِيَ إِتْلَافُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ بِالْقَتْلِ، وَيَدِ السَّارِقِ بِالْقَطْعِ، وَإِيلَامُ الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالْقَاذِفِ بِالضَّرْبِ، لَكِنَّ نَفْيَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَحْصِيلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ، فَكَانَ تَحْصِيلُهَا مُتَعَيَّنًا، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْمَسْجِدِ وَالْفَرَسِ الْحَبِيسِ إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنْفَعَتُهُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهُ، تَضَمَّنَ مَصْلَحَةً، وَهِيَ اسْتِخْلَافُ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ الْمَقْصُودَةِ بِبَيْعِهِ، وَمَفْسَدَةً، وَهِيَ إِسْقَاطُ حَقِّ اللَّهِ سبحانه وتعالى مِنْ عَيْنِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فِيهَا، فَنَحْنُ رَجَّحْنَا تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ، وَغَيْرُنَا رَجَّحَ نَفْيَ الْمَفْسَدَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعَلَى هَذَا تَتَخَرَّجُ الْأَحْكَامُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ فِيهَا، أَوْ عِنْدَ تَجَرُّدِهَا، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا بِتَقْسِيمٍ وَتَنْوِيعٍ لَا يَتَحَقَّقُ، وَيُوجِبُ الْخِلَافَ وَالتَّفَرُّقَ، فَإِنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إِذَا تَحَقَّقَهَا الْعَاقِلُ، لَمْ يَسْتَطِعْ إِنْكَارَهَا لِاضْطِرَارِ عَقْلِهِ لَهُ إِلَى قَبُولِهَا، وَيَصِيرُ الْخِلَافُ وِفَاقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ نَجَزَ عِنْدَ هَذَا الْكَلَامِ الْقَوْلُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَوَاحِقِهَا، وَالْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا سِوَى الْقِيَاسِ، وَهَذَا حِينَ الشُّرُوعِ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.