الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
راضيا مجتهدا [متخيرا غير محاب له ولا مائل بهوادة إليه ولا شرك نصح الإسلام وأهله فيه وجعل إليه الاختيار لهذه الأمة بولاية عهده فيها أن رأى ذلك في بقاء أمير المؤمنين أعزّه الله بعده]«1» وأمضى أمير المؤمنين هذا وأجازه «2» وأنفذه، ولم يشترط فيه مثنويّة ولا خيارا، وأعطى على الوفاء به «3» به في سرّه وجهره، وقوله وفعله، عهد الله وميثاقه، وذمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وذمم الخلفاء الراشدين من آبائه «4» ، وذمّة نفسه، أن لا يبدّل، ولا يغيّر، ولا يحوّل، ولا يزول «5» ، أشهد الله على ذلك والملائكة وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً «6» *
. وأشهد من أوقع اسمه في هذا «7» ، وهو جائز الأمر، ماضي القول والفعل، بمحضر من وليّ عهده المأمون [ناصر الدولة «8» ] أبي المطرّف عبد الرحمن بن المنصور وفّقه الله، وقبوله «9» ما قلّده، وإلزامه نفسه ما ألزمه، وذلك في شهر ربيع الأول سنة تسع «10» وتسعين وثلاثمائة. وكتب الوزراء والقضاة وسائر الناس شهاداتهم بخطوط أيديهم بذلك.
الطريقة الثانية (طريقة المتأخّرين من الكتّاب)
أن يأتي بالتحميد في أثناء العهد، ويأتي من ألقاب وليّ العهد بما يناسب
على الاختصار، وعليها اقتصر المقرّ الشّهابي بن فضل الله في «التعريف» فقال «1» : واعلم أنّ عهود الخلفاء عن الخلفاء لم تجر عادة من سلف من الكتّاب أن يستفتحها إلّا بما يذكر، وهو:
«هذا ما عهد [به] عبد الله ووليّه فلان أبو فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين، عهد إلى ولده، أو [إلى] أخيه الأمير السيد الجليل، ذخيرة الدّين، ووليّ عهد المسلمين أبي فلان فلان، أيده الله بالتمكين، وأمدّه بالنصر المبين، وأقرّ به عين أمير المؤمنين» . ثم ينفق كلّ كاتب بعد هذا على قدر سعته، ثم يقول:
«أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو، ويصلّي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم» ويخطب في ذلك خطبة يكثر فيها التحميد وينتهي فيه إلى سبعة «2» ، ثم يأتي بعد ذلك بما يناسب من القول، يصف «3» فكر الذي يعهد فيمن بعده، ويصف المعهود إليه بما يليق من الصّفات الجليلة. ثم يقول:
«عهد إليه وقلّده بعده جميع ما هو مقلّده، لما رآه من صلاح الأمة، أو «4» صلاح الخلق، بعد أن استخار الله تعالى في ذلك، ومكث مدّة يتدبّر ذلك ويروّي فيه فكره وخاطره، ويستشير أهل الرأي والنظر، فلم ير أقوم منه بأمور الأمة ومصالح الدنيا والدّين، ومن هذا ومثله. ثم يقال: إنّ المعهود إليه قبل «5» ذلك منه، ويأتي في ذلك بما يليق من محاسن العبارة وأحاسن الكلام.
قلت: ولم أظفر بنسخة عهد على هذا الأسلوب الذي ذكره المقرّ
الشهابيّ، وقد أنشأت عهدا على الطريقة الّتي أشار إليها امتحانا للخاطر لأن يكون عن الإمام المتوكّل على الله أبي عبد الله محمد بن المعتضد أبي الفتح أبي بكر، خليفة العصر، لولده العباس، ليكون أنموذجا ينسج على منواله.
ومن غريب الاتفاق أنّي أنشأته في شهور سنة إحدى وثمانمائة امتحانا للخاطر كما تقدّم، وضمّنته هذا الكتاب وتمادى الحال على ذلك إلى أن قبض الله تعالى الإمام المتوكّل- قدس الله تعالى روحه- في سنة ثمان وثمانمائة، فأجمع أهل الحلّ والعقد على مبايعته بالخلافة، فبايعوه وحقّق الله تعالى ما أجراه على اللّسان من إنشاء العهد باسمه في الزّمن السابق، ثم دعتني داعية إلى التمثّل بين يديه الشريفتين في مستهلّ شهر ذي القعدة الحرام سنة تسع وثمانمائة، فقرأته عليه من أوّله إلى آخره، وهو مصغ له مظهر الابتهاج به، وأجاز عليه الجائزة السنية. ثم أنشأت له رسالة وضمنته إيّاها وأودعت بخزانته العالية عمرها الله بطول بقائه.
وهذه نسخته:
هذا عهد سعيد الطالع ميمون الطائر، مبارك الأوّل جميل الأوسط حميد الآخر، تشهد به حضرات الأملاك، وترقمه كفّ الثّريّا بأقلام القبول في صحائف الأفلاك، وتباهي به ملوك الأرض ملائكة السماء، وتسري بنشره القبول إلى الأقطار فتنشر له بكلّ ناحية علما، وتطلع به سعادة الجدّ من ملوك العدل في كلّ أفق نجما، وترقص من فرحها الأنهار فتنقّطها شمس النّهار بذهب الأصيل على صفحات الماء، عهد به عبد الله ووليّه أبو عبد الله محمد المتوكل على الله أمير المؤمنين إلى ولده السيد الجليل عدّة الدّين وذخيرته، وصفيّ أمير المؤمنين من ولده وخيرته، المستعين بالله أبي الفضل العبّاس بلّغ الله فيه أمير المؤمنين غاية الأمل، وأقرّ به عين الخلافة العبّاسيّة كما أقرّ به عين أبيه وقد فعل.
أما بعد، فالحمد لله حافظ نظام الإسلام وواصل سببه، ورافع بيت الخلافة ومادّ طنبه، وناظم عقد الإمامة المعظّمة في سلك بني العباس وجاعلها
كلمة باقية في عقبه.
والحمد لله الذي عدق أمر الأمة منهم بأعظمهم خطرا، وأرفعهم قدرا، وأرجحهم عقلا وأوسعهم صدرا، وأجزلهم رأيا وأسلمهم فكرا.
والحمد لله الذي أقرّ عين أمير المؤمنين بخير وليّ وأفضل ولد، وشدّ أزره بأكرم سيد وأعزّ سند، وصرف اختياره إلى من إذا قام بالأمر بعده قيل هذا الشّبل من ذاك الأسد.
والحمد لله الذي جمع الآراء على اختيار العاهد فما قلوه «1» ولا رفضوه، وجبل القلوب على حبّ المعهود إليه فلم يروا العدول عنه إلى غيره بوجه من الوجوه.
والحمد لله الذي جدّد للرعيّة نعمة مع بقاء النّعمة الأولى، وأقام لأمر الأمّة من بني عمّ نبيّه المصطفى الأولى بذلك فالأولى، واختار لعهد المسلمين من سبقت إليه في الأزل إرادته فأصبح في النّفوس معظّما وفي القلوب مقبولا.
والحمد لله الذي أضحك الخلافة العبّاسية بوجود عبّاسها، وأطاب بذكره ريّاها فتعطّر الوجود بطيب أنفاسها، ورفع قدره بالعهد إليه إلى أعلى رتبة منيفة، وخصّه بمشاركة جدّه العبّاس في الاسم والكنية ففاز بما لم يفز به قبله منهم ستة «2» وأربعون خليفة.
والحمد لله الذي أوجب على الكافّة طاعة أولي الأمر من الأئمّة، وألزمهم الدّخول في بيعة الإمام والانقياد إليه ولو كان عبدا أسود فكيف بمن أجمع على سؤدده الأمّة، وأوضح السبيل في التعريف بمقام الآل والعترة النبويّة؟ ثُمَّ «3» لا
يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً
«1» .
يحمده أمير المؤمنين على ما منحه من طيب أرومة «2» سمت أصلا وزكت فرعا، وحباه من شرف محتد «3» راق نظرا وشاق سمعا، ووصله به من نعم آثرت نفّاعا وأثّرت نفعا، ويشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة يتوارثونها كالخلافة كابرا عن كابر، ويوصّي بها أبدا الأوّل منهم الآخر، ويؤذن قيامهم بنصرتها أنّهم معدن جوهرها النّفيس ونظام عقدها الفاخر، ويشهد أنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله، الذي خصّ عمّه العباس بكريم الحباء وشريف الإنافة، ونبّه على بقاء الأمر في بنيه بقول ضلّ من أظهر عناده أو أضمر خلافه، حيث أسرّ إليه:«ألا أبشّرك يا عمّ بي ختمت النبوّة وبولدك تختم الخلافة» صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تعمّ بركتها الولد والوالد، ويشمل معروفها المعهود إليه ويعرف شرفها العاهد، ويعترف بفضلها المقرّ ولا يسع إنكارها الجاحد، ما نوّه بذكر الخلافة العباسيّة على أعواد المنابر، وخفقت الرايات السّود على عساكر المواكب ومواكب العساكر، وسلّم تسليما كثيرا.
هذا وكلّ راع مسؤول عن رعيّته، وكلّ امريء محمول على نيّته، مخبر بظاهره عن جميل ما أكنّه في صدره وما أسرّه في طويّته، والإمام منصوب للقيام بأمر الله تعالى في عباده، مأمور بالنصيحة لهم جهد طاقته وطاقة اجتهاده، مطلوب بالنظر في مصالحهم في حاضر وقتهم ومستقبله وبدء أمرهم ومعاده، ومن ثمّ اختلفت آراء الخلفاء الراشدين في العهد بالخلافة وتباينت مقاصدهم، وتنوّعت اختياراتهم بحسب الاجتهاد واختلفت مواردهم، فعهد الصّديق إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه متثبّتا، وتركها عمر شورى في ستّة وقال:
«أتحمّل أمركم حيّا وميّتا!» وأتى رضي الله عنه لكلّ من المذهبين بما أذعن له
الخصم وسلّم، فقال:«إن أعهد فقد عهد من هو خير منّي، أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي رسول الله صلى الله عليه وسلم» فأخذ الخلفاء في ذلك بسنّتهما، ومشوا فيه على طريقتهما، فمن راغب عن العهد وراغب فيه، وعاهد إلى بعيد وآخر إلى ابنه أو أخيه، كلّ منهم بحسب ما يؤدّي إليه اجتهاده، وتقوى عليه عزيمته ويترجّح لديه اعتماده.
ولمّا كان أمير المؤمنين- أحسن الله مأبه- قد نوّر الله عين بصيرته، وخصّه بطهارة سرّه وصفاء سريرته، وآتاه الله الملك والحكمة، وأقامه لمصالح الرعيّة وصلاح أمر الأمّة، وعلّمه ممّا يشاء فكان له من علم الفراسة أوفر قسم، واصطفاه على أهل عصره وزاده بسطة في العلم والجسم، فلا يعزم أمرا إلّا كان رشادا، ولا يعتمد فعلا إلّا ظهر سدادا، ولا يرتئي رأيا إلّا ألفي صوابا، ولا يشير بشيء إلّا حمدت آثاره بداية ونهاية واستصحابا، ومع ذلك فقد بلا الناس وخبرهم، وعلم بالتجربة حالهم وخبرهم، واطّلع بحسن النظر على خفايا أمورهم، وما به مصلحة خاصّتهم وجمهورهم، وترجّح عنده جانب العهد على جانب الإهمال، ورأى المبادرة إليه أولى من الإمهال، ولم يزل يروّي فكرته، ويعمل رويّته، فيمن يصلح لهذا الأمر بعده، وينهض بأعبائه الثقيلة وحده، ويتّبع فيه سبله ويسلك طرائقه، ويقتفي في السّيرة الحسنة أثره ويشيم في العدل بوارقه، ويقبل على الأمر بكلّيّته ويقطع النظر عمّا سواه، ويتفرّغ له من كلّ شاغل فلا يخلطه بما عداه.
وقد علم أنّ الأحقّ بأن يكون لها حليفا من كان بها خليقا، والأولى بأن يكون لها قرينا من كان بوصلها حقيقا، والأجدر أن يكون لديها مكينا من اتخذ معها يدا وإلى مرضاتها طريقا، والأليق بمنصبها الشريف من كان بمطلوبها مليّا، والأحرى بمكانها الرفيع من كان بمقصودها وفيّا، والأوفق لمقامها العالي من كان خيرا مقاما وأحسن نديّا، وكان ولده السيد الأجلّ أبو الفضل المشار إليه هو الذي وجّهت الخلافة وجهها إلى قبلته، وبالغت في طلبه وألحّت في خطبته،
على أنه قد أرضع بلبانها وربّي في حجرها، وانتسب إليها بالبنوّة فضمّته إلى صدرها، وكيف لا تتشبّث بحباله، وتتعلّق بأذياله، وتطمع في قربه، وتتغالى في حبّه، وتميل إلى أنسه، وتراوده عن نفسه، وهو كفؤها المستجمع لشرائطها المتّصف بصفاتها، ونسيبها السامي إلى أعاليها الراقي على شرفاتها، إذ هو شبلها الناشيء في آجامها، بل أسدها الحامي لحماها ومجيرها الوافي بذمامها، وفارسها المقدّم في حلبة سباقها ووارثها الحائز لجميع سهامها، وحاكمها الطائع لأمرها، ورشيدها المأمون على سرّها، وناصرها القائم بواجبها، ومهديّها الهادي إلى أفضل مذاهبها؟ قد التحف من الخلافة بردائها، وسكن من القلوب في سويدائها، وتوسّمت الآفاق تفويض الأمر إليه بعد أبيه فظهر الخلوق في أرجائها، واتّبع سيرة أبيه في المعروف واقتفى أثره في الكرم، وتشبّه به في المفاخر (ومن يشابه أبه فما ظلم) وتقبّل الله دعاء أبيه فوهب له من لدنه وليّا، وأجاب نداءه فيه فمكّن له في الأرض وآتاه الحكم صبيّا، فاستوجب أن يكون حينئذ للمسلمين وليّ عهدهم، واليا على أمورهم في حلّهم وعقدهم، متكفّلا بالأمر في قربه وبعده، معينا لأبيه في حياته خليفة له من بعده، وأن يصرّح له بالاستخلاف ويوضّح، ويتلو عليه بلسان التفويض اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ
«1» .
واقتضت شفقة أمير المؤمنين ورأفته، ورفقه بالأمة ورحمته، أن ينصب لهم وليّ عهد يكون بهذه الصّفات متّصفا، ومن بحره الكريم مغترفا، ومن ثمار معروفه المعروف مقتطفا، ولمنهله العذب واردا، وعلى بيته الشريف وسائر الأمّة بالخير عائدا، فلم يجد من هو مستكمل لجميعها، مستوعب لأصولها وفروعها، وهو بمطلوبها أملى، وعلى قلوب الرعيّة أحلى، وللغليل أشفى، وبالعهد الجميل أوفى، من ولده المشار إليه. فاستشار في ذلك أهل الحلّ والعقد من قضاته وعلمائه، وأمرائه ووزرائه، وخاصّته وذويه، وأقاربه وبنيه،
وأعيان أهل العصر وعامّته، وجمهوره وكافّته، فرأوه صوابا، ولم يعرهم فيه ظنّة ولا مسترابا «1» ، ولا وجد أحد منهم إلى باب غيره طريقا ولا إلى طريق غيره بابا، فاستخار الله تعالى فيه فأقبل خاطره الشريف عليه، وكرّر الاستخارة فلم يجد عنه مجيدا إلّا إليه.
فلمّا رأى أنّ ذلك أمر قد انعقد عليه الإجماع قولا وفعلا، وعدم فيه المحالف بل لم يكن أصلا، حمد الله تعالى وأثنى عليه، وسأله التوفيق ورغب إليه، وجدّد الاستخارة وعهد إليه بأمر الأمّة، وقلّده ما هو متقلّده من الخلافة المقدّسة بعده على عادة من تقدّمه من الخلفاء الماضين، وقاعدة من سلف من الأئمة المهديّين، وفوّض إليه ما هو من أحكامها ولوازمها، وأصولها ومعالهما، من عهد ووصاية، وعزل وولاية، وتفويض وتقليد، وانتزاع وتخليد، وتفريق وجمع، وإعطاء ومنع، ووصل وقطع، وصلة وإدرار، وتقليل وإكثار، جزئيّها وكلّيّها، وخفيّها وجليّها، ودانيها وقاصيها، وطائعها وعاصيها، تفويضا شرعيّا، تامّا مرضيّا، جامعا لأحكام الولاية جمعا يعمّ كلّ نطاق، ويسري حكمه في جميع الآفاق، ويدخل تحته سائر الأقاليم والأمصار على الإطلاق، لا يغيّر حكمه، ولا يمحى رسمه، ولا يطيش سهمه، ولا يأفل نجمه.
قبل المعهود إليه- أعلى الله مقامه- ذلك بمحضر من القضاة والحكّام، والعلماء الأعلام، ولزم حكمه وانبرم، وكتب في سجلّات الأفلاك وارتسم، وحملت رسائله مع برد السّحاب فطافت به على سائر الأمم، وهو- أبقاه الله- مع ما طبعت عليه طباعه السليمة، وجبلت عليه سجاياه الشريفة وأخلاقه الكريمة، قد تلقّى عن أمير المؤمنين من شريف الآداب ما غذّي به في مهده، وتلقّف منه من حسن الأدوات ما يرويه بالسّند عن أبيه وجدّه، مما انطبع في صفاء ذهنه الصّقيل وانتقش في فهمه، واختلط من حال طفوليّته بذمه ولحمه
وعظمه، حتّى صار طبعا ثانيا، وخلقا على ممرّ الزمان باقيا، واجتمع لديه الغريزيّ فكان أصلا ثابتا، وفرعا على ذلك الأصل القويّ نابتا، لكن أمير المؤمنين يوصيه تبرّكا، ويشرح له ما يكون به- إن شاء الله- متمسّكا، والمرء إلى الأمر بالخير مندوب، ووصيّة الرجل لبنيه مطلوبة فقد قال تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ
«1» .
فعليك بمراقبة الله تعالى فمن راقب الله نجا، و [اجعل] التّقوى رأس مالك، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً
«2» والجأ إلى الحق فقد فاز من إلى الحق لجا، وكتاب الله هو الحبل المتين، والكتاب المبين، والمنهج القويم، والسبيل الواضح والصّراط المستقيم، فتمسّك منه بالعروة الوثقى، واسلك طريقته المثلى واهتد بهديه فلا تضلّ ولا تشقى، وسنّة نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم عليك بالاقتداء بأفعالها الواضحة، والإصغاء لآثار أقوالها الشارحة، عالما بأنّ الكتاب والسنة أخوان لا يفترقان، ومتلازمان بحبل التباين لا يعتلقان، والبلاد والرّعايا فحطهما بنظرك ما استطعت، وتثبّت في كل قطع ووصل فأنت مسؤول عن كل ما وصلت وقطعت، والآل والعترة النبويّة ففهما «3» حقّ القرابة منك ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أشرقت به، واعلم أنك إذا أكرمت أحدا منهم فإنما أكرمته بسببه، واتّبع في السّيرة سيرة آبائك الخلفاء الراشدين لا تزغ عنها، ولا تعمل إلّا بها وبما هو- إن استطعت- خير منها، واقف في المعروف آثارهم المقدّسة لتحوي من المآثر ما حووا، واحذ حذوهم في طريقهم المباركة وابن المجد كما بنوا، وأحي من العمل سنّة سلفك المصطفين الأخيار، واحرص أن تكون من الأئمة الذين يظلّهم الله تحت عرشه، يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
«4» . وأسلف خيرا تذكر به على ممرّ