المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تعليل الحكم بعلتين» - شرح مختصر الروضة - جـ ٣

[الطوفي]

فهرس الكتاب

- ‌الْإِجْمَاعُ

- ‌ جَوَازَ الْإِجْمَاعِ

- ‌ الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ

- ‌ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ

- ‌ اتِّفَاقُ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الصَّحَابَةِ

- ‌ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْوَاحِدِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ

- ‌إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

- ‌أَقْسَامِ الْإِجْمَاعِ

- ‌ إِجْمَاعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ

- ‌مُنْكِرُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ

- ‌ارْتِدَادُ الْأُمَّةِ جَائِزٌ عَقْلًا لَا سَمْعًا

- ‌اسْتِصْحَابُ الْحَالِ

- ‌ أَنْوَاعِ مَدَارِكِ نَفْيِ الْحُكْمِ

- ‌الْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا

- ‌الثَّالِثُ: الِاسْتِحْسَانُ

- ‌الرَّابِعُ: الِاسْتِصْلَاحُ:

- ‌الْقِيَاسُ

- ‌ أَرْكَانُ الْقِيَاسِ

- ‌ الْفَرْعِ

- ‌تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ

- ‌ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ

- ‌ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ

- ‌ حُجَجُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ

- ‌ الْعِلَّةَ

- ‌تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ»

- ‌ الْمُنَاسِبُ، وَالْمَنْشَأُ، وَالْحِكْمَةُ

- ‌قِيَاسُ الشَّبَهِ:

- ‌قِيَاسُ الدَّلَالَةِ:

- ‌ أَحْكَامِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ

- ‌ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ

- ‌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ

- ‌الْأَسْئِلَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ

- ‌«الِاسْتِفْسَارُ»

- ‌ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ

- ‌ فَسَادُ الْوَضْعِ

- ‌ الْمَنْعُ

- ‌ التَّقْسِيمُ:

- ‌ مَعْنَى التَّقْسِيمِ

- ‌ الْمُطَالَبَةُ:

- ‌ النَّقْضُ

- ‌الْكَسْرُ:

- ‌ الْقَلْبُ

- ‌ الْمُعَارَضَةُ

- ‌ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ

- ‌ الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ

- ‌ عَدَمُ التَّأْثِيرِ

- ‌ الْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ

- ‌ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ

- ‌الِاجْتِهَادُ

- ‌مَا يُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ

- ‌ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ»

- ‌الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ

- ‌إِذَا نَصَّ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ

- ‌التَّقْلِيدُ

- ‌الْقَوْلُ فِي تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ وَالتَّرْجِيحِ

- ‌ الْفَرْقِ بَيْنَ دِلَالَةِ اللَّفْظِ وَالدِّلَالَةِ بِاللَّفْظِ

- ‌ التَّرْجِيحِ فِي الْأَدِلَّةِ

- ‌التَّرْجِيحُ اللَّفْظِيُّ

- ‌ التَّرْجِيحَ مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ

- ‌ التَّرْجِيحَ مِنْ جِهَةِ الْقَرِينَةِ

- ‌التَّرْجِيحُ الْقِيَاسِيُّ

- ‌ تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ أَصْلِهِ

- ‌ تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ عِلَّتِهِ

- ‌ التَّرْجِيحُ بِالْقَرَائِنِ

- ‌مِنَ التَّرْجِيحِ الْعَائِدِ إِلَى الرَّاوِي:

- ‌ تَرْجِيحِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

- ‌ تَرْجِيحِ بَعْضِ مَحَامِلِ الْأَثَرِ عَلَى بَعْضٍ:

- ‌ تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ عَلَى النُّصُوصِ

الفصل: ‌تعليل الحكم بعلتين»

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْخَصْمُ وَجْهَانِ آخَرَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ الْمَعْنَى الْجَالِبُ لِلْمَصْلَحَةِ، أَوِ النَّافِي لِلْمَفْسَدَةِ، وَالْأَمْرُ الْعَدَمِيُّ لَا يَصِحُّ اشْتِمَالُهُ عَلَى ذَلِكَ.

الثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ فَرْعُ التَّمْيِيزِ، أَيْ: لَا يَكُونُ عِلَّةً إِلَّا مَا كَانَ مُمَيَّزًا فِي نَفْسِهِ، وَالْعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ لَا تَمْيِيزَ فِيهِ، فَلَا يَكُونُ عِلَّةً.

وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّ مَعْنَى اشْتِمَالِ الْعِلَّةِ عَلَى الْحِكْمَةِ هُوَ نَفْيُ الِاقْتِرَانِ الْوُجُودِيِّ، أَيْ: إِذَا وُجِدَتِ الْعِلَّةُ، وُجِدَتِ الْحِكْمَةُ، وَهَذَا مُمْكِنٌ فِي التَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ، أَوْ أَنَّ الْحِكْمَةَ تُقَارِنُهُ. أَمَّا إِنْ تَخَيَّلَ السَّائِلُ أَنَّ اشْتِمَالَ الْعِلَّةِ عَلَى الْحِكْمَةِ كَاشْتِمَالِ الظَّرْفِ عَلَى الْمَظْرُوفِ حَتَّى يَمْتَنِعَ ذَلِكَ; فَهَذَا لَيْسَ بِمُرَادٍ.

وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْعَدَمَ الَّذِي يَقَعُ التَّعْلِيلُ بِهِ لَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ عَدَمَ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، فَيَكُونُ مُتَمَيِّزًا بِتَمَيُّزِ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ، كَمَا تَقُولُ: عَدَمُ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ عِلَّةُ الْإِبَاحَةِ، وَعَدَمُ التَّنْجِيسِ عِلَّةُ التَّطْهِيرِ، وَعَدَمُ الرُّخْصَةِ عِلَّةُ الْتِزَامِ الْعَزِيمَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: «وَ‌

‌تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ»

أَيْ: وَيَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِعِلَّتَيْنِ مَعًا «خِلَافًا لِقَوْمٍ» .

قَالَ الْآمِدِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَلٍ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ; هَلْ يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ مَعًا؟ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ.

ص: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَفَصَلَ الْغَزَالِيُّ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ.

قَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْمُخْتَارُ مَنْعُهُ.

قُلْتُ: وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، وَهُوَ مُرَادُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنْ إِطْلَاقِهِ بِدَلِيلِ سِيَاقِ كَلَامِهِ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ.

«لَنَا» أَيْ: عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ وَمُعَرِّفَاتٌ، وَحِينَئِذٍ «لَا يَمْتَنِعُ» أَنْ يَجْعَلَ الشَّارِعُ «شَيْئَيْنِ أَمَارَةً عَلَى حُكْمٍ، كَاللَّمْسِ وَالْبَوْلِ» عَلَامَةً «عَلَى نَقْضِ الْوُضُوءِ، وَتَحْرِيمِ الرَّضِيعَةِ» عَلَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، «لِكَوْنِهِ عَمَّهَا وَخَالَهَا» بِأَنْ تُرْضِعَهَا أُخْتُهُ، فَيَكُونُ خَالَهَا، لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَتُرْضِعُهَا زَوْجَةُ أَخِيهِ بِلَبَنِ أَخِيهِ، فَيَكُونُ عَمَّهَا، لِأَنَّهَا بِنْتُ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَكَذَلِكَ تَعْلِيلُ تَحْرِيمِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ بِالصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ وَالِاعْتِدَادِ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ تَحْرِيمِهِ بِالْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ، وَتَعْلِيلُ وُجُوبِ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَتَحْرِيمُ الِاسْتِجْمَارِ بِالرَّوْثِ النَّجِسِ لِنَجَاسَتِهِ، وَكَوْنِهِ طَعَامَ إِخْوَانِنَا مِنَ الْجِنِّ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ لَا مَانِعَ مِنْهُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا. وَقَدْ وَقَعَ شَرْعًا، فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ.

قَوْلُهُ: «قَالُوا» يَعْنِي الْمَانِعِينَ لِذَلِكَ: لَوْ عُلِّلَ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ بِعِلَّتَيْنِ، لَاجْتَمَعَ عَلَى الْأَثَرِ الْوَاحِدِ مُؤَثِّرَانِ، لَكِنَّهُ «لَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْأَثَرِ» الْوَاحِدِ مُؤَثِّرَانِ، فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْأَثَرِ مُؤَثِّرَانِ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُؤَثِّرَيْنِ اسْتَقَلَّ بِإِيجَادِ الْأَثَرِ، فَإِنْ أَثَّرَا فِيهِ مَعًا، لَزِمَ الِاسْتِغْنَاءُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِهِمَا. هَذَا خَلْفٌ، وَإِنْ أَثَّرَا فِيهِ مُتَعَاقِبَيْنِ، فَهُوَ إِنَّمَا ثَبَتَ بِالْأَوَّلِ، وَالثَّانِي لَيْسَ بِمُؤْثِرٍ لِعَدَمِ الْقَابِلِ لِتَأْثِيرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِإِيجَادِ الْأَثَرِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءُ

ص: 340

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْمُؤَثِّرِ، لَا الْمُؤَثِّرُ الْكَامِلُ، بَلْ هُمَا جَمِيعًا الْمُؤَثِّرُ فِي نَقْضِهِ. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَقَطْ، فَلَا عِلَّتَيْنِ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِمَّا عَلَى التَّعَاقُبِ فَكَذَلِكَ، أَوْ مَعًا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَنْتَقِضَ بِأَحَدِهِمَا مَعَ فَرْضِ انْتِقَاضِهِ بِهِمَا، وَهُوَ تَنَاقُضٌ مُحَالٌ.

قَوْلُهُ: «قُلْنَا: عَقْلًا لَا شَرْعًا» . هَذَا جَوَابُ مَا ذَكَرُوهُ.

وَتَقْرِيرُهُ: إِنَّمَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ مُؤَثِّرِينَ عَلَى أَثَرٍ وَاحِدٍ فِي الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ، «لِمَا ذَكَرْنَا» قَبْلُ مِنْ أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ وَمُعَرِّفَاتٌ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ عَلَامَتَانِ وَعَلَامَاتٍ، وَمُعَرِّفَانِ وَمُعَرِّفَاتٍ، كَمَا يُعْرَفُ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ، وَكَمَا يُعْرَفُ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ مَعْرِفَةَ الْمُؤَثِّرِ بِالْأَثَرِ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:

وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ

تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ

وَهَذَا بِخِلَافِ الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا مُؤَثِّرَاتٌ فِي مَعْلُولَاتِهَا، فَلَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْمَعْلُولِ مِنْهَا عِلَّتَانِ، كَالتَّحَرُّكِ لَا يَكُونُ فِي الْجَوْهَرِ الْوَاحِدِ بِحَرَكَتَيْنِ، وَكَسْرِ الْإِنَاءِ لَا يَكُونُ بِكَسْرَيْنِ، وَاسْوِدَادِ الْجِسْمِ لَا يَكُونُ بِتَسْوِيدَيْنِ لِلتَّقْرِيرِ الْمَذْكُورِ.

وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُؤَثِّرَتَيْنِ أَعْنِي الثَّابِتَتَيْنِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ وَالْمُسْتَنْبِطَتَيْنِ، هُوَ أَنَّ الْمُسْتَنْبَطَةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِالسَّبْرِ، فَإِذَا أُضِيفَ الْحُكْمُ

ص: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الشَّرْعِيُّ إِلَى أَوْصَافٍ، وَجَبَ جَعْلُ جَمِيعِهَا عِلَّةً وَاحِدَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا جُزْءُ عِلَّةٍ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهَا بِالْعِلِّيَّةِ حَتَّى يَنُصَّ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ، فَيَثْبُتَ.

وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ فِي «جَدَلِهِ» فِي مَنْعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ كَلَامًا طَوِيلًا، وَأَنَا أَذْكُرُهُ بِمَعْنَاهُ مُلَخِّصًا مِنْهُ مَا أَمْكَنَ مَعَ الْبَيَانِ:

وَتَقْرِيرُ ذَلِكَ: أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ إِمَّا بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، أَوْ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ وَالْعَلَامَةِ.

فَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلْحُكْمِ الْوَاحِدِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعِثَانِ، لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا إِنْ أُضِيفَ الْحُكْمُ إِلَيْهِمَا، فَهُمَا بَاعِثٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ أُضِيفَ إِلَى أَحَدِهِمَا، فَالْآخَرُ لَيْسَ بِبَاعِثٍ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ كَانَ لِلْحُكْمِ الْوَاحِدِ بَاعِثَانِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ يَخْتَلِفَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ يَتَّفِقَا مِنْ وَجْهٍ وَيَخْتَلِفَا مِنْ وَجْهٍ.

فَإِنِ اتَّفَقَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا تَغَايُرَ، إِذِ التَّغَايُرُ بِدُونِ مُمَيِّزٍ مُحَالٌ، فَهُمَا بَاعِثٌ وَاحِدٌ.

وَإِنِ اخْتَلَفَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، اسْتَحَالَ اتِّفَاقُهُمَا فِي اقْتِضَاءِ حُكْمٍ وَاحِدٍ، إِذِ اخْتِلَافُ الْمُؤَثِّرِ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْأَثَرِ.

وَإِنِ اتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَالتَّعْلِيلُ إِنْ وَقَعَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ مَا بِهِ الِاتِّفَاقُ فَالْعِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ وَقَعَ بِمَا بِهِ الِاخْتِلَافُ; أَوْ بِمَا بِهِ الِاتِّفَاقُ وَالِاخْتِلَافُ جَمِيعًا، امْتَنَعَ اقْتِضَاؤُهُمَا لِحُكْمٍ وَاحِدٍ، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي

ص: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أَنْفُسِهِمَا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.

وَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ: فَعِنْدَ اجْتِمَاعِ الْأَمَارَتَيْنِ، إِنْ عُرِفَ الْحُكْمُ بِهِمَا، فَهُمَا أَمَارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ عُرِفَ بِإِحْدَاهُمَا; فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْأُخْرَى.

أَمَّا إِنِ اخْتَلَفَ مَحَالُّ الْحُكْمِ أَوْ جِهَاتُهُ; فَلَا مَانِعَ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ لِتَعَدُّدِ مَحَالِّهِ وَجِهَاتِهِ.

قَالَ: وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ عَلَيَّ بِأَنَّ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ تَشْهَدُ بِخِلَافِهِ كَالْحَائِضِ الْمُعْتَدَّةِ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا، وَكَذَا الْوَالِدَةُ الْمُرْضِعَةُ يَحْرُمُ نِكَاحُهَا بِالْوِلَادَةِ وَالرِّضَاعِ، وَالْقَاتِلُ الْمُرْتَدُّ يَجِبُ قَتْلُهُ، وَالصِّغَرُ وَالْجُنُونُ يُثْبِتَانِ الْوِلَايَةَ، وَاللَّمْسُ وَالْبَوْلُ وَالتَّغْوِيطُ مَعًا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَالْحُكْمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ مُتَّحِدٌ، وَالْعِلَلُ مُتَعَدِّدَةٌ، إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَجْمُوعَ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، لِاسْتِقْلَالِ الْبَعْضِ بِالْحُكْمِ إِذَا انْفَرَدَ، وَلَا إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ، إِذْ هُوَ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.

قَالَ: وَهُوَ مُنْدَفِعٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ، وَهُوَ أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا امْتِنَاعَ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَا سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَحَيْثُ يُتَخَيَّلُ جَوَازُهُ كَمَا فِي الصُّوَرِ الْمُسْتَرْوَحِ إِلَيْهَا، احْتُمِلَ تَعَدُّدُ الْحُكْمِ، وَاتِّحَادُ الْعِلَّةِ، أَوْ خُرُوجُ إِحْدَى الْعِلَّتَيْنِ عَنِ الِاعْتِبَارِ، وَنَظُنُّ خِلَافَ ذَلِكَ لِدِقَّةِ النَّظَرِ، وَلُطْفِ الْمَأْخَذِ، وَمَعَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَا سَبِيلَ إِلَى مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ الْمُتَيَقَّنِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ حَيْثُ التَّفْضِيلُ، وَهُوَ تَخْصِيصُ كُلِّ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ بِجَوَابٍ.

ص: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى; فَتَحْرِيمُ الْوَطْءِ فِيهَا مَجَازٌ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ قُرْبَانُ الْآدَمِيِّ فِي وَطْءِ الْحَائِضِ، وَإِفْسَادُ الْعِبَادَةِ فِي وَطْءِ الْمُحْرِمَةِ، وَاخْتِلَاطُ النَّسَبِ فِي وَطْءِ الْمُعْتَدَّةِ، فَالْحُكْمُ مُتَعَدِّدٌ بِتَعَدُّدِ الْعِلَّةِ.

وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ; فَتَحْرِيمُ النِّكَاحِ اسْتَقَلَّتِ الْوِلَادَةُ دُونَ الرِّضَاعِ لِسَبْقِهَا عَلَيْهِ. وَحِينَئِذٍ لَا يُصَادِفُ مَحَلًّا يُحَرِّمُهُ، إِذْ تَحْرِيمُ الْمُحَرَّمِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ.

وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ; فَقَتْلُ الْقَاتِلِ غَيْرُ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ، فَالْحُكْمُ مُتَعَدِّدٌ، وَلِذَلِكَ يَخْتَلِفَانِ فِي الْأَحْكَامِ، فَيَسْقُطُ الْقَتْلُ قِصَاصًا بِالْعَفْوِ، دُونَ الْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ، وَيَسْقُطُ الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ بِالتَّوْبَةِ دُونَ الْقَتْلِ قِصَاصًا، فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ بِالشَّخْصِيَّةِ لَعِلِّيَّتِهَا.

وَأَمَّا الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ; فَثُبُوتُ الْوِلَايَةِ مُضَافٌ إِلَى الصِّغَرِ لِسَبْقِهِ عَلَى الْجُنُونِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْوِلَادَةِ مَعَ الرِّضَاعِ، إِذْ لَا يُعْقَلُ الْجُنُونُ إِلَّا عِنْدَ التَّمْيِيزِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا بِشَرْطٍ فَاسِدٍ، أَوْ ثَمَنٍ مَجْهُولٍ، أُضِيفَ الْفَسَادُ إِلَى عَدَمِ الْمَحَلِّ لِسَبْقِهِ عَلَى الشَّرْطِ.

وَأَمَّا الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ; فَعَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: الْأَحْدَاثُ مُتَعَدِّدَةٌ، حَتَّى لَوْ نَوَى رَفْعَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَمْ يَرْتَفِعْ مَا عَدَاهُ، وَلَوِ اغْتَسَلَتْ حَائِضٌ جُنُبٌ لِلْحَيْضِ، حَلَّ وَطْؤُهَا دُونَ غَيْرِهِ لِبَقَاءِ الْجَنَابَةِ، فَالْحُكْمُ إِذًا مُتَعَدِّدٌ بِتَعَدُّدِ الْعِلَلِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْحَدَثَ وَاحِدٌ، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ: الْعِلَّةُ هِيَ الْمَجْمُوعُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ

ص: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عِنْدَ الِانْفِرَادِ، كَمَا فِي سَرِقَةِ مِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا مَعَ الْقَطْعِ، فَإِنَّ مَجْمُوعَهَا عِلَّةٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ رُبْعِ دِينَارٍ مِنْهَا مُسْتَقِلًّا بِهِ عِنْدَ انْفِرَادِهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا عَامًّا لِهَذَا الْجَوَابِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.

قُلْتُ: فَقَدْ رَأَيْتُ تَجَاذُبَ الْأَدِلَّةِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَهِيَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

وَالْكَلَامُ إِلَى هَاهُنَا فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ، وَبِهِ تَمَّ الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ الْأَرْبَعَةِ، وَرُبَّمَا وُجِدَ فِيهِ بَعْضُ التَّطْوِيلِ وَالتَّكْرَارِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حِرْصًا عَلَى الْبَيَانِ.

ص: 345

ثُمَّ قَالَ النَّظَّامُ: الْعِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ تُوجِبُ الْإِلْحَاقَ لَا قِيَاسًا بَلْ لَفْظًا وَعُمُومًا، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِشِدَّتِهَا، وَبَيْنَ: حَرَّمْتُ كُلَّ مُشْتَدٍّ، لُغَةً.

وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إِلَّا تَحْرِيمَهَا خَاصَّةً، فَلَوْلَا الْقِيَاسُ لَاقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ، كَأَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، وَفَائِدَتُهُ زَوَالُ التَّحْرِيمِ عِنْدَ زَوَالِ الشِّدَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفَسَادُ الْقِيَاسِ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا، وَبِإِخْطَاءِ عِلَّتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِزِيَادَةِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ وَنَقْصِهَا، وَبِتَوَهُّمِ وَجُودِهَا فِي الْفَرْعِ وَلَيْسَتْ فِيهِ.

ــ

قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَالَ النَّظَّامُ» إِلَى آخِرِهِ. يَعْنِي أَنَّ النَّظَّامَ زَعَمَ أَنَّ «الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَةَ» أَيْ: الثَّابِتَةَ بِالنَّصِّ «تُوجِبُ» إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ، لَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ، أَيْ: الْإِلْحَاقُ مُسْتَفَادٌ مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ، لَا مِنَ الْقِيَاسِ، «إِذْ لَا فَرْقَ» فِي اللُّغَةِ «بَيْنَ» قَوْلِ الْقَائِلِ:«حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِشِدَّتِهَا، وَبَيْنَ» قَوْلِهِ: «حَرَّمْتُ كُلَّ مُشْتَدٍّ» فَهَذَا مَعْنَى الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ.

قَوْلُهُ: «وَرُدَّ» أَيْ: وَرُدَّ عَلَى النَّظَّامِ قَوْلُهُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اسْتِوَاءَ الصِّيغَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ بَلْ قَوْلُهُ: حَرَّمْتُ كُلَّ مُشْتَدٍّ يُفِيدُ الْعُمُومَ لَعِلِّيَّتِهِ، وَقَوْلُهُ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِشِدَّتِهَا، لَا يُفِيدُ إِلَّا تَحْرِيمَ الْخَمْرِ خَاصَّةً، فَلَوْلَا الْإِلْحَاقُ الْقِيَاسِيُّ، لَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَحْرِيمِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ:«أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ» يَخْتَصُّ

ص: 346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْعِتْقُ بِغَانِمٍ، وَالنَّصُّ عَلَى عِلَّةِ الْإِعْتَاقِ لَا يُوجِبُ عُمُومًا لَفْظِيًّا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا.

قَوْلُهُ: «وَفَائِدَتُهُ زَوَالُ التَّحْرِيمِ عِنْدَ زَوَالِ الشِّدَّةِ» . جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: أَنَّ النَّصَّ عَلَى الْعِلَّةِ فِي قَوْلِهِ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ لِشِدَّتِهَا، وَنَحْوِهِ لَوْ لَمْ يُفِدِ الْعُمُومَ اللَّفْظِيَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ.

وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ، بَلْ لَهُ فَائِدَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: زَوَالُ الْحُكْمِ عِنْدَ زَوَالِ الْعِلَّةِ، كَزَوَالِ التَّحْرِيمِ عِنْدَ زَوَالِ الشِّدَّةِ، إِذْ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَنْصِبَ شِدَّةَ الْخَمْرِ خَاصَّةً عِلَّةً لِلتَّحْرِيمِ، دُونَ سَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ تَعَبُّدًا، وَلِخَاصَّةٍ يَعْلَمُهَا فِيهَا، وَيَكُونُ فَائِدَةُ النَّصِّ عَلَى الْعِلَّةِ مَا ذَكَرْنَا.

الثَّانِيَةُ: نَحْوُ مَا سَبَقَ فِي فَائِدَةِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ مِنْ سُرْعَةِ انْقِيَادِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى الِامْتِثَالِ لِظُهُورِ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: «وَفَسَادُ الْقِيَاسِ» إِلَى آخِرِهِ لَمَّا بَيَّنَ شُرُوطَ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ وَمُصَحِّحَاتِهِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُفْسِدُهُ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: «أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا» فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَيَكُونُ الْقَائِسُ قَدْ عَلَّلَ مَا لَيْسَ بِمُعَلَّلٍ، كَمَنْ زَعَمَ أَنَّ عِلَّةَ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِلَحْمِ الْجَزُورِ هُوَ أَنَّهُ لِشِدَّةِ حَرَارَتِهِ وَدَسَمِهِ مُرْخٍ لِلْجَوْفِ وَالْأَمْعَاءِ وَمَخْرِجُ الْحَدَثِ، فَصَارَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِخُرُوجِهِ، فَأُقِيمَ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ كَالنَّوْمِ، ثُمَّ أُلْحِقَ بِهِ كُلُّ طَعَامٍ مُرْخٍ لِلْجَوْفِ، وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ تَعَبُّدٌ.

وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ: إِذَا نَقَضَ لَحْمُ الْجَزُورِ الْوُضُوءَ

ص: 347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مَعَ إِبَاحَتِهِ، فَاللُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ نَاقِضَةً، فَجَعَلَ اسْتِفَادَةَ الْحُكْمِ فِي اللُّحُومِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا، لِأَنَّ شَرْطَ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ فَهْمُ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، كَإِكْرَامِ الْوَالِدَيْنِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّأْفِيفِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ قِيَاسًا، وَالْحُكْمُ فِي لَحْمِ الْجَزُورِ لَا يَظْهَرُ لَهُ عِلَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَبُّدٌ.

الثَّانِي: أَنْ يُخْطِئَ الْقَائِسُ عِلَّةَ الْحُكْمِ «عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى» فِي الْأَصْلِ، مِثْلَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي الْبُرِّ الطُّعْمُ، فَيُلْحِقَ بِهِ الْخَضْرَاوَاتِ وَسَائِرَ الْمَطْعُومَاتِ، وَتَكُونُ عِلَّتُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ الْكَيْلَ أَوِ الِاقْتِيَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ عِلَّةَ وِلَايَةِ الْإِجْبَارِ فِي الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ الْبَكَارَةُ، فَيُلْحِقَ بِهَا الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ، أَوِ الصِّغَرَ، فَيُلْحِقَ بِهَا الصَّغِيرَةَ الثَّيِّبَ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ عِلَّةَ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ تَبْدِيلُ الدِّينِ، فَيُلْحِقَ بِهِ الْمَرْأَةَ، أَوْ إِعَانَةُ الْكُفَّارِ فَلَا يُلْحِقُهَا بِهِ، وَالْعِلَّةُ خِلَافُ ذَلِكَ فِي الْأَصْلِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَزِيدَ فِي أَوْصَافِ الْعِلَّةِ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهَا، مِثْلَ أَنْ يُعَلِّلَ الْحَنْبَلِيُّ بِأَنَّهُ قَتْلُ عَمْدٍ عُدْوَانٌ، فَأَوْجَبَ الْقَوَدَ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: نَقَصْتَ مِنْ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ وَصْفًا، وَهُوَ الْآلَةُ الصَّالِحَةُ السَّارِيَةُ فِي الْبَدَنِ، يَعْنِي الْمُحَدَّدَ، فَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ الْمُثَقَّلِ بِهِ، أَوْ يُعَلِّلُ الْحَنَفِيُّ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: زِدْتَ فِي أَوْصَافِ الْعِلَّةِ وَصْفًا لَيْسَ مِنْهَا، وَهُوَ صَلَاحِيَّةُ الْآلَةِ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ هِيَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ فَقَطْ، فَيَلْحَقُ بِهِ الْمُثَقَّلُ.

وَكَذَا لَوْ قَالَ الْحَنَفِيُّ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ: إِفْسَادٌ لِلصَّوْمِ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ،

ص: 348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فَقَالَ الْحَنْبَلِيُّ: نَقَصْتَ وَصْفًا خَاصًّا مِنَ الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ إِفْسَادٌ لِلصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِالْجِمَاعِ، فَيَخْرُجُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَنْ كَوْنِهِ مُوجِبًا لَهَا.

الرَّابِعُ: أَنْ يَتَوَهَّمَ وُجُودَ الْعِلَّةِ «فِي الْفَرْعِ وَلَيْسَتْ فِيهِ» مِثْلَ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ الْخِيَارَ وَنَحْوَهُ مَكِيلٌ، فَيُلْحِقَهُ بِالْبُرِّ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا، أَوْ بِالْعَكْسِ، مِثْلَ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ الْأُرْزَ مَوْزُونٌ، فَيُلْحِقَهُ بِالْخَضْرَاوَاتِ فِي عَدَمِ تَحْرِيمِ الرِّبَا بِجَامِعِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكِيلٍ.

وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَجْهًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ بِمَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ، فَلَا يَصِحُّ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْقِيَاسُ وَإِنْ أَصَابَ، كَمَا لَوْ أَصَابَ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ وَالْحَدْسِ، أَوْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ اشْتِبَاهِهَا بِدُونِ اجْتِهَادٍ.

قُلْتُ: هَذَا مِمَّا يَمْنَعُ جَوَازَ الْقِيَاسِ، وَقَدْ يُفْضِي إِلَى إِفْسَادِهِ بِتَقْدِيرِ الْخَطَأِ فِي دَلِيلِ تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ فَسَادُ الْقِيَاسِ، لِجَوَازِ أَنْ يُصِيبَ، فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ، وَرُبَّمَا اتَّجَهَ جَوَازُ الْقِيَاسِ حِينَئِذٍ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ أَصَابَ الْقِبْلَةَ بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ.

قَالَ: وَزَادَ آخَرُونَ احْتِمَالًا آخَرَ، وَهُوَ الْخَطَأُ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِ [لِأَنَّ صِحَّةَ الْقِيَاسِ] لَيْسَتْ مَظْنُونَةً حَتَّى يَتَطَرَّقَ إِلَيْهَا هَذَا الِاحْتِمَالُ، بَلْ هِيَ مَقْطُوعٌ بِهَا كَالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ.

قَالَ: وَهَذِهِ الْمَثَارَاتُ لِلْخَطَأِ فِي الْقِيَاسِ إِنَّمَا تَسْتَقِيمُ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، أَمَّا مَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَلَا غَلَطَ فِي الْقِيَاسِ عَلَى رَأْيِهِ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا الْخَطَأُ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

ص: 349

تَنْبِيهٌ: إِلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَمَظْنُونٌ:

فَالْأَوَّلُ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ، وَشَرْطُهُ مَا سَبَقَ، نَحْوَ: إِذَا قُبِلَ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ فَثَلَاثَةٌ أَوْلَى، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ بِالْعَوْرَاءِ فَبِالْعَمْيَاءِ أَوْلَى، بِخِلَافِ إِذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ، وَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ فِي الْخَطَأِ، فَالْكَافِرُ وَالْعَمْدُ أَوْلَى، فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ بِمَا سَبَقَ.

الثَّانِي: أَنْ يَسْتَوِيَا كَسِرَايَةِ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ، وَالْأَمَةُ مِثْلُهُ، وَمَوْتِ الْحَيَوَانِ فِي السَّمْنِ، وَالزَّيْتُ مِثْلُهُ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنْ لَا أَثَرَ لِلْفَارِقِ، وَطَرِيقُ الْإِلْحَاقِ لَا فَارِقَ إِلَّا كَذَا، وَلَا أَثَرَ لَهُ، أَوْ يُبَيِّنُ الْجَامِعُ وُجُودَهُ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا، وَفِيمَا قَبْلَهُ خِلَافٌ، نَحْوَ: السُّكْرُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النَّبِيذِ، وَإِثْبَاتُ الْأَوْلَى بِالشَّرْعِ فَقَطْ، إِذْ هِيَ وَضْعِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ بِالْعَقْلِ وَالْعُرْفِ وَالشَّرْعِ.

وَالْمَظْنُونُ مَا عَدَا ذَلِكَ.

ــ

تَنْبِيهٌ: إِلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ " إِلَى آخِرِهِ، يَعْنِي الْقِيَاسَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: " مَقْطُوعٍ بِهِ وَمَظْنُونٍ " أَيْ: مُسَاوَاةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ، تَارَةً تَكُونُ قَطْعِيَّةً، وَتَارَةً تَكُونُ ظَنِّيَّةً، " فَالْأَوَّلُ " وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَيْضًا:

" أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ " وَهُوَ فَحْوَى الْخِطَابِ، وَمَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، " وَشَرْطُهُ مَا سَبَقَ " فِي مَوْضِعِهِ، نَحْوَ " قَوْلِنَا: " إِذَا قُبِلَ شَهَادَةُ

ص: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

اثْنَيْنِ " فَشَهَادَةُ " ثَلَاثَةٍ أَوْلَى " لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ فِيهِمْ وَزِيَادَةً، " وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ بِالْعَوْرَاءِ، فَبِالْعَمْيَاءِ أَوْلَى " لِأَنَّ فِي الْعَمْيَاءِ الْعَوْرَاءَ أَوْ مَعْنَاهَا وَزِيَادَةً. وَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَصِحَّ بِالْعَرْجَاءِ، فَمَقْطُوعَةُ الرِّجْلَيْنِ أَوْلَى، وَكَقَوْلِهِ عليه السلام: أَدَّوُا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ فَوُجُوبُ رَدِّ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْغَنِيمَةِ أَوْلَى، وَهُوَ كَقَوْلِهِ عز وجل: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آلِ عِمْرَانَ: 75] ، فَعَدَمُ رَدِّ الْقِنْطَارِ أَوْلَى، وَقَوْلِهِ عليه السلام: الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ، اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ فَأَثْبَتَ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ; فَبِسَائِرِ مُزِيلَاتِ الْعَقْلِ كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ أَوْلَى. وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَةِ هَذَا قِيَاسًا، وَهُوَ " بِخِلَافِ " قَوْلِنَا ": " إِذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ " فَشَهَادَةُ الْكَافِرِ أَوْلَى بِالرَّدِّ، لِأَنَّ الْكُفْرَ فِسْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَإِذَا " وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ فِي " قَتْلِ " الْخَطَأِ " فَفِي الْعَمْدِ أَوْلَى، لِأَنَّ فِيهِ مَا فِي الْخَطَأِ وَزِيَادَةَ الْعُدْوَانِ، وَإِذَا أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنَ الْكِتَابِيِّ، فَمِنَ الْوَثَنِيِّ أَوْلَى، لِأَنَّ فِيهِ مَا فِي الْكِتَابِيِّ مِنَ الْكُفْرِ مَعَ زِيَادَةِ كُفْرٍ وَجَهْلٍ، فَإِنَّ هَذَا الْقَبِيلَ " مَظْنُونٌ لِإِمْكَانِ الْفَرْقِ " فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ بَيْنَ الْفَاسِقِ وَالْكَافِرِ فِي الشَّهَادَةِ، وَبَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي الْكَفَّارَةِ " بِمَا سَبَقَ " فِي فَحْوَى الْخِطَابِ، وَبَيْنَ الْكِتَابِيِّ وَالْوَثَنِيِّ بِأَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ نَوْعُ احْتِرَامٍ وَتَخْفِيفٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَحِقُّهُ الْوَثَنِيُّ بِخِلَافِ الْكِتَابِيِّ فِي ذَلِكَ احْتِرَامًا لِكِتَابِهِ، وَهَذَا - أَعْنِي

ص: 351

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْإِلْحَاقَ الْمَظْنُونَ - مُشَبَّهٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَمُتَعَلِّقٌ بِأَذْيَالِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ قَاطِعٌ، وَهَذَا ظَنِّيٌ كَمَا قَدْ رَأَيْتُ، وَبِالْجُمْلَةِ بَيْنَهُمَا جَامِعٌ، وَهُوَ مُبَادَرَةُ الذِّهْنِ إِلَى أَوْلَوِيَّةِ الْفَرْعِ بِالْحُكْمِ، وَفَارِقٌ; وَهُوَ إِمْكَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي هَذَا الضَّرْبِ الثَّانِي دُونَ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ.

الضَّرْبُ " الثَّانِي ": مِنَ الْإِلْحَاقِ الْمَقْطُوعِ بِهِ " أَنْ يَسْتَوِيَا " يَعْنِي الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمَا، وَمُنَاسَبَتِهِمَا لَهُ، كَقَوْلِنَا: سَرَى " الْعِتْقُ فِي الْعَبْدِ، وَالْأَمَةُ مِثْلُهُ " إِذْ لَا تَأْثِيرَ لِلذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَنَحْوِهِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ وَتَصْرُّفِهِ، إِذْ هُمَا وَصْفَانِ طَرْدِيَّانِ، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَإِنْ كَانَ لِلذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ تَأْثِيرٌ فِي الْفَرْقِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ.

وَكَذَلِكَ " مَوْتُ الْحَيَوَانِ فِي السَّمْنِ " الْمَائِعِ يُنَجِّسُهُ، " وَالزَّيْتُ مِثْلُهُ " إِذِ الْمُؤَثِّرُ هُوَ الْجَامِعُ، وَهُوَ الْمَيَعَانُ الْمُصَحِّحُ لِسَرَايَةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا أَثَرَ لِلْفَارِقِ بِكَوْنِ هَذَا سَمْنًا وَهَذَا زَيْتًا، لِأَنَّهُ فَرْقٌ لَفْظِيٌّ غَيْرُ مُنَاسِبٍ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عليه السلام: أَيُّمَا رَجُلٍ وَجَدَ مَتَاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ، فَنَقُولُ: الْمَرْأَةُ فِي مَعْنَى الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النِّسَاءِ: 25]، فَنَقُولُ: الْعَبِيدُ فِي مَعْنَى الْإِمَاءِ فِي تَنْصِيفِ الْحَدِّ، وَقَوْلُهُ عليه السلام: مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ. فَنَقُولُ: الْأَمَةُ إِذَا بِيعَتْ وَلَهَا مَالٌ فِي مَعْنَى الْعَبْدِ.

ص: 352

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَهَذَا يُسَمَّى الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، أَيْ: إِنَّ الْفَرْعَ فِيهِ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، " وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنْ لَا أَثَرَ لِلْفَارِقِ " وَيُسَمَّى إِلْغَاءَ الْفَارِقِ.

" وَطَرِيقُ الْإِلْحَاقِ " فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: " لَا فَارِقَ " بَيْنَ مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ " إِلَّا كَذَا " وَهُوَ " لَا أَثَرَ لَهُ " فَيَجِبُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُكْمِ.

مِثَالُهُ: لَا فَارِقَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ وَتَنْصِيفِ الْحَدِّ إِلَّا الذُّكُورِيَّةُ، وَلَا أَثَرَ لَهَا لِمَا ذَكَرْنَا، فَيَجِبُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي ذَلِكَ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ " يُبَيِّنَ الْجَامِعَ " الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ مَا هُوَ، وَيُبَيِّنَ " وُجُودَهُ فِي الْفَرْعِ " فَيُثْبِتَ الْحُكْمَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ فِي الْأَصْلِ كَذَا، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْفَرْعِ، فَيَجِبُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْحُكْمِ.

مِثَالُهُ: الْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْإِسْكَارُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النَّبِيذِ، فَيَجِبُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي التَّحْرِيمِ. " وَهُوَ " يَعْنِي هَذَا الطَّرِيقَ الثَّانِيَ، وَهُوَ بَيَانُ الْجَامِعِ فِي الْأَصْلِ، وَوُجُودُهُ فِي الْفَرْعِ هُوَ " الْمُتَّفَقُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا، وَفِيمَا قَبْلَهُ " وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ فِيهِ " خِلَافٌ " هَلْ يُسَمَّى قِيَاسًا أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ اعْتِبَارُ شَيْءٍ بِغَيْرِهِ، أَوِ الْجَمْعُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ فِي بَيَانِ عِلَّةِ الْأَصْلِ وَوُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ. أَمَّا إِلْغَاءُ الْفَارِقِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِيهِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، إِنَّمَا الْمَوْجُودُ فِيهِ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَإِنَّمَا يَحْصُلُ فِيهِ بِالْقَصْدِ الثَّانِي.

قَوْلُهُ: " نَحْوُ: السُّكْرُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مِثَالُ بَيَانِ عِلَّةِ الْأَصْلِ وَوُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي فِي الْإِلْحَاقِ الْمُسَمَّى قِيَاسًا بِالِاتِّفَاقِ، كَقَوْلِنَا:" السُّكْرُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ " فِي الْخَمْرِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النَّبِيذِ،

ص: 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فَيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ فِيهِ، " وَإِثْبَاتُ " الْمُقَدِّمَةِ " الْأُولَى " وَهِيَ قَوْلُنَا هَاهُنَا: السُّكْرُ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ " بِالشَّرْعِ فَقَطْ " أَيْ: إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، لِأَنَّهَا " وَضْعِيَّةٌ " أَيْ: مِمَّا وَضَعَهُ الشَّرْعُ، وَمَا اخْتَصَّ الشَّرْعُ بِوَضْعِهِ عِلَّةً وَعِلْمًا عَلَى الْحُكْمِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِثْبَاتُ الْمُقَدِّمَةِ " الثَّانِيَةِ " وَهِيَ تَحْقِيقُ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ " بِالْعَقْلِ وَالْعُرْفِ وَالشَّرْعِ " لِأَنَّ طَرِيقَ إِثْبَاتِهَا فِي الْفَرْعِ لَيْسَ مِنْ خَوَاصِّ أَوْضَاعِ الشَّرْعِ، إِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِ، فَجَازَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهَا فِيهِ عَقْلِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا، أَيْ: مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ أَوِ الْعُرْفِ أَوِ الشَّرْعِ، وَيَتَعَلَّقُ بِأَذْيَالِ هَذَا الضَّرْبِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ مَا هُوَ دُونَهُ فِي الْقُوَّةِ وَهُوَ مَظْنُونٌ، كَقَوْلِنَا: إِذَا أَضَافَ الْعِتْقَ إِلَى عُضْوٍ مُعَيَّنٍ، سَرَى، فَإِذَا أَضَافَهُ إِلَى جُزْءٍ شَائِعٍ كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ، يَسْرِي أَيْضًا، وَالْجَامِعُ أَنَّ هَذَا بَعْضٌ، وَهَذَا بَعْضٌ، فَهَذَا فِي مَحَلِّ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ، إِذْ شُيُوعُ الْبَعْضِ وَتَعْيِينُهُ مَثَارٌ لِفَرْقٍ مُنْقَدِحٍ فِي نَظَرِ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ.

فَيَحْصُلُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِلْحَاقَ الْمَقْطُوعَ بِهِ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَا الْفَرْعُ أَوْلَى فِيهِ بِالْحُكْمِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، ثُمَّ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: مَا الْأَمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ، كَالضَّرْبِ مَعَ التَّأْفِيفِ، وَهُوَ فَحْوَى الْخِطَابِ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ، كَشَهَادَةِ الْكَافِرِ مَعَ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى مِنَ الثَّانِي.

ص: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا الْفَرْعُ فِيهِ مُسَاوٍ لِلْأَصْلِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحُكْمِ، وَهُوَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: مَا لَا يَنْقَدِحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ. الثَّانِي: مَا يَنْقَدِحُ فِي الْفَرْقِ، كَالْجُزْءِ الْمُشَاعِ مَعَ الْجُزْءِ الْمُعَيَّنِ.

قَوْلُهُ: " وَالْمَظْنُونُ مَا عَدَا ذَلِكَ " أَيْ: مَا عَدَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ فَهُوَ مَظْنُونٌ كَالْأَقْيِسَةِ الشَّبِهِيَّةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

فَحَصَلَ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَيَانُ أَصْنَافِ الْإِلْحَاقِ الْقِيَاسِيِّ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

ص: 355

وَتَرْجِعُ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ إِلَى نَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوِ اسْتِنْبَاطٍ، وَتَثْبُتُ الْعِلَّةُ بِكُلٍّ مِنْهَا:

الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: إِثْبَاتُهَا بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ، وَهُوَ ضَرْبَانِ:

صَرِيحٌ فِي التَّعْلِيلِ نَحْوَ: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً} ، {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا} ، لِيَعْلَمَ، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ} ، {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا} ، إِلَّا لِنَعْلَمَ، {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} ، «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ» ، {لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} ، {حَذَرَ الْمَوْتِ} .

فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ عِلَّةً، نَحْوَ: لِمَ فَعَلْتَ؟ فَيَقُولُ: لِأَنِّي أَرَدْتُ، فَهُوَ مَجَازٌ، أَمَّا نَحْوَ:" إِنَّهَا رِجْسٌ "" إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ " فَصَرِيحٌ أَيْضًا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ، وَإِنْ لَحِقَتْهُ الْفَاءُ نَحْوَ: فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا فَهُوَ آكَدُ، وَإِيمَاءٌ عِنْدَ غَيْرِهِ ".

الثَّانِي: الْإِيمَاءُ وَهُوَ أَنْوَاعٌ:

أَحَدُهَا: ذِكْرُ الْحُكْمِ عَقِيبَ الْوَصْفِ بِالْفَاءِ، نَحْوَ:{قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا} ، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} ، «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» إِذِ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فَتُفِيدُ تَعَقُّبَ الْحُكْمِ الْوَصْفَ، وَأَنَّهُ سَبَبُهُ، إِذِ السَّبَبُ: مَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ، وَلِهَذَا تُفْهَمُ السَّبَبِيَّةُ مَعَ عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ، نَحْوَ:«مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» ، وَكَذَلِكَ لَفَظُ الرَّاوِي نَحْوَ: سَهَا فَسَجَدَ، وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ. اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمُ الْمُنَاسَبَةَ، وَإِلَّا لَفُهِمَ مِنْ: صَلَّى فَأَكَلَ، سَبَبِيَّةُ الصَّلَاةِ لِلْأَكْلِ.

ــ

قَوْلُهُ: " وَتَرْجِعُ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ " إِلَى آخِرِهِ. لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَصْنَافِ الْقِيَاسِ مِنْ حَيْثُ الْقَطْعُ وَالظَّنُّ، وَكَانَ ذَلِكَ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْعِلَّةِ فِي قُوَّتِهَا وَضَعْفِهَا، وَالْقُوَّةُ وَالضَّعْفُ فِيهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلِ ثُبُوتِهَا الشَّرْعِيِّ،

ص: 356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

احْتَجْنَا إِلَى بَيَانِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.

وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ تَرْجِعُ، أَيْ: تَنْحَصِرُ فِي النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، لِأَنَّ النَّصَّ يَعُمُّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالِاسْتِنْبَاطُ هُوَ أَعَمُّ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، فَانْحَصَرَتْ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ الْمُعْتَبَرَةُ فِي ذَلِكَ، وَالْعِلَّةُ الْقِيَاسِيَّةُ يَصِحُّ إِثْبَاتُهَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعِلَّةِ يَجُوزُ إِثْبَاتُهُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادٍ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ، بَلِ الْمُرَادُ إِثْبَاتُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعِلَّةِ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الْبَدَلِ، أَيْ: إِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي النَّصِّ مَا يُثْبِتُهَا، فَفِي الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَفِي الِاسْتِنْبَاطِ، فَمَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ فِي الْإِثْبَاتِ مُقَابِلٌ لِمَجْمُوعِ الْعِلَلِ، وَقَدْ بَانَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ.

" الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ": يَعْنِي مِنْ أَقْسَامِ طُرُقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ:

الدَّلِيلُ النَّقْلِيُّ، وَهُوَ يَعُمُّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، " وَهُوَ " يَعْنِي إِثْبَاتَ الْعِلَّةِ أَوِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ فِي إِثْبَاتِهَا " ضَرْبَانِ ":

أَحَدُهُمَا: " صَرِيحٌ فِي التَّعْلِيلِ " أَيْ: فِي بَيَانِ كَوْنِ الْمَذْكُورِ عِلَّةً، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ أَوْ مَشْهُورًا فِيهِ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ، " نَحْوَ " قَوْلِهِ سبحانه وتعالى:{مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الْحَشْرِ: 7]، أَيْ: إِنَّمَا جَعَلَ مَصْرِفَهُ هَذِهِ الْجِهَاتِ لِئَلَّا يَتَدَاوَلَهُ الْأَغْنِيَاءُ قَوْمًا بَعْدَ قَوْمٍ، فَيَفُوتُ نَفْعُهُ تِلْكَ الْجِهَاتِ الْمُحْتَاجَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يَقَعُ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ مَوْقِعَ ضَرُورَةٍ، وَكَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى:{فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} [آلِ عِمْرَانَ: 153]، أَيْ: شَغَلَ قُلُوبَكُمْ بِالْغَمِّ الْأَعْظَمِ، لِئَلَّا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ. وَكَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى:

ص: 357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

{وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} [الْبَقَرَةِ: 143]، أَيْ: لِيَمْتَحِنَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِلِانْتِقَالِ مِنْ قِبْلَةٍ إِلَى قِبْلَةٍ. وَكَذَا قَوْلُهُ عز وجل: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} [سَبَأٍ: 21]، أَيْ: مَا سَلَّطْنَا إِبْلِيسَ عَلَى الْخَلْقِ بِالْإِغْوَاءِ إِلَّا امْتِحَانًا لَهُمْ بِالْإِيمَانِ، وَإِلَّا فَهُوَ لَا يَسْتَقِلُّ بِإِضْلَالِهِمْ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: بُعِثْتُ دَاعِيًا وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْهِدَايَةِ شَيْءٌ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مُزَيِّنًا وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ شَيْءٌ أَوْ كَمَا قَالَ، وَكَقَوْلِهِ عز وجل: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ [الْأَنْفَالِ: 12 - 13]، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الْحَشْرِ: 3 - 4]، أَيْ: إِنَّمَا عَذَّبْنَاهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ لِسَبَبِ شِقَاقِهِمْ، أَوْ لِعِلَّةِ شِقَاقِهِمْ، وَكَذَا قَوْلُهُ سبحانه وتعالى:{فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الْمَائِدَةِ: 31 - 32]، الْمَشْهُورُ أَنَّ:{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} مُتَعَلِّقٌ بِـ " كَتَبْنَا " أَيْ: كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصَ مِنْ أَجْلِ قَتْلِ ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ، يَعْنِي ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ حِرَاسَةً لِلدِّمَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِنَدَامَةِ ابْنِ آدَمَ الْقَاتِلِ، أَيْ: أَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ مِنْ أَجْلِ قَتْلِهِ، أَوْ مِنْ أَجْلِ تَرْكِهِ لَمْ يُوَارِهِ حَتَّى نَبَّهَهُ الْغُرَابُ عَلَى مُوَارَاتِهِ، وَالتَّعْلِيلُ صَحِيحٌ

ص: 358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَقَوْلُهُ سبحانه وتعالى: (إِلَّا لِنَعْلَمَ) قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ، وَقَوْلُهُ عز وجل:{وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} إِلَى قَوْلِهِ: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [الْمَائِدَةِ: 95]، أَيْ: أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ عُقُوبَةً عَلَى فِعْلِهِ لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، أَيْ: لِعِلَّةِ إِذَاقَتِهِ وَبَالَ أَمْرِهِ، وَمُقَابَلَتِهِ عَلَى فِعْلِهِ. وَقَوْلُهُ عليه السلام: إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ يَعْنِي عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ وَهُمْ قَوْمٌ وَرَدُوا عَرَبًا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَدَّخِرُوا لُحُومَ الْأَضَاحِي تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ. وَكَذَا قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ النَّظَرِ. وَقَوْلُهُ عز وجل: {إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} [الْإِسْرَاءِ: 100]، وَقَوْلُهُ عز وجل:{يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [الْبَقَرَةِ: 19]، أَيْ: خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ، وَحَذَرَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمَفْعُولِ لَهُ، وَهُوَ عِلَّةُ الْفِعْلِ.

قَوْلُهُ: " فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ عِلَّةً " إِلَى آخِرِهِ. مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْفِعْلَ بِحُكْمِ الْأَصْلِ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ أَوِ اسْتِعْمَالِهَا إِنَّمَا يُضَافُ إِلَى عِلَّتِهِ وَسَبَبِهِ، فَإِنْ أُضِيفَ إِلَى مَا لَا يَصْلُحُ عِلَّةً، فَهُوَ مُجَازٌ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ عِلَّةً، مِثْلَ أَنْ يُقَالَ لِلْفَاعِلِ:" لَمْ فَعَلْتَ؟ فَيَقُولُ: لِأَنِّي أَرَدْتُ " فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً، فَهُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْإِرَادَةَ لَيْسَتْ عِلَّةً لِلْفِعْلِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُوجِبَةَ

ص: 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لِوُجُودِهِ، أَوِ الْمُصَحِّحَةَ لَهُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلَّةِ فِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ الْمُقْتَضِي الْخَارِجِيُّ لِلْفِعْلِ، أَيْ: الْمُقْتَضِي لَهُ مِنْ خَارِجٍ، وَالْإِرَادَةُ لَيْسَتْ مَعْنًى خَارِجًا عَنِ الْفَاعِلِ.

قَوْلُهُ: " أَمَّا نَحْوُ: إِنَّهَا رِجْسٌ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا ذِكْرُ أَمْثِلَةٍ اخْتُلِفَ فِيهَا، هَلْ هِيَ صَرِيحٌ فِي التَّعْلِيلِ أَوْ تَنْبِيهٌ؟

مِنْهَا قَوْلُهُ عليه السلام فِي الرَّوْثَةِ لَمَّا جِيءَ بِهَا لِيَسْتَجْمِرَ بِهَا: إِنَّهَا رِجْسٌ وَقَوْلُهُ فِي الْهِرَّةِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ وَقَوْلُهُ: لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، وَلَا عَلَى خَالَتِهَا، إِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ. وَقَوْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي مَاتَ: لَا تُقَرِّبُوهُ طَيِّبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا. وَفِي الشُّهَدَاءِ: زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ

ص: 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

تَشْخُبُ دَمًا، فَهَذَا كُلُّهُ " صَرِيحٌ " فِي التَّعْلِيلِ " عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ " خُصُوصًا فِيمَا لَحِقَتْهُ الْفَاءُ، نَحْوَ: فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا، فَإِنَّهُ يَزْدَادُ بِهَا تَأَكُّدًا لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا سَبَبٌ لِلْحُكْمِ قَبْلَهَا، وَهُوَ " إِيمَاءٌ عِنْدَ غَيْرِ " أَبِي الْخَطَّابِ.

قُلْتُ: النِّزَاعُ فِي هَذَا لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ أَبَا الْخَطَّابِ يَعْنِي بِكَوْنِهِ صَرِيحًا فِي التَّعْلِيلِ كَوْنَهُ تَبَادَرَ مِنْهُ إِلَى الذِّهْنِ بِلَا تَوَقُّفٍ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ، وَغَيْرَهُ يَعْنِي بِكَوْنِهِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ أَنَّ حَرْفَ إِنَّ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِلتَّعْلِيلِ فِي اللُّغَةِ. وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى التَّحْقِيقِ، وَإِنَّمَا فُهِمَ التَّعْلِيلُ مِنْهُ فَهْمًا ظَاهِرًا مُتَبَادَرًا بِقَرِينَةِ سِيَاقِ الْكَلَامِ وَصِيَانَةً لَهُ عَنِ الْإِلْغَاءِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ; لَوْ قُدِّرَ اسْتِقْلَالُهُ وَعَدَمُ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ، فَتَعَيَّنَ لِذَلِكَ ارْتِبَاطُهُ بِمَا قَبْلَهُ، وَلَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا ارْتِبَاطُ الْعِلَّةِ بِمَعْلُولِهَا، وَالسَّبَبُ بِمُسَبِّبِهِ. فَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَثْبُتُ كَوْنُهُ لِلتَّعْلِيلِ لَا بِوَضْعِ اللُّغَةِ.

" الثَّانِي ": أَيْ: الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ " الْإِيمَاءُ ": وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْإِشَارَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّصِّ أَنَّ النَّصَّ يَدُلُّ عَلَى الْعِلَّةِ بِوَصْفِهِ لَهَا، وَالْإِيمَاءَ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ، كَدَلَالَةِ نَقْصِ الرُّطَبِ عَلَى التَّفَاضُلِ، أَوْ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ عَقْلًا، " وَهُوَ أَنْوَاعٌ ":

ص: 361

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

" أَحَدُهَا: ذِكْرُ الْحُكْمِ عَقِيبَ الْوَصْفِ بِالْفَاءِ، نَحْوَ " قَوْلِهِ سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [الْبَقَرَةِ: 222]، وَقَوْلِهِ عز وجل:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [الْمَائِدَةِ: 38]، وَقَوْلُهُ عليه السلام: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ. فَهَذِهِ كُلُّهَا أَحْكَامٌ ذُكِرَتْ عَقِيبَ أَوْصَافٍ كَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ عَقِيبَ الْمَحِيضِ، وَقَطْعِ السَّارِقِ عَقِيبَ السَّرِقَةِ، وَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ عَقِيبَ التَّبْدِيلِ، وَمُلْكِ الْأَرْضِ بَعْدَ الْإِحْيَاءِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي قَبْلَ الْحُكْمِ عِلَّةٌ وَسَبَبٌ لِثُبُوتِهِ، لِأَنَّ " الْفَاءَ " فِي اللُّغَةِ " لِلتَّعْقِيبِ " عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ، " فَتُفِيدُ تَعَقُّبَ الْحُكْمِ الْوَصْفَ " أَيْ: ثُبُوتُ الْحُكْمِ عَقِيبَ الْوَصْفِ، وَأَنَّهُ - يَعْنِي الْوَصْفَ - سَبَبُ الْحُكْمِ، لِأَنَّ " السَّبَبَ مَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ " كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ.

" وَلِهَذَا " أَيْ: وَلِكَوْنِ السَّبَبِ مَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ، أَوْ لِكَوْنِ مَا بَعْدَ الْفَاءِ مُسَبَّبًا لِمَا قَبْلَهَا فِي عُرْفِ اللُّغَةِ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ، " تُفْهَمُ السَّبَبِيَّةُ مَعَ عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ " أَيْ: يُفْهَمُ كَوْنُ الْوَصْفِ سَبَبًا لِمَا بَعْدَهُ مَعَ عَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لَهُ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ عليه السلام: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، مِنْ أَكَلَ لَحْمَ الْجَزُورِ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، إِذْ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ بَيْنَ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ، وَالسَّبَبِيَّةُ مَفْهُومَةٌ.

ص: 362

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قَوْلُهُ: " وَكَذَلِكَ لَفْظُ الرَّاوِي " أَيْ: فِي كَوْنِ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالْفَاءِ يُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ، لِأَنَّهُ وَالشَّارِعُ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَاقْتِضَاءُ اللُّغَةِ وَاحِدٌ، فَلَا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الرَّاوِي: سَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَجَدَ، وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ، فَرَتَّبَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ، وَالرَّجْمَ عَلَى الزِّنَى، وَكَذَا قَوْلُ أَنَسٍ رضي الله عنه: رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ، فَأَمْرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرْضَخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. وَقَوْلُ الْآخَرِ: عُتِقَتْ بَرِيرَةُ تَحْتَ عَبْدٍ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: " اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِهِ " إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: حَكَمْنَا بِالسَّبَبِيَّةِ فِي لَفْظِ الرَّاوِي اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِهِ لَهَا مِنْ فِعْلِ الشَّارِعِ، " وَكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ " فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا تَقْتَضِيهِ أَلْفَاظُهَا، فَلَا يَرْوِي لَنَا صُورَةً إِلَّا وَهِيَ تُفِيدُ الْوَاقِعَ، وَعَلَى كَوْنِهِ أَمِينًا عَلَى الشَّرِيعَةِ، فَلَا يَرْوِي لَنَا مَا يُوقِعُ التَّدْلِيسَ فِيهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّبْسَ إِنَّمَا يَقَعُ مَعَ رِوَايَةِ جَاهِلٍ أَوْ خَائِنٍ، وَالرَّاوِي إِنْ كَانَ صَحَابِيًّا، فَالْجَهْلُ وَالْخِيَانَةُ مَنْفِيَّانِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَحَابِيٍّ، فَنَحْنُ لَا نَقْبَلُ إِلَّا رِوَايَةَ مَنِ انْتَفَتْ عَنْهُ الصِّفَتَانِ، فَحَصَلَ الْأَمَانُ مِنَ اللَّبْسِ.

ص: 363

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قَوْلُهُ: " وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمُ الْمُنَاسَبَةَ " إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِفَادَةِ السَّبَبِيَّةِ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاءِ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، كَمُنَاسَبَةِ الزِّنَا لِلرَّجْمِ وَنَحْوِهِ أَمْ لَا؟ وَالْكَلَامُ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ فِي ذَلِكَ عَامٌّ فِيمَا إِذَا كَانَ مُنَاسِبًا أَوْ غَيْرَ مُنَاسِبٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَاشْتَرَطَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا، إِذْ لَوْ لَمْ تُشْتَرَطْ مُنَاسَبَتُهُ، " لَفُهِمَ مِنْ " قَوْلِنَا:" صَلَّى " زِيدٌ " فَأَكَلَ " أَنَّ الصَّلَاةَ سَبَبٌ لِلْأَكْلِ، لَكِنَّهُ بَاطِلٌ فِي اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْمُنَاسَبَةُ شَرْطًا.

وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ وَلَا الْعُرْفِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ قَالَ: أُكْرِمُ الْجُهَّالَ وَأَهِنُ الْعُلَمَاءَ ; نَفَرَ مِنْ كَلَامِهِ كُلُّ عَاقِلٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ سَبَبِيَّةَ الْعِلْمِ لِلْإِهَانَةِ وَالْجَهْلِ لِلْإِكْرَامِ، وَهُوَ مِمَّا تَأْبَاهُ الْعُقُولُ.

وَقَوْلُكُمْ: صَلَّى زَيْدٌ فَأَكَلَ، وَأَكَلَ مَاعِزٌ فَرُجِمَ، وَبَاعَ الْأَعْرَابِيُّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقَامَ النَّبِيُّ فَسَجَدَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ; حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ، لِأَنَّكُمْ إِنَّمَا أَنْكَرْتُمُوهُ بِنَاءً عَلَى فَهْمِ سَبَبِيَّةِ مَا لَيْسَ بِمُنَاسِبٍ، إِذْ لَوْ لَمْ تَفْهَمُوا السَّبَبِيَّةَ لَمَا أَنْكَرْتُمْ هَذَا الْكَلَامَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُفْهَمْ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صَلَّى فَأَكَلَ، سَبَبِيَّةَ الصَّلَاةِ لِلْأَكْلِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ عَقْلًا، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي الْمُنَاسَبَةِ الْعَقْلِيَّةِ; إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي إِفَادَةِ الْكَلَامِ السَّبَبِيَّةَ لُغَةً، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، إِذْ لَوْ رُوِيَ لَنَا مِنْ وَجْهٍ

ص: 364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فَأَكَلَ، أَوْ أَكَلَ فَسَجَدَ، وَمَا شِئْتُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، لَحَكَمْنَا بِالسَّبَبِيَّةِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمُتَابَعَتُهُ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَمَنْدُوبَةٌ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، وَنَجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ التَّعَبُّدِيَّةِ، نَحْوَ: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَ: مَنْ أَنْزَلَ الْمَاءَ فَلْيَغْتَسِلْ. وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.

ص: 365

الثَّانِي: تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ، نَحْوَ:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} ، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أَيْ: لِتَقْوَاهُ وَتَوَكُّلِهِ لِتَعَقُّبِ الْجَزَاءِ الشَّرْطَ.

الثَّالِثُ: ذِكْرُ الْحُكْمِ جَوَابًا لِسُؤَالٍ يُفِيدُ أَنَّ السُّؤَالَ أَوْ مَضْمُونَهُ عِلَّتُهُ، كَقَوْلِهِ:«أَعْتِقْ رَقَبَةً» فِي جَوَابِ سُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ، إِذْ هُوَ فِي مَعْنَى: حَيْثُ وَاقَعْتَ، فَأَعْتِقْ، وَإِلَّا لَتَأَخَّرَ الْبَيَانُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.

الرَّابِعُ: أَنْ يُذْكَرَ مَعَ الْحُكْمِ مَا لَوْ لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ، لَلَغَى، فَيُعَلَّلُ بِهِ صِيَانَةً لِكَلَامِ الشَّارِعِ عَنِ اللَّغْوِ، نَحْوَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «حِينَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا إِذَنْ» فَهُوَ اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ لَا اسْتِعْلَامِيٌّ لِظُهُورِهِ، وَكَعُدُولِهِ فِي الْجَوَابِ إِلَى نَظِيرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ نَحْوَ:

أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ، «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَهُ» .

ــ

وَ «الثَّانِي» : أَيْ: النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ «تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ» أَيْ: بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَوَابِ، «نَحْوَ» قَوْلِهِ عز وجل:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطَّلَاقِ: 2]، أَيْ: لِأَجْلِ تَقْوَاهُ، {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطَّلَاقِ: 3] ، أَيْ: لِأَجْلِ «تَوَكُّلِهِ، لِتَعَقُّبِ الْجَزَاءِ الشَّرْطَ» أَيْ: لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَكُونُ عَقِيبَ الشَّرْطِ فِي اللُّغَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِمَا سَبَقَ أَنَّ السَّبَبَ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِيبَهُ، فَإِذَنِ الشَّرْطُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصِّيَغِ سَبَبُ الْجَزَاءِ، فَيَكُونُ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ سَبَبًا وَعِلَّةً. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا النَّوْعِ قَوْلُهُ عز وجل: {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الْأَحْزَابِ: 30]، {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} [الْأَحْزَابِ: 31] ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ

ص: 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً، فَلَهُ مِنَ الْأَجْرِ قِيرَاطٌ، وَمَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ زَرْعٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ، وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا، فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً، فَهِيَ لَهُ وَقَدْ سَبَقَ وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ.

فَائِدَةٌ: اعْلَمْ أَنَّ فِي بَابِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لَا يَكُونُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ إِلَّا حُكْمًا وَمَا قَبْلَهَا سَبَبٌ، لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الشَّرْطِ فِي وَضْعِ اللُّغَةِ تَحْقِيقًا، نَحْوَ: إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا، فَاتَّقِ اللَّهَ، أَوْ تَقْدِيرًا، نَحْوَ: اتَّقِ اللَّهَ إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا،

ص: 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ، وَالْمَشْرُوطَ مَلْزُومٌ، وَالْمَلْزُومَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ اللَّازِمِ، وَثُبُوتَهُ فَرْعٌ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْمَحْسُوسِ، كَالْجِدَارِ وَالسَّقْفِ، فَإِنَّ السَّقْفَ إِنَّمَا يُوجَدُ بَعْدَ وُجُودِ الْجِدَارِ، وَالْإِنْسَانَ إِنَّمَا يَعْقِلُ بَعْدَ تَعَقُّلِ الْحَيَوَانِ اللَّازِمِ لَهُ.

أَمَّا مَا سَبَقَ، فَإِنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا نَحْوَ:{قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا} [الْبَقَرَةِ: 222] ، وَقَدْ يَكُونُ عِلَّةً، نَحْوَ: لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا، فَإِنَّ بَعْثَهُ مُلَبِّيًا هُوَ عِلَّةُ تَجْنِيبِهِ الطِّيبَ. وَهَذَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ يَرْجِعُ إِلَى بَابِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدْ يَتَضَمَّنَانِ الشَّرْطَ، فَيُجْزَمُ جَوَابُهُمَا، نَحْوَ قَوْلِهِ عز وجل:{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} {يَرِثُنِي} [مَرْيَمَ: 5 - 6]، أَيْ: هَبْ لِي، فَإِنَّكَ إِنْ تَهَبْ لِي وَلِيًّا يَرِثُنِي. وَقَوْلُكَ: لَا تَقْرَبِ الشَّرَّ، تَنْجُ، أَيْ: لَا تَقْرَبْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَقْرَبْهُ، تَنْجُ. وَتَدْخُلُ الْفَاءُ فِي جَوَابِهِمَا، كَقَوْلِهِ: لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ أَيْ: مَنْ مَاتَ مُحْرِمًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا، فَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا. وَقَوْلُهُ: زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ أَيْ: مَنْ مَاتَ شَهِيدًا، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُمْ، فَزَمِّلُوهُمْ، فَالظَّاهِرُ اسْتِوَاءُ الصِّيَغِ جَمِيعِهَا فِي تَأَخُّرِ الْحُكْمِ وَتَرَتُّبِهِ عَلَى الْوَصْفِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا مُسَبَّبٌ أَوْ مَشْرُوطٌ، وَهُوَ مُسَبِّبٌ أَيْضًا، وَكَّلَاهُمَا مُتَأَخِّرٌ. نَعَمْ بَعْضُ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ تَحْقِيقًا، وَبَعْضُهُ تَقْدِيرًا كَمَا ذَكَرْنَا.

«الثَّالِثُ» : أَيْ: النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ: «ذِكْرُ الْحُكْمِ جَوَابًا لِسُؤَالٍ

ص: 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

يُفِيدُ أَنَّ السُّؤَالَ» الْمَذْكُورَ «أَوْ مَضْمُونَهُ» هُوَ عِلَّةُ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ عليه السلام فِي جَوَابِ قَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي نَهَارِ رَمَضَانَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً» لِأَنَّ ذَلِكَ «فِي مَعْنَى» قَوْلِهِ: «حَيْثُ وَاقَعْتَ» أَهْلَكَ، «فَأَعْتِقْ رَقَبَةً» ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ فِي تَقْدِيرِ الْإِعَادَةِ فِي الْجَوَابِ كَمَا لَوْ قِيلَ: جَاءَ الْعَدُوُّ فَقَالَ: ارْكَبُوا، أَوْ: فُلَانٌ وَاقِفٌ يَسْأَلُ، فَقَالَ: أَعْطُوهُ، إِذِ التَّقْدِيرُ: حَيْثُ جَاءَ الْعَدُوُّ، فَارْكَبُوا، وَحَيْثُ جَاءَ فُلَانٌ يَسْأَلُ، فَأَعْطُوهُ.

قَوْلُهُ: «وَإِلَّا لَتَأَخَّرَ الْبَيَانُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ» أَيْ: لَوْ لَمْ يُعَلَّلِ الْجَوَابُ بِالسُّؤَالِ، لَكَانَ الْجَوَابُ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِالسُّؤَالِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُرْتَبِطٍ بِهِ، لَخَلَا السُّؤَالُ عَنْ جَوَابٍ. وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، لِأَنَّ السَّائِلَ إِنَّمَا يَسْأَلُ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ الْحُكْمُ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ لَمْ يُجِبْ عَنْ سُؤَالِهِ، وَأَيْضًا يَلْزَمُ أَنَّ أَمْرَهُ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ ثَبَتَ تَعَبُّدًا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، أَوْ أَنَّهُ حُكْمٌ ثَبَتَ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَلَا سَبَبَ يُحَالُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ إِلَّا سُؤَالُ السَّائِلِ، فَوَجَبَ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ، وَيُعَلَّلَ بِهِ.

«الرَّابِعُ» : أَيْ: النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ إِلَى الْعِلَّةِ «أَنْ يَذْكُرَ» الشَّارِعُ «مَعَ الْحُكْمِ» شَيْئًا «لَوْ لَمْ يُعَلَّلِ» الْحُكْمُ «بِهِ» لَكَانَ ذِكْرُهُ لَاغِيًا، فَيَجِبُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ مَعَهُ «صِيَانَةً لِكَلَامِ الشَّارِعِ عَنِ اللَّغْوِ» إِذِ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ دَلَّ عَلَى عِصْمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْأَلَ فِي الْوَاقِعَةِ عَنْ أَمْرٍ ظَاهِرٍ لَا يَخْفَى عَنْ عَاقِلٍ، ثُمَّ يَذْكُرُ

ص: 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْحُكْمَ عَقِيبَهُ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ عِلَّةُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ.

مِثَالُهُ: لَمَّا سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، قَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا إِذَنْ فَهَذَا «اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ» أَيْ: عَلَى جِهَةِ التَّقْرِيرِ، لِكَوْنِهِ يَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ، كَقَوْلِهِ سبحانه وتعالى:{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى} [طه: 17] ، لِيُقَرِّرَ عِنْدَهُ أَنَّهَا عَصَا لِئَلَّا يَتَرَدَّدَ عِنْدَ انْقِلَابِهَا حَيَّةً، أَوْ عَلَى جِهَةِ التَّأْنِيسِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِعْلَامِ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ لِكُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ لِزَوَالِ الرُّطُوبَةِ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَتِهِ وَثِقَلِهِ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ لَا مَعْنًى لِذِكْرِ هَذَا الْوَصْفِ إِلَّا التَّعْلِيلَ بِهِ.

الثَّانِي: قَوْلُهُ: «إِذَنْ» فَإِنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ.

قُلْتُ: وَبَيَانُهُ أَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ: إِذِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا تَبِيعُوهُ، أَوْ فَلَا تَفْعَلُوا إِذَنْ.

الثَّالِثُ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَلَا، إِذْ هِيَ لِلتَّعْقِيبِ وَالسَّبَبِ كَمَا سَبَقَ، كَأَنَّهُ جَعَلَ النَّقْصَ الْمُوجِبَ لِلتَّفَاضُلِ سَبَبَ الْمَنْعِ.

قَوْلُهُ: «وَكَعُدُولِهِ فِي الْجَوَابِ إِلَى نَظِيرِ مَحَلِّ السُّؤَالِ» كَقَوْلِهِ لِعُمَرَ رضي الله عنه لَمَّا قَالَ لَهُ: إِنِّي قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ.، وَكَقَوْلِهِ لِلْخَثْعَمِيَّةِ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنِ الْحَجِّ عَنْ أَبِيهَا: أَرَأَيْتِ لَوْ

ص: 370

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ.، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْمَعْنَى الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا وَالْمَعْدُولِ إِلَيْهَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَخَلَا السُّؤَالُ عَنْ جَوَابٍ، وَلَزِمَ مَا سَبَقَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: إِنَّ الْقُبْلَةَ لَا تَضُرُّ وَلَا تُفْسِدُ صَوْمَكَ، لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةُ شَهْوَةِ الْفَرْجِ، كَمَا أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مُقَدِّمَةُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ، وَكَمَا أَنَّ هَذِهِ لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ كَذَلِكَ تِلْكَ. وَكَأَنَّهُ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: الْحَجُّ دَيْنُ اللَّهِ عز وجل، فَيُجْزِّئُ قَضَاؤُهُ عَنِ الْوَالِدِ، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا دَيْنًا.

وَذَكَرَ النِّيلِيُّ فِي «شَرْحِ جَدَلِ الشَّرِيفِ» لِهَذَا النَّوْعِ ضَرْبًا ثَالِثًا، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ عليه السلام لِابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، هَلْ مَعَكَ مَاءٌ أَتَوَضَّأُ بِهِ؟ قَالَ: إِنَّمَا مَعِي مَاءٌ نَبَذْتُ فِيهِ تَمَرَاتٍ لِتَجْذِبَ مُلُوحَتَهُ، فَقَالَ عليه السلام: ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ، فَقَوْلُهُ: طَهُورٌ، لَا فَائِدَةَ لِذَكَرِهِ إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ جَوَازَ الْوُضُوءِ بِهِ، وَإِلَّا فَطَهَارَتُهُ مَعْلُومَةٌ بِدُونِ ذَلِكَ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَسْئِلَةً وَأَجْوِبَةً.

قُلْتُ: وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِمَّا ذَكَرْنَا، أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِهِ وَمَا يُشْبِهُهُ.

ص: 371

الْخَامِسُ: تَعْقِيبُ الْكَلَامِ أَوْ تَضْمِينُهُ مَا لَوْ لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ، لَمْ يَنْتَظِمْ نَحْوَ:{فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} ، «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» إِذِ الْبَيْعُ وَالْقَضَاءُ لَا يَمْنَعَانِ مُطْلَقًا، فَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنْ مَانَعٍ; وَلَيْسَ إِلَّا مَا فُهِمَ مِنْ سِيَاقِ النَّصِّ وَمَضْمُونِهِ.

السَّادِسُ: اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ، نَحْوَ: أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ، وَأَهِنِ الْجُهَّالَ كَمَا سَبَقَ; ثُمَّ الْوَصْفُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مُعْتَبَرٌ فِي الْحُكْمِ، وَالْأَصْلُ كَوْنُهُ عِلَّةً بِنَفْسِهِ إِلَّا لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مَضْمُونَةٌ كَالدَّهْشَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الْغَضَبُ.

ــ

" الْخَامِسُ ": أَيْ: النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ " تَعْقِيبُ الْكَلَامِ أَوْ تَضْمِينُهُ " أَيْ: أَنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ الْكَلَامِ، أَوْ فِي سِيَاقِهِ، أَوْ فِي ضِمْنِهِ شَيْئًا " لَوْ لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ " الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ، " لَمْ يَنْتَظِمْ " أَيْ: لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مُنْتَظِمًا، " نَحْوَ " قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الْجُمْعَةِ: 9]، وَقَوْلُهُ عليه السلام: لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ، فَلَوْ لَمْ يُعَلَّلِ النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ حِينَئِذٍ بِكَوْنِهِ مَانِعًا أَوْ شَاغِلًا عَنِ السَّعْيِ، لَكَانَ ذِكْرُهُ لَاغِيًا، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُعَلَّلِ النَّهْيَ عَنِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْغَضَبِ بِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ اضْطِرَابَ الْمِزَاجِ الْمُوجِبِ لِاضْطِرَابِ الْفِكْرَةِ الْمُوجِبِ غَالِبًا لِلْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ، لَكَانَ ذِكْرُهُ لَاغِيًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْعَ وَالْقَضَاءَ لَا مَنْعَ مِنْهُمَا

ص: 372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مُطْلَقًا، " فَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنْ مَانَعٍ، وَلَيْسَ إِلَّا مَا فُهِمَ مِنْ سِيَاقِ النَّصِّ وَمَضْمُونِهِ: مِنْ شَغْلِ الْبَيْعِ عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَتَفُوتُ، وَاضْطِرَابُ الْفِكْرَةِ لِأَجْلِ الْغَضَبِ، فَيَقَعُ الْخَطَأُ، فَوَجَبَ إِضَافَةُ النَّهْيِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ، فَهُوَ مِنْ بَابِ اقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ.

" السَّادِسُ ": أَيْ: النَّوْعُ السَّادِسُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ " اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ، نَحْوَ " قَوْلِهِ: " أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ، وَأَهِنِ الْجُهَّالَ، كَمَا سَبَقَ " كَقَوْلِهِ عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النُّورِ: 2]، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [الْمَائِدَةِ: 38] ، أَيْ: لِلزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، وَقَوْلُهُ عليه السلام: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ; يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْلِيلُ عَدَمِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا بِشَرَفِ الْإِسْلَامِ وَنَقْصِ الْكُفْرِ، لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ تَرْتِيبُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأُمُورِ الْمُنَاسِبَةِ، وَالشَّرْعُ لَا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ. " ثُمَّ " إِنَّ " الْوَصْفَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ " أَيْ: فِي كُلِّ مَوْضِعٍ رُتِّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ " مُعْتَبَرٌ فِي الْحُكْمِ " أَيْ: فِي تَعْرِيفِهِ لَهُ أَوْ فِي تَأْثِيرِهِ وَوُجُودِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ - أَعْنِي الْوَصْفَ - عِلَّةٌ بِنَفْسِهِ، كَالْإِحْيَاءِ الْمُقْتَضِي لِمِلْكِ الْمَوَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِلَّةَ مَا تَضَمَّنَهُ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ " كَالدَّهْشَةِ " الْمَانِعَةِ مِنَ الْفِكْرِ " الَّتِي تَضَمَّنَهَا " وَصْفُ " الْغَضَبِ " لَكِنَّ الْأَصْلَ كَوْنُ الْوَصْفِ " عِلَّةً بِنَفْسِهِ " حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مَا تَضَمَّنَهُ، كَالدَّهْشَةِ، أَوْ لَزِمَ عَنْهُ، كَالتَّفَاضُلِ اللَّازِمِ عَنْ نَقْصِ الرُّطَبِ، أَوِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، كَالشُّغْلِ عَنِ الْجُمُعَةِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ.

قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: نَذْكُرُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ الْفَرْقَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِي

ص: 373

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْحُكْمِ بِذِكْرِ صِفَةٍ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ عِلَّةُ الْفَرْقِ، كَقَوْلِهِ عليه السلام: الْقَاتِلُ لَا يَرْثِ مَعَ إِثْبَاتِهِ الْإِرْثَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلَادِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ عِلَّةُ مَنْعِ الْإِرْثِ، وَكَقَوْلِهِ عليه السلام: لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَقَوْلُهُ: الْبِكْرُ إِذْنُهَا صُمَاتُهَا وَالثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا. وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَهُوَ أَيْضًا نَوْعُ إِيمَاءٍ، فَالْبَابَانِ مُشْتَرِكَانِ.

فَائِدَةٌ: أَنْوَاعُ الْإِيمَاءِ الْمَذْكُورَةِ تَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُصَرِّحَ فِيهِ بِالْحُكْمِ وَالْوَصْفِ جَمِيعًا أَوْ لَا، فَإِنْ صَرَّحَ فِيهِ بِهِمَا، فَهُوَ إِيمَاءٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِمَا; فَإِنْ صَرَّحَ بِالْحُكْمِ، وَالْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ; فَلَيْسَ بِإِيمَاءٍ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَصْفِ، وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ، فَهَذَا هَلْ يَكُونُ إِيمَاءً؟ فِيهِ خِلَافٌ.

مِثَالُ الْمُتَّفَقِ عَلَى كَوْنِهِ إِيمَاءً قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عُتِقَ عَلَيْهِ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي

ص: 374

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْأَوَّلِ بِالْإِحْيَاءِ وَهُوَ الْوَصْفُ، وَبِالْحُكْمِ وَهُوَ الْمِلْكُ، وَفِي الثَّانِي صَرَّحَ بِالْمِلْكِ وَهُوَ الْوَصْفُ، وَبِالْعِتْقِ وَهُوَ الْحُكْمُ.

وَمِثَالُ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِيمَاءٍ مَا ذُكِرَ فِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ، وَهُوَ مَا إِذَا حَرَّمَ الرِّبَا فِي الْبُرِّ، فَاسْتَخْرَجْنَا مِنْهُ عِلَّةَ الْكَيْلِ أَوِ الطُّعْمِ أَوِ الْوَزْنِ. وَلَوْ نَصَّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، فَاسْتَخْرَجْنَا مِنْهُ وَصْفَ الْإِسْكَارِ، فَالْحُكْمُ مُصَرَّحٌ بِهِ، وَالْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ.

وَمِثَالُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ قَوْلُهُ عز وجل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [الْبَقَرَةِ: 275] ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ إِيمَاءً إِلَى الصِّحَّةِ، قَالَ: لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهَا فِيهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْحُكْمِ، وَاسْتَخْرَجْنَا الْعِلَّةَ قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى عَكْسِهِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ إِيمَاءٌ، قَالَ: إِنَّهُ سبحانه وتعالى دَلَّ بِإِحْلَالِ الْبَيْعِ عَلَى الصِّحَّةِ، إِذْ لَوْلَا الصِّحَّةُ، لَمْ يَكُنْ لِلْإِحْلَالِ فَائِدَةٌ، كَمَا أَنَّهُ لَوْلَا إِفْسَادُ الرِّبَا، لَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِهِ فَائِدَةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص: 375

الْقِسْمُ الثَّانِي: إِثْبَاتُهَا بِالْإِجْمَاعِ، كَالصِّغَرِ لِلْوِلَايَةِ، وَاشْتِغَالِ قَلْبِ الْقَاضِي عَنِ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ لِمَنْعِ الْحُكْمِ، وَتَلَفِ الْمَالِ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَّةِ لِلضَّمَانِ فِي الْغَصْبِ، فَيَلْحَقُ بِهِ السَّارِقُ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجَامِعِ، وَكَذَلِكَ الْأُخُوَّةُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَثَّرَتْ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْإِرْثِ إِجْمَاعًا فَكَذَا فِي النِّكَاحِ، وَالصِّغَرُ أَثَّرَ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْبِكْرِ، فَكَذَا فِي الثَّيِّبِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ سَاقِطَةٌ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، وَفِي الْفَرْعِ، لِاطِّرَادِهَا فِي كُلِّ قِيَاسٍ، فَيَنْتَشِرُ الْكَلَامُ، فَيَبَانُ عَدَمُ تَأْثِيرِهِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ.

ــ

«الْقِسْمُ الثَّانِي» يَعْنِي مِنْ أَقْسَامِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ «إِثْبَاتُهَا بِالْإِجْمَاعِ» إِذْ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى إِثْبَاتِهَا بِالنَّقْلِ صَرِيحِهِ وَإِيمَائِهِ، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي إِثْبَاتِهَا بِالْإِجْمَاعِ «كَالصِّغَرِ لِلْوِلَايَةِ» أَيْ: كَكَوْنِ الصِّغَرِ عِلَّةً لِلْوِلَايَةِ، أَيْ: لِوِلَايَةِ الْإِجْبَارِ عَلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، وَعَلَى الصَّغِيرِ فِي الْمَالِ أَوْ فِي النِّكَاحِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ: صَغِيرَةٌ، فَتُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ قِيَاسًا عَلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ وَالِابْنِ الصَّغِيرِ، وَيَدَّعِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ الصِّغَرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ فِي الْفَرْعِ، وَكَكَوْنِ «اشْتِغَالِ قَلْبِ الْقَاضِي عَنِ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ»

ص: 376

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لِأَجْلِ الْغَضَبِ عِلَّةً «لِمَنْعِ الْحُكْمِ» فَيَلْحَقُ بِهِ اشْتِغَالُهُ بِجُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ أَلَمٍ بِالْقِيَاسِ، فَيُقَالُ: الْجُوعُ شَاغِلٌ لِلْقَلْبِ عَنِ اسْتِيفَاءِ النَّظَرِ، فَمَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ كَالْغَضَبِ، وَهُوَ مَحَلُّ إِجْمَاعٍ، وَكَكَوْنِ «تَلَفِ الْمَالِ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَّةِ» عِلَّةً «لِلضَّمَانِ» عَلَى الْغَاصِبِ إِجْمَاعًا، «فَيَلْحَقُ بِهِ» تَلَفُ الْعَيْنِ فِي يَدِ «السَّارِقِ» وَإِنْ قَطَعَ بِهَا، لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَّةٌ، فَضَمِنَ مَا تَلِفَ فِيهَا كَالْغَاصِبِ «لِاشْتِرَاكِهِمَا» أَعْنِي الْغَاصِبَ وَالسَّارِقَ «فِي» الْوَصْفِ «الْجَامِعِ» وَهُوَ التَّلَفُ تَحْتَ الْيَدِ الْعَادِيَّةِ، «وَكَذَلِكَ الْأُخُوَّةُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَثَّرَتْ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْإِرْثِ إِجْمَاعًا، فَكَذَا فِي النِّكَاحِ» أَيْ: لَمَّا كَانَ الْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مُقَدَّمًا فِي الْإِرْثِ عَلَى الْأَخِ مِنَ الْأَبِ لِزِيَادَةِ الْأُخُوَّةِ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، فَإِذَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ عَنْ أَخِيهَا لِأَبِيهَا; وَأَخِيهَا لِأَبَوَيْهَا; كَانَ إِرْثُهَا لِأَخِيهَا لِأَبَوَيْهَا دُونَ أَخِيهَا لِأَبِيهَا. فَكَذَا إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ يَكُونُ أَخُوهَا الْمُقَدَّمُ فِي حِيَازَةِ إِرْثِهَا هُوَ الْمُقَدَّمَ فِي وِلَايَةِ تَزْوِيجِهَا، لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي تَقْدِيمِهِ فِي الْإِرْثِ هُوَ امْتِزَاجُ الْأُخُوَّةِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، فَإِذَا سَلَّمَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ مَا ذُكِرَ، لَزِمَ صِحَّةُ الْقِيَاسِ، لَكِنَّ مَنْ يَرَى اسْتِوَاءَ الْأَخَوَيْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَيَقُولُ: إِنَّ الْإِرْثَ مُسْتَحَقٌّ بِالْقَرَابَةِ، وَوِلَايَةَ النِّكَاحِ مُسْتَحَقَّةٌ بِالْعُصُوبَةِ، وَهُمَا سِيَّانِ فِيهَا، وَلَا تَأْثِيرَ فِيهَا لِلْأُمُومَةِ، بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ، فَإِنَّ لَهَا فِيهَا تَأْثِيرًا يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ بِهِ، وَكَذَلِكَ «الصِّغَرُ» ; لَمَّا «أَثَّرَ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْبِكْرِ» إِجْمَاعًا، وَجَبَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي ثُبُوتِهَا عَلَى الثَّيِّبِ، وَقَدْ سَبَقَ.

ص: 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَمِنْ أَمْثِلَةِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِالْإِجْمَاعِ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي الْمَرِيضِ إِذَا أَقَرَّ لِغُرَمَاءَ الْمَرَضِ بِدَيْنٍ، وَكَانَ مَالُهُ مُسْتَغْرِقًا بِالدُّيُونِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ: إِنَّ إِقْرَارَهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ فَوَّتَ حَقَّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ، كَمَا لَوْ وَهَبَ مَالَهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ، وَيَدَّعِي أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي بُطْلَانِ الْهِبَةِ هَاهُنَا هُوَ تَفْوِيتُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ. وَكَذَا لَوِ اتَّفَقَ الْخَصْمَانِ عَلَى أَنَّ مَسَّ الْإِنْسَانِ فَرْجَ نَفْسِهِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: الْمُؤَثِّرُ فِي النَّقْضِ هُوَ كَوْنُهُ مَسَّ فَرْجَ آدَمِيٍّ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيمَا إِذَا مَسَّ فَرْجَ الْغَيْرِ، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ.

قَوْلُهُ: «وَالْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ سَاقِطَةٌ» إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: إِذَا قَاسَ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى عِلَّةٍ إِجْمَاعِيَّةٍ، فَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ تِلْكَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي الْفَرْعِ، لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا فِي الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، كَتَأْثِيرِ الصِّغَرِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ أَوْ نِكَاحِ الْبِكْرِ. وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِهَا فِي الْفَرْعِ، فَلِاطِّرَادِهَا، أَيْ: لِاطِّرَادِ الْمُطَالَبَةِ «فِي كُلِّ قِيَاسٍ» إِذِ الْقِيَاسُ هُوَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ، وَمَا مِنْ قِيَاسٍ إِلَّا وَيَتَّجِهُ عَلَيْهِ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ، فَيُقَالُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الصِّغَرَ - مَثَلًا - مُؤَثِّرٌ فِي إِجْبَارِ الصَّغِيرَةِ؟ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَحَ هَذَا الْبَابُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى انْتِشَارِ «الْكَلَامِ، فَيَبَانُ عَدَمُ تَأْثِيرِهِ» أَيْ: تَأْثِيرُ الْوَصْفِ فِي

ص: 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ «عَلَى الْمُعْتَرِضِ» فَيُقَالُ لَهُ مَثَلًا: أَنَا قَدْ بَيَّنْتُ أَنَّ الْعِلَّةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْأَصْلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَبَيَّنْتُ وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ، فَتَمَّ لِيَ الْقِيَاسُ، فَأَنْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَا تُبَيِّنُ بِهِ عَدَمَ تَأْثِيرِهَا لِتَمَنُّعٍ قِيَاسِيٍّ، فَعَلَيْكَ بَيَانُهُ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْمُعْتَرِضَ ذَلِكَ بِأَنْ يُثْبِتَهُ عَلَى مَثَارِ حِبَالِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا فِي صُورَةِ تَأْثِيرِ الْأُخُوَّةِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ قِيَاسًا عَلَى تَأْثِيرِهَا فِي الْإِرْثِ: إِنَّ أُخُوَّةَ الْأُمِّ إِنَّمَا أَثَّرَتْ فِي التَّرْجِيحِ فِي بَابِ الْإِرْثِ، لِأَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِيهِ مُسْتَقِلَّةً، إِذِ الْأَخُ مِنَ الْأُمِّ مِنْ ذَوِي الْفُرُوضِ فِيهَا بِخِلَافِهِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِيهَا مُسْتَقِلًّا بِالْكُلِّيَّةِ، فَلِمَ قُلْتَ: إِنَّ التَّرْجِيحَ إِذَا حَصَلَ بِمَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّأْثِيرِ يَحْصُلُ بِمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّأْثِيرِ، فَإِنْ أَبْدَى مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ، لَزِمَ الْمُسْتَدِلُّ جَوَابَهُ، وَإِلَّا انْقَطَعَ. أَمَّا فَتْحُ بَابِ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّأْثِيرِ ابْتِدَاءً، فَلَا يُمْكِنُ مِنْهُ لِمَا ذَكَرْنَا.

فَإِنْ قِيلَ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْفَرْعِ، لَمْ يُتَصَوَّرِ النِّزَاعُ بَعْدُ، فَإِنَّ الْمُعْتَرِضَ إِذَا سَلَّمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَزْوِيجِ الِابْنِ الصَّغِيرِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ هِيَ الصِّغَرُ، وَأَنَّ الصِّغَرَ مَوْجُودٌ فِي الْبِنْتِ، لَمْ يُمْكِنْهُ النِّزَاعُ بَعْدُ.

قِيلَ: بَلْ يُتَصَوَّرُ النِّزَاعُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدَّعِيَ الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ مَضْمُومًا إِلَى مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً لَا يَنْفِي اعْتِبَارَ وَصْفٍ آخَرَ مَعَهُ قَطْعًا، بَلْ ظَاهِرًا، وَحِينَئِذٍ يُتَصَوَّرُ النِّزَاعُ، بِأَنْ يَقُولَ الشَّفَعَوِيُّ

ص: 379

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مَثَلًا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ: كَوْنُ الِابْنِ زَوْجًا، لَهُ فِي جَوَازِ إِجْبَارِهِ مَصْلَحَةٌ، إِذْ فِي تَزْوِيجِهِ إِثْبَاتُ مِلْكٍ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ، وَهُوَ مِلْكُ بُضَعِ الزَّوْجَةِ، بِخِلَافِ الْبِنْتِ فَإِنَّ تَزْوِيجَهَا إِثْبَاتُ مِلْكٍ عَلَيْهَا، فَهِيَ عَكْسُ الِابْنِ فَافْتَرَقَا.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ فَارِقًا مَانِعًا فِي الْفَرْعِ بِأَنْ يَقُولَ: بِالثِّيُوبَةِ حَصَلَ لَهَا مَعْرِفَةٌ وَتَجْرِبَةٌ تُنَاسِبُ ثُبُوتَ الِاخْتِيَارِ، وَنَفْيَ الْإِجْبَارِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ إِقْرَارِ الْمَرِيضِ، فَيُقَالُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي مَنْعِهِ مِنْ هِبَةِ مَالِهِ فِي الْمَرَضِ كَوْنُهُ تَفْوِيتًا لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، بَلْ إِنَّمَا بَطَلَتْ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْمَالِكِ، تَوْفِيرًا لِمَالِهِ عَلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ، أَوْ لِكَوْنِ تَشَوُّفِ الشَّرْعِ إِلَى تَصْحِيحِ الْهِبَةِ دُونَ تَشَوُّفِهِ إِلَى تَصْحِيحِ الْإِقْرَارِ، فَهِيَ أَضْعَفُ مِنْهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الضَّعِيفِ بُطْلَانُ الْقَوِيِّ.

وُوجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْإِقْرَارِ هُوَ أَنَّ الْهِبَةَ بِتَقْدِيرِ بُطْلَانِهَا لَا يَلْحَقُ الْمَوْهُوبَ لَهُ ضَرَرٌ كَالضَّرَرِ اللَّاحِقِ لِلْمُقِرِّ لَهُ بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ، إِذِ الْمُقِرُّ لَهُ يَبْطُلُ لَهُ حَقٌّ ثَابِتٌ خَرَجَ عَنْهُ، فَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي ذَلِكَ، إِذْ ضَرَرُهُ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ إِنَّمَا هُوَ بِتَفْوِيتِ فَائِدَةٍ حَاصِلَةٍ لَهُ مِنْ خَارِجٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص: 380

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِثْبَاتُهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ:

أَحَدُهَا: إِثْبَاتُهَا بِالْمُنَاسَبَةِ، وَهِيَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالْحُكْمِ وَصَفٌ مُنَاسِبٌ، وَهُوَ مَا تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِيبَهُ لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مَنْشَأً لِلْحِكْمَةِ، كَالسَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ، فَيُفِيدُ التَّعْلِيلُ بِهِ لِإِلْفِنَا مِنَ الشَّارِعِ رِعَايَةَ الْمَصَالِحِ، وَبِالْجُمْلَةِ مَتَى أَفْضَى الْحُكْمُ إِلَى مَصْلَحَةٍ عَلَّلَ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا; ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، أَوْ جِنْسِهِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَهُوَ الْمُؤَثِّرُ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فِي سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِالْحَيْضِ لِمَشَقَّةِ التَّكْرَارِ، وَلَا يَضُرُّ ظُهُورُ مُؤَثِّرٍ آخَرَ مَعَهُ فِي الْأَصْلِ، فَيُعَلَّلُ بِالْكُلِّ كَالْحَيْضِ وَالرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ، يُعَلَّلُ مَنْعُ وَطْءِ الْمَرْأَةِ بِهَا، وَكَقِيَاسِ تَقْدِيمِ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ عَلَى تَقْدِيمِهِ فِي الْإِرْثِ، فَالْأُخُوَّةُ مُتَّحِدَةٌ نَوْعًا، وَإِنْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ كَتَأْثِيرِ الْمَشَقَّةِ فِي إِسْقَاطِ الصَّلَاةِ عَنِ الْحَائِضِ، كَالْمُسَافِرِ، فَهُوَ الْمُلَائِمُ، إِذْ جِنْسُ الْمَشَقَّةِ أَثَّرَ فِي عَيْنِ السُّقُوطِ; وَإِنْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ كَتَأْثِيرِ جِنْسِ الْمَصَالِحِ فِي جِنْسِ الْأَحْكَامِ، فَهُوَ الْغَرِيبُ.

وَقِيلَ: هَذَا هُوَ الْمُلَائِمُ; وَمَا سِوَاهُ مُؤَثِّرٌ.

ــ

«الْقِسْمُ الثَّالِثُ» :

مِنْ أَقْسَامِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ: «إِثْبَاتُهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ» ، إِذْ قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي إِثْبَاتِهَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، «وَهُوَ» - يَعْنِي إِثْبَاتَهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ - «أَنْوَاعٌ:

ص: 381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

أَحَدُهَا: إِثْبَاتُهَا بِالْمُنَاسَبَةِ، وَهِيَ - يَعْنِي الْمُنَاسَبَةَ - أَنْ يَقْتَرِنَ بِالْحُكْمِ وَصْفٌ مُنَاسِبٌ» وَقَدْ سَبَقَ مِثَالُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.

قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الْوَصْفَ الْمُنَاسِبَ، «مَا تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِيبَهُ لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ» .

قُلْتُ: قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْمُنَاسِبِ، وَاسْتِقْصَاءِ الْقَوْلِ فِيهِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، لِأَنَّ عَلَيْهِ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ، بَلْ مَدَارَ الْوُجُودِ، إِذْ لَا مَوْجُودَ إِلَّا وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْمُنَاسَبَةِ الْعَقْلِيَّةِ، لَكِنَّ أَنْوَاعَ الْمُنَاسَبَةِ تَتَفَاوَتُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَالْخَفَاءِ وَالظُّهُورِ، فَمَا خَفِيَتْ عَنَّا مُنَاسَبَتُهُ، سُمِّيَ تَعَبُّدًا، وَمَا ظَهَرَتْ مُنَاسَبَتُهُ سُمِّيَ مُعَلَّلًا، فَقَوْلُنَا: الْمُنَاسِبُ مَا تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِيبَهُ، أَيْ: مَا إِذَا وُجِدَ أَوْ سُمِعَ، أَدْرَكَ الْعَقْلُ السَّلِيمُ كَوْنَ ذَلِكَ الْوَصْفِ سَبَبًا مُفْضِيًا إِلَى مَصْلَحَةٍ مِنَ الْمَصَالِحِ لِرَابِطٍ مِنَ الرَّوَابِطِ الْعَقْلِيَّةِ بَيْنَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ وَذَلِكَ الْوَصْفِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِي:«لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ» .

وَمِثَالُهُ: أَنَّهُ إِذَا قِيلَ: الْمُسْكِرُ حَرَامٌ، أَدْرَكَ الْعَقْلُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُسْكِرِ مُفْضٍ إِلَى مَصْلَحَةٍ، وَهِيَ حِفْظُ الْعُقُولِ مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَإِذَا قِيلَ: الْقِصَاصُ مَشْرُوعٌ، أَدْرَكَ الْعَقْلُ أَنَّ شَرْعِيَّةَ الْقِصَاصِ سَبَبٌ مُفْضٍ إِلَى مَصْلَحَةٍ، وَهِيَ حِفْظُ النُّفُوسِ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: مَا تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِيبَهُ لِرَابِطٍ عَقْلِيٍّ أَخْذًا مِنَ النَّسَبِ الَّذِي هُوَ الْقَرَابَةُ، فَإِنَّ الْمُنَاسِبَ هَاهُنَا مُسْتَعَارٌ وَمُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُتَنَاسِبَيْنِ فِي بَابِ النَّسَبِ كَالْأَخَوَيْنِ وَابْنَيِ الْعَمِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَا مُتَنَاسِبَيْنِ لِمَعْنًى رَابِطٍ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْقَرَابَةُ، فَكَذَلِكَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ هَاهُنَا لَابُدَّ وَأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُنَاسِبُهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ

ص: 382

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

رَابِطٌ عَقْلِيٌّ، وَهُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ صَالِحًا لِلْإِفْضَاءِ إِلَى تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ عَقْلًا.

قَالَ الْآمِدِيُّ: وَقَدْ فَسَّرَ أَبُو زَيْدٍ الْمُنَاسِبَ بِمَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ، وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ امْتِنَاعَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْعِلَّةِ بِهِ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ دُونَ النَّظَرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقُولَ الْخَصْمُ: هَذَا لَا يَتَلَقَّاهُ عَقْلِي بِالْقَبُولِ، وَتَلَقِّي غَيْرِي لَهُ بِالْقَبُولِ لَيْسَ حُجَّةً عَلَيَّ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّا إِذَا نَظَرْنَا فِي أَدْنَى مَرَاتِبِ الْمُنَاسِبِ، وَجَدْنَا الْعُقُولَ تُبَادِرُ إِلَى تَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ، فَإِذَا قَالَ الْخَصْمُ: هَذَا لَا يَتَلَقَّاهُ عَقْلِي بِالْقَبُولِ، فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَازِمٌ; إِمَّا أَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ فِي نَفْسِهِ، فَالْخَصْمُ مَعْذُورٌ فِي إِنْكَارِهِ، وَإِمَّا عِنَادٌ مِنَ الْخَصْمِ الْمُنْكِرِ; وَحِينَئِذٍ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُنَاسَبَتِهِ بِبَيَانِ مُنَاسَبَةِ أَمْثَالِهِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ الْخَصْمُ يُسَلِّمُ مُنَاسَبَةَ مِثْلَ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِي رُتْبَتِهِ، فَتَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ، إِذْ حُكْمُ الْمِثْلَيْنِ وَاحِدٌ، أَوْ مُنَاسَبَةُ مَا هُوَ دُونَهُ، فَتَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ هُوَ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى.

مِثَالُهُ: لَوِ اسْتَدَلَّ عَلَى إِرْثِ الْمَبْتُوتَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِأَنَّ تَوْرِيثَهَا مُنَاقَضَةٌ لِلْمَيِّتِ فِي قَصْدِهِ حِرْمَانَهَا، وَذَلِكَ مُنَاسِبٌ لِتَلَقِّي الْعَقْلِ لَهُ بِالْقَبُولِ، فَإِذَا قَالَ الْخَصْمُ: لَيْسَ هَذَا مُنَاسِبًا، وَعَقْلِي لَا يَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: قَدْ سَلَّمْتُ مُنَاسَبَةَ مِثْلَ هَذَا الْوَصْفِ فِي حِرْمَانِ الْقَاتِلِ إِرْثَهُ مِنْ مَوْرُوثِهِ مُعَارَضَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، فَإِنْ سَلَّمْتَ الْمُنَاسَبَةَ هُنَا، لَزِمَكَ تَسْلِيمُهَا هُنَاكَ لِاسْتِوَائِهِمَا، وَإِنْ مَنَعْتَ الْمُنَاسَبَةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ; فَقَدْ سَلَّمَ الْعُقَلَاءُ مُنَاسَبَةَ أَوْصَافٍ هِيَ مِثْلُ هَذَا الْوَصْفِ وَدُونَهُ فِي قَبُولِ الْعَقْلِ لَهُ، وَمِنَ الْمُمْتَنَعِ عَادَةً إِصَابَتُكَ وَخَطَؤُهُمْ، فَأَنْتَ إِذَنْ مُعَانِدٌ مُسَفْسِطٌ تَحْرُمُ الْمُنَاظَرَةُ مَعَكَ، فَهَذَا أَيْضًا طَرِيقٌ جَيِّدٌ مُنَاسِبٌ

ص: 383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فِي إِثْبَاتِ الْمُنَاسِبِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ.

وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةَ أَصْنَافٌ; مِنْهَا الْبَدِيهِيَّاتُ وَالنَّظَرِيَّاتُ وَالْمَقْبُولَاتُ، وَالْمُنَاسِبُ مِنْ قَبِيلِ الْمَقْبُولَاتِ، وَهِيَ مَا تَلَقَّاهُ الْعَقْلُ بِجَوْهَرِهِ بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِهِ، فَالْعُقُولُ مِعْيَارٌ لَهُ لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ، كَمَا لَا تَخْتَلِفُ فِي إِدْرَاكِ الْبَدِيهِيَّاتِ مَعَ الْقَطْعِ، وَالنَّظَرِيَّاتِ بَعْدَ تَحْقِيقِ مُقَدِّمَاتِ النَّظَرِ.

وَقَالَ الْآمِدِيُّ: أَمَّا نَحْنُ; فَنَقُولُ: الْمُنَاسِبُ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ يَلْزَمُ مِنْ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ حُصُولُ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ مِنْ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ أَوْ تَكْمِيلِهَا، أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ أَوْ تَقْلِيلِهَا دُنْيَا وَأُخْرَى عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِمَا لَوْ أَصَرَّ الْخَصْمُ عَلَى مَنْعِهِ بَعْدَهُ، يَكُونُ مُعَانِدًا.

قُلْتُ: هَذَا غَايَةُ مَا يُقَالُ فِي ضَبْطِ رَسْمِ الْمُنَاسِبِ، وَتَحْصِيلُ أَصْلِ الْمَصْلَحَةِ، كَشَرْعِ الْقِصَاصِ، وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَتَكْمِيلِهَا كَاشْتِرَاطِ الْمُكَافَأَةِ وَالْمُسَاوَاةِ فِي الْقِصَاصِ، وَتَحْرِيمِ يَسِيرِ الْخَمْرِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى كَثِيرِهِ، وَدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ كَإِيجَابِ الْقَوْدِ لِدَفْعِ مَفْسَدَةِ إِتْلَافِ النُّفُوسِ، وَتَقْلِيلِهَا كَإِيجَابِهِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ، لِأَنَّ فِيهِ تَقْلِيلًا لِلْقَتْلِ، لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً إِلَى إِزْهَاقِ النُّفُوسِ، وَكَإِيجَابِهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمُنَاسِبُ مَا تَضَمَّنَ تَحْصِيلَ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَرْءَ مَفْسَدَةٍ، فَالْأَوَّلُ يَعْنِي تَحْصِيلَ الْمَصْلَحَةِ كَالْغِنَى هُوَ عِلَّةُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لِتَضَمُّنِهِ مَصْلَحَةَ الْفُقَرَاءِ وَرَبَّ الْمَالِ، وَالثَّانِي: - يَعْنِي دَرْءَ الْمَفْسَدَةِ - كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ.

ص: 384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَقَالَ النِّيلِيُّ: الْمُنَاسِبُ مَا كَانَ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ عَقِيبَهُ مُفْضِيًا إِلَى مَا يُوَافِقُ نَظَرَ الْعُقَلَاءِ فِي الْمَعَاشِ، أَوْ فِي الْمَعَادِ. أَمَّا الْمَعَاشُ; فَكَبَقَاءِ الْأَنْفُسِ، وَالزِّيَادَةِ فِي الْمَالِ، وَأَمَّا فِي الْمَعَادِ; فَكَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ، أَوْ رَفْعِ الْعِقَابِ. ثُمَّ الْحُكْمُ تَارَةً يَكُونُ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ، وَتَارَةً تَكْمِيلًا لَهَا، وَتَارَةً مُدِيمًا لَهَا، وَذَكَرَ أَمْثِلَةً مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ لَهُ نَظَرٌ فِي الْأَحْكَامِ.

ثُمَّ الْمُنَاسِبُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا هُوَ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَاتِ، وَإِلَى مَا هُوَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَاتِ، وَإِلَى مَا هُوَ فِي مَحَلِّ التَّتِّمَاتِ وَالتَّكْمِيلَاتِ، وَهِيَ فِي مَرَاتِبِهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي التَّقْدِيمِ عِنْدَ التَّعَارُضِ يُقَدَّمُ الْأَوَّلُ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَقْسَامِهِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَالْبَابَانِ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ مَضْمُونُ الْمُنَاسِبِ، وَالْمُنَاسِبُ مُتَضَمِّنٌ لِلْمَصْلَحَةِ.

وَمِثَالُ اجْتِمَاعِ أَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ فِي وَصْفٍ وَاحِدٍ أَنَّ نَفَقَةَ النَّفْسِ ضَرُورِيَّةٌ، وَنَفَقَةَ الزَّوْجَاتِ حَاجِيَّةٌ، وَنَفَقَةَ الْأَقَارِبِ تَتِمَّةٌ وَتَكْمِلَةٌ، وَلِهَذَا قَدَّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَتَأَكَّدَتْ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ عَلَى نَفَقَةِ الْقَرِيبِ حَتَّى سَقَطَتْ نَفَقَتُهُ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ دُونَ نَفَقَتِهَا. وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَرَاتِبَ الْمُنَاسِبِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَسُرْعَةِ الْقَبُولِ وَعَدَمِهِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَنْ نَظَرَ فِي مُنَاسَبَاتِ الْأَحْكَامِ لِعِلَلِهَا، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

ص: 385