الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَأَرْكَانُهُ: أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ، وَحُكْمٌ.
فَالْأَصْلُ: قِيلَ: النَّصُّ، كَحَدِيثِ الرِّبَا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ.
وَالْفَرْعُ مَا عُدِّيَ إِلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْجَامِعِ.
وَالْعِلَّةُ وَالْحُكْمُ مَضَى ذِكْرُهُمَا، وَهِيَ فَرْعٌ فِي الْأَصْلِ لِاسْتِنْبَاطِهَا مِنَ الْحُكْمِ، أَصْلٌ فِي الْفَرْعِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ بِهَا.
وَالِاجْتِهَادُ فِيهَا إِمَّا بَيَانُ وُجُودِ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُتَّفَقِ أَوِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْعِ، أَوْ بَيَانُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ، نَحْوُ: فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالضَّبُعِ مِثْلُهُمَا، وَالْبَقَرَةُ وَالْكَبْشُ مِثْلُهُمَا، فَوُجُوبُ الْمِثْلِ اتِّفَاقِيٌّ نَصِّيٌّ، وَكَوْنُ هَذَا مِثْلًا تَحْقِيقِيٌّ اجْتِهَادِيٌّ، وَمِثُلُهُ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاجِبٌ، وَهَذِهِ جِهَتُهَا، وَقَدْرُ الْكِفَايَةِ فِي النَّفَقَةِ وَاجِبٌ ; وَهَذَا قَدْرُهَا، وَنَحْوُ: الطَّوَافُ عِلَّةٌ لِطَهَارَةِ الْهِرَّةِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْفَأْرَةِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا قِيَاسٌ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ دُونَ الْقِيَاسِ، وَيُسَمَّيَانِ: تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَأَرْكَانُهُ» ، أَيْ:
أَرْكَانُ الْقِيَاسِ
أَرْبَعَةٌ: «أَصْلٌ، وَفَرْعٌ، وَعِلَّةٌ، وَحُكْمٌ» .
اعْلَمْ أَنَّ هَاهُنَا بَحْثَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ هُوَ جُزْؤُهُ الدَّاخِلُ فِي حَقِيقَتِهِ، كَرُكْنِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ وَالْعُرْفُ بَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ أَنَّ رُكْنَ الْبَيْتِ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي فِيهِ الزَّاوِيَةُ خَاصَّةً، وَهُوَ عُرْفٌ غَالِبٌ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الضِّلْعُ الَّذِي بَيْنَ الزَّاوِيَتَيْنِ، فَهَذَا رُكْنٌ كَبِيرٌ، ثُمَّ كَلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ رَكَنٌ لِلْبَيْتِ عَلَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَسَبِهِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ.
وَاعْلَمْ أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّكْنِ وَالشَّرْطِ يَتَوَقَّفُ وُجُودُ الْمَاهِيَّةِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّكْنَ دَاخِلٌ فِي الْمَاهِيَّةِ كَالرُّكُوعِ لِلصَّلَاةِ وَسَائِرِ أَرْكَانِهَا، وَالشَّرْطُ خَارِجٌ عَنْهَا، كَالْوُضُوءِ لَهَا وَسَائِرِ شُرُوطِهَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الرُّكْنَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ الذِّهْنِيُّ وَالْخَارِجِيُّ جَمِيعًا، وَالشَّرْطُ إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوُجُودُ الْخَارِجِيُّ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ الْوُجُودِ فِي الذِّهْنِ، فَيُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَ صُورَةَ الصَّلَاةِ بِلَا وُضُوءٍ، وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَصَوَّرَهَا فِي أَذْهَانِنَا بِلَا رُكُوعٍ. وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا أَنَّنَا نَتَصَوَّرُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ بِدُونِ تَصَوُّرِ حَقِيقَةِ الْحَيَاةِ، لَكِنَّ قِيَامَ الْعِلْمِ بِمَحَلِّهِ فِي الْخَارِجِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُهُ.
الْبَحْثُ الثَّانِي: فِي أَنَّهُ لِمَ كَانَتْ أَرْكَانُ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةً؟ وَلَهُ تَوْجِيهَاتٌ إِقْنَاعِيَّةٌ وَحَقِيقِيَّةٌ.
مِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ مَعْنًى مَعْقُولٌ، وَالْمَعَانِي الْمَعْقُولَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَعْيَانِ الْمَحْسُوسَةِ. وَقَدْ تُقُرِّرَ أَنَّ أَرْكَانَ الْمَحْسُوسَاتِ هِيَ الْعَنَاصِرُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ، فَكَذَلِكَ الْمَعْقُولَاتُ تَقْتَضِي بِحُكْمِ هَذَا أَنْ تَكُونَ أَرْكَانُهَا أَرْبَعَةً، فَإِنْ زَادَ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مُقْتَضَى الْأَصْلِ لِمُقْتَضىً خَاصٍّ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ مَدَارَ الْمُحْدَثَاتِ عَلَى عِلَلِهَا الْأَرْبَعِ: الْمَادِّيَّةُ، وَالصُّورِيَّةُ، وَالْفَاعِلِيَّةُ، وَالْغَائِيَّةُ، وَهِيَ أَرْكَانٌ لَهَا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَعْقُولَاتِ مُلْحَقَةٌ بِهَا كَمَا سَبَقَ آنِفًا.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُؤَلَّفِ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ ; مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. وَقَوْلُنَا: الْأَرُزُّ مَكِيلٌ، فَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالْبُرِّ، مُخْتَصَرٌ مِنْ قَوْلِنَا: الْأَرُزُّ مَكِيلٌ، وَكُلُّ مَكِيلٍ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ. وَلَيْسَ فِي الْأَوَّلِ زِيَادَةً عَلَى الثَّانِي إِلَّا ذِكْرُ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ عَلَى جِهَةِ التَّنْظِيرِ بِهِ وَالتَّآنُسِ. وَلِهَذَا لَوْ قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، وَالْأَرُزُّ مَكِيلٌ فَهُوَ رِبَوِيٌّ، لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ رَاجِعٌ إِلَى الْعَقْلِيِّ ; لَزِمَ فِيهِ مَا لَزِمَ فِي الْعَقْلِيِّ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ.
وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَالنَّتِيجَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى سِتَّةِ أَجْزَاءٍ مَا بَيْنَ مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ، يَسْقُطُ مِنْهَا بِالتَّكْرَارِ جُزْءَانِ، وَهُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ، يَبْقَى أَرْبَعَةُ أَجْزَاءٍ هِيَ أَرْكَانُ الْمَقْصُودِ، وَهِيَ الَّتِي يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ فِي أَقْيِسَتِهِمْ.
مِثَالُهُ: أَنَّا نَقُولُ: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، هَذَانِ جُزْءَانِ: مَوْضُوعٌ: وَهُوَ النَّبِيذُ، وَمَحْمُولٌ: وَهُوَ مُسْكِرٌ، وَهُمَا فِي عُرْفِ النُّحَاةِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ. ثُمَّ نَقُولُ: وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَهَذَانِ جُزْءَانِ، وَيَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ، النَّبِيذُ حَرَامٌ، وَهُمَا جُزْءَانِ آخَرَانِ ; صَارَتْ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَالنَّبِيذُ حَرَامٌ ; يَسْقُطُ مِنْهَا لَفْظُ مُسْكِرٍ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ الْأَوْلَى مَوْضُوعٌ فِي الثَّانِيَةِ ; يَبْقَى هَكَذَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، وَهُمَا صُورَةُ قِيَاسِ الْفُقَهَاءِ.
فَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَقْلِيِّ فِي بِنَائِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ بِالْجُمْلَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ مَعْنًى إِضَافِيٌّ يَفْتَقِرُ فِي تَحْقِيقِهِ إِلَى مَقِيسٍ - وَهُوَ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُسَمَّى: فَرْعًا - وَإِلَى مَقِيسٍ عَلَيْهِ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: أَصْلًا - وَإِلَى مَقِيسٍ لَهُ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: عِلَّةً - وَإِلَى مَقِيسٍ فِيهِ - وَهُوَ الْمُسَمَّى: حُكْمًا - فَلَمَّا تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الْمَعَانِي الْأَرْبَعَةِ، وَافْتَقَرَ فِي تَحَقُّقِهِ إِلَيْهَا، لَا جَرَمَ كَانَتْ أَرْكَانًا لَهُ.
قَوْلُهُ: «فَالْأَصْلُ: قِيلَ» : هُوَ «النَّصُّ، كَحَدِيثِ الرِّبَا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ» .
لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَقَائِقِهَا رُكْنًا رُكْنًا.
أَمَّا الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَلْ هُوَ النَّصُّ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ «كَحَدِيثِ الرِّبَا» ، أَوْ مَحَلُّ النَّصِّ «كَالْأَعْيَانِ السِّتَّةِ» الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الرِّبَا، وَهِيَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَنَحْوُهُمَا، أَوِ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ، فَمَعَنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ: النَّصُّ وَمَحَلُّ النَّصِّ وَهُوَ الْعَيْنُ، أَوِ الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ النَّصِّ، وَالْحُكْمُ الَّذِي ثَبَتَ بِالنَّصِّ فِي الْمَحَلِّ، فَاخْتُلِفَ فِي الْأَصْلِ، أَيُّ الثَّلَاثَةِ هُوَ؟ وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْحُكْمُ لَمْ يُذْكَرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، لَكِنْ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَكَذَلِكَ فِي قِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ حَيْثُ قُلْنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ، فَكَانَ حَرَامًا كَالْخَمْرِ، هَلِ الْأَصْلُ فِيهِ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّارِعِ: حَرَّمْتُ الْخَمْرَ، أَوْ مَحَلُّ هَذَا النَّصُّ وَهُوَ الْخَمْرُ، أَوْ حُكْمُ النَّصِّ الْمُتَعَلِّقِ بِالْخَمْرِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَالنِّزَاعُ فِي هَذَا لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ أَصْلَ كُلِّ شَيْءٍ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَحَقُّقُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْقِيَاسُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: