الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وينهي ورود مشرّفة مولانا القديم فضلها، الكريم وصلها وأصلها، فوقف المملوك عليها، وأصغى بجملته إليها، وعلم ما رسم به مولانا، وأشار إليه تبيانا، وكذلك بلّغه مملوكه الولد فلان المشافهة الكريمة فحبّذا من صاحب السّرّ إسرارا وإعلانا، وشكر لهما مشرّفة ومشافهة أوردا الإحسان مثنى مثنى، وسرّا سمعه المملوك لفظا واستهداه معنى، فما مننهما في الإحسان إلّا زائدة، ولا في الصّلات إلّا عائدة، لا جرم «1» أنّ المملوك أقبل على قبيلهما بسمعه وناظره، وقلبه وخاطره، وجملته وسائره، وامتثل الإشارة العالية الّتي من حقّها أن تقدّم على كلّ مهمّ يرد عليه، وأمر يتوجّه إليه، ويد الزمان مشكورة يأخذها منه بكلتا يديه، وعيّن المملوك لوقته الإقطاع المطلوب، وتقدّم بكتابة مربّعته حسب ما رسم من تجري السعادة من سطره تحت مكتوب، وجهّزها قرين هذه الخدمة ومن ذا يقارن سبق ذلك البرّ المديد، وكيف توازي المربّعة كتابا هو بالإحسان للعنق تقليد؟ لا برحت مراسم مولانا معدودة من رسوم نعمه، ومشرّفاته محسوبة من تشريفاته الّتي يخلعها على أبناء محبّيه وخدمه.
النوع الثاني عشر (في الشكر)
قال في «موادّ البيان» : رقاع الشكر يجب أن تكون مودعة من الاعتراف بأقدار المواهب، وكفاية الاستقلال بحقوق النعم، والاضطلاع بحمل الأيادي، والنّهوض بأعباء الصنائع، ما يشحذ الهمم في الزيادة منها، ويوثّق المصطنع بإفاضة الصّنع، ويعرب عن كريم سجيّة المحسن إليه.
قال: وينبغي للكاتب أن يفتنّ فيها، ويقرّب معانيها، وينتحل لها من ألفاظ الشكر أنوطها بالقلوب، لتستيقن نفس المتفضّل أنه قد اجتنى ثمرة تفضّله، وحصل من الشكر على أضعاف ما بذله من ماله أو جاهه، إلّا أنه ينبغي
أنها إذا كانت صادرة من الأتباع إلى رؤسائهم، ومن يرجع إلى اختصاص وأثرة، أن لا تبنى على الإغراق في الشكر؛ لأن الإغراق في الشكر يحمل هذه الطبقة على التملّق الذي لا يليق إلّا بالأباعد الذين يقصدون الدّلالة على استقلالهم بحقوق ما أسدي إليهم، فأما من ضفا عليه من النعم ما يدفع الشكّ في اعترافه بالذّلّ لديه، فإنه يغنى عن المبالغة في الشكر والاعتداد. ثم قال:
وإنما يجب أن يذهب فيما يكتب عن هؤلاء من هذا الفنّ مذهب الاختصار، والإتيان بالألفاظ الوجيزة الجامعة لمعاني الشكر، دون مذهب الغلوّ والإفراط، وذو الطبع السليم، والفكر المستقيم، يكتفي بيسير التمثيل.
وهذه نسخ من ذلك:
أبو الفرج «1» الببغاء، في شكر تابع لمتبوع:
أنا في شكره- أيده الله- مبرهن عن مواقع إحسانه إليّ، وتظاهر إنعامه عليّ، لا مقدّر أنّي مع المبالغة والإسهاب، والإطالة والإطناب، أجازي عفو تفضّله، ولا أجامل أيسر تطوّله، وقد وسمني أيده الله من شرف اصطناعه، بما بوّأني به أرفع منازل خدمه وأتباعه، وإلى الله أرغب في توفيقي من مقابلة ذلك بالاجتهاد في خدمته، والمبالغة في طاعته- لما أكون به للمزيد مستوجبا، وللحظوة مستحقّا.
وله في شكر قريب:
فرّض الشكر- أعزّك الله- لا يسقط بقرب الأنساب، ولذلك لا أستجيز إغفال الواجب عليّ منه، ولا أجد عدولا في التسامح فيه والإضراب عنه، وإن كنت غنيّا عن الإفاضة فيما أعتقده من ذلك وأضمره، وأبديه وأظهره، بالمتعالم من خلوص النية وصحة الاعتقاد، فلا أخلاك [الله] من جميل تسديه، وتفضّل توليه، يمتري لك المزيد من سوابغ النّعم وفوائد الشكر.
وله: قد استنفد مادّة شكري، ووسع اعتدادي ونشري، تتابع تفضّلك، وتوالي تطوّلك، ولست أقدر على النّهوض بشكر منّة حتّى تطرقني منك منّة، ولا أحاول مجازاة نعمة حتّى تفد عليّ منك نعمة، فبأيّ عوارفك أعترف؟ أم بأيّ أياديك بالثّناء أنتصف؟ فقد فزعت إلى الإقرار بالعجز عمّا يلزم من فروضك، وواجبات حقوقك، وانصرفت إلى سؤال الله جلّ اسمه بإيزاعي شكر ما وهب منك، والتّجاوز للمكارم والفضل عنك.
وله: وقد شكرت برّك الجليل موقعه، اللطيف موضعه، الخفيف محمله، العذب منهله، وشافهتك من ذلك بما اتّسعت له القدرة لا ما تقتضيه حقوق المنّة.
وله: أنا في الشكر بين نعمة تنطقني، وعجز عما يجب لك يخرسني، ولست أفزع إلى غير تجاوزك، ولا أعتمد على غير مسامحتك، ولا أتطاول إلا بمكاني منك، ولا أفاخر إلّا بموقعي من إيثارك، فالحمد لله الذي جعلني بولائك مشهورا، وفي شكرك مقصورا.
علي «1» بن خلف:
رقعة: وينهي أنّ الله تعالى لمّا ألهم مولانا البرّ، ألهم المملوك الشّكر، فهو لا يزال يوسع في البرّ ويزيد، والمملوك لا يزال يبدي في الشكر ويعيد، ولكن شتّان بين فاعل وقائل، ومعط وقابل، وواهب وسائل، ورافد وحامد، وشاكر وشاكد «2» ، والمملوك يحمد الله تعالى إذ جعل يده الطّولى، وحظّه الأعلى.
رقعة: وصل برّ مولانا وقد أحالت الخلّة من المملوك حاله، وأمالت آماله،
فلأمت ما صدعه الدهر من مروته، وجدّدت ما أخلقه من فروته، فكفّ المملوك يديه [عن] امتحان الخلّان، وقبض لسانه عن شكاية الزّمان، وأقرّ ماء وجهه في قرارته، وحفظ على جاهه لباس وجاهته، فيا له من برّ وقع من الفقر، موقع القطر من القفر، ولم يتقدّمه من قدامة الوعد، ما يتقدّم القطر من جهامة الرّعد، وكلّ معروف وإن فاضت ينابيعه، وطالت فروعه، قاصر عن الأمل في كرمه، واقع دون غايات هممه، كما أنّ الشكر ولو واكب النّجم، وساكب السّجم «1» ، قاصر عن مكافاة تفضّله، ومجازاة تطوّله، والمملوك يسأل الله تعالى الذي جعله قدوة الكرام، وحسنة الأيّام، وربّ الإنعام، وواحد الأنام، أن يلهم المملوك من حمده، بقدر ما أسبغه عليه من رفده.
رقعة شكر: عند المملوك لسيّدي أياد وصلت سابقة هواديها، وظلّت لا حقة تواليها، فصارت صدورها نسبا أعتزي إليه، وأعجازها [سببا أعوّل في الملمّات عليه] .
رقعة: لولا أنّ الله تعالى جعل الشّكر ثمرة البرّ، والحمد جزاء الرّفد، وأراد إقرارهما على أهلهما من الغابرين، وأن يجعل لهم منّا لسان صدق في الآخرين، لكان الذي غمر به مولانا من الإنعام، يتحدّث عنه تحدّث الرّياح بآثار الغمام، ويكفى المملوك بالإشارة، مؤونة العبارة، والمملوك وإن رام تأدية ما يلزمه من شكره، قاصر عن غاية برّه، ولو استخدم ألسنة الأقلام، واستغرق أمدي النّثار والنّظام، ومولانا جدير بقبول اليسير، الذي لا تمكن الزّيادة عليه، والصّفح عن التقصير، الذي تقود الضرورة إليه، إن شاء الله تعالى.
رقعة: لو أنّ هذه العارفة بكر عوارفه، وباكورة لطائفه، لعجزت عن شكرها، وقصّرت عن نشرها، فكيف وقد سبقها قرائن ونظائر، وتقدّمها أتراب وضرائر [مما] أثقل من المملوك كاهله، وبسط به يدي أمله؟ فما يعدم شيئا
فيرجّيه، ولا يفقده فيرغب فيه، والذي تربّه من المملوك جوارحه، وتحويه جوانحه، علمه بأنه لا يجاري أياديه، ولا يجازي مساعيه، والله تعالى يخصّه من الفضائل، بمثل ما تبرّع به من الفواضل.
رقعة: ومثل مولانا من [ذوي الشّرف «1» ] والسّودد من حسن محضره، وطاب محبره، وكرم غيبه ومشهده، وصحّ على تغاير الأحوال عقده وودّه، وقد اتّصل بالمملوك ما أعاره له مولانا من أوصافه، وجرى فيه على عادة فضله وإنصافه، فطفق لفضله شاكرا، ولطوله ناشرا، وأضاف ذلك إلى توالد إحسانه، ونظمه في عقد امتنانه.
رقعة: قد طوّق مولانا [مملوكه] من فضله طوقا كأطواق الحمائم لا ينزع، وألبسه بردا من برّه لا يخلع، وأولاه من مزيده ما قصّرت الهمّة عن تمنّيه، ولم تهتد القريحة إليه فتستدعيه، ولو وجد المملوك جزاء على عارفته، وكفاء لمثوبته، غير الموالاة الصّريحة، وعقد الضمائر على المودّة الصحيحة، واللهج بالشّكر، في السّر والجهر، لرمى من وراء عنايته، ولا استبعد طول شقّته، ولكن المملوك عادم لما يقابل به يده الغرّاء، عاجز عمّا يقضي به حقّ موهبته الزّهراء، ما لم يحسن كرمه أمره، ويقبل منه على التقصير شكره، ويضف ذلك إلى لطائفه، وينظمه في سلك عوارفه، إن شاء الله تعالى.
رقعة: واجتهاد المملوك في نشر أياديه وشكرها، كاجتهاد مولانا في كتمانها وسترها، فكلّما أبديتها بالثّناء أخفاها، أو نشرتها بالإشادة طواها، وهيهات أن يخفى عرف كعرف المسك نشرا، ومنّ كالروضة نورا والغزالة نورا، ولو كان المملوك والعياذ بالله ستر هذا العرف بكفر، واغتمصه مانعا لشكر، لنمّ عليه حسنه نموم الصّباح، وتوقّد توقّد المصباح، فكيف وللمملوك مقول لا يسامى [يعجم سواد]«2» الليالي بالإحماد، ويرقم صفحات النهار بالاعتداد؟
الأجوبة عن رقاع الشكر قال في «موادّ البيان» : [إن كانت] هذه الرّقاع من المرؤوسين إلى الرّؤساء فلا جواب لها، وإن كانت من النّظير فالواجب أن يستعمل في أجوبتها مندوب التناصف والتفاوض.
جواب عن فعل المعروف والشكر عليه من كلام المتأخرين من ذلك، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة، وهو بعد الصدر:
خلّد الله على الممالك نعمه، وعلى المماليك ديمه، وحرّم ببقائه ذمّ الزمان وأوجب ذممه، ولا برح نحو المحامد ينادي يوم الكرم مفرده ويوم الهياج علمه، تقبيلا يسحب في الفخار بروده المعلمة، ويتذكّر بالقرب فلا يزال الشوق ينتجه حيث كلا التّذكار والعهد مقدّمه.
وينهي ورود المثال العالي بما ملأ القلب خيرا واليد برّا، والسمع بشارة والوجه بشرا، حتّى تنافست الأعضاء على تقبيله، والجوارح على تأميله، فاليد تسابق إلى مننه بالامتداد، والقلب يسابق إلى كرم عهده بالاعتداد، والوجه يقلّب ناظره في سماء مواقع القلم، والسمع ينعم بما تقصّ عليه المسارّ من أخبار جيرة العلم، حتّى كاد المملوك يمحو بالتقبيل أسطره، ويشتغل بذلك عن استجلاء ما ذكره المنعم لا عدم المملوك في مصر والشام تكرّره، وفهم ما أشار مولانا إليه من الفضل الذي مولانا أهله، وكرم العهد الذي لا ينكر من مثله وأين مثله؟
وقابل المملوك جميع ذلك بجهده من الأدعية الصالحة، وبسماحة الحمد المتفاوحة، والاعتداد بنعمة مولانا الّتي لولا [موالاتها «1» ] كلّ وقت لقيل فيها «ما أشبه الليلة بالبارحة» وتضاعف نهوض المملوك على قدم الموالاة الّتي [يستشهد] في دعواها بشهادة الخاطر الشريف، ويتقدّم بها تقدّما تحت لواء