الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لك وعده كما أنجزه لمن جعلهم أئمة لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، والله سبحانه يهدي إليك تحية من عنده مباركة طيّبة، ويسدي إلى مقام شرفك سحابة رحمة غدقة صيّبة، ويجعل ما رآه أمير المؤمنين من ولايتك عهده، وكفالتك للأمّة بعده، للمسرّات ناظما، وللمساءات حاسما، وللبركات جامعا، وللباطل خافضا وللحق رافعا. وأمر أمير المؤمنين أن يعيّن على رجال من أولياء دولته، ووجوه شيعته، وأنصار سريّته، عدّة يكون إليك اعتزاؤها وبك اعتزازها، وببابك العالي إقامتها وإلى جنابك انحيازها، فتكون موسومة بالعبوديّة، ومتعرّضة بالولاء للسعادة الأبديّة، فتمتثل «1» على ما تمثّله من المراسم، وتتصرّف على ما تصرّفها عليه من العزائم، وتكون أبدا لما ينفذ عنك من أحكام الهبات والمكارم، وتقوم من ملازمة الخدمة في مواكبك بما هو لكل خادم فرض لازم، وتسارع في مطالبك إلى ما يسارع إليه الحازم، وتجود يا سماء الإنعام بالغدق الساجم.
وتقدّر لها من الواجبات والزّيادات ما تقتضيه همم المكارم، تبذل في الخدمة الاجتهاد، وتنافس فيما تستمدّ [به] الحظوة بحضرته والإحماد، وعرّضها من الإحسان الجمّ للازدياد، وبلّغها المراد بما تبلغ بها من المراد، لتتشرّف بأن تكون تحت ركابه العالي متصرّفة، وتفتخر بأن تكون أنسابها باسمه العالي متشرّفة، إن شاء الله تعالى.
المذهب الثالث (أن يفتتح العهد بعد البسملة بخطبة مفتتحة ب «الحمد لله» ثم يأتي بالبعديّة
ويأتي بما يناسب الحال على نحو ما تقدّم، وعليه عمل أهل زماننا مع الاقتصار على تحميدة واحدة، والاختصار في القول) وهذه نسخة أوردها عليّ «2» بن خلف من إنشائه في كتابه «موادّ البيان» لترتيب الكتابة في زمن الفاطميين، وهي:
الحمد لله معزّ دينه بخلفائه الراشدين، ومرتّب حقّه بأوليائه الهادين، الذي اختار دين الإسلام لصفوته من بريّته، وخصّ به من استخلصه من أهل طاعته، وجعله حبله المتين، ودينه الذي أظهره على كلّ دين، وسبيله الأفسح، وطريقه الأوضح، وابتعث به نبيّه محمدا صلّى الله عليه فصدع بأمره، وأعلن بذكره، والناس في فترة الضّلالة، وغمرة الجهالة، فلما أنجز في نصرة حقّه، وتأييده لسعداء خلقه [قبضه]«1» إليه محمود الأثر، طيّب الخبر [وقام]«2» بخلافته، من انتخبه من طهره عترته، وأودعهم حكمته، وكفّلهم شريعته، فاقتفوا سبيله، واتبعوا دليله، كلّما قبض منهم سلفا إلى مقرّ مجده، اصطفى خلفا للإمامة من بعده.
يحمده أمير المؤمنين أن أفضى إليه بتراث الإمامة والرّسالة، وهدى به كما هدى بجدّه من الزّيغ والضّلالة، واختصّه بميراث النّبوّة والخلافة، ونصبه رحمة للكافة، وأتمّ نعمته [عليه] كما أتمّها على آبائه، وأجزل حظّه من حسن بلائه، وأعانه على ما استرعاه، ووفّقه فيما ولّاه، وأنهضه بإعزاز الملّة، وإكرام الأمّة، وإماتة البدع، وإبطال المذهب المخترع، وإحياء السّنن، والاستقامة على لاحب السّنن، ووهبه من بنيه وذريّته مؤازرين على ما حمّله من أعباء خلافته، ومظاهرين على ما كلّفه من إمعان النظر في بريّته.
ويسأله الصلاة على محمد خاتم أنبيائه، والخيرة من خلصائه، الذي شرّفه بختام رسله، وإقرار نيابته في أهله، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه وباب حكمته، عليّ بن أبي طالب وصيّه في أمّته، وعلى الأئمة الطّهرة من ذرّيّته، مناهج رحمته، وسرج هدايته، وسلّم تسليما.
وإنّ الله تعالى جعل الخلافة للكافّة عصمة، ولأهل الإيمان رحمة، تجمع كلمتهم، وتحفظ ألفتهم، وتصلح عامّتهم، وتقيم فرائضه وسننه فيهم،
وتمدّ رواق العدل والأمنة عليهم، وتحسم أسباب الكفر والنّفاق، وتقمع أهل العناد والشّقاق، ولذلك وصل الله حبل الإمامة، وجعلها كلمة باقية في عقب أوليائه إلى يوم القيامة.
ولما نظر أمير المؤمنين بعين اليقين، واقتبس من الحقيقة قبس [الحق] المبين، عرف ما بنيت عليه الدنيا من سرعة الزّوال، ووشك التحوّل والانتقال، وأنّ ما فوّض الله إليه من خلافته لا بدّ أن ينتقل عنه إلى أبنائه الميامين، كما انتقل إليه عن آبائه الراشدين، فلم يغترّ بمواعيدها المحال، وأضرب عمّا تخدع به من الأمانيّ والآمال، وأشفق على من كفّله الله بسياسته، وحمّله رعايته من أهل الإسلام المعتصمين بحبل دعوته، المشتملين بظلّ بيعته، عند تقضّي مدّته ونزوعه إلى آخرته، في الوقت المعلوم، بالأجل المحتوم، من انتشار الكلمة، وانبتات العصمة، وانشقاق العصا، وإراقة الدّما، واستيلاء الفتن، وتعطيل الفروض والسّنن، فنظر لهم بما ينظم شملهم، ويصل حبلهم، ويزجر ظلمتهم، ويجمع كلمتهم، ويؤلّف أفئدتهم، ورأى أن يعهد إلى فلان ولده؛ لأنه قريعه في علمه وفضله، وعقيبه في إنصافه وعدله، والملموح من بعده، والمرجوّ ليومه وغده، ولما جمع الله له من شروط الإمامة، وكمّله له من أدوات الخلافة، وجبله عليه من الرّحمة والرّافة، وخصّه به من الرّصانة والرّجاحة، والشّجاعة والسّماحة، وآتاه من فصل الخطاب، وجوامع الصّواب ومحاسن الآداب، ووقاية الدّين، والغلظة على الظالمين، واللّطف بالمؤمنين، بعد أن قدّم استخارة الله تعالى فيه، وسأله توفيقه لما يرضيه، ووقف فكره على اختياره، ولم يكن باختياره مع إيثاره، ويلوح في شمائله، ويستوضح في مخايله، أنّه الوليّ المجتبى، والخليفة المصطفى، الذي يحمي الله به ذمار الحقّ، ويعلي بسلطانه شعار الصّدق، وأنه- سبحانه- قد أفضى إليه بما أفضى به إلى الخلفاء من قبله، وأفاض عليه من الكامنات ما أفاضه على أهله، وبعد أن عاقده وعاهده على مثل ما عاهده عليه آباؤه، من تقوى الله تعالى وطاعته، واستشعار خيفته ومراقبته والعمل بكتابه وسنّته، وإقامة
حدود الله الّتي حدّها، بفروضه الّتي وكّدها والاقتداء بسلفه الراشدين، في المكافحه عن الدّين، والمسامحة عن أوزار المسلمين، وبسط العدل على الرعيّة، والحكم بينهم بالسّويّة، وإنصاف المظلوم من الظّلوم، وكفّ يد المغتصب الغشوم، وصرف ولاة الجور عن أهل الإسلام، وتخيّر من ينظر بينهم في المظالم والأحكام، وأن لا يولّي عليهم إلّا من يثق بعدالته، ويسكن إلى دينه وأمانته، ولا يفسح لشريف في التعدّي على مشروف، ولا يقوى في التسلّط على مضعوف، وأن يحمل الناس في الحقوق على التّساوي، ويجريهم في دولته على التناصف والتّكافي، ويأمر حجّابه ونوّابه بإيصال الخاصّة والعامّة إليه، وتمكينهم من عرض حوائجهم ومظالمهم عليه ليعلموا: الولاة والعمّال، أنّ رعيته على ذكر منه وبال، فيتحاموا التثقيل عليهم والإضرار بهم. وأشهد عليه بكلّ ما شرطه وحدّده، والعمل بما يحمد إليه فيما تقلّده. على أنه غنيّ عن وصيّة وتبصير، وتنبيه وتذكير، إلّا أنّ محمدا سيد المرسلين يقول لعليّ صلّى الله عليهما «أرسل عاقلا إلّا فأوصه» «1» .
فبايعوا على بركة الله تعالى طائعين غير مكرهين، برغبة لا برهبة، وبإخلاص لا بمداهنة، بيعة رضا واختيار، وانقياد وإيثار، بصحّة من نيّاتكم، وسلامة من صدوركم، وصفاء من عقائدكم، ووفاء واستقامة فيما تضعون عليه أيمانكم، ليعرّفكم الله [من] سبوغ النّعمة، وشمول الحبرة، وحسن العاقبة، واتفاق الكلمة، ما يقرّ نواظركم، ويبرّد ضمائركم، ويذهب غلّ صدوركم ويعزّ جانبكم، ويذلّ مجانبكم، فاعلموا هذا واعملوا به إن شاء الله.
وقد يغني هذا الكتاب الذي ذكرناه مغنى العهد، فلا يحتاج إلى عهد.
وعلى ذلك كتب عن الإمام المستكفي «2» بالله أبي الربيع سليمان بن
الحاكم «1» بأمر الله أحمد، عهد ولده المستوثق «2» بالله «بركة» بالخلافة بعده.
وهذه نسخته:
الحمد لله الذي أيّد الخلافة العبّاسيّة بأجلّ والد وأبرّ ولد، وجعلها كلمة باقية في عقبه والسّند كالسّند، وآواهم من أمرهم إلى الكهف فالكهف وإن تناهى العدد، وزان عطفها بسؤدد سواد شعارهم المسجّلة أنوارهم ولا شكّ أن النّور في السّواد، وعدق «3» بصولتهم النبويّ معجزها كلّ منادّ.
نحمده على ما منّ به من تمام النّعمة فيهم، ونزول الرحمة بتوافيهم، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة محضة الإخلاص، كافلا محضها بالفكاك من أسر الشّرك والخلاص، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المبعوث بما أوضح سبل الرّشاد، وقمع أهل العناد، والشفيع المشفّع يوم التّناد، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا انقضاء لها ولا نفاد، وسلّم تسليما كثيرا.