المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ تخريج المناط - شرح مختصر الروضة - جـ ٣

[الطوفي]

فهرس الكتاب

- ‌الْإِجْمَاعُ

- ‌ جَوَازَ الْإِجْمَاعِ

- ‌ الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ

- ‌ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ

- ‌ اتِّفَاقُ التَّابِعِينَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الصَّحَابَةِ

- ‌ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْوَاحِدِ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ

- ‌إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

- ‌أَقْسَامِ الْإِجْمَاعِ

- ‌ إِجْمَاعِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ

- ‌مُنْكِرُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ

- ‌ارْتِدَادُ الْأُمَّةِ جَائِزٌ عَقْلًا لَا سَمْعًا

- ‌اسْتِصْحَابُ الْحَالِ

- ‌ أَنْوَاعِ مَدَارِكِ نَفْيِ الْحُكْمِ

- ‌الْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا

- ‌الثَّالِثُ: الِاسْتِحْسَانُ

- ‌الرَّابِعُ: الِاسْتِصْلَاحُ:

- ‌الْقِيَاسُ

- ‌ أَرْكَانُ الْقِيَاسِ

- ‌ الْفَرْعِ

- ‌تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ

- ‌ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ

- ‌ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ

- ‌ حُجَجُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ

- ‌ الْعِلَّةَ

- ‌تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ»

- ‌ الْمُنَاسِبُ، وَالْمَنْشَأُ، وَالْحِكْمَةُ

- ‌قِيَاسُ الشَّبَهِ:

- ‌قِيَاسُ الدَّلَالَةِ:

- ‌ أَحْكَامِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ

- ‌ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ

- ‌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ

- ‌الْأَسْئِلَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ

- ‌«الِاسْتِفْسَارُ»

- ‌ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ

- ‌ فَسَادُ الْوَضْعِ

- ‌ الْمَنْعُ

- ‌ التَّقْسِيمُ:

- ‌ مَعْنَى التَّقْسِيمِ

- ‌ الْمُطَالَبَةُ:

- ‌ النَّقْضُ

- ‌الْكَسْرُ:

- ‌ الْقَلْبُ

- ‌ الْمُعَارَضَةُ

- ‌ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ

- ‌ الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ

- ‌ عَدَمُ التَّأْثِيرِ

- ‌ الْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ

- ‌ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ

- ‌الِاجْتِهَادُ

- ‌مَا يُشْتَرَطُ لِلْمُجْتَهِدِ

- ‌ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ»

- ‌الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌النَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ

- ‌إِذَا نَصَّ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ

- ‌التَّقْلِيدُ

- ‌الْقَوْلُ فِي تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ وَالتَّرْجِيحِ

- ‌ الْفَرْقِ بَيْنَ دِلَالَةِ اللَّفْظِ وَالدِّلَالَةِ بِاللَّفْظِ

- ‌ التَّرْجِيحِ فِي الْأَدِلَّةِ

- ‌التَّرْجِيحُ اللَّفْظِيُّ

- ‌ التَّرْجِيحَ مِنْ جِهَةِ السَّنَدِ

- ‌ التَّرْجِيحَ مِنْ جِهَةِ الْقَرِينَةِ

- ‌التَّرْجِيحُ الْقِيَاسِيُّ

- ‌ تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ أَصْلِهِ

- ‌ تَرْجِيحَ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ عِلَّتِهِ

- ‌ التَّرْجِيحُ بِالْقَرَائِنِ

- ‌مِنَ التَّرْجِيحِ الْعَائِدِ إِلَى الرَّاوِي:

- ‌ تَرْجِيحِ النُّصُوصِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ

- ‌ تَرْجِيحِ بَعْضِ مَحَامِلِ الْأَثَرِ عَلَى بَعْضٍ:

- ‌ تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ عَلَى النُّصُوصِ

الفصل: ‌ تخريج المناط

أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ عَلَى وَصْفٍ بِالِاجْتِهَادِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ، وَالرِّبَا فِي الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ فَالْأَرُزُّ مِثْلُهُ، وَيُسَمَّى:

‌ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ

، وَهُوَ الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ، وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا التَّعَبُّدَ بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَحُمِلَ عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا، وَقِيلَ: هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ، وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ وَلَا إِيجَابٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ.

ــ

وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ، وَهُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالتَّخْرِيجُ: هُوَ الِاسْتِخْرَاجُ وَالِاسْتِنْبَاطُ، وَهُوَ إِضَافَةُ حُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّرْعُ لِعِلَّتِهِ إِلَى وَصْفٍ مُنَاسِبٍ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» بِقَوْلِهِ:«أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ» ، أَيْ: وَالِاجْتِهَادُ فِي الْعِلَّةِ إِمَّا بِبَيَانِ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، أَوْ بِإِضَافَةِ الْعِلَّةِ إِلَى بَعْضِ الْأَوْصَافِ، «أَوْ بِتَعْلِيقِ حُكْمٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ عَلَى وَصْفٍ بِالِاجْتِهَادِ، نَحْوُ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا» ؛ لِأَنَّهُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ لِتَحْرِيِمِهَا، «فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ» لِوُجُودِ الْإِسْكَارِ فِيهِ، وَحُرِّمَ «الرِّبَا فِي الْبُرِّ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلُ جِنْسٍ» أَوْ مَطْعُومُ جِنْسٍ، «فَالْأَرُزُّ مِثْلُهُ» لِأَنَّهُ كَذَلِكَ، «وَيُسَمَّى: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ» ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ اسْتِخْرَاجُ عِلَّةِ الْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ.

وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: وَجَبَ الْعُشْرُ فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ قُوتًا، فَتَلْحَقُ بِهِ

ص: 242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْأَقْوَاتُ، أَوْ لِكَوْنِهِ نَبَاتَ الْأَرْضِ وَفَائِدَتَهَا فَتَلْحَقُ بِهِ الْخَضْرَاوَاتُ وَأَنْوَاعُ النَّبَاتِ.

وَتَحْرِيرُ الْكَلَامِ هَاهُنَا أَنَّا إِذَا رَأَيْنَا الشَّارِعَ قَدْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِعِلَّتِهِ، قُلْنَا: هَذَا حُكْمٌ حَادِثٌ لَا بُدَّ لَهُ بِحَقِّ الْأَصْلِ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ، فَيَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْ مَحَلِّ الْحُكْمِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ لَهُ، وَاجْتَهَدَ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ هُوَ سَبَبُ ذَلِكَ الْحُكْمِ.

قَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي «الْمُقْتَرَحِ» : مِثَالُهُ: تَعْلِيلُ حِرْمَانِ الْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ بِمُعَارَضَتِهِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْإِرْثِ حَتَّى يَقِيسَ عَلَيْهِ حِيَازَةَ الْمَبْتُوتَةِ لِمِيرَاثِهَا مُعَارَضَةً لِلْمُطَلِّقِ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ.

فَائِدَةٌ: هَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ، وَتَنْقِيحُهُ، وَتَخْرِيِجُهُ يَشْتَبِهُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ خُصُوصًا عَلَى الْمُبْتَدِئِ فِي النَّظَرِ، فَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ مُهِمٌّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فُهِمَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ.

فَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ: بَيَانُ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ، أَوْ بَيَانُ وُجُودِ عِلَّةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، كَبَيَانِ وُجُودِ الطَّوَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الْهِرَّةِ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا.

وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: تَعْيِينُ وَصْفٍ لِلتَّعْلِيلِ مِنْ أَوْصَافٍ مَذْكُورَةٍ، كَتَعْيِينِ وِقَاعِ الْمُكَلَّفِ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ.

وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ مِنْ أَوْصَافٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ، كَاسْتِخْرَاجِ الْكَيْلِ مِنْ حَدِيثِ الرِّبَا دُونَ الطَّعْمِ وَالِاقْتِيَاتِ وَهِيَ أَوْصَافُ الْأَصْلِ. كَذَلِكَ حُكِيَ عَنِ الْحَسْكَفِيِّ فِي «جَدَلِهِ» .

ص: 243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ فِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ تَعْدَادُ الْأَوْصَافِ، بَلْ قَدْ لَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ إِلَّا وَصْفٌ وَاحِدٌ هُوَ الْعِلَّةُ، فَتُسْتَخْرَجُ بِالِاجْتِهَادِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ غَيْرِ الْمَذْكُورَةِ بِالِاجْتِهَادِ.

وَقَالَ الْآمِدِيُّ: تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا فِي نَفْسِهَا.

وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي تَعْيِينِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، بِحَذْفِ مَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الِاعْتِبَارِ مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهِ، كَمَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ.

وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ: هُوَ النَّظَرُ فِي إِثْبَاتِ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالرَّأْي وَالِاجْتِهَادِ، كَالنَّظَرِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.

قَالَ الشَّيْخُ رَشِيدُ الدِّينِ الْحَوَارِيُّ فِي «لُبَابِ الْقِيَاسِ» : الْعِلَّةُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلُّ مَا جَعَلَهُ الشَّرْعُ أَمَارَةً مُعَرِّفَةً لِثُبُوتِ الْحُكْمِ، ثُمَّ كَوْنُهُ مُعَرِّفًا فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ يُعْرَفُ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَفِي تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ بِالِاجْتِهَادِ.

وَحَكَى الْقَرَافِيُّ: أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ هُوَ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ، نَحْوُ: لَا فَارِقَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فِي مَفْهُومِ الرِّقِّ وَتَشْطِيرِ الْحَدِّ، فَوَجَبَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ بِذَلِكَ فِي الْإِمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ إِلْغَاءِ الْفَارِقِ تَنْقِيحًا، إِذِ التَّنْقِيحُ هُوَ التَّخْلِيصُ وَالتَّصْفِيَةُ، وَبِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ يَصْفُو الْوَصْفُ، وَيَخْلُصُ لِلْعِلِّيَّةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا قَوْلًا

ص: 244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

ثَانِيًا فِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ، كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ، بَلْ يَكُونُ إِلْغَاءُ الْفَارِقِ ضَرْبًا مِنْ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ.

قُلْتُ: فَقَدْ ذَكَرْتُ لَكَ جُمْلَةً مِنْ كَلَامِ الْفُضَلَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِهِ تَارَةً، وَبِمَعْنَاهُ أُخْرَى، وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَّحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ؛ لِتُقَابِلَ بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَنَتَائِجِ قَرَائِحِهِمْ فِي ذَلِكَ، فَيَتَلَخَّصُ لَكَ الْمَقْصُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ هُوَ «الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسِيُّ» ، أَيِ: الْقِيَاسُ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ، «وَأَجَازَ أَصْحَابُنَا التَّعَبُّدَ بِهِ عَقْلًا وشَرْعًا» ، أَيْ: دَلَّ دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِهِ، «وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَالنَّظَّامِ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ» ، أَيْ: إِلَى مَذْهَبِ النَّظَّامِ فِي إِنْكَارِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ: يَجْتَنِبُ الْمُتَكَلِّمُ فِي الْفِقْهِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْمُجْمَلَ وَالْقِيَاسَ، «وَحُمِلَ» يَعْنِي إِنْكَارَ أَحْمَدَ لَهُ «عَلَى قِيَاسٍ خَالَفَ نَصًّا» ، أَيْ: عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ مُخَالِفًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ. كَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ؛ لِمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ.

وَمِمَّنْ أَنْكَرَ جَوَازَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقَلًا الشِّيعَةُ مَعَ النَّظَّامِ، وَيَحْيَى الْإِسْكَافِيُّ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ مَنِ الْمُعْتَزِلَةِ. ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ.

قُلْتُ: لَعَلَّهُمْ هَؤُلَاءِ.

«وَقِيلَ: هُوَ» يَعْنِي الْقِيَاسَ «فِي مَظِنَّةِ الْجَوَازِ، وَلَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ فِيهِ بِإِحَالَةٍ وَلَا إِيجَابٍ» ، أَيْ: لَا يُوجِبُ الْعَقْلُ التَّعَبُّدَ بِهِ، وَلَا يُحِيلُهُ بَلْ يُجِيزُ الْأَمْرَيْنِ.

ص: 245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ «وَاجِبٌ شَرْعًا» عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.

قُلْتُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ مَا حَكَاهُ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي الْقِيَاسِ: فَفِرَقُ الْمُبْطِلَةِ ثَلَاثَةٌ: الْمُحِيلُ لَهُ عَقْلًا، وَالْمُوجِبُ لَهُ عَقْلًا، وَالْحَاظِرُ لَهُ شَرْعًا.

قُلْتُ: النِّزَاعُ فِي التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ إِمَّا عَقْلًا، أَوْ شَرْعًا، وَعَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النِّزَاعُ فِي جَوَازِهِ، أَوْ وُجُوبِهِ، أَوِ امْتِنَاعِهِ، أَوْ وُقُوعِهِ، فَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَكْثَرِهَا ذَاهِبُونَ، فَمِمَّنْ أَوْجَبَ وُرُودَ التَّعَبُّدِ بِهِ عَقْلًا: الْقَفَّالُ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَمِمَّنْ أَحَالَهُ مَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ عَقْلًا وَشَرْعًا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ، فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَمَنَعَهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ وَالْقَاشَانِيُّ وَالنَّهْرَوَانِيُّ.

وَاخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ لِوُقُوعِهِ، هَلْ هُوَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوِ السَّمْعِ؟ وَهَلْ دَلِيلُ السَّمْعِ قَطْعِيٌّ؟ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، أَوْ ظَنِّيٌّ؟ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْآمِدِيِّ.

ص: 246

لَنَا: وُجُوهٌ:

الْأَوَّلُ: الْقِيَاسُ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَقْلًا، فَالْقِيَاسُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَالْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ.

أَمَّا الْأَوْلَى: فَلِأَنَّا إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ مُعَلَّلٌ بِكَذَا وَظَنَنَّا وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِيهِ كَذَا، فَظَنَنَّا بِأَنَّنَا إِنِ اتَّبَعْنَاهُ سَلِمْنَا مِنَ الْعِقَابِ، وَإِنْ خَالَفْنَاهُ عُوقِبْنَا، فَفِي اتِّبَاعِهِ دَفْعُ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ.

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا النَّارَ} وَنَحْوِهِ.

الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا} ، {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ} وَنَحْوُهُ قِيَاسٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ فَفِي الظَّنِّيَّاتِ أَجْوَزُ.

ــ

قَوْلُهُ: «لَنَا:» ، يَعْنِي عَلَى جَوَازِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ عَقْلًا وَوُقُوعِهِ شَرْعًا، «وُجُوهٌ» :

قَوْلُهُ: الْوَجْهُ «الْأَوَّلُ» : أَنَّ «الْقِيَاسَ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» ، وَدَفْعُ الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ «وَاجِبٌ عَقْلًا، فَالْقِيَاسُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَالْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ» ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ أَخَصُّ مِنَ الْجَوَازِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْأَعَمِّ، وَالْغَرَضُ مِنْ هَذَا أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ وَوُجُوبِهِ عَقْلًا.

«أَمَّا الْأُولَى» : يَعْنِي أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى مِنْ مُقَدِّمَتَيْ هَذَا الدَّلِيلِ، وَهِيَ أَنَّ «الْقِيَاسَ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» ، أَيْ: يُظَنُّ وُقُوعُهُ ; «فَلِأَنَّا إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ النَّصِّ مُعَلَّلٌ بِكَذَا» ، أَيْ: بِوَصْفٍ مَا ; «وَظَنَنَّا وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي

ص: 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

مَحَلٍّ آخَرَ ; ظَنَنَّا» ، أَيْ: حَصَلَ لَنَا الظَّنُّ «بِأَنَّ الْحُكْمَ» فِي هَذَا الْمَحَلِّ كَالْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النَّصِّ.

مِثَالُهُ: إِذَا ظَنَنَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ مُعَلَّلٌ بِالْإِسْكَارِ، وَظَنَّنَا وُجُودَ الْإِسْكَارِ فِي النَّبِيذِ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ. وَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لَنَا الظَّنُّ بِأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَا الظَّنَّ الْحَاصِلَ لَنَا مِنَ الْقِيَاسِ بِاجْتِنَابِ النَّبِيذِ مَثَلًا، «سَلِمْنَا مِنَ الْعِقَابِ، وَإِنْ خَالَفْنَاهُ» ، فَشَرِبْنَا النَّبِيذَ، «عُوقِبْنَا» ، فَتَحَقَّقَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ فِي اتِّبَاعِ الْقِيَاسِ «دَفْعَ ضَرَرٍ مَظْنُونٍ» .

«وَأَمَّا الثَّانِيَةُ» : يَعْنِي الْمُقَدِّمَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ مُقَدِّمَتَيِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ أَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ الْمَظْنُونِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا.

أَمَّا عَقْلًا، فَلِأَنَّ الْعَاقِلَ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بِقَرِينَةٍ، أَوْ بِخَبَرِ ثِقَةٍ أَنَّهُ إِنْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ، أَكَلَهُ السَّبُعُ، أَوْ أَخَذَ اللُّصُوصُ مَالَهُ ; وَإِنْ لَمْ يَسْلُكْهُ أَوْ سَلَكَ غَيْرَهُ، سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ، فَالْعَقْلُ يَضْطَرُّهُ إِلَى اجْتِنَابِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ.

وَأَمَّا شَرْعًا ; «فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 131] ، وَنَحْوِهِ» مِنَ الْوَعِيدِ الشَّرْعِيِّ، وَاتِّقَاءُ النَّارِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي مَقْطُوعِهَا وَمَظْنُونِهَا.

الْوَجْهُ «الثَّانِي: قَوْلُهُ» سبحانه وتعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} [الرُّومِ: 28] الْآيَةَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي أَثْنَاءِ هَذَا الدَّلِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

ص: 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

تَعَالَى، هُوَ «قِيَاسٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ» الْقَطْعِيَّةِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ وَالْمَعَادِ، فَثُبُوتُ الْقِيَاسِ فِي السَّمْعِيَّاتِ الظَّنِّيَّةِ «أَجْوَزُ» ، أَيْ: أَوْلَى بِالْجَوَازِ، وَالْمُقَدِّمَتَانِ ظَاهِرَتَانِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ أَنْكَرُوا الشَّرِيعَةَ، وَمِمَّا أَنْكَرُوهُ مِنْهَا أُصُولٌ مُهِمَّةٌ كِبَارٌ، وَهِيَ وُجُودُ الصَّانِعِ وَتَوْحِيدُهُ وَالْمَعَادُ، وَحَجَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ.

أَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا وُجُودَ الصَّانِعِ، وَهُمْ مُعَطِّلَةُ الْعَرَبِ وَغَيْرُهُمْ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ سبحانه وتعالى عَلَيْهِمْ بِحُجَجٍ تَضَمَّنَهَا قَوْلُهُ عز وجل:{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ} [الطَّوْرِ: 35 - 36] ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ حُجَّتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْمُنْكِرِينَ لِلصَّانِعِ مَوْجُودُونَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونُوا قُدَمَاءَ لَا أَوَّلَ لَهُمْ، أَوْ مُحْدَثَيْنِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ يَعْتَرِفُونَ بِبُطْلَانِهِ، فَإِنَّهُمْ وُجِدُوا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا، فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّهُمْ مُحْدَثُونَ. وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ أَوَجَدَهُمْ، أَوْ أَنَّهُمْ خَلَقُوا أَنْفُسَهُمْ، أَوْ أَنَّ خَالِقًا غَيْرَهُمْ خَلَقَهُمْ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، إِذْ لَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ فِعْلٌ لَا فَاعِلَ لَهُ، وَلَا مُحْدَثٌ لَا مُحْدِثَ لَهُ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ، إِذْ لَا يَصِحُّ وَلَا يُعْقَلُ فِي الشَّاهِدِ وَلَا فِي غَيْرِهِ أَنْ شَيْئًا يُوجِدُ نَفْسَهُ لِاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ كَوْنَهُ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ خَالِقًا غَيْرَهُمْ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ الصَّانِعُ الْقَدِيمُ سبحانه وتعالى، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدِيِمًا، لَلَزِمَ الدَّوْرُ أَوِ التَّسَلْسُلُ بِدَلِيلِهِ الْكَلَامِيِّ.

ص: 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِينَ لِلصَّانِعِ لَمْ يَخْلُقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَطْعًا، وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَحِينَئِذٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَا قَدِيمَتَيْنِ، أَوْ مُحْدَثَتَيْنِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِقِيَامِ سِمَاتِ الْحُدُوثِ بِهِمَا مِنَ الْحَرَكَاتِ، وَالسَّكَنَاتِ، وَالْأَلْوَانِ، وَالْأَكْوَانِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ:{لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} [الْأَنْعَامِ: 76] . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مُحْدَثَتَانِ ; فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ، أَوْ خَلَقَتَا أَنْفُسَهُمَا، أَوْ خَلَقَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ، فَتَعَيَّنَ الثَّالِثُ كَمَا مَرَّ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لُقْمَانَ: 25] ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُثْبِتَةٌ لِلصَّانِعِ، لَكِنَّهُمْ يُشْرِكُونَ، وَالَّذِينَ نَحْنُ فِي تَقْرِيرِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مُعَطِّلَةٌ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ كَانَتَا فِي الْعَرَبِ عَلَى مَا حَكَاهُ الشَّهْرُسْتَانِيُّ فِي «الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ» وَعَلَى هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ حُجَجٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ يَطُولُ اسْتِيفَاؤُهَا.

وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا التَّوْحِيدَ ; فَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى الشَّرِيكَ، وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى الْوَلَدَ.

فَأَمَّا الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الشَّرِيكَ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِوُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: دَلِيلُ التَّمَانُعِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الْأَنْبِيَاءِ: 22] . الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الْمُؤْمِنُونَ: 91] .

ص: 250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَهٌ غَيْرُهُ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَقْتَتِلَا أَوْ يَخْتَلِفَا عَلَى عَادَاتِ الْمُلُوكِ إِذَا تَنَازَعُوا الْمُلْكَ، فَكَانَ يَفْسُدُ الْعَالَمُ بِاخْتِلَافِهِمَا.

الثَّانِي: لَوْ كَانَ ثَمَّ إِلَهٌ آخَرُ، لَكَانَ خَالِقًا لِبَعْضِ الْعَالَمِ، فَكَانَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنَ الْإِلَهَيْنِ يَنْحَازُ بِمَخْلُوقِهِ، ثُمَّ يَطْلُبُ أَحَدُهُمَا الْعُلُوَّ عَلَى الْآخَرِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَظْهَرُ لِلْأَبْصَارِ أَوِ الْبَصَائِرِ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِ الدَّعْوَى.

وَثَمَّ وَجْهٌ ثَالِثٌ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الشَّاهِدِ، بَلْ مِنْ بَابِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ إِلَهٌ آخَرُ، لَكَانَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَامِلَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ إِلَهًا. وَحِينَئِذٍ فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَرَادَ تَسْكِينَ جِسْمٍ، وَالْآخِرَ تَحْرِيكَهُ، أَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا إِعْدَامَهُ، وَالْآخَرُ إِيجَادَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا، فَهُمَا عَاجِزَانِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِإِلَهٍ، وَإِنْ تَمَّ مُرَادُهُمَا جَمِيعًا، لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَإِنْ تَمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا، فَهُوَ الْإِلَهُ، وَالْعَاجِزُ عَنْ تَمَامِ مُرَادِهِ لَيْسَ بِإِلَهٍ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مُنْكِرِي التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ سبحانه وتعالى:

{قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} [الْإِسْرَاءِ: 42] ; رَدًّا لِزَعْمِ الْكُفَّارِ فِي قَوْلِهِمْ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَرِ: 3] ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ هَذَا الْوَجْهُ مُغَايِرًا لِمَا قَبْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.

ص: 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى مُعْتَقِدِي الشَّرِيكِ قَوْلُهُ سبحانه وتعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ} كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [الرُّومِ: 28] . وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنَ الْآيَةِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ مِنْ عَبِيدِكُمْ شُرَكَاءُ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَمْلَاكِكُمْ ; كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلَّهِ سبحانه وتعالى شُرَكَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِلَّهِ سبحانه وتعالى بِمَا تَأْنَفُونَ مِنْهُ لِأَنْفُسِكُمْ. فَهَذِهِ أَدِلَّةُ نَفْيِ الشَّرِيكِ الَّتِي اخْتَرْنَا ذِكْرَهَا، وَفِي الْقُرْآنِ غَيْرُهَا.

وَأَمَّا الَّذِينَ ادَّعَوُا الْوَلَدَ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ سبحانه وتعالى بِآيَاتٍ: مِنْهَا قَوْلُهُ عز وجل: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} [النَّحْلِ: 57 - 59]، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى:{أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزُّخْرُفِ: 16 - 18]، وَمِنْهَا قَوْلُهُ عز وجل:{أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصَّافَّاتِ: 153 - 154]، {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} [الطَّوْرِ: 39] ، {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النَّجْمِ: 21 - 22] .

وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَنَحْوِهَا: أَنَّكُمْ أَيُّهَا الْكُفَّارُ تَسْتَحْيُونَ مِنْ حُصُولِ الْبَنَاتِ لَكُمْ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا بُشِّرَ بِأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ ارْبَدَّ وَجْهُهُ، وَنَكَّسَ رَأْسَهُ، وَحَزِنَ، وَخَجِلَ، وَذَهَبَ فَوَأَدَهَا، أَيْ: دَفَنَهَا حَيَّةً لِئَلَّا يَلْحَقَهُ الْعَارُ بِبَقَائِهَا، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِلَّهِ عز وجل مَا تَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِكُمْ هَذِهِ الْكَرَاهَةَ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا مِنَ الْمُسْتَقْبَحَاتِ الضَّرُورِيَّةِ فِي الشَّاهِدِ، إِذْ هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ الشَّاعِرِ:

ص: 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ

عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

وأَيْضًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ يَسْتَقْبِحُ أَنْ يُخَاصِمَ عَدُوَّهُ بِجَبَانٍ أَلْكَنَ عَرِيٍّ عَنِ الْبَيَانِ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ إِثْبَاتَ مَنْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِلَّهِ تَعَالَى! وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ عز وجل:{أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} الْآيَةَ. وأَيْضًا فَإِنَّ اخْتِيَارَكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ذُكُورَ الْوَلَدِ، وَلِلَّهِ سبحانه وتعالى إِنَاثَهُمْ قِسْمَةٌ ضِيزَى، أَيْ: جَائِرَةٌ، وَالْقِسْمَةُ الْجَائِرَةُ قَبِيحَةٌ عَقْلًا وَشَاهِدًا، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِكُمْ! .

وَأَمَّا الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْمَعَادَ، فَاحْتَجَّ اللَّهُ سبحانه وتعالى عَلَيْهِمْ بِطُرُقٍ مِنَ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ:

أَحَدُهُمَا: قِيَاسُ إِعَادَةِ الْخَلْقِ عَلَى ابْتِدَائِهِ بِجَامِعِ إِمْكَانِ ذَلِكَ، وَقُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ، وَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي آيَاتٍ:

مِنْهَا: قَوْلُهُ عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ} إِلَى قَوْلِهِ عز وجل: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 77 - 79] . وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الرُّومِ: 27]، أَيْ: بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ تَتَفَاوَتُ الْمُمْكِنَاتُ عِنْدَهُمْ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [النَّمْلِ: 64] . وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الْأَنْبِيَاءِ: 104]، {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الْأَعْرَافِ: 29] وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى:

ص: 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [الْقِيَامَةِ: 3 - 4]، ثُمَّ بَرْهَنَ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِي آخِرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ عز وجل:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى} إِلَى قَوْلِهِ عز وجل: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [الْقِيَامَةِ: 40] .

وَوَجْهُ كَوْنِ الْإِعَادَةِ أَهْوَنَ مِنَ الْإِبْدَاءِ: هُوَ أَنَّ الْإِعَادَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِبْدَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُعَادَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ، وَالْإِبْدَاءُ لَيْسَ مَبْنِيًّا إِلَّا عَلَى مُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ الْبَاهِرَةِ لَا عَلَى سَبَبٍ سَابِقٍ.

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُعْجِزَ مُوسَى أَعْظَمُ مِنْ مُعْجِزِ عِيسَى عليهما السلام؛ لِأَنَّ الْمَوْتَى لَهُمْ أَصْلٌ فِي الْحَيَاةِ سَابِقٌ، وَالْعَصَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

الطَّرِيقُ الثَّانِي: مِنْ طُرُقِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْمَعَادِ قَوْلُهُ سبحانه وتعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى} [يس: 81] ، يَعْنِي مِثْلَ الْكُفَّارِ، أَيْ: يُعِيدُهُمْ إِلَى مِثْلِ حَالِهِمُ الْأُولَى فِي الِابْتِدَاءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سبحانه وتعالى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْأَحْقَافِ: 33] . فَهَذَا قِيَاسٌ لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِجَامِعِ عَظَمَةِ الْفِعْلَيْنِ فِي الْعُقُولِ أَوْ إِمْكَانِهِمَا فِي الْمَعْقُولِ، وَهَذَا الطَّرِيقُ وَالَّذِي قَبْلَهُ مِنْ بَابِ قِيَاسِ التَّنْبِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ أَجْلَى وَأَظْهَرَ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ، كَقَوْلِهِ عز وجل:{فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الْإِسْرَاءِ: 23] ، إِذْ كَانَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ أَظْهَرَ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ، فَكَذَلِكَ الْإِعَادَةُ أَيْسَرُ مِنَ الْإِبْدَاءِ، وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى أَيْسَرُ مَنْ خَلْقِ

ص: 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سبحانه وتعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غَافِرِ: 57] ابْتِدَاءً كَانَ عَلَى خَلْقِهِمْ إِعَادَةً أَقْدَرُ، فَانْظُرْ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا أَبْيَنَهُ وَأَظْهَرَهُ.

الطَّرِيقُ الثَّالِثُ مِنْ طُرُقِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي إِثْبَاتِ الْمَعَادِ: قِيَاسُ إِخْرَاجِ الْمَوْتَى مِنَ الْأَرْضِ أَحْيَاءً عَلَى إِخْرَاجِ الْحَبِّ الْمَيِّتِ مِنَ الْأَرْضِ حَيًّا، أَوْ نَقُولُ: قِيَاسُ إِعَادَةِ الْمَوْتَى بَعْدَ تَلَاشِيهِمْ وَاسْتِهْلَاكِهِمْ عَلَى إِعَادَةِ الْحَبِّ بَعْدَ تَلَاشِيهِ وَاسْتِهْلَاكِهِ، وَذَكَرَ اللَّهُ سبحانه وتعالى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ: مِنْهَا فِي الْأَعْرَافِ: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ} إِلَى قَوْلِهِ عز وجل: {كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الْأَعْرَافِ: 57]، وَفِي سُورَةِ ق:{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} إِلَى قَوْلِهِ سبحانه وتعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} إِلَى قَوْلِهِ عز وجل: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} إِلَى قَوْلِهِ عز وجل: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 3 - 11]، وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} إِلَى قَوْلِهِ عز وجل: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الْحَجِّ: 5 - 6] ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قِيَاسَ الْإِعَادَةِ عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَعَلَى إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بِالنَّبَاتِ. وَفِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ:{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} [فُصِّلَتْ: 39]، وَفِي الم السَّجْدَةِ:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السَّجْدَةِ: 27] ، فَقَرَّرَ الْأَصْلَ، ثُمَّ نَبَّهَ

ص: 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عَلَى إِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [السَّجْدَةِ: 28] ، يَعْنِي فَتْحَ الْمُؤْمِنِينَ وَنَصْرَهُمْ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْقِيَامَةِ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَعَادِ، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الرُّومِ:{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [الرُّومِ: 17 - 19]، وَفِي آخِرِهَا:{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى} [الرُّومِ: 48 - 50]، وَفِي سُورَةِ فَاطِرٍ:{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فَاطِرِ: 9] .

وَقَدْ تَضْمَّنَ هَذَا الطَّرِيقُ نَوْعَيْنِ مِنَ الْقِيَاسِ:

أَحَدُهُمَا: قِيَاسٌ شَبَهِيٌّ، وَهُوَ قِيَاسُ إِحْيَاءِ الْأَبْدَانِ بِالْأَرْوَاحِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَرْضِ بِخُضْرَتِهَا وَزَهْرَتِهَا بَعْدَ يُبْسِهَا وَمُحُولِهَا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْخُضْرَةَ وَالنَّضَارَةَ لِلْأَرْضِ تُشْبِهُ الرُّوحَ لِلْجَسَدِ، وَهَذَا جَامِعٌ شَبَهِيٌّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ مَجَازِيٌّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ الْحَيَوَانِيَّةِ أَوْ فِي الذَّوَاتِ الْحَيَّةٍ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَرْضِ وَالْبَلَدِ نَحْوُ قَوْلِنَا: أَرْضٌ مَيِّتَةٌ وَبَلَدٌ مَيِّتٌ، مَجَازٌ لِمَا ذَكَرْنَا.

النَّوْعُ الثَّانِي: الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، وَهُوَ قِيَاسُ جَمْعِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهَا فِي الْأَرْضِ، وَإِحْيَائِهَا بِإِعَادَةِ الْأَرْوَاحِ فِيهَا عَلَى جَمْعِ أَجْزَاءِ الْحَبِّ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ فِي الْأَرْضِ، وَإِحْيَائِهِ بِإِعَادَةِ النَّبَاتِ فِيهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَبَّ إِذَا صَارَ فِي الْأَرْضِ لَا يَتَلَاشَى بِحَيْثُ يَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا،

ص: 256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

بَلْ ذَاتُهُ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّهَا اخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ حَتَّى عَادَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ فِي الْعَادَةِ جَمْعُهُ عَلَى الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ، ثُمَّ يَعْرِضُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَفَنٌ وَفَسَادُ مِزَاجٍ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ وَحَرَارَةُ الْأَرْضِ الْعَارِضَةِ، تَهَيَّأَ لِلنَّبَاتِ وَالصَّلَاحِ بِقُدْرَةِ فَالِقِ الْإِصْبَاحِ.

أَمَّا الْأَجْسَامُ الْحَيَوَانِيَّةُ، فَاخْتُلِفَ فِيهَا بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، فَمَنْ نَفَاهُ زَعَمَ أَنَّ الْأَجْسَامَ تَتَلَاشَى، وَتَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا وَنَفْيًا صِرْفًا، وَمَنْ أَثْبَتَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ قَالَ: إِنَّ الْأَجْسَامَ تَنْحَلُّ إِلَى الْجَوَاهِرِ الْمُفْرَدَةِ، ثُمَّ عِنْدَ الْبَعْثِ تَلْتَئِمُ الْأَجْزَاءُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ تَعُودُ أَجْسَامًا كَمَا كَانَتْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، حَتَّى سَمِعْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا يَحْكِي عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنْ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِالْمَعَادِ وَبَعْثِ الْأَجْسَادِ، وَإِلَّا فَلَا.

قُلْتُ: فَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْجَسَدَ يَفْسُدُ مِزَاجُهُ، وَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاؤُهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعُودُ حَيًّا حَيَاتَهُ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهَا، كَمَا أَنَّ الْحَبَّةَ فِي الْأَرْضِ يَفْسُدُ مِزَاجُهَا، وَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاؤُهَا، ثُمَّ تَعُودُ حَيَّةً حَيَاتَهَا الَّتِي تَلِيقُ بِهَا، وَهِيَ مُسْتَعِدَّةٌ لَهَا.

وَبِالْجُمْلَةِ فَغَالِبُ مَا احْتَجَّ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَالْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام عَلَى أُمَمِهِمْ بِالْبَرَاهِينِ الْجَلِيَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَذَلِكَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَاتِ الَّتِي الْخَطَأُ فِيهَا كُفْرٌ، فَكَيْفَ يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ فِي الْفُرُوعِ

ص: 257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الَّتِي الْمُخْطِئُ فِيهَا مَأْجُورٌ! .

وَمَنْ نَظَرَ فِيمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ ; فَهُوَ إِمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ.

ص: 258

الثَّالِثُ: الْقِيَاسُ اعْتِبَارٌ، وَالِاعْتِبَارُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْقِيَاسُ مَأْمُورٌ بِهِ.

أَمَّا الْأُولَى، فَلُغَوِيَّةٌ كَمَا سَبَقَ.

وَأَمَّا الثَّانِيَةُ، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: اعْتَبِرُوا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ.

الرَّابِعُ: «قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم» لِعُمَرَ رضي الله عنه لَمَّا قَالَ لَهُ: إِنْ قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ، لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ فَقَضَاهُ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَكْرَمُ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ فِي الْوَقَائِعِ كَتَقْدِيمِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيمِهِ فِي الصُّغْرَى، وَقِيَاسِهِ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا، وَتَقْدِيِمِهِمْ عُمَرَ قِيَاسًا لِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ عَلَى عَقْدِهِمْ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ، وَإِجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ، لَا يُقَالُ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ آحَادٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا أَصْلٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ تَوَاتُرٌ مَعْنَوِيٌّ كَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ.

ــ

الْوَجْهُ «الثَّالِثُ» مِنْ أَدِلَّةِ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورَةِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : أَنَّ «الْقِيَاسَ اعْتِبَارٌ، وَالِاعْتِبَارُ مَأْمُورٌ بِهِ، فَالْقِيَاسُ مَأْمُورٌ بِهِ» .

«أَمَّا» الْمُقَدِّمَةُ «الْأُولَى» ، وَهِيَ أَنَّ الْقِيَاسَ اعْتِبَارٌ فَهِيَ «لُغَوِيَّةٌ» ، أَيْ: طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا اللُّغَةُ «كَمَا سَبَقَ» فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَأَنَّهُ التَّقْدِيرُ وَالِاعْتِبَارُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعُبُورِ، وَهُوَ الْمُجَاوَزَةُ، وَمِنْهُ الْمِعْبَرُ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ بِالنَّاسِ مِنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَحْرِ إِلَى الْآخَرِ، وَعَابِرُ الْمَنَامِ؛ لِأَنَّهُ يَعْبُرُ حَالَ الْمَنَامِ إِلَى مَا يُشْبِهُهُ فِي الْيَقَظَةِ، وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ يُجَاوِزُ بِحُكْمِ الْمَنْصُوصِ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَعْبُرُ مِنْهُ إِلَيْهِ، فَكَانَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ الِاشْتِقَاقِ.

ص: 259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

«وَأَمَّا» الْمُقَدِّمَةُ «الثَّانِيَةُ» وَهِيَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ مَأْمُورٌ بِهِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الْحَشْرِ: 2] ، أَمَرَ بِالِاعْتِبَارِ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ الَّذِي مِنْهُ الْقِيَاسُ وَاجِبًا.

قَوْلُهُ: «مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ» . هَذَا دَفْعٌ لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَاعْتَبِرُوا} هُوَ فِي سِيَاقِ قَوْلِهِ عز وجل فِي وَصْفِ الْكُفَّارِ، وَهُمْ قُرَيْظَةٌ وَالنَّضِيرُ:{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الْحَشْرِ: 2]، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ، فَقِيسُوا الْأَرُزِّ عَلَى الْبُرِّ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ.

وَوَجْهُ دَفْعِ السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ: احْتِجَاجُنَا بِالْأَمْرِ بِالِاعْتِبَارِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي سِيَاقِهِ مِنْ تَخْرِيبِ الدِّيَارِ، وَهَذَا جَوَابٌ دَافِعٌ لِلسُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.

لَكِنَّ هُنَاكَ سُؤَالٌ آخَرُ يُفْسِدُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاعْتِبَارِ فِي الْآيَةِ فِعْلٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، وَالْفِعْلُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ فِيهِ، فَالتَّقْدِيرُ: اعْتَبِرُوا اعْتِبَارًا مَا، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الِاعْتِبَارِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْقِيَاسُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا لَوْ كَانَتْ عَامَّةً لِيَنْدَرِجَ فِيهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَغَالِبُ الْأُصُولِيِّينَ خُصُوصًا الْمُتَأَخِّرِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ، وَعَلَيْهَا مِنَ الْإِشْكَالِ مَا قَدْ رَأَيْتَ.

الْوَجْهُ «الرَّابِعُ: قَوْلُهُ» عليه السلام: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟ ، أَرَأَيْتَ

ص: 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ. . إِلَى آخِرِهِ.

تَقْرِيرُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم بَعْدَهُ دَلَّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، فَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَا جُنَاحَ أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ أَكُنْتَ تُفْطِرُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَهْ. وَهَذَا قِيَاسٌ لِعَدَمِ الْإِفْطَارِ بِالْقُبْلَةِ عَلَى عَدَمِ الْإِفْطَارِ بِالْمَضْمَضَةِ بِجَامِعِ عَدَمِ حُصُولِ الْمُؤَثِّرِ فِي الصَّوْمِ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقُبْلَةِ الْمُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ، وَهُوَ الْمَنِيُّ، كَمَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْمَضْمَضَةِ هُوَ وُلُوجُ الْوَالِجِ، وَهُوَ الْمَاءُ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يَحْصُلْ.

وَكَذَلِكَ لَمَّا قَالَتِ الْمَرْأَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَيُجْزِئُهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ.

وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ تَقْضِينَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَحَقُّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا قِيَاسٌ لِدَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ.

وَكَذَلِكَ يُرْوَى أَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَكُونُ

ص: 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

عَلَى أَحَدِنَا الْأَيَّامُ مِنْ رَمَضَانَ، أَفَيُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَفَرِّقَةً؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ، فَقَضَاهُ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ، أَكَانَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاللَّهُ أَكْرَمُ يَعْنِي بِالْمُسَامَحَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَهَذَا قِيَاسٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي إِجْزَائِهِ مُتَفَرِّقًا.

«وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ» ، أَيْ: بِالْقِيَاسِ «فِي الْوَقَائِعِ كَتَقْدِيِمِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى قِيَاسًا عَلَى تَقْدِيِمِهِ فِي الصُّغْرَى» ، حَيْثُ قَدَّمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمِحْرَابِ، فَصَلَّى بِهِمْ فِي مَرَضِهِ، فَقَالُوا: رَضِيَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِدِينِنَا، أَفَلَا نَرْضَاكَ لِدُنْيَانَا؟ !

فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَقْدِيِمَهُ فِي الْخِلَافَةِ كَانَ بِالْقِيَاسِ عَلَى تَقْدِيِمِهِ فِي الصَّلَاةِ، بَلْ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ

ص: 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَعُمَرَ، وَقَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ لَهُ: إِنْ جِئْتُ فَلَمْ أَجِدْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: فَائْتِي أَبَا بَكْرٍ، فَهَذَا نَصٌّ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْقِيَاسِ.

قُلْنَا: الْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمَّا طُعِنَ، قِيلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْتَخْلِفْ. فَلَوْ كَانَ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَصْلٌ أَوْ ثُبُوتٌ، لَمَا خَفِيَتْ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه فِي الْعَادَةِ مَعَ كَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَحِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ. وَلَمَا اسْتَجَازَ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَسْتَخْلِفْ، مَعَ وُجُودِ النَّصِّ عَلَى زَعْمِكُمْ، وَلَوْ سَلَّمْنَا خَفَاءَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه، لَكِنْ خَفَاؤُهُ عَنِ الصَّحَابَةِ مُمْتَنِعٌ عَادَةً، وَقَدْ كَانَتْ دَوَاعِيِهِمْ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى اسْتِخْلَافِ عُمَرَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ ثَبَتَ النَّصُّ، لَعَرَفُوهُ، ثُمَّ لَصَارُوا إِلَيْهِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا صِحَّةَ الْحَدِيثَيْنِ، لَكِنْ لَا دَلِيلَ فِيهِمَا عَلَى الْإِمَامَةِ.

أَمَّا الْأَوَّلُ، فَلِأَنَّ قَوْلَهُ عليه السلام: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَمْرٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَهُوَ مُطْلَقٌ لَا عُمُومَ لَهُ، فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلْإِمَامَةِ، وَقَدْ حَصَلَ الْوَفَاءُ بِمُطْلَقِ الْحَدِيثِ بِاقْتِدَائِهِمْ بِهِمَا فِي الْفَتَاوَى وَالْآرَاءِ فِي الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ كَانَ الْمُرَادَ بِالْقُدْوَةِ، وَلَوْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ فِي الْإِمَامَةِ، لَصَرَّحَ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ إِيهَامًا وَتَلْبِيسًا وَتَعْرِيضًا لِلْأُمَّةِ بَعْدُ لِلْخِلَافِ وَالِاضْطِرَابِ وَفَسَادِ الِاعْتِقَادِ فِيمَنْ يَكُونُ الْخَلِيفَةُ.

ص: 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي ; فَقَوْلُهُ: ائْتِي أَبَا بَكْرٍ فَلَيْسَ نَصًّا فِي الْخِلَافَةِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ نَصٌّ، لَكِنَّهُ خَبَرٌ لَا إِنْشَاءُ تَوْلِيَةٍ، وَلَا أَمْرٌ بِهَا، وَقَدْ يُخْبِرُ الْإِنْسَانُ بِمَا لَا يَرْضَاهُ وَلَا يَأْمُرُ بِهِ، وَمِنَ الْجَائِزِ أَنَّهُ عليه السلام كُشِفَ لَهُ بِوَحْيٍ أَوْ إِلْهَامٍ أَنَّ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما بِحُكْمِ الْمَقْدُورِ السَّابِقِ، وَلَمْ يُوصِ بِالتَّغْيِيرِ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ رِضَاهُ، كَمَا أَنَّهُ كُشِفَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ عَنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ وَمَوْتِ الْحَسَنِ مَسْمُومًا وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى رِضَاهُ، وأَيْضًا فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَنَحْوُهُ وَدَلَّ عَلَى إِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، لَمَا عَدَلَ عَنْهُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ إِلَى الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ، نَحْوِ قَوْلِهِ:«الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ، بَلْ كَانَ صَدَعَهُمْ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا نَصَّ عَلَى إِمَامَتِهِ، فَمَا ثَبَتَ إِلَّا بِالْقِيَاسِ.

وَمِنْ ذَلِكَ قِيَاسُ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه «الزَّكَاةَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا» بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا عِبَادَتَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ: لَأَقْتُلُنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ «تَقْدِيِمُهُمْ عُمَرَ» رضي الله عنه لِلْإِمَامَةِ بِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ «قِيَاسًا لِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه إِلَيْهِ عَلَى عَقْدِهِمْ إِمَامَةَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فِي قَضَايَا كَثِيرَةٍ» مَشْهُورَةٍ اسْتَعْمَلُوا فِيهَا

ص: 264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

الْقِيَاسَ، «لَا يُقَالُ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ آحَادٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا» مِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ الْكَبِيرِ، «لِأَنَّا نَقُولُ: هِيَ» وَإِنْ كَانَتْ آحَادًا بِالنَّظَرِ إِلَى أَفْرَادِهَا، فَهِيَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِهَا «تَوَاتُرٌ مَعْنَوِيٌّ، كَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ» ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ فِي مِثْلِ هَذَا.

ص: 265

الْخَامِسُ: لَوْلَا الْقِيَاسُ لَخَلَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِكَثْرَتِهَا وَقِلَّةِ النُّصُوصِ، لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ النَّصُّ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَتُسْتَخْرَجُ الْجُزْئِيَّةُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ. نَحْوُ: كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٌّ، ثُمَّ يُنْظَرُ: هَلْ هَذَا مَطْعُومٌ أَوْ لَا؟ لِأَنَّا نَقُولُ: مُجَرَّدُ الْجَوَازِ لَا يَكْفِي وَالْوُقُوعُ مُنْتَفٍ، إِذْ أَكْثَرُ الْحَوَادِثَ لَمْ يُنَصُّ عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا، فَاقْتَضَى الْعَقْلُ طَرِيقًا لِتَعْمِيمِ الْحَوَادِثِ بِالْأَحْكَامِ، وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا.

السَّادِسُ: قَوْلُ مُعَاذٍ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصُوِّبَ لَا يُقَالُ: رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ، ثُمَّ الْمُرَادُ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ وَتُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ، وَالِاجْتِهَادُ أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرْتُمْ.

ــ

الْوَجْهُ «الْخَامِسُ: لَوْلَا الْقِيَاسُ، لَخَلَتْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ عَنْ» أَحْكَامٍ؛ لِكَثْرَةِ الْحَوَادِثِ، «وَقِلَّةِ النُّصُوصِ» ، فَلَا يُوجَدُ فِي كُلِّ حَادِثَةٍ نَصٌّ يَخُصُّهَا، وَيُبَيِّنُ حُكْمَهَا، فَاحْتِيجَ إِلَى إِلْحَاقِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ ظَنِّيٍّ أَوْ قَطْعِيٍّ صِيَانَةً لِبَعْضِ الْوَقَائِعِ عَنِ التَّعْطِيلِ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، «لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ النَّصُّ عَلَى الْمُقَدِّمَاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَتُسْتَخْرَجُ» مِنْهَا الْأَحْكَامُ «الْجُزْئِيَّةُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ» كَمَا سَبَقَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْهُ، «نَحْوُ» قَوْلِنَا:«كُلُّ مَطْعُومٍ رِبَوِيٍّ، ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ هَذَا» الْأَرُزُّ وَالذُّرَةُ «مَطْعُومٌ» فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهِ، أَوْ لَا فَلَا، وَنَحْوُ: قَدْرُ الْكِفَايَةِ وَاجِبٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ هَذَا الرِّطْلُ قَدْرُ الْكِفَايَةِ أَمْ لَا؟

ص: 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

«لِأَنَّا نَقُولُ» فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ: «مُجَرَّدُ» جَوَازِ ذَلِكَ، أَعْنِي النَّصَّ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ «لَا يَكْفِي» فِي إِثْبَاتِهِ، وَوُقُوعُهُ مُنْتَفٍ، «إِذْ أَكْثَرُ الْحَوَادِثِ» وَالْوَقَائِعِ «لَمْ يُنَصَّ عَلَى مُقَدِّمَاتِهَا» ، وَالْجَوَازُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُقُوعَ، وَحِينَئِذٍ اقْتَضَى الْعَقْلُ وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ وَضْعَ طَرِيقٍ «لِتَعْمِيمِ الْحَوَادِثِ بِالْأَحْكَامِ. وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا» مِنَ الْقِيَاسِ.

الْوَجْهُ «السَّادِسُ: قَوْلُ مُعَاذٍ رضي الله عنه: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصُوِّبَ» .

هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ وَهُوَ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ ابْنُ أَخِي الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ رضي الله عنه، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: كَيْفَ تَقْضِي؟ قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفْهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ.

وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ مُعَاذًا رضي الله عنه ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْقِيَاسِ، فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، أَيْ: أَخْبَرَ بِتَصْوِيبِهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ عليه السلام لَا يُصَوِّبُ إِلَّا صَوَابًا، وَلَا يُقِرُّ إِلَّا عَلَى حَقٍّ.

قَوْلُهُ: «لَا يُقَالُ» ، هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى الْحَدِيثِ بِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ «رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ» ، وَهُمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ، أَوْ أُنَاسٍ مَنْ أَهْلِ حِمْصَ، وَرِوَايَةُ الْمَجْهُولِ اخْتُلِفَ فِي الْعَمَلِ بِهَا فِي جُزْئِيَّاتِ الْفُرُوعِ،

ص: 267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِهَا فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ وَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ؟

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِهِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ الِاجْتِهَادِ، فَقَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، وَ «الْمُرَادُ» بِهِ «تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ» كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ.

قَوْلُهُ: «لِأَنَّا نَقُولُ» ، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمْ:

أَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَلِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ «رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ» ، وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، عَنْ مُعَاذٍ، فَزَالَتِ الْجَهَالَةُ عَنْهُ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ الْمَجْهُولِ، لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا، لَكِنْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، فَلَا يَضُرُّهُ الْإِرْسَالُ.

وَأَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي: فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ حَمْلُ اجْتِهَادِهِ رَأْيَهُ عَلَى تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ تَنْقِيحِ الْمُنَاطِ، فَحَمْلُهُ عَلَيْهِ تَخْصِيصٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.

الثَّانِي: أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَصٌّ يَتَنَقَّحُ الْمَنَاطُ فِيهِ كَمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ، وَمُعَاذٌ رضي الله عنه أَخْبَرَ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا جَوَابٌ قَوِيٌّ مَتِينٌ، فَإِنْ سَاعَدَهُ ثُبُوتُ الْحَدِيثِ وَصِحَّتُهُ، نَهَضَ بِالدَّلَالَةِ وَإِلَّا فَلَا.

ص: 268