الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإن أجاب بنى الجواب على وقوع رغبة المختطب أحسن مواقعها، وابتهاج المختطب بها، ومعرفته بقدر ما رآه أهلا له ومسارعته إليه، وإن اعتلّ بنى الجواب على أنه قد عرض له ما يقصر عنه، ولا ترضى نفسه به، وأنّ العذر [ليس] بعادة له في المزايلة، وطريقة في الانفراد والمجانبة.
النوع الثامن (في خطبة النّساء)
قال في «موادّ البيان» : الرّقاع في التماس الصّهر والمواصلة يجب أن تكون مبنيّة على وصف المخطوب إليه بما يقتضي الرّغبة، ويدل الخاطب عن نفسه بما يؤدّي إلى الكفاية والإسعاف بالطّلبة.
قال: وينبغي للكاتب أن يودعها من ألفاظ المعاني المنتظمة في هذا الباب أوقعها في النّفوس، وأعودها بتقريب المرام، وأدلّها على صدق القول فيما تكفّله من حسن معاشرة، ولين معاملة، وأن يذهب بها إلى الاختصار والإيجاز.
وهذه نسخ من ذلك:
مما أورده أبو الحسين بن «1» سعد في ترسّله:
وأفضل تلك المواهب موقعا وألطفها وأحمدها عاقبة، وأرهنها يدا، ما يؤلّف الله به القربات، ويؤكّد به الحرمات، ويوجب به الصّلات، ويجدّد به المكرمات، ويحدث به الأنساب، ويقوّي به الأسباب، ويكثّر به من القلّة، ويجمع به من الفرقة، ويؤنس به من الوحشة، ويزداد به في الحقوق وجوبا، وفي المودّات ثبوتا، ثم لا مثل لما كان لله طاعة ورضاء، وبأمره أخذا واقتداء،
وبكتابه قدوة واحتذاء، فالله نسأل الخيرة في قضائه، والبركة فيما يقوم «1» بناؤك عليه.
ومنه: تصل رحما، وتعقد سببا، وتحدث نسبا، وتجدّد وصلة، وتؤكّد ألفة.
رقعة: من خصّه الله تعالى بما خصّ به سيّدي، من طهارة الأعراق والأنساب، وشرف الأخلاق والآداب، وأفرده باجتماع خلال الخير المتفرّقة في الأنام، وعطّر بثنائه ملابس الأيّام، رغب الأحرار في مواصلته، وهان عليهم بذل الوجه في اختطاب ممازجته، والتماس مواشجته ومناسبته، وجدير من رغب إليه، وطلب ما لديه، واختير للمشابكة في الولد واللّحمه، والمشاركة في المال والنّعمة- أن يجيب ولا يمنع، ويصل ولا يقطع، مصدّقا لأمل من أفرده بارتياده، وتوحّده باعتماده، عارفا حقّ ابتدائه بالثّقة الّتي لا يجوز ردّ من اعتقدها، ولا صدّ من حسّن ظنّها، وقد علم الله تعالى أن [مضى] للمملوك مدّة طويلة [وهو يبحث] متطلّبا مربعا للتأهّل، مؤثرا لعمارة المنزل، راغبا في سكن تطمئنّ النفس إليه، وتعتمد في الفواتح والمصاير عليه، وكلّما عرض للمملوك بيت أباه، أو ذكر له جناب قطع عنه رجاه، لعدم بعض الشروط الّتي يريدها فيه، وتعذّرها عليه، فلما قرع سمعه ذكر سيدي علم أنّه الغاية الّتي لا مرقى بعدها، والنهاية الّتي لا مطمح وراءها، وأنه قد ظفر بالثّقة، ووصل إلى الأمنيّة، ووجد من يجمع الخلال المرضيّة ويزيد، ويحوز من الفضل الشأو البعيد، وكتب المملوك هذه الرقعة خاطبا كريمته فلانة [ليكون لها] كالغمد الضامن للمهنّد، والجلد الحافظ للمجلّد، ويكون لمولانا كالولد البرّ بأبيه، ولأخيها كالصّنو الشفيق على أخيه، فإن رأى سيدي أن يتدبّر ما كتبه المملوك ويتسمّع من توكيد رقعته، ويجيبه إلى ما سأله فله علوّ الرأي في ذلك إن شاء الله تعالى.
رقعة: وينهي أنّ مولانا بما تمّم الله من محاسنه ومناقبه، جدير أن يلقى من خطب الاعتصام بعرى ممازجته، وسعى في نيل علقه من مواشجته، بالقبول، القاضي بنيل المأمول، ودرك الرّغب والسّول، ولا سيّما إذا كان عارفا من سموّ خطره، واعتلاء قدره، ما يقضي عليه بخفض الجناح في معاشرته، وغضّ الطّرف في معاملته، والوقوف دون درجة المساواة والمماثلة، والتزحزح عن رتبة المباراة والمطاولة، والانتظام في سلك الأتباع والحاشية، والخدّام والغاشية، وكثيرا ما وجد المملوك البركة في مشاركة من هذه صفته أوفر منها في مشاركة النّظراء، وكانت العاقبة في مشابكة من هذه حاله أجمل منها في مشابكة الأكفاء، الذين يصادفون في الحقوق شططا، ولا يغضّون عن يسير الواجبات تبسّطا؛ لأنهم يرون أنّ الوصلة ممّن داناهم في الرّتبة والمنزلة ليست عائدة عليهم بشرف، ولا مظهرة لهم من خمول؛ ولأن يستخلص مثل سيّدي من الرّؤساء، مثل المملوك من الأولياء، ويختصّه بأثرة الاجتباء والاصطفاء، فيكون مفخره إليه منسوبا، وما يرقّيه الله تعالى إليه ببركته من درج الفضل في نفسه محسوبا، أولى من طلب مماثل يناويء بقدره ويطاول. على أنه لو طلب ذلك لطلب معوزا، ورام معجزا؛ لما أفرده الله تعالى به من السّيادة الّتي لا يترامى إلى منزلتها، ولا يتسامى إلى مطاولتها، وإذا كان النظير معدوما، والكفؤ مفقودا، ولو وجد لمال متسلّطا، ووقع سومه «1» منبسطا، ومولانا يطلب إليه ولا يطلب، ويرغب فيما عنده ولا يرغب، فقد سهلت السبيل إلى ما يرومه المملوك من جهته، ويؤثره من مواصلته، واتّسع المجال فيما يقدم عليه من الرّغبة في تقليده شرف مصاهرته، وإضافته بذلك إلى بطانته وأهل خاصّته، ويخرجه على ما يخرج عليه الوالد ولده، والسيّد عبده، وقد حمّل المملوك موصّل مطالعته هذه ما لم تسع إيداعه
المكاتبة، فإن رأى مولانا أن يصغي إليه ويجيب عبده بما يعتمده المملوك في ذلك فله الفضل، إن شاء الله تعالى.
رقعة: وينهي أن لذوي المناجب الطيّبة الأنساب، والمناحت الزّكية الأحساب، والأخلاق الكريمة والآداب، بين الأنام لسان صدق يخطب لهم بالمحاسن والمحامد، ويعطّر بثنائهم الصادر والوارد، ويدعو القلوب إلى نيل علقه من ممازجتهم، والتمسّك بطرف من مواصلتهم، وقد جمع الله لمولانا من كريم المتلد «1» والمطرف، وقديم وحديث الفضل والشّرف، ما تفرّق في السّيادات، وتوزّع على أهل الرياسات، وجعله في طهارة المولد، وطيبة المحتد «2» ، واستكمال المآثر، واستتمام المفاخر، علما ظاهرا، ونجما زاهرا، فما من رئيس سوى مولانا تعجزه خلّة من خلال الرياسة إلّا وجدها لديه، ولا نفيس تعوزه خصلة من خصال النّفاسة إلّا استماحها من يديه، ولذلك امتدّت الأعناق إلى التمسّك بحبله، وتطلّعت الهمم إلى مواشجته في كريم أصله، وصار مرغوبا إليه لا راغبا، ومطلوبا لديه لا طالبا، وهو جدير بما وهبه الله من هذا الفضل الذّائع، والنّبل الشائع، أن يجيب سائله، ويصدّق آمله، ولا يتجهّم في وجه قاصده، ولا يردّه عن مقصده، ولا سيّما إذا كان قد أسلفه الظنّ الجميل، وبدأه بالثّقة والتأميل، وتعذّر عليه قدر العارف بقدره، العالم بخطره، المرتضي بشرائطه، النازل على حكمه، المتدبّر برأيه، وقد علم الله تعالى أنّ المملوك مذ نشأ وصلح للتأهّل مرغوب فيه، مخطوب إليه، من عدّة جهات جليلة، وجنبات رئيسة، والمملوك صادّ عن الإجابة، صارف عن المطاوعة؛ لشذوذ بعض الشّروط الّتي يروم أن تكون مجتمعة في النّسب، الذي أعدّه شريكا في الولد والنّشب «3» ، ومفاوضا في الحال والسّبب، مرتاد من يقنع
بالموافقة، ويرتضي بالعشرة والمرافقة، حتّى أفضى في الانتقاد إلى مولانا فوجد المراد على اشتراط، وألفى المقصود على اشتطاط، فدعاه ذلك إلى التهجّم بعد الإحجام، وحمله على التجاسر والإقدام، والتوسّل إلى مولانا بما يتوسّل به الأحرار، إلى الأخيار، وأمّه بصادق الرغبة وصميم المحبة والانبساط، في خطبة كريمته فلانة، على أن يعاشرها بغاية الأنس، ويصحبها صحبة الجسد للنّفس، ويعرف لها من قدر أبوّتها وأمومتها ما تستحقّ برياستها، وقد أصدر هذه الرقعة نائبة عنه في ذلك، فإن رأى مولانا أن يتحفه بالقبول، ويجعله أهلا لإجابة السّول، فله الفضل في ذلك، إن شاء الله تعالى.
ومن النادر الغريب ما ذكره الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي في «حسن التوسّل» في الكتابة إلى شخص في تزويج أمه، وهو:
هذه المكاتبة إلى فلان- جعله الله ممن يؤثر دينه على الهوى، وينوي بأفعاله الوقوف مع أحكام الله تعالى فإنما لكلّ امريء ما نوى، ويعلم أنّ الخير والخيرة فيما يسّره الله من سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنّ الشّرّ والمكروه فيما طوى، نعرّض له بأمر لا حرج عليه في الإجابة إليه، ولا خلل يلحقه به في المروءة وهل أخلّ بالمروءة من فعل ما حضّ الشرع المطهّر عليه؟ وأظهر الناس مروءة من أبلغ النفس في مصالح حرمه عذرها، ووفّى من حقوق أخصّهنّ ببرّه كلّ ما علم أنّ فيه برّها، وإذا كانت المرأة عورة، فإنّ كمال صونها فيما جعل الله فيه سترها، وصلاح حالها فيما أصلح الله به في الحياة أمرها، وإذا كانت النساء شقائق الرجال في باطن أمر البشريّة وظاهره، وكان الأولى تعجيل أسباب العصمة فلا فرق بين أوّل [وقت]«1» الاحتياج [إلى ذلك]«2» وآخره، وما جدع الحلال أنف الغيرة إلّا ليزول شمم الحميّة، وتنزل على حكم الله فيما شرع لعباده النّفوس الأبيّة، ويعلم أنّ الفضل في الانقياد لأمر الله لا في اتّباع الهوى بعضل الوليّة، وإذا كان برّ الوالدة أتمّ، وحقّها أعمّ، والنظر في صلاح حالها أهمّ،
تعيّنت الإجابة إلى ما يصلح به حالها، ويسكن إليه بالها، ويتوفّر به مالها، ويعمر به فناؤها، ويحصل به عن تقلّد المنن استغناؤها، وتحمل به كلفة خدمها عنها، وتدفع به ضرورات لا بدّ لذوات الحجاب والحجال منها، ويصفو به ستر الإحصان والحصانة عليها، ويظهر به سرّ ما أوجبه الله لها من تتبّع مواقع الإحسان إليها.
وقد تقدّم من سادات السّلف من تولّى ذلك لوالدته بنفسه، واعتدّه من أسباب برّ يومه الذي قابل به ما أسلفته إليه في أمسه، علما منهم أنّ استكمال البرّ مما يعلي قدر المرء ويغلي، وقد أجاب زيد «1» بن زيد العابدين هشاما لمّا سأله: لم زوّجت أمّك بعد أبيك؟ فقال: لتبشّر بآخر مثلي، لا سيّما والراغب [إلى المولى]«2» في ذلك ممن يرغب في قربه، ويغبط على ما لديه من نعم ربّه، ويعظّم لاجتماع دنياه ودينه، ويكرم ليمن نقيبته وجود يمينه، ويعلم أنّ العقيلة تحلّ منه في أمنع حرم، وتستظلّ من ذراه بأضفى ستور الكرم، مع ارتفاع حسبه، واشتهار نسبه، وعلوّ قدره في منصبه وحاله وسببه، وأنه ممن يحسن أن يحلّ من المولى محلّ والده، وأن يتجمّل من ذرّيته بمن يكون في الملمّات بنانا ليده وعضدا لساعده، فإنّ المرء كثير بأخيه، وإذا أطلق عليه بحكم المجاز لفظ العمومة، فإن عمّ الرجل صنو أبيه، وأنا أتوقّع من المولى الجواب بما يجمع شمل التّقى، ويعلم به أنه تخيّر من البرّ أفضل ما ينتقى، ويتحقّق بفعله