الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ «لِجَوَازِ تَعَلُّقِ» مَدَارِكِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ «بِمَا يَجْهَلُهُ» ، فَإِنَّ الْعُلُومَ وَالْفُنُونَ وَالْمَسَائِلَ يَمُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيُبَرْهَنُ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَمَنْ جَهِلَ فَنًّا، نَقَصَ عَلَيْهِ مَادَّةُ فَنٍّ آخَرَ. وَلِهَذَا تَزِيدُ مَادَّةُ الْعِلْمِ فِي فَنٍّ بِتَحْصِيلِهِ فَنًّا آخَرَ، فَإِذَا عَرَفَ الْكَلَامَ وَالْمَنْطِقَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْقُولَاتِ، ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ تَصَوُّرِهِ لِلْحَقَائِقِ، وَتَقْرِيرِهِ لِلْأَدِلَّةِ وَتَرْكِيبِهِ لِلْأَقْيِسَةِ، وَإِذَا عَرَفَ الْحِسَابَ وَالْهَنْدَسَةَ، ظَهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ فِي مَهَارَتِهِ فِي الْفَرَائِضِ وَالْوَصَايَا، وَاسْتِخْرَاجِ الْمَجْهُولَاتِ، وَعَلَى هَذَا فَقِسْ. وَإِذَا جَازَ تَعَلُّقُ بَعْضِ مَدَارِكِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا يَجْهَلُهُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِيهَا مُطْلَقًا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ.
قَوْلُهُ: «وَأَصْلُهُ الْخِلَافُ فِي
تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ»
. يَعْنِي أَنَّ أَصْلَ هَذَا النِّزَاعِ هُوَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ مَنْصِبَ الِاجْتِهَادِ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَتَجَزَّأَ بِمَعْنَى: أَنْ يَنَالَ الْعَالِمُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ؟ وَقَدْ أَجَازَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَمَسْأَلَةُ النِّزَاعِ وَأَصْلُهَا هَذَا الْمَذْكُورُ وَاحِدٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ كَانُوا يُسْأَلُونَ عَنْ بَعْضِ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ، فَيَقُولُونَ: لَا نَدْرِي، «حَتَّى قَالَهُ مَالِكٌ رضي الله عنه» ، أَيْ: قَالَ: لَا أَدْرِي «فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً مِنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ» ، يَعْنِي أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي، وَقَدْ تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ رضي الله عنهما بَلِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ رضي الله عنهم -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي الْفَتَاوَى كَثِيرًا، فَلَوْ كَانَ الِاجْتِهَادُ الْمُطْلَقُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، شَرْطًا فِي الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ عَلَى حِدَتِهَا؛ لَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ مُجْتَهِدِينَ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، قُلْنَا: (لَا أَدْرِي) أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْعِلْمِ» هَذَا سُؤَالٌ مِنَ الْمَانِعِينَ لِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: لَا أَدْرِي، كَانَ لِعَدَمِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا سُئِلُوا عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِمْ مُجْتَهِدِينَ، إِذْ شَأْنُ الْمُجْتَهِدِ الْجَوَابُ تَارَةً، وَالتَّوَقُّفُ أُخْرَى، بِحَسَبِ ظُهُورِ الدَّلِيلِ وَخَفَائِهِ. وَحِينَئِذٍ مَا اجْتَهَدَ مِنْهُمْ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ إِلَّا مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ بِاجْتِهَادٍ كُلِّيٍّ لَا جُزْئِيٍّ. وَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ دَلِيلُكُمْ عَلَى تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ.
وَتَقْرِيرُهُ الْجَوَابَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ: لَا أَدْرِي؛ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ لِعَدَمِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا، فَحَمْلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، إِذْ هُوَ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْإِمَامِ الْمُفْتِي، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِخْبَارٌ بِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِ ذَلِكَ الْإِمَامِ بِحُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَيُسْتَصْحَبُ فِيهِ الْحَالُ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا وَقَفَ فِي الْجَوَابِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ، فَمَنِ ادَّعَى خِلَافَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ فِي اجْتِهَادِهِ، بَلْ فِي قَبُولِ فُتْيَاهُ وَخَبَرِهِ» .
أَيْ: لَا يُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُجْتَهِدِ فِي كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا، لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْأَحْكَامِ، وَاقْتِنَاصَهَا بِالْأَدِلَّةِ يَصِحُّ مِنَ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ، بَلْ وَالْكَافِرِ. وَلِهَذَا اجْتَهَدَ الْكُفَّارُ فِي مِلَلِهِمْ، وَصَنَّفُوا فِيهَا الدَّوَاوِينَ، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ لِقَبُولِ فُتْيَاهُ، وَإِخْبَارِهِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ عز وجل وَأَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ دَلَّ عَلَيْهِ.
وَفَائِدَةُ هَذَا التَّفْصِيلِ: أَنَّ الْفَاسِقَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْحُكْمِ، وَيَأْخُذَ بِهِ لِنَفْسِهِ، أَيْ: يَعْمَلَ بِهِ، وَلَا يُلْزَمُ غَيْرُهُ الْعَمَلَ بِاجْتِهَادِهِ وَقَبُولُ خَبَرِهِ فِيهَا بِدُونِ الْعَدَالَةِ، فَلَوْ أَدَّى الْفَاسِقَ اجْتِهَادُهُ إِلَى أَنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغْيِيرِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ إِذَا كَانَ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لِلصَّلَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا اجْتِهَادَ لَهُ، وَيَعْدِلُ إِلَى التَّيَمُّمِ. وَهَذِهِ تُشْبِهُ مَا سَبَقَ فِي اعْتِبَارِ الْفَاسِقِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَأَنَّ إِجْمَاعَهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، دُونَ غَيْرِهِ.