الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وُجُودِهَا فِي الْآخَرِ، أَوْ يَكُونَ النَّصُّ قَدْ دَلَّ عَلَى حُكْمِ أَحَدِهِمَا إِجْمَالًا لَا تَفْصِيلًا، بِخِلَافِ الْآخَرِ. هَذَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ الْمُكَمِّلَةِ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْهَا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: ذِكْرُ جُمْلَةٍ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ بِأَمْثِلَتِهَا أَوْ بَعْضِهَا، ذَكَرَهَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحْسَبُهُ الْجَصَّاصَ صَاحِبَ «الْفُصُولِ» وَفِيهِ أَبْوَابٌ:
أَحَدُهَا: فِي
تَرْجِيحِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ
، فَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: إِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، فَهُمَا إِمَّا عَامَّانِ، أَوْ خَاصَّانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَامٌّ وَالْآخَرُ خَاصٌّ، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ كَانَا عَامَّيْنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، تَعَيَّنَ احْتِرَازًا مِنْ تَعْطِيلِهِمَا، أَوْ تَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا.
مِثَالُهُ: قَوْلُهُ عليه السلام: خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ مَعَ ذَمِّهِ لِمَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ، فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّ لَهُ شَاهِدًا حِفْظًا لَحِقِّ الْمُسْلِمَ. وَالثَّانِي: عَلَى مَا إِذَا عَلِمَ فَإِنَّ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ حِينَئِذٍ تَكُونُ فُضُولًا.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَا خَاصَّيْنِ لَا رُجْحَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، تَوَقَّفَ عَلَى الْمُرَجِّحِ الْخَارِجِيِّ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، وَعُلِمَ التَّارِيخُ، فَالثَّانِي نَاسِخٌ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ، فَهُمَا كَمُجْمَلٍ لَا بَيَانَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَامًّا، وَالْآخَرُ خَاصًّا، حُمِلَ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، كَقَوْلِهِ عليه السلام: فِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ مَعَ قَوْلِهِ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ يَخُصُّ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي، وَيَصِيرُ تَقْدِيرُهُ: فِي الرِّقَّةِ فِي خَمْسِ أَوَاقٍ فَصَاعِدًا رُبْعُ الْعُشْرِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ تَرَجَّحَتْ حُجَّةُ خُصُوصِ أَحَدِهِمَا، خُصَّ بِهِ الْآخَرُ، وَإِلَّا وَقَفَ عَلَى الْمُرَجِّحِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ عليه السلام: مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا، فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا مَعَ قَوْلِهِ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، فَالْأَوَّلُ عَامٌّ فِي الْوَقْتِ خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ، وَالثَّانِي خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ، فَخَصَّصْنَا الثَّانِي لِمَا عُرِفَ مِنْ شِدَّةِ اهْتِمَامِ الشَّرْعِ بِالْمَكْتُوبَاتِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا صَلَاةَ تَطَوُّعٍ بَعْدَ الْفَجْرِ.
وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ خَاصَّانِ وَأَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمٌ، رُجِّحَ الْمُتَأَخِّرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ تَرْجِيحِ الْمُتَقَدِّمِ يَتَعَطَّلُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَبِتَقْدِيرِ تَرْجِيحِ الْمُتَأَخِّرِ إِنَّمَا يَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْمُتَقَدِّمِ بِبَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ التَّعْطِيلِ بِالْكُلِّيَّةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ قَدْ عَمِلَ بِهِ فِي وَقْتٍ مَا، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ تَرْجِيحِ أَيُّهُمَا كَانَ تَعْطِيلُ الْآخَرُ.
وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، وَأَحَدُهُمَا يُعَرِّفُ الْحُكْمَ - مَوْضُوعٌ لِتَعْرِيفِهِ -، وَالثَّانِي يَنْفِي الْحُكْمَ بِإِضْمَارِ شَيْءٍ، أَوْ بِتَقْيِيدِ مُطَلَّقٍ، فَالْأَوَّلُ رَاجِحٌ.
قُلْتُ: حَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَرْجِيحِ مَا دَلَّ بِنَفْسِهِ عَلَى مَا افْتَقَرَ إِلَى إِضْمَارٍ أَوْ تَقْيِيدٍ، لَكِنَّ عِبَارَتَهُ مُنْحَرِفَةٌ عَنْ إِفَادَةِ ذَلِكَ إِفَادَةً تَامَّةً. ثُمَّ مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ عليه السلام: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ مَعَ قَوْلِهِ: لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي قَبُولُ الصَّلَاةِ بِدُونِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَالثَّانِي يَنْفِي ذَلِكَ ; إِمَّا بِإِضْمَارِ الْجَوَازِ، أَيْ: لَا صَلَاةَ جَائِزَةٌ أَوْ صَحِيحَةٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، أَوْ بِتَقْيِيدِ لَفَظِ الْعَمَلِ بِالْوَاجِبِ، أَيْ: لَا عَمَلَ وَاجِبٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَحَيُّلَاتِ الْحَنَفِيَّةِ لِتَصْحِيحِ مَذْهَبِهِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبَيَانُ ضَعْفِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ فَهْمَ قَبُولِ الصَّلَاةِ بِدُونِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، هُوَ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْغَايَةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ لَا يَقُولُونَ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ عليه السلام: لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ إِنْ كُنَّا نَحْنُ نُضْمِرُ فِيهِ الْجَوَارِحَ فَهُمْ يَلْزَمُهُمْ إِضْمَارُ الْكَمَالِ بِأَنْ يُقَالَ: لَا عَمَلَ كَامِلٌ وَلَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ، وَلَمْ يُضْمِرُوا ذَلِكَ ; لَزِمَ انْتِفَاءُ ذَاتِ الْعَمَلِ وَالصَّلَاةِ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُنَا.
وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْعَمَلِ بِالْوَاجِبِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ الْمَطْعُونُ فِيهِ وَغَيْرُهُ ; قُدِّمَ الثَّانِي، كَقَوْلِهِ عليه السلام لِعَلِيٍّ رضي الله عنه: لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الذَّهَبِ شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، فَفِيهَا نِصْفُ مِثْقَالٍ عَلَى قَوْلِهِ عليه السلام: لَا زَكَاةَ فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ، وَالثَّانِي يَنْفِيهِ، لَكِنْ طَعَنَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَمْ يَثْبُتْ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شَيْءٌ.
قُلْتُ: أَمَّا أَصْلُ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي تَرْجِيحِ مَا لَا طَعْنَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، فَصَحِيحٌ،أَمَّا الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِي لَا يَصِحُّ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ بِعُمُومِهِ، وَنَحْنُ نَخُصُّهُ فِي قِيَاسِ الْحُلِيِّ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى عَبِيدِ الْخِدْمَةِ، وَثِيَابِ الْبَذْلَةِ بِجَامِعِ كَوْنِهَا مُتَعَلَّقَ الْحَاجَةِ، فَلَا تَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، وَتَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ.
وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ عُمُومُ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام وَفِعْلِهِ، تَرَجَّحَ الْفِعْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْقَوْلُ عِنْدَ غَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ.
مِثَالُهُ: قَوْلُهُ عليه السلام: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَقَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَحُجَّةُ رُجْحَانِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ أَنَّ لَهُ صِيغَةً دَالَّةً بِخِلَافِ الْفِعْلِ كَمَا سَبَقَ، وَلِلْقَوْلِ بِتَرْجِيحِ الْفِعْلِ وَجْهٌ أَيْضًا.
أَمَّا الْمِثَالُ الْمَذْكُورُ، فَإِنَّ مَا رَوَوْهُ أَنَّهُ عليه السلام أَقَادَ مُسْلِمًا بِذِمِّيٍّ، لَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَئِمَّةِ النَّقْلِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي «مُسْنَدِهِ» وَمَنْ عَسَاهُ وَافَقَهُ، وَلَوْ صَحَّ، لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُ ضَمَّ إِلَى قَتْلِ الذِّمِّيِّ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ رِدَّةٍ أَوْ حِرَابَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَوَقَعَ قَتَلَهُ بِذَلِكَ فِي سِيَاقِ قَتْلِ الذِّمِّيِّ اتِّفَاقًا، فَظَنَّ أَنَّهُ أَقَادَهُ بِهِ. وَإِذَا احْتَمَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ، سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، وَبَقِيَ حَدِيثُنَا نَصًّا لَا مَعَارِضَ لَهُ. وَمُنِعَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَتْلَ الذِّمِّيِّ وَقَعَ وَاسِطَةً بَيْنَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ يَتَجَاذَبُهُ الطَّرَفَانِ بِالشَّبَهِ، فَخَرَجَ فِيهَا الْخِلَافُ، وَيَلْزَمُهُمْ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ، لِأَنَّ عَهْدَ الْإِسْلَامِ وَذِمَّتَهُ وَاحِدٌ فِي الْعِصْمَةِ.
وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ الْمُحَرِّمُ وَالْمُبِيحُ، رَجَحَ الْمُحَرِّمُ، كَمَا سَبَقَ حُكْمُهُ.
مِثَالُهُ: قَوْلُهُ عز وجل: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النِّسَاءِ: 23] مَعَ قَوْلِهِ عز وجل: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [الْمُؤْمِنُونَ: 6] ، إِذِ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْوَطْءِ مُطْلَقًا، وَالثَّانِي يَقْتَضِي إِبَاحَتَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَهَلْ يُرَجَّحُ الْمُحَرِّمُ احْتِيَاطًا، أَوِ الْمُبِيحُ أَخْذًا بِالرُّخْصَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالتَّخْفِيفِ؟ وَلَنَا فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي التَّسَرِّي قَوْلَانِ عَنْ أَحْمَدَ، أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُبِيحَ الْخَاصَّ رَاجِحٌ عَلَى الْمُحَرِّمِ الْعَامِّ.
قُلْتُ: هَذَا صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ، كَمَا سَبَقَ وَذَكَرَ.
مِثَالُهُ: قَوْلُهُ عز وجل: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [الْمَائِدَةِ: 87] مَعَ قَوْلِهِ عليه السلام: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ كَالْخَمْرِ تُخَلَّلُ فَتَحِلُّ. قَالَ: فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ تَخْلِيلِ الْخَمْرِ، لِكَوْنِ التَّخْلِيلِ تَحْرِيمًا لِلْعِلَاجِ الطَّيِّبِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي إِحْلَالُهُ.
قُلْتُ: فِي هَذَا الْمِثَالِ خَبْطٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: كَالْخَمْرِ تُخَلَّلُ فَتَحِلُّ ; لَيْسَ ثَابِتًا فِي الْخَمْرِ. وَلَوْ ثَبَتَ ; لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْلِيلَ تَحْرِيمٌ لِلْعِلَاجِ الطَّيِّبِ، بَلْ هُمَا سَبَبَانِ عَالَجَهَا بِأَحَدِهِمَا، كَمَا يُسَخَّنُ الْمَاءُ بِالطَّاهِرَاتِ تَارَةً وَبِالنَّجَاسَاتِ أُخْرَى، وَالْمِثَالُ الْجَيِّدُ قَوْلُهُ عليه السلام: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ مَعَ قَوْلِهِ عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [الْمَائِدَةِ: 3] ، فَالْخَبَرُ مُبِيحٌ خَاصٌّ، قُدِّمَ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي هِيَ مُحَرِّمٌ عَامٌّ عَلَى قَاعِدَةِ تَقَدُّمِ الْخَاصِّ.
وَمِنْهَا: تَقْدِيمُ النَّصِّ الَّذِي لَا مُزَاحِمَ لِمَدْلُولِهِ عَلَى مَا لَهُ مُزَاحِمٌ لِمَدْلُولِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى تَرْجِيحِ النَّصِّ عَلَى الظَّاهِرِ أَوِ الْمُجْمَلِ.
مِثَالُهُ: قَوْلُهُ عليه السلام: طَلَاقُ الْأَمَةِ اثْنَتَانِ مَعَ قَوْلِهِ عليه السلام:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، فَالْأَوَّلُ نَصٌّ فِي أَنَّ طَلَاقَ الْأَمَةِ تَحْتَ الْحُرِّ طَلْقَتَانِ، وَالثَّانِي مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ نَفْيِ ذَلِكَ وَعَدَمِهِ.
وَمِثَالُهُ: التَّرَدُّدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: «الطَّلَاقُ» : مُبْتَدَأٌ، «بِالرِّجَالِ» : جَارٌّ وَمَجْرُورٌ يَتَعَلَّقُ بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ، فَذَلِكَ الْمَحْذُوفُ مَا هُوَ؟ إِنْ جَعَلْنَا تَقْدِيرَهُ: الطَّلَاقُ مُعْتَبَرٌ بِالرِّجَالِ ; كَانَ مُنَافِيًا لِلْأَوَّلِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الْأَمَةِ تَحْتَ الْحُرِّ ثَلَاثٌ اعْتِبَارًا بِهِ، وَإِنْ جَعَلْنَا تَقْدِيرَهُ: الطَّلَاقُ قَائِمٌ بِالرِّجَالِ، كَمَا تَقُولُ: الْكَلَامُ بِالْمُتَكَلِّمِ، وَالسَّوَادُ بِالْأَسْوَدِ، أَيْ: قَائِمٌ ; لَمْ يُنَافِ الْأَوَّلَ، لِأَنَّ قِيَامَهُ بِالرَّجُلِ لَا يُنَافِي اعْتِبَارَهُ بِالْمَرْأَةِ. وَالْأَظْهَرُ هُوَ التَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ قِيَامَ الطَّلَاقِ بِالرِّجَالِ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَاعْتِبَارَهُ بِهِمْ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ خَفِيٌ، فَحَمْلَ الْأَمْرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى تَعْرِيفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ أَوْلَى. وَيَرْجِعُ حَاصِلُ الْمَثَّالِ إِلَى تَعَارُضِ نَصٍّ وَظَاهِرَيْنِ.
وَمِنْهَا تَقْدِيمُ مَا اسْتَقَلَّ بِتَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِنَفْسِهِ، عَلَى مَا احْتَاجَ فِي تَعْرِيفِهِ إِلَى وَاسِطَةٍ أَوْ أَمْرٍ زَائِدٍ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ عليه السلام لِخَوْلَةَ بِنْتِ يَسَارٍ فِي دَمِ الْحَيْضِ: إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ وَصَلِّي فِيهِ مَعَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ: حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ، قَالَ: فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي جَوَازَ الْغَسْلِ بِالْخَلِّ، وَالثَّانِي يَنْفِيهِ لِتَخْصِيصِهِ بِالْمَاءِ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِاسْتِقْلَالِهِ بِالْحُكْمِ دُونَ زِيَادَةٍ.
قُلْتُ: أَصْلُ الْقَاعِدَةِ فِي التَّرْجِيحِ جَيِّدٌ، لَكِنْ لَيْسَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَمْثِلَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، أَوِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، لِأَنَّهُ أَطْلَقَ الْغَسْلَ فِي الْأَوَّلِ مُجْمَلًا فِي آلَتِهِ، وَقَيَّدَ فِي الثَّانِي بِالْمَاءِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الْآلَةُ فِيهِ.
وَأَمَّا عَدَمُ الِاسْتِقْلَالِ، فَهُوَ أَنْ يَحْتَاجَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ إِلَى إِضْمَارٍ أَوْ تَقْدِيرٍ دُونَ الْآخَرَ، فَيُقَدَّمُ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، فَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِالدِّلَالَةِ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ، فَيَكُونُ عَدَمُ الِاسْتِقْلَالِ إِضَافِيًّا، لَكِنَّ هَذَا خَارِجٌ عَنِ الْمَشْهُورِ. نَعَمْ، يَرِدُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْغَسْلِ بِالْمَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَاءِ بِالذِّكْرِ فِيهِ إِنَّمَا كَانَ لِغَلَبَتِهِ، وَالْمَفْهُومِ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَكُونُ حُجَّةً كَمَا سَبَقَ، وَنَظَائِرُهُ فِي مَوْضِعِهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْبَاقِيَ عَلَى عُمُومِهِ يُقَدَّمُ عَلَى مَا خُصَّ، وَأَنَّ الْأَقَلَّ تَخْصِيصًا رَاجِحٌ عَلَى الْأَكْثَرِ تَخْصِيصًا، وَهُمَا قَاعِدَتَانِ صَحِيحَتَانِ، لَكِنَّ ذَكَرَ لِمِثَالِ الثَّانِيَةِ قَوْلَهُ عز وجل:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النِّسَاءِ: 3] مَعَ قَوْلِهِ عليه السلام: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَجْمَعَنَّ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ قَالَ: فَالْأَوَّلُ يَقْتَضِي حِلَّ نِكَاحِ الْأُخْتِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ، وَالثَّانِي يَنْفِيهِ لِتَضَمُّنِهِ جَمْعَ الْمَاءَ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ.
قُلْتُ: صَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: حِلُّ نِكَاحِ أُخْتِ الْمُعْتَدَّةِ، لِأَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي أُخْتِ زَوْجَتِهِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ.
وَأَمَّا الْمِثَالُ، فَلَيْسَ مُطَابِقًا لِقَاعِدَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ اجْتِمَاعِ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، إِذْ قَوْلُهُ تَعَالَى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النِّسَاءِ: 3] يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ جَوَازَ نِكَاحِ أُخْتِ الْمُعْتَدَّةِ، وَقَوْلُهُ عليه السلام يَنْفِي ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ، أَوْ بِعُمُومِهِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْ مَضْمُونِ الْآيَةِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا.
وَمِنْهَا: إِذَا تَعَارَضَ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَأَثَرُ بَعْضِ مُجْتَهَدِي الصَّحَابَةِ، وَالْخَبَرُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِمَّا لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ عَادَةً، تَرَجَّحَ الْأَثَرُ.
قُلْتُ: هَذَا قَدْ يَتَّجِهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ أَوْ فِعْلَهُ مَعَ سُكُوتِ الْبَاقِينَ عَنْهُ، يَكُونُ إِجْمَاعًا سُكُوتِيًا يُتْرَكُ لَهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ، لَكِنْ ذِكْرُ مِثَالِ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلُهُ عليه السلام لِلرَّجُلِ فِي حَدِيثِ الْعَسِيفِ: عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ مَعَ قَوْلِ عُمَرَ رضي الله عنه: لَا أَنْفِي بَعْدَ هَذَا أَحَدًا أَبَدًا، وَقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه: كَفَى بِالنَّفْيِ فِتْنَةً. يَعْنِي فَيُقَدَّمُ الْأَثَرُ فِي عَدَمِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْحَدِيثِ فِي إِثْبَاتِهِ، لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُخَالِفُ الْخَبَرَ إِلَّا لِدَلِيلٍ أَرْجَحَ مِنْهُ.
قُلْتُ: وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ: أَنَّ النَّفْيَ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ ; حَدِيثِ الْعَسِيفِ وَحَدِيثِ عُبَادَةَ: «خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» الْحَدِيثَ. وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رضي الله عنه لَيْسَ فِي